شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

معرض للنحات الصيني هوانغ يولونغ في باريس

هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)
هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)
TT

شخصيات تقف على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو

هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)
هوانغ يولونغ حوّل الـ«Hoodi» إلى رمز فلسفي (الصور من موقع الفنان)

هناك من المعارض ما يجعلك تشعر بأنك أمام فن مختلف. وبالأحرى أمام فن شبابيّ. هذا هو الحال مع النحات الصيني هوانغ يولونغ ومعرضه المقام في باريس حالياً. ولا أدري من أين استولت علينا فكرة أن التجديد الفني يأتي من لندن، ونيويورك. حتى باريس وطوكيو ما عادتا في حلبة المنافسة. لكن الصين، تلك البلاد البعيدة المغلقة، فتحت بواباتها، وراحت تغزو العالم في ميادين مختلفة، وبسرعة مدهشة.

هوانغ يولونغ نحات صيني معاصر ولد عام 1983 في مقاطعة أنهوي. وهو ينتمي إلى جيل ما بعد الثمانينات، أي الجيل الذي نشأ بينما كانت البلاد تنفتح بسرعة على العالم، وعلى الثقافات الغربية. درس النحت في معهد جينغدتشن الشهير بفن الخزف، وتخرج عام 2007، ثم بدأ يبني أسلوبه الخاص الذي جعله واحداً من أكثر النحاتين الصينيين المعاصرين تميزاً.

يهتم هوانغ يولونغ بأسئلة الهوية والثقافة والشباب والعلاقة بين الشرق والغرب (الصور من موقع الفنان)

منحوتاته تتشابه في أشكالها العامة. ويمكن تلخيصها بأنها هيئة شباب اليوم الذين يخرجون للتجول، والعمل، وحضور السهرات مرتدين البدلة الرياضية ذات القلنسوة القطنية التي تغطي الرأس. إنه المظهر الذي يرضي المراهقين، لكنه يقلق رجال الشرطة. فحين يسدل الشاب قبعته فوق رأسه ويضع كفيه في جيبه، فإن من الصعب أن تتعرف عليه كاميرات المراقبة. الكل يشبه الكل دون تمييز، اللهم إلا في لون البدلة.

يمكن القول إن هوانغ يولونغ هو النحات الصيني الذي حوّل الـ«Hoodi»، أي قطعة الملابس الشبابية العادية ذات أغطية الرأس المتهدلة، إلى رمز فلسفي يختصر صراع الهوية في الصين المعاصرة. ولعل هذا التحدي يعيد إلى البال كيف تحول سروال «الجينز»، في فترات سابقة، إلى رمز للشبيبة الأميركية، والأفكار الحديثة.

ما يلفت النظر مباشرة في أعمال النحات الصيني هو أن وجوه الشخصيات التي ترتدي السترات مخفية غالباً، أو غير موجودة. فالمشاهد لا يرى الملامح، لكنه يشعر بالشخصية. وبالنسبة للفنان، فإن الهوية ليست مجرد وجه، بل موقف، وحضور، وثقافة كاملة. لهذا أصبحت السترة ذات القلنسوة بمثابة توقيعه الفني الذي يُعرف به في المعارض الدولية.

كثير من شخصياته بلا ملامح واضحة (الصور من موقع الفنان)

نشأ هوانغ يولونغ في فترة كانت فيها موسيقى «الراب» وثقافة «الهيب هوب» في بدايات تسللها إلى المدن الصينية. وهو لم يتعامل معها كموضة غربية عابرة، بل كجزء من تكوينه الشخصي. لذلك نسمعه يقول في أكثر من مناسبة إن «الهيب هوب» بالنسبة إليه ليست مجرد موسيقى، بل أسلوب حياة يحمل أفكار الحرية، والطاقة، والتمرد، والتعبير عن الذات. لذلك نجد أعماله تمزج بين الرموز الروحية الصينية القديمة والثقافة المدنية الحديثة.

ليس غريباً أن يكون بين أشهر أعماله تماثيل بوذية، أو شخصيات متأملة ترتدي ملابس الشارع الحديثة. وللوهلة الأولى يبدو الأمر صادماً: كيف يجتمع بوذا مع «الهيب هوب»؟ لكن هذه المفارقة هي جوهر مشروعه الفني. فهو يحاول أن يقول إن الإنسان المعاصر يحمل في داخله الماضي والحاضر معاً، وإن التقاليد لا تختفي، بل تعيد تشكيل نفسها بأشكال جديدة.

بالنسبة للفنان الهوية ليست مجرد وجه بل هي موقف وحضور وثقافة كاملة (الصور من موقع الفنان)

ومن الناحية التقنية، لا يقتصر عمله على البرونز فحسب. فهو يستخدم الخزف الصيني التقليدي، والفولاذ، والكريستال، وأحياناً الخشب. وطبعاً فإن هذه المواد ليست اختياراً عشوائياً. فالخزف يربطه بالتراث الصيني العريق، بينما تمنح المعادن أعماله طابعاً حضرياً معاصراً.

هناك نقطة أخرى مهمة في أعماله: غياب الوجه. فكثير من شخصياته بلا ملامح واضحة. وبالتأكيد فإن هذا الغياب ليس نقصاً، بل هو مقصود. فالفنان يريد من المشاهد أن يرى نفسه داخل العمل الفني. وعندما تختفي الملامح الفردية تتحول الشخصية إلى رمز لجيل كامل يعيش بين ثقافتين، وعالمين.

فنياً يمكن هوانغ يولونغ وضعه ضمن تيار الفن الصيني المعاصر الذي ظهر بعد الطفرة الاقتصادية لذلك النمر الآسيوي الصاعد. لكنه يختلف عن أسماء صينية أخرى أكثر اشتباكاً مع السياسة. إنه يهتم أكثر بأسئلة الهوية، والثقافة، والشباب، والعلاقة بين الشرق والغرب. كما أن أعماله أقل صخباً سياسياً، وأكثر انشغالاً بالتحولات الاجتماعية والنفسية التي عاشها جيله.

إنه اليوم فنان معروف عالمياً. عرضت أعماله في الصين، وهونغ كونغ، وفرنسا، والولايات المتحدة، وغيرها من الدول. كما اختارته مجلة «Complex» ضمن الفنانين الصينيين المعاصرين الذين ينبغي متابعتهم. وقد تعرّف عليه الفرنسيون من خلال معرض فرديّ أقيم له في العاصمة باريس قبل 3 سنوات بعنوان: «Bronze to Beats».

يومها رأى النقاد أن أعماله صورة دقيقة لجيل صيني كامل، جيل تربى على تعاليم الشرق، لكنه استمع إلى «الراب» الأميركي. حفظ التقاليد القديمة، بينما كان يرتدي الملابس المعهودة للشباب في ستوكهولم، أو القاهرة. لهذا تبدو منحوتاته كأنها تقف دائماً على خط تماس بين معبد قديم ومحطة مترو حديثة.


مقالات ذات صلة

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

يوميات الشرق «صهر الذاكرة» (نور الرياض)

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم؟

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
TT

الألعاب حين تصبح فناً... قراءة في الذاكرة والمجتمع

«صهر الذاكرة» (نور الرياض)
«صهر الذاكرة» (نور الرياض)

عند تأمل الأعمال الفنية التي تستلهم ألعاب الأطفال والألعاب الشعبية، يبرز سؤال حول ما الذي يدفع الفنانين إلى استحضار هذه العناصر المألوفة في أعمالهم. للإجابة عن هذا السؤال، تحدثنا إلى الفنانين سعد الهويدي وعبد الرحمن طه، اللذين جعلا من الألعاب مدخلاً إلى عوالم فنية وإنسانية أوسع. فبالنسبة إلى الهويدي، تمثل ألعاب الأطفال «الوعاء الأول لذاكرة الإنسان»، ومن خلالها تبدأ علاقته بالعالم وتتشكّل أولى تجارب الاكتشاف. أما طه، فينظر إلى الألعاب الشعبية بوصفها وسيطاً بصرياً وإنسانياً يقرّب الجمهور من الأفكار والرسائل التي يسعى إلى إيصالها عبر أعماله.

في هذا الحوار، نستكشف كيف طوّر كل من الفنانين رؤيته الخاصة للألعاب بوصفها أكثر من مجرد أدوات للترفيه؛ إذ تحولت في أعمالهما إلى وسيلة للتأمل في الذاكرة الفردية والجماعية، ولفهم جوانب من التجربة الإنسانية والاجتماعية.

«صهر الذاكرة» لسعد الهويدي ( الفنان)

صهر الذاكرة

قدم الفنان سعد الهويدي نسخة أولى من عمله «صهر الذاكرة» ضمن منحة «معهد مسك للفنون» لعام 2020. يتكون العمل من ألعاب مذابة أعيد تشكيلها باستخدام تقنيات مختلفة، ويجسد العمل محاولة الفنان إعادة بناء علاقته بطفولته وبالشارع الذي احتضن سنوات لعبه الأولى. وبرغم أن العمل يتناول ذاكرة شخصية فإن الهويدي ينشغل في ممارسته الفنية بمفهوم الذاكرة، ليس بوصفها استعادة للماضي فقط وإنما كجزء من تكوين الإنسان ومرآة لتجربته الاجتماعية والثقافية، يقول: «قد يكون اهتمامي بالذاكرة نابعاً أحياناً من خوف من الفقد، وأحياناً أخرى من شغف بالتوثيق، لكنه أيضاً محاولة للنظر بطريقة مختلفة إلى حضورنا ووجودنا اليومي في هذا العالم».

وبعد خمسة أعوام، عاد الهويدي إلى الفكرة ذاتها من زاوية مختلفة. ففي «نور الرياض 2025» قدم نسخة جديدة من «صهر الذاكرة»، لكنها انتقلت من الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة أكثر اتساعاً ترتبط بجيل كامل من الأطفال. هذه المرة استعان بالرموز التعبيرية «الإموجي» مكوناً ثلاث كرات مضاءة من الألعاب المصهورة بقطر 2.75 متر. نجد هنا أن الذاكرة خرجت من إطار الخاص إلى العام، فالعمل يعتمد على ذاكرة وألعاب أطفال من الجيل الحالي حسبما يوضح لنا: «لم يكن الهدف هو المقارنة بين ذاكرتين وإنما البحث في كيفية تشكل الذاكرة، ومدى مقدرة العمل الفني على التفاعل معها».

«صهر الذاكرة 2» حصل على جائزة موسوعة جنيس لأكبر إموجي (موقع نور الرياض)

مرت عملية جمع الألعاب بثلاث مراحل، كل مرحلة أضافت مفهوماً جديداً ومساحة مختلفة للتأمل. بدأ الفنان بجمع ألعاب مهملة من أطفال يقيمون في الرياض ليطرح تساؤلاً عن الكيفية التي يتحول بها شيء ذا قيمة عاطفية كبيرة إلى قطعة يمكن الاستغناء عنها: «كانت هذه الألعاب في لحظة ما جزءاً مهماً جداً من حياتهم؛ تحدثوا معها وتعلقوا بها، ومع مرور الوقت تخلوا عنها». في المرحلة الثانية، توسعت عملية جمع الألعاب لتشمل ألعاباً من مناطق مختلفة داخل المملكة وخارجها. لاحظ الفنان ما تكشف عنه الألعاب من اختلافات ثقافية واجتماعية، برغم أن فعل اللعب في جوهره لغة إنسانية مشتركة. وأخيراً في المرحلة الثالثة، قام باقتناء ألعاب جديدة: «هنا أنا لا أجمع ذاكرة موجودة بالفعل، وإنما أبحث عن ذاكرة لم تولد بعد»، يضيف: «قادتني رحلة جمع الألعاب إلى سؤال أعمق: هل الذاكرة مرتبطة فقط بما حدث، أم أننا نصنع باستمرار ما سيصبح ذاكرة في المستقبل».

يمنح تصميم العمل والضوء والألوان الزاهية انطباعاً أولياً بالبهجة والبراءة، لكن يتسلل شعور ثقيل عند الاقتراب من العمل وتأمل ضياع ملامح الألعاب وملمسها الصلب، يعلق الهويدي: «لون اللعبة هو عنصر الدهشة والجذب الأول للطفل، لكن في هذا العمل يحدث تحول؛ فالألعاب تصهر ثم تتجمد لتكون كتلة صلبة. هذا التحول بالنسبة لي، يعكس تجربة الطفولة نفسها. فنحن عادة نستعيد الطفولة باعتبارها زمناً للفرح والبراءة، لكنها في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك؛ فهي تحوي أيضاً لحظات من الخوف والحزن، والطفل يبني ذاكرته في المسافة بين بهجة اللون وقسوة التحول».

ألعاب شعبية

إذا كان سعد الهويدي ينطلق من ألعاب الطفولة بحثاً في الذاكرة وتحولاتها، فإن عبد الرحمن طه يتجه نحو الألعاب الشعبية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية والذاكرة الجمعية. يستلهم الفنان منها مفرداته البصرية بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية والتراث المحلي. ومن بين هذه الألعاب تبرز لعبة «المدوان» الشهيرة في منطقة الحجاز، التي تناولها الفنان في نسختين مختلفتين. وتحمل الأولى عنوان «الاستقرار»، وهي مجسّم ضخم للعبة المدوان، يستعيد من خلال تكبير حجمها علاقتها بالطفولة والحنين، يقول: «أردت أن أقارن الإنسان باللعبة، فكلما شددنا حبلها وقفت وحين يرتخي الحبل أو نتركه تسقط وكذلك الإنسان، كلما بذل جهداً اشتد عوده، وكلما أهمل جوانب حياته سقط».

«مدوان النمو» (الفنان)

في «النمو»، نرى عدة نسخ من العمل، يضم كل منها أكثر من 1800 قطعة من «المدوان» التي تلتف محتضنة جذع نخلة: «كل قطعة هي تجربة سقوط أو فشل، وحين تكثر التجارب ويتكرر السقوط والوقوف مجدداً، يصبح الإنسان أكثر صلابة وقوة». ويشير الفنان إلى رمزية النخل «هي تجسيد للصمود والبقاء، وأيضاً تعد النخلة من رموز الوطن، ومن رموز المدينة المنورة الأرض التي نشأت عليها».

قواعد اللعبة

من الملاحظ أن مجموعة «المدوان» تتضمن رسائل فردية، لكن في عمله «الكيرم» ينتقل طه من التجارب الفردية إلى تجارب اجتماعية، حيث استخدم أحجار هذه اللعبة المشهورة في السعودية ذات الأصول الهندية. استوحى من قواعد اللعبة تفاضل قيمة الحجر الأحمر على الأسود والأبيض، راسماً مشاهد تناقش قواعد وممارسات اجتماعية.

«اللجنة» للفنان عبد الرحمن طه (الفنان)

في عمل «اللجنة»، نرى ثلاثة كراسي باللون الأسود يقابلهم كرسي باللون الأحمر، يشرح لنا: «في أي تجمع إنساني نجد شخصاً يمنح أو يكتسب القيمة الأكبر، ويصبح هو من يسن قواعد اللعبة أو الاجتماع». أما في عمل «المفتاح الرئيسي» فيتكون المشهد من مفتاح باللون الأحمر، يطرح العمل ما سمّاه طه «بقاعدة التواصل أو الوصول»، ويمكن قراءة العمل من زاويتين، إما أن يكون المفتاح هو الحل: كلمة طيبة أو هدية تفتح لك الباب الموصد، أو أن يكون المعضلة: سلطة أو مكانة اجتماعية بعيدة المنال وكذلك المفتاح.

الفنان عبد الرحمن طه (الفنان)

العمل الثالث في هذه السلسلة بعنوان «الإذن»، وهو تصميم على هيئة باب من أحجار اللعبة، ويصف طه دلالة الباب بقوله: «أي مجتمع مهما كان صغيراً يفرض عليك إذناً خاصاً للدخول»، ويضيف: «لطالما شغلتني فكرة أن الإنسان داخل لعبة متواصلة، محكوم أو يتحكم بقواعد اللعبة».

ينجذب طه لفكرة تكوين صورة كبيرة من قطع صغيرة، حيث لا يمكن قراءة العمل بوضوح إلا حين تنظر إليه من بعد، وعن ذلك يقول: «حين تجتمع آلاف القطع، يتلاشى الخاص مقابل قيمة ورسالة تطرحها الصورة الكلية. وهكذا يتكون النسيج الاجتماعي، من أشياء صغيرة وممارسات يومية قد لا ينتبه أحد لأهميتها، لكن حين تجتمع وتتراكم تكتسب قيمة ودلالة أعمق». يؤكد طه أن احجار «الكيرم» ما زالت تكون في خياله صوراً لمواضيع وممارسات اجتماعية، يتطلع إلى تحويلها مستقبلاً إلى أعمال فنية.


أين نزرع الأشجار لتبريد الشوارع بفاعلية أكبر؟

الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

أين نزرع الأشجار لتبريد الشوارع بفاعلية أكبر؟

الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)
الفريق البحثي في جولة ميدانية بأحد أحياء مدينة كيلونا (جامعة كولومبيا البريطانية)

غالباً ما تضع المدن التي تسعى إلى تبريد شوارعها الملتهبة أهدافاً عامة لزيادة الغطاء الشجري. وإنما هذه الأهداف قد تغفل حقيقة أنّ الظلال ليست جميعها مفيدة بالقدر نفسه، والأحياء لا تمتلك جميعها مساحة كافية لزراعة مزيد من الأشجار.

وتقدم دراستان جديدتان أجراهما باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية في كندا نهجاً أكثر دقة وتحديداً، يتيح رصد «البؤر الساخنة» في المناطق الحضرية، وتحديد المواقع التي يمكن أن تُحقّق فيها الأشجار الجديدة أكبر قدر من الفوائد.

وتقول أستاذة الإشراف البيئي بجامعة كولومبيا البريطانية والمؤلفة الرئيسية للدراستين، الدكتورة ميليسا ماكهيل، في بيان الجمعة: «غالباً ما تدرك المدن حاجتها إلى مزيد من الغطاء الشجري، لكن لا يزال يتعيّن عليها تحديد الأماكن المتاحة للزراعة بدقة، والمواقع التي سيُحدث فيها الظل أكبر فارق ممكن».

«الحرارة الخفية»

توفّر الخرائط الحرارية المعتمدة على الأقمار الاصطناعية للمدن نظرة شاملة، من منظور علوي، إلى درجات حرارة الأسطح. ووفق نتائج الدراسة الأولى، التي نُشرت في دورية «الاستشعار عن بُعد»، اختبر باحثو جامعة كولومبيا البريطانية تقنية للتعلم الآلي تعمل على تحسين دقة الصور الملتَقطة بواسطة قمري «لاندسات» و«سنتينل-2»، لتصل إلى 10 أمتار. وكشفت الخرائط عن تباين في درجات الحرارة في مدينة كيلونا يفوق بنحو 5 أضعاف ما أظهرته الطرق التقليدية.

وتحتاج المدن إلى معرفة الأماكن التي يمكن فيها فعلياً زراعة الأشجار وتوفير ظلّ مفيد. واستخدم الفريق البحثي في الدراسة الثانية، التي نُشرت في دورية «الغابات الحضرية والتخضير الحضري»، نموذج «كانوبي فيت»، وهو نهج لرسم خريطة لإمكانات الزراعة العملية. ويستبعد النموذج المناطق غير الملائمة للزراعة، ثم يقيّم إمكانات توفير الظل إلى جانب مستويات التعرّض للحرارة.

وعلى مستوى مدينة كيلونا، أشار التحليل إلى حلول مختلفة تتناسب مع طبيعة كلّ حيّ. ففي بعض المناطق، تتزامن درجات الحرارة المرتفعة والحاجة إلى تحقيق العدالة البيئية مع توافر مساحات واسعة للزراعة، ممّا يعني أنّ غرس مزيد من الأشجار قد يُحقّق فوائد كبيرة. وفي المقابل، تواجه مناطق أخرى درجات حرارة مرتفعة وحاجة ماسّة إلى الظلّ، لكنها تفتقر إلى المساحات الكافية للأشجار الجديدة، ممّا يستدعي النظر في بدائل أخرى، مثل إزالة الأسفلت، أو تعديل لوائح التطوير العمراني، أو إنشاء هياكل للتظليل.

وتُظهر النتائج أنّ التوزيع الاستراتيجي والترتيب المكاني للأشجار هما العاملان الأكثر أهمية في خفض درجات حرارة الشوارع، بدلاً من زراعة أعداد كبيرة بصورة عشوائية.

أفضل طرق زراعة الأشجار

وفيما يتعلّق بأفضل طرق زراعة الأشجار لتبريد الشوارع، تفيد أحدث النتائج البحثية بأنّ زراعة الأشجار في مجموعات متقاربة أو صفوف متصلة تُحدث تأثيراً تبريدياً مضاعفاً مقارنة بالأشجار المنعزلة. وتحذّر، في الوقت عينه، من المظلّات شديدة التلاحم، لأنها قد تحبس الإشعاع الحراري الأرضي ليلاً وتمنع التهوية.

وأفادت النتائج أيضاً بأنّ الشوارع المزروعة بأشجار تمتدّ بشكل عمودي على اتجاه الرياح توفر تبريداً أفضل. كما ينبغي عدم غرس أشجار كثيفة التظليل داخل «ممرات الرياح» أو قنوات التهوية الطبيعية للمدينة، لأنّ ذلك يعوق حركة الهواء ويزيد الشعور بالحرارة.

وتنصح الدراسات بالجمع بين الأشجار المتساقطة الأوراق والأخرى دائمة الخضرة، بما يوفر معدلات مرتفعة من النتح والتبريد صيفاً.

وتشير أدوات النمذجة الحديثة، مثل «كانوبي فيت»، إلى أنّ زراعة شجرة واحدة في شارع يفتقر تماماً إلى الغطاء النباتي، وبجوار أسطح داكنة مثل الإسفلت، توفر عائداً تبريدياً أعلى بكثير من زراعتها في منطقة مخضرة بالفعل.

وتقول ماكهيل: «تمتلك المدن مساحات وموارد محدودة للزراعة، لذا يتعيّن علينا تبني نهج استراتيجي. فالهدف هو إنشاء أشجار كبيرة وصحية والحفاظ عليها في المواقع التي تشتد فيها الحاجة إلى فوائدها، بما في ذلك التبريد».


بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)
مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)
TT

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)
مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري (خافييه باردم، وهو زوجها في الواقع أيضاً) قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم لبناء ملجأ تحت الأرض؛ بهدف حمايته وعائلته من خطر اندلاع حرب نووية. وبينما يتردد في اتخاذ القرار، تدفعه زوجته إلى إعادة التفكير في تبعات المشروع، قبل أن يقتنع أخيراً برفضه.

تبدو الزوجة الأكثر وعياً بخلفيات هذا الطلب، إذ تواجه زوجها بسؤال حاد: «ماذا يعرف صاحب المشروع مما لا نعرفه؟». لكنها في الوقت نفسه ليست بمنأى عن الضعف الإنساني؛ فوسط التصدعات التي أصابت حياتهما الزوجية، تكاد تنجرف نحو احتمال علاقة عاطفية جديدة. وما إن يدرك الزوج ذلك حتى يواجهها بإمكانية الانفصال. غير أن المشاعر التي تجمعهما تبدو أقوى من أزماتهما، ليجد كلاهما في النهاية طريقاً يفضي إلى الاستمرار معاً.

بينيلوبي كروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

هذا هو أحدث أفلام الممثلة التي شقّت طريقها إلى النجومية قبل 33 عاماً عندما لفتت الأنظار في فيلم «Tie Me Up! Tie Me Down!» للمخرج بيدرو ألمودوفار. ومنذ تلك الانطلاقة، أثبتت بينيلوبي كروز أنها ليست مجرد موهبة عابرة أو نتاج نجاح مبكر، بل ممثلة تمتلك القدرة على التجدد والاستمرار جيلاً بعد جيل. وعلى امتداد أكثر من 3 عقود، بنت مسيرة حافلة تضم ما يزيد على 90 فيلماً بين الإنتاجات الأوروبية والأميركية.

بعد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا، حطَّ فيلم فلوريان زَلر «الملجأ» رحاله في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، حيث عُرض ضمن قسم «غالا» بحضور مخرجه وبطليه، بينيلوبي كروز وخافييه باردم.

هناك كان هذا اللقاء.

مع زوجها الممثل خافييه باردم (أ.ف.ب)

حياة مستقرّة

• من المحتمل لمَن يتابع حياتك الفنية والشخصية ملاحظة أن فيلمك الجديد «ملجأ» يتحدَّث عن شرخ عاطفي بعد 17 سنة من الزواج. هذا تقريباً عدد السنوات التي مضت على زواجك من الممثل خافييه باردم الذي يلعب دور الزوج في «ملجأ»...

- لم أفكر في هذا الموضوع من قبل. إنها مفارقة طريفة.

• هل هناك ما هو مستمد من حياتك الزوجية فيما يتعلّق بالأحاسيس العاطفية التي تلت، في الفيلم، نزاعاً حول مسألة مهمّة؟

- لا. ليس على الإطلاق. حياتي الشخصية مستقرة تماماً. التمثيل أمام خافييه لا يحمل البُعد الذي تتحدث فيه. كان يمكن أن يكون أي ممثل آخر في الدور.

• صحيح. كان يمكن ذلك، لكن جزءاً من قيمة هذا الفيلم وجودكما معاً في فيلم واحد. هل تقدّم المخرج (فلوريان) زَلر بالمشروع وفي باله قيامكما بالتمثيل معاً؟

- نعم. كانت رغبته منذ البداية أن نظهر معاً زوجين في الفيلم. رأى، وكنت وخافييه موافقَين على الفكرة، أن الفيلم سيستمد ذلك البُعد الذي تتحدّث عنه.

• ما هو مهم بالطبع إن كليكما ممثل جيد منفرداً أو معاً. هذا يوفّر للفيلم مزيداً من المصداقية. هل توافقين؟

- حرصنا على أن تكون طريقتنا في العمل مهنية تماماً وحذرة. كان علينا أن ننسى أننا زوجان في الواقع، ونقبل أننا زوجان في الفيلم وأن نتصرّف بمقتضى سيناريو يتضمّن شخصيّتين لا تمتّان إلى بينيلوبي وخافييه. هما شخصيّتان مستقلّتان كما الحال في أي فيلم آخر. كانت رغبة المخرج هي انفصالنا بصفتنا شخصيّتين في الفيلم عن حياتنا بصفتنا زوجين فعليَّين.

بينيلوبي كروز (إ.ب.أ)

خلفية مسرحية

• بعد انتهاء التصوير كل يوم هل كنتما تناقشان أشياء تتعلّق بالفيلم؟

- ليس نقاشاً، بل كنا أحياناً نستعد للمشاهد التي سنصوّرها في اليوم التالي.

• خلفيّتك مسرحية في الأساس وكذلك المخرج. هل هذا عنصر مهم خلال العمل؟

- لا. لم أمثّل الدور وفي البال أنني أقدّم ما يشبه العمل على المسرح.

• معظم المشاهد داخلية.

- صحيح، لكن هذا لم يكن وارداً خلال التصوير.

• بماذا خرجت من دراستك التمثيل المسرحي؟ أعتقد أنك درست أيضاً رقص الباليه.

- نعم. الباليه أولاً، ثم المسرح. كانت تجارب مفيدة جدّاً لي. الباليه ينص على إتقان التفاصيل، والمسرح يترك الممثل بلا حاجز أمام الآخرين. كنت ما زلت شابّة صغيرة لكن التمثيل كان كل ما كنت أرغب فيه. رأيت أن التمثيل المسرحي هو خطوة أولى للمقبل وضرورة للتدرّب.

• الكاميرا في الأفلام هي الحاجز الذي يقف بينك وبين الجمهور.

- بالتأكيد. تستطيع أن تخطئ وتعيد التصوير. المسرح لا يمنحك هذه الميزة، لذلك فهو أصعب من التمثيل أمام الكاميرا.

مع ألمودوفار

• مثّلت تحت إدارة بدرو ألمودوفار 7 أفلام حتى الآن... الأول «لحم حي (Live Flesh)» في 1995 أو 1996 وآخرها «أمهات متوازيات (Parallel Mothers)» في 2021. من وجهة نظرك كيف تغيّر أسلوب عمله منذ ذلك الحين.

- ألمودوفار أيقونة سينمائية. درج على تقديم أفلام لا تخلو من المغامرة في أسلوب حكي القصص التي تستهويه. لكنه اليوم ناضج وأسلوب عمله في رأيي تطوّر إلى ما هو عليه الآن. في كل المراحل هو المخرج الجيّد نفسه مع اختلاف معطيات الفترة الزمنية التي خاضها.

• ما أصعب دور مثلتِه في فيلم لألمودوفار؟

(تأخذ وقتها في التفكير) أثمّن كل أدواري معه تقريباً بلا تفريق. دائماً ما أذكر حين أواجه هذا السؤال أو عن أي سؤال يتعلّق بتجربة العمل مع ألمودوفار بأنني كنت محظوظة إذ مثلت في أفلامه. لا أحاول التهرّب من الإجابة، لكن الحقيقة هي أن ألمودوفار يفهمني وأنا أفهمه.

• لعبتِ دور ممثلة في «عناقات مكسورة (Broken Embraces)». نظرياً، يمكن أن يكون هذا فعلاً صعباً لممثل عليه أن يلعب دور ممثل آخر غير حقيقي؟

- نعم. لهذا الفيلم تركيبة خاصّة لأنني لعبت دور الممثلة في حكايتين (فيلم داخل فيلم) وهذا في البداية كان صعباً لأن كل شخصية مختلفة، وعليّ أن أحافظ على المسافة بينهما، وعلى ما يميّز كل ممثلة عن الأخرى.

كروز كما بدت في «فيكي كرستينا برثلونة» (وايلد بَنش)

• أعتقد أن أحد أفضل أفلامك مع المخرج هو «فولفر (Volver)».

- كل أفلامي معه أراها جيدة وكانت ضرورية. «فولفر» كان في رأيي عملاً جديداً كموضوع بين أفلامه، وجديداً عليّ بصفتي ممثلة.

• فزتِ بـ«أوسكار» عن فيلم وودي ألن «فيكي كرستينا بارثلونا» سنة 2009. هل تأملين عودتك إلى الترشيحات هذا العام عن «ملجأ»؟

- لا أفكر في هذا الأمر مطلقاً. ليس لأني لن أكون سعيدة إذا تم ترشيحي، لكني لا أحضِّر نفسي لهذا الاحتمال.

• ما مقياس النجاح بالنسبة للممثل في نظرك؟

- ببساطة إتقان ما يقوم به. الجائزة لا تأتي في الأهمية ذاتها. إنها مكمّلة.