الجزائر تُسيطر على ألسنة النيران وتعلن ملاحقة شبهة «الفعل الإجرامي»

بعد ليلة عصيبة بمدن الشرق شهدت حرائق غير مسبوقة

حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)
حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)
TT

الجزائر تُسيطر على ألسنة النيران وتعلن ملاحقة شبهة «الفعل الإجرامي»

حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)
حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

بينما تمكنت فرق الحماية المدنية الجزائرية، فجر الأربعاء، من إخماد حرائق هائلة بشرق البلاد، أعلن وزير الداخلية سعيد سعيود عن فتح تحقيقات لمعرفة خلفيات وأسباب النيران المستعرة، التي أودت بحياة ستة أشخاص، حسب حصيلة رسمية، ودفعت الآلاف إلى إخلاء بيوتهم بعد أن وصلت إليها ألسنة اللهب.

وتواجه الجزائر منذ بداية فصل الصيف موجة حرائق غير مسبوقة من حيث اتساع رقعتها الجغرافية، لامست «كارثة محققة» وفق تعبير رجال الإطفاء، ولا سيما في بلدية سرايدي الغابية بأعالي ولاية عنابة (600 كلم شمال شرقي العاصمة)، حيث سُجلت حالات اختناق كثيرة، وتفحمت آلاف الهكتارات من المساحات الخضراء بعدما تحولت إلى رماد.

حريق مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر (الحماية المدنية)

وخاض رجال الحماية المدنية ليلة الثلاثاء معركة كبيرة مع ألسنة اللهب، لم تتوقف حتى الساعات الأولى من الفجر، وسط ظروف معقدة فرضتها موجة الحر الشديد والرياح القوية، التي هبت على عدة مناطق، حيث سجلت درجات حرارة بلغت 55 درجة مئوية في مواقع الحرائق بولاية بجاية (250 كلم شرق). وكلما تم إخماد حريق بعد جهود مضنية، اشتعلت بؤر أخرى، مما وضع الجهاز الوطني لمكافحة الحرائق تحت ضغط هائل، وفق تعبير مسؤولين بالحماية المدنية.

وزيرا الداخلية والتضامن في مستشفى عنابة حيث تم نقل متضررين من الحرائق (وزارة الداخلية)

تشتت النيران يُعقد التدخلات

زاد تشتت بؤر النيران عبر نحو ثلاثين ولاية في الشمال الوضع تعقيداً، وحال دون تمكن وحدات الحماية المدنية من تقديم الدعم والمؤازرة للمناطق الأكثر تضرراً. وأمام هذا الازدياد الحاد في حرائق الغابات، تلمح السلطات والإعلام إلى احتمال أن تكون النيران ذات خلفية إجرامية أم لا.

وزار وزير الداخلية سعيد سعيود، ووزيرة التضامن الوطني صورية مولوجي، فندق «المنتزه» بعنابة للوقوف على ظروف إقامة كثير من المرضى الذين تم إخلاؤهم من مستشفى إعادة التأهيل الوظيفي بسرايدي، الذي يقع وسط الغابة المشتعلة. كما تفقدا ظروف التكفل بالعائلات التي جرى إجلاؤها وقائياً من عدة أحياء ومناطق ببلدية سرايدي، كانت مهددة بزحف ألسنة النيران؛ حيث وجهت هذه العائلات إلى «مركز تجمع رياضيي النخبة».

عناصر الإطفاء يصارعون حريق غابة سرايدي (الحماية المدنية)

وخلال هذه الزيارة أعلن وزير الداخلية، في تصريحات للصحافة، عن إجراءين رئيسيين: الأول يتمثل في تعهد الدولة بتعويض المتضررين من هذه الحرائق، مشيراً إلى تعرض 150 مسكناً للأضرار بفعل ألسنة النيران في سرايدي وحدها. أما الإعلان الثاني فتضمن «مواصلة التحقيقات الأمنية لتحديد الأسباب الدقيقة لاندلاع هذه النيران».

وأوضح الوزير أنه تم تسجيل 160 حريقاً منذ نهاية العطلة الأسبوعية الماضية في ولايات الشمال، مؤكداً أن «تحريات المصالح الأمنية مستمرة لتحديد ما إذا كانت هذه الحرائق ناتجة عن عمل إجرامي، أم بفعل عوامل طبيعية».

وفي أحدث البيانات الميدانية، سجلت الحماية المدنية خلال يوم الثلاثاء وحده 170 حريقاً عبر 19 ولاية، تمكن عناصر الإطفاء من إخماد 104 حرائق منها، فيما استمرت الجهود للسيطرة على 66 بؤرة أخرى. وبصورة إجمالية، بلغ عدد حرائق الغابات المسجلة في الجزائر منذ الثامن من يوليو (تموز) الحالي 1555 حريقاً.

خلل التسيير الحكومي

أثارت الحرائق ردود فعل في الأوساط السياسية، حيث ناشد رئيس حزب «حركة البناء الوطني» (غالبية رئاسية)، عبد القادر بن قرينة، في بيان الأربعاء، الأشخاص المقيمين بالقرب من الغابات التي اشتعلت الابتعاد عنها، و«تسهيل مهام الفرق الميدانية، مع الاستجابة التامة للتوجيهات التي تصدرها المصالح والسلطات الرسمية، والتأكد من استقاء المعلومات حصرياً من مصادرها الموثوقة والمؤسساتية؛ تفويتاً لفرصة الإرباك على الجهات التي تحاول دائماً استغلال مثل هذه الظروف العصيبة لأغراضها الدنيئة. كما ندعو إلى التحلي بأعلى درجات اليقظة والوعي الوطني».

وزير الداخلية مع مسؤولي الجيش في عنابة بشرق البلاد حيث وصلت النيران إلى أطراف المدينة (وزارة الداخلية)

ورغم أن بن قرينة لم يحدد تلك «الجهات» بالاسم، فإن كلامه يلمح إلى حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، سبق للسلطات أن وصفتها بـ«المجهولة»، مؤكدة أن «أصحابها ينشرون شائعات وأخباراً كاذبة عن الحرائق لإثارة التهويل».

وحول هذه الحرائق، كتب أحمد محيجيبة، الباحث الجزائري بمركز الأرصاد الجوية الكندي بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «تتراوح مساحة الغابات في الجزائر بين 2 و4 ملايين هكتار باختلاف معايير الإحصاء المعتمدة، وهي لا تتجاوز 1 في المائة من المساحة الإجمالية للبلاد، بالنظر إلى الطبيعة الصحراوية التي تغطي أكثر من 80 في المائة من الإقليم الوطني. ورغم تركز أغلب هذه المساحات الغابية في الشريط الشمالي، وقربها المباشر من شبكات الطرق والقرى والمجمعات السكنية، وهو ما يعقد عمليات الإخماد، فإن هذا الموقع يمنح أفضلية للكشف المبكر والتدخل السريع، والتخطيط الوقائي للحد من الخسائر».

سكان قرية بشرق الجزائر وصلت النيران إلى بيوتهم (حسابات ناشطين)

وأضاف محيجيبة موضحاً أن المشكلة ليست في أن الحرائق تندلع، «بل في أن الدولة لا تبدو وكأنها تبني، بعد كل أزمة، منظومة أكثر تطوراً من التي سبقتها... فبعد حرائق 2021 ماذا تغير جذرياً؟ وبعد 2022 ما الإصلاحات المؤسسية التي أُنجزت؟ وبعد حرائق 2023 هل صدرت تقارير تقييم مستقلة؟ وهل تحولت نتائجها إلى سياسات جديدة؟». وتابع مؤكداً أنه: «عندما تتكرر الكوارث بالطريقة نفسها، فهذا مؤشر على خلل في الحوكمة أكثر منه في الطبيعة».


مقالات ذات صلة

برلمان الجزائر يبحث موازنة ضخمة وسط تحفظات شديدة

شمال افريقيا الفريق الحكومي في المقدمة مع النواب خلال مناقشة الخطة المالية السنوية (البرلمان)

برلمان الجزائر يبحث موازنة ضخمة وسط تحفظات شديدة

بدأ النواب في الجزائر، منذ يوم الاثنين، مناقشة «مشروع قانون المالية لسنة 2027»، وسط تحفظات شديدة على النص، تتلخص في 5 مسائل حيوية...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر الشهر الماضي (الرئاسة الجزائرية)

من الانتشار العسكري إلى شحنات الوقود... الجزائر تعيد رسم حضورها في الساحل

شهدت التحركات الجزائرية باتجاه النيجر تطوراً لافتاً منذ مصادقة البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى البلد المجاور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

الجزائر تتهم باريس بـ«التنصل من مسؤوليتها الجنائية» عن التفجيرات النووية

تقول الحكومة عشية الانتخابات المحلية إنها فعّلت «الغربال الأمني، بهدف تنقية المشهد السياسي من رواسب الفساد التي خلّفها نظام الحكم السابق».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

عفو رئاسي في الجزائر يشمل أكثر من 5500 سجين

وقع الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم السبت، مرسوماً رئاسياً يتضمن العفو عن 5539 محبوساً، وذلك بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

تبون: إرسال الجيش الجزائري إلى النيجر يترجم الحرص على مصالحنا الحيوية

أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم السبت، أن قرار إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، يترجم حرص البلاد على مصالحها الحيوية و"البعد الاستباقي".

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

من «الكلاحة» إلى زغرودة الفوز... مصريون يحتفون بـ«عبدول» على طريقتهم

عبد الرحمن السيد يحيي مؤيدين له في ديترويت «رويترز»
عبد الرحمن السيد يحيي مؤيدين له في ديترويت «رويترز»
TT

من «الكلاحة» إلى زغرودة الفوز... مصريون يحتفون بـ«عبدول» على طريقتهم

عبد الرحمن السيد يحيي مؤيدين له في ديترويت «رويترز»
عبد الرحمن السيد يحيي مؤيدين له في ديترويت «رويترز»

وجد مصريون في فوز السياسي الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن السيد، مناسبة لإضفاء روح الدعابة على حدث انتخابي أميركي، وتحوّلت مقاطع الفيديو المتداولة له، إلى مادة للتعليقات الطريفة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تفاعل جمع بين الفخر بأصوله المصرية، والمزاح حول اسمه وطريقته في الحديث، وصولاً إلى استدعاء مفردات شعبية من بينها «الكلاحة».

واحتفى متابعون بفوز السيد، الذي اشتهر بـ«عبدول»، معتبرين أن وصول شخصية من أصول مصرية إلى موقع سياسي أميركي يستحق الاهتمام، فيما رأى آخرون أن ما لفت الأنظار لم يكن الفوز وحده، وإنما حضور ملامح من الشخصية المصرية في طريقة حديثه ومواجهاته السياسية، التي أعادت إلى أذهانهم أسلوب المشاحنات والمجادلات المصرية المألوفة.

واستحوذت أصوله «الإسكندرانية» على جانب كبير من التعليقات الساخرة، خصوصاً مع تداول مقطع فيديو يهاجم فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ علق أحد المتابعين: «وقع مع واحد إسكندراني»، فيما وصف آخرون حديثه بأنه «على الطريقة المصرية»، واعتبروا أن «إسكندرانياً انتصر على ترمب».

وامتدت السخرية والتفاعل على المنصات، وامتدت التعليقات الساخرة إلى خطاب الفوز نفسه، إذ كتب أحد مستخدمي منصة «إكس»: «جينات الكلاحة المصرية تظهر في خطاب عبد الرحمن السيد»، مشيراً إلى مخاطبته نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قائلاً: «حبيبي»، قبل أن يسخر من المفارقة المتمثلة في أن فانس، رغم اختلافهما السياسي، سيكون ملزماً بحكم منصبه برئاسة جلسة مجلس الشيوخ التي يؤدي فيها عبد الرحمن السيد اليمين الدستورية في يناير (كانون الثاني) المقبل.

ولم يفوّت السيد فرصة الرد على ترمب، الذي سبق أن سخر من اسمه، إذ خاطبه خلال الاحتفال بالفوز قائلاً إنه يعلم صعوبة نطق اسمه بالنسبة إليه، لكنه يستطيع الآن أن يناديه ببساطة «سيناتور»، في عبارة لاقت اهتماماً بين المتابعين المصريين، الذين رأى بعضهم فيها رداً «مصرياً» عاصفاً على الهجمات التي تعرض لها خلال حملته الانتخابية.

وكانت «الزغرودة» المصرية التي انطلقت خلال الاحتفال بالفوز من أبرز المشاهد المتداولة، بعدما فاجأت إحدى السيدات الحضور بزغرودة مدوية أثارت الضحكات والتصفيق، في مشهد بدا أقرب إلى أجواء الأفراح المصرية منه إلى مناسبة انتخابية أميركية.

ويأتي هذا التفاعل عقب فوز السيد (42 عاماً)، المعروف باسم «عبدول»، بمقعد ولاية «ميشيغان» في مجلس الشيوخ الأميركي، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس.

وحظي ظهور زوجته المحجبة، الطبيبة النفسية سارة جوكاكو، إلى جواره خلال الاحتفال بالفوز باهتمام المتابعين، خصوصاً بعدما كانت قد حضرت معه في منشور مثير للجدل نشره ترمب في أغسطس (آب) الماضي، وضع فيه صورة تجمعه بزوجته ميلانيا مقابل صورة لعبد الرحمن وسارة، تحت عبارة «أميركتان مختلفتان تماماً»، في مقارنة أثارت انتقادات وُصفت بالـ«تمييزية».


موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)
الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

أجرى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الثلاثاء في نواكشوط، مباحثات مع وزير الداخلية الإسباني فرناندو مارلاسكا، تناولت تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي، استناداً إلى الاتفاق الموقع عام 2024 بين نواكشوط وبروكسل.

وقال وزير الداخلية الإسباني، عقب اللقاء، إنه بحث مع الرئيس الموريتاني «التعاون الاستراتيجي في مجال مكافحة الهجرة غير القانونية»، كما «تعمق البحث في قضايا الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود»، موضحاً أن «العلاقة في هذا المجال جيدة، ويحق لنا وصف الشراكة بالاستراتيجية، استناداً إلى الثقة القائمة بيننا، ما يضفي فاعلية على تعاوننا».

وأكد وزير الداخلية الإسباني أن موريتانيا «شريك استراتيجي ومحاور أساسي لإسبانيا»، وأن التعاون بين البلدين حال دون وصول أكثر من 4300 مهاجر إلى جزر الكناري هذا العام.

جاءت هذه التصريحات في ختام زيارة مارلاسكا إلى موريتانيا، بعد لقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ووزير الداخلية والصيد والدفاع، فيما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن السلطات الموريتانية اعترضت هذا العام 37 قارباً كانت متجهة إلى الكناري، وكانت تحمل أكثر من 4300 شخص «في ظروف شديدة الخطورة».

وزير الداخلية الإسباني خلال استقباله من طرف نظيره الموريتاني أمس (وزارة الداخلية الموريتانية)

وأشاد مارلاسكا بمستوى تنسيق البلدين في مواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، وأعلن دعم بلاده لاستمرار «شراكة استراتيجية شاملة» بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي. وقال في هذا السياق إن «بناء مناخ من الثقة كان أساسياً» لنجاح الجهود المشتركة، مشيراً إلى تجربته وزيراً للداخلية منذ 8 سنوات، قبل أن يشكر جهود موريتانيا في «إنقاذ الأرواح وحماية الفئات الأكثر ضعفاً ومحاربة شبكات الجريمة».

مطالب مدريد

كما أشاد مارلاسكا بنموذج التعاون بين موريتانيا وإسبانيا في مجال محاربة الهجرة غير النظامية، خصوصاً من خلال وجود ضابط اتصال موريتاني ملحق بمركز التنسيق الإقليمي في جزر الكناري، وفريق التحقيق الشرطي، العامل المشترك في مدينة نواذيبو الموريتانية، وطلب تكرار هذه التجربة في نواكشوط.

ودعا وزير الداخلية الإسباني كذلك إلى تعزيز عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، قائلاً إنها «عنصر أساسي» في سياسة هجرة فعالة بسبب أثرها الرادع، وإنها تتطلب تعاوناً وثيقاً.

وتنشر إسبانيا في موريتانيا 40 عنصراً من الشرطة الوطنية والحرس المدني، يملكون قاربين ومروحية واحدة و14 مركبة رباعية الدفع. وتُرسل طائرات وسفن عابرة للمحيطات بين وقت وآخر، خصوصاً للدوريات المشتركة.

وفي ختام الزيارة التي استمرت عدة ساعات، لم يعلن عن اتفاقيات جديدة أو تمويل جديد، فيما شدد مارلاسكا، على أن بلاده ستدفع نحو تعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي مع موريتانيا.

موقف موريتانيا

من جانبها، قالت وزارة الداخلية الموريتانية، في بيان، إن المحادثات مع الجانب الإسباني تناولت سبل تطوير التعاون وتعزيز الشراكة، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الأمني.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية الموريتاني المختار ولد أحمد بوسيف أن بلاده تعتمد مقاربة شاملة لمكافحة الهجرة غير النظامية، وتراهن على دعم الشركاء في هذا المجال.

وأوضح ولد بوسيف أن المقاربة الموريتانية «تجمع الأبعاد الأمنية والقانونية والإنسانية والتنموية، وتركز على التصدي لشبكات التهريب والاتجار بالأشخاص، وتعزيز مراقبة الحدود، ومنع استخدام الأراضي الموريتانية معبراً نحو أوروبا»، وفق تعبيره.

وزير داخلية إسبانيا خلال تصريح صحافي بعد استقباله من الغزواني أمس (الرئاسة الموريتانية)

وشدد الوزير الموريتاني على أن مواجهة شبكات التهريب «تتطلب تنسيقاً مستمراً مع الشركاء الإقليميين والدوليين»، قبل أن يؤكد أن موريتانيا حريصة على استمرار الشراكة مع إسبانيا وتعزيزها وتوسيع آفاقها، وفق تعبيره.

وقالت وزارة الداخلية الموريتانية، في بيان، إن الوزير الإسباني وصف خلال مباحثاته مع نظيره الموريتاني علاقات البلدين بأنها «جد متميزة»؛ حيث تعتبر بلاده أن موريتانيا «شريك وحليف استراتيجي»، قبل أن يدعو إلى تنويع مجالات التعاون لتشمل الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى الجانب الأمني.


«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
TT

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى قبل أيام، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون، ومن ثم تعريف المؤثرين، وما إذا كان تحديدهم يستند إلى عدد المتابعين أم «قيمة» ما يقدمونه وقدرته على ترك أثر.

كان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد التقى، الأحد، بنحو 70 من صُناع المحتوى ضمن اللقاءات التي تعقدها الوزارة مع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان الوزارة الذي أطلق شرارة الجدل، حيث وصف المجموعة بأنها «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع».

إشكالية التعريف

أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، سارة فوزي، ترى أن نحو 25 في المائة فقط من المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام هم من يقدمون محتويات هادفة متخصصة جيدة، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك بهدف جذب المتابعين.

وقالت: «عدد المتابعين ليس معياراً يمكن الاستناد إليه عند التعامل مع صنُاع المحتوى، فقد يتابع أحدهم ملايين المتابعين لكن التفاعل معهم قائم على الهجوم على ما يقدمونه، وليس الإعجاب به».

أما أستاذ الإعلام ونائب رئيس أكاديمية الشروق، محمد شومان، فيعتبر تعريف المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي «إشكالية»، خصوصاً أنه «لا يوجد تعريف واحد مرجعي ملزم قانونياً لصناع المحتوى والمؤثرين حول العالم يمكن الاستناد إليه، فيتم تعريفهم بصور مختلفة مثل منشئي المحتوى عبر وسائل التواصل بهدف التأثير في الجماهير، أو فئة فاعلة ومؤثرة في الرأي العام والتسويق والقضايا السياسية».

لكنه يعدد معايير يمكن الاستناد إليها في تمييز المؤثرين من بين صناع المحتوى الكثيرين، منها «عدد المتابعين، واستمرارية النشر، وحجم التفاعل معهم، ومدى تأثيرهم الفعلي في المتابعين».

إطار تنظيمي

خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، نبَّه إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يمتلك المؤثر ثقة متراكمة لدى جمهوره، وقدرة على تشكيل القناعات وتغيير السلوك، حتى لو كان عدد متابعيه أقل؛ ولذلك لا أعتبر أرقام المشاهدات والمتابعين وحدها معياراً لقياس التأثير الحقيقي».

وأضاف: «من منظور الاتصال المؤسسي، يستطيع صناع المحتوى المساهمة في تبسيط السياسات والخدمات العامة، والتعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية والثقافية، ونقل اهتمامات الجمهور وتساؤلاته إلى المؤسسات؛ لكن من المهم ألا تتحول هذه العلاقة إلى توظيف المؤثرين لأغراض دعائية، لأن استقلاليتهم ومصداقيتهم هما مصدر قوتهم الحقيقي في إطار حديثهم بلسان حال الناس».

وكان صناع المحتوى قد طالبوا في اجتماع وزير الدولة للإعلام بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار، واقترح أحدهم أن ينضموا إلى شعبة بنقابة الصحافيين المصرية؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

عدد من صناع المحتوى خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام يوم الأحد (وزارة الدولة للإعلام)

وأيد شومان طلب تنظيم المؤثرين وصناع المحتوى، معتبراً أن إيجاد مثل هذا الإطار سواء بنقابة أو اتحاد أو شعبة على غرار الشعب التجارية، يتيح وضع إطار تنظيمي وتعريف لهم.

وتابع قائلاً: «توفير كيان قانوني للمؤثرين مفيد لهم وللدولة، فيمكن عندها العودة إليه عند مخالفة بعضهم للمعايير والأسس المجتمعية، كما أنه سينظم في قانون واحد هذا العمل ومعاييره وأخلاقياته، ويفرض عقوبات على المتلاعبين فيه، مثل المؤثرين الذين يشترون مشاهدات ومتابعين وهميين لإيهام الجمهور بشعبية ليست حقيقية».

لكن سارة فوزي تتحفظ على استعانة الحكومة بـ«المؤثرين» دون وضع معايير محددة أو خطة واضحة وهدف لمثل هذه اللقاءات، مستبعدة أن تتمكن المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام من مساعدة الوزارة في التأثير في الرأي العام.

وقالت: «الجمهور يتابعهم لمحتوى معين، ويسهل عليه اكتشاف التحول أو التغير فيه، وعادة لا يتقبل مثل هذه التغيرات ويهجر صانع المحتوى عند تغيير طريقته المعتادة، وهو ما حدث مع الكثير من المؤثرين».

وترى أنه من الأفضل أن «تضع الحكومة خطة ومعايير واضحة، وتدعم صناع محتوى جدداً نابهين من كليات الإعلام والكليات الاجتماعية، لديهم الموهبة، ويمكن أن تمدهم بالتدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم على إنتاج محتوى هادف مفيد للمجتمع، لا أن تنجذب إلى ضخامة عدد متابعين لمحتوى قد يكون تافهاً ولا يقدم شيئاً».