أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكبر تغيير في القيادة العسكرية منذ أشهر، بإقالة القائد العام للجيش أولكسندر سيرسكي وتعيين اللواء ميخايلو دراباتي خلفاً له، في خطوة تهدف إلى احتواء أزمة سياسية داخلية أثارت احتجاجات واسعة، وإعطاء دفعة جديدة للجهد الحربي في مواجهة روسيا.
وجاءت التغييرات بعد أيام من تصاعد الانتقادات داخل أوكرانيا للخلاف بين وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف وسيرسكي، وهو خلاف عدّه كثيرون رمزاً للصراع بين دعاة تحديث المؤسسة العسكرية وأنصار النهج التقليدي. ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، فإن زيلينسكي طلب من القيادة الجديدة إعداد استراتيجية دفاعية محدثة تشمل تسريع إصلاح هيكلية الجيش، وتعزيز الدفاعات الجوية، وتسريع إيصال الأسلحة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى وضع خطة أكثر وضوحاً للتعبئة العسكرية.

صراع بين مدرستين عسكريتين
ويعكس التغيير الذي اتخذه زيلينسكي، وفق تحليل صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، مواجهة بين رؤيتين لإدارة الحرب. فالمعسكر الداعم للتحديث، الذي كان يمثّله فيدوروف، يرى أن أوكرانيا تستطيع استعادة زمام المبادرة عبر الابتكار العسكري، وتوسيع استخدام المسيّرات، وتكثيف الضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
في المقابل، يميل التيار التقليدي، الذي ارتبط باسم سيرسكي، إلى التركيز على احتواء التقدّم الروسي وإدارة الحرب بمنهج أكثر تحفظاً، وهو ما أثار انتقادات من جنود وضباط اتهموه بالاعتماد على أساليب متأثرة بالإرث العسكري السوفياتي، وتقديم الولاء على الكفاءة.
وتشير الصحيفة إلى أن زيلينسكي حاول في البداية احتواء الأزمة عبر عرض منصب حكومي جديد على فيدوروف لتنسيق قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، لكن ذلك لم ينهِ الاحتجاجات التي طالبت بإعادته إلى وزارة الدفاع.

محاولة لاحتواء الاحتجاجات
وشهدت كييف ومدن أوكرانية أخرى مظاهرات شارك فيها مدنيون وعسكريون ومحاربون سابقون، مطالبين بإصلاح المؤسسة العسكرية وزيادة الشفافية، فيما لوّح منظمو الاحتجاجات بتوسيع التحركات إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.
ويرى محللون أوكرانيون أن زيلينسكي سعى، من خلال إقالة سيرسكي، إلى تهدئة الشارع من دون الظهور بمظهر من يخضع بالكامل لضغوط المحتجين، خصوصاً أن إعادة فيدوروف إلى منصبه قد تمنحه نفوذاً سياسياً كبيراً داخل مؤسسات الدولة.

قيادة جديدة ورهان على الابتكار
ويُعد دراباتي، البالغ 43 عاماً، من أبرز قادة الجيل الجديد في الجيش الأوكراني، واشتهر منذ عام 2014 خلال المواجهات الأولى مع القوات الروسية بعد ضم موسكو لشبه جزيرة القرم. كما سبق له أن دعا علناً إلى معالجة أخطاء المؤسسة العسكرية وعدم التزام الصمت تجاه الإخفاقات.
ورحّب فيدوروف بتعيين دراباتي، عادّاً أنه يمثل «أملاً جديداً» في معركة أوكرانيا، بينما أكّد سيرسكي، في أول تعليق بعد إقالته، أن الجيش الأوكراني استعاد هذا العام 743 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التي كانت تسيطر عليها روسيا، وأنه يسلّم خلفه جيشاً لا يكتفي بالدفاع بل يواصل تنفيذ عمليات هجومية، وهو ادعاء لم يتسنَّ التحقق منه بصورة مستقلة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

موسكو: التغييرات لن تبدّل مسار الحرب
في المقابل، قلّلت موسكو من أهمية التغييرات في كييف، مؤكدة أنها لن تؤثر في مسار العمليات العسكرية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن القيادة الروسية متمسكة بشروطها السابقة لإنهاء الحرب، التي تشمل انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي أعلنت روسيا ضمّها، وتخلي كييف عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتقليص حجم جيشها.
وتزامنت التغييرات السياسية مع استمرار الهجمات المتبادلة بعيدة المدى، إذ أعلنت أوكرانيا استهداف مستودعات تابعة لشركة «وايلدبيريز» الروسية، بينما واصلت روسيا شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل امرأة في منطقة أوديسا.
