ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية... وأوتاوا تتوعد بالرد

واشنطن تستهدف سلعاً بـ20 مليار دولار برسوم 50 في المائة

TT

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية... وأوتاوا تتوعد بالرد

ترفرف أعلام الولايات المتحدة وكندا بجوار جسر بلو ووتر الحدودي في بوينت إدوارد، أونتاريو (أ.ف.ب)
ترفرف أعلام الولايات المتحدة وكندا بجوار جسر بلو ووتر الحدودي في بوينت إدوارد، أونتاريو (أ.ف.ب)

فتح الرئيس الأميركي دونالد ترمب جبهة جديدة في الحرب التجارية العالمية بإعلانه فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 50 في المائة على واردات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، في خطوة استند فيها إلى مادة قانونية لم تُستخدم من قبل منذ إقرارها قبل نحو قرن، بينما تعهدت كندا بمواصلة التفاوض مع واشنطن، مع تلويح مسؤولين كنديين بالرد إذا دخلت الإجراءات حيز التنفيذ.

وتشمل الرسوم الجديدة، المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 19 أغسطس (آب)، مجموعة واسعة من المنتجات الكندية، من بينها النبيذ، ومنتجات الألبان، والإسمنت، وأدوات الهوكي، وأحواض السباحة، والأثاث، وقضبان الصيد، والبذور، والملابس، والشعر المستعار، وغيرها من السلع.

وقالت وزارة التجارة الأميركية إن الرسوم ستطبق على واردات تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، أي ما يعادل 5.2 في المائة من إجمالي الواردات الأميركية من كندا، التي بلغت 382 مليار دولار خلال عام 2025.

استناد إلى قانون يعود إلى عام 1930

واستند ترمب في قراره إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، التي تمنح الرئيس الأميركي صلاحية فرض رسوم عقابية تصل إلى 50 في المائة على الدول التي يرى أنها تمارس تمييزاً ضد الصادرات الأميركية.

ويعد ذلك أول استخدام معروف لهذه المادة منذ دخولها حيز التنفيذ قبل نحو 96 عاماً، وهو ما منح القرار بعداً قانونياً وتاريخياً لافتاً.

وبررت الإدارة الأميركية الخطوة بما وصفته بـ«المعاملة التمييزية» التي تنتهجها كندا تجاه السيارات الأميركية والمشروبات الكحولية ومنتجات الألبان، إضافة إلى إجراءاتها الانتقامية رداً على الرسوم التي فرضتها واشنطن سابقاً.

قارب صيد يمر بجانب سفينة حاويات راسية قبالة ميناء لوس أنجلوس (أ.ف.ب)

وقال الممثل التجاري الأميركي، جيميسون غرير، في بيان: «بينما تواصل الإدارة إبرام اتفاقات تجارية عادلة ومتبادلة مع شركائها، تواصل كندا، بخلاف شركاء وحلفاء آخرين، اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الولايات المتحدة بسبب جهودها لإعادة التوازن التجاري وحماية الصناعات الأميركية ذات الأهمية للأمن القومي».

وأضاف أن الرسوم الجديدة تأتي أيضاً احتجاجاً على نظام إدارة إمدادات الألبان الكندي، والقيود المفروضة على السيارات الأميركية، إضافة إلى توقف معظم المقاطعات الكندية عن بيع المشروبات الكحولية الأميركية.

وأشارت الإدارة الأميركية إلى أن واردات كندا من السيارات الأميركية تراجعت 22 في المائة خلال العام الماضي، بينما هبطت وارداتها من المشروبات الكحولية الأميركية 81 في المائة.

كندا: الرسوم تنتهك الاتفاق التجاري

في المقابل، أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن حكومته قدمت مقترحات شاملة لتسوية الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة، معتبراً أن الرسوم الأميركية السابقة تنتهك اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).

وقال كارني في بيان: «هذا النزاع التجاري رفع تكاليف المعيشة على الأسر، ولا سيما في الولايات المتحدة»، مضيفاً أن كندا «مستعدة للدخول في مفاوضات مكثفة لمعالجة القضايا العالقة بما يخدم مواطني البلدين».

وشدد على أن بلاده ما زالت تؤمن بـ«فوائد التجارة الحرة والعادلة»، مشيراً إلى أن كندا أبرمت أكثر من عشرين شراكة اقتصادية وأمنية جديدة خلال الفترة الماضية.

ورغم ترك القرار الأميركي مهلة ثلاثين يوماً قبل دخوله حيز التنفيذ، فإن مسؤولين كنديين لوحوا بإجراءات مضادة إذا مضت واشنطن في تنفيذ تهديداتها.

وقال رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو دوغ فورد: «إذا مضت هذه الرسوم قدماً، فيجب أن ترد كندا برسوم مماثلة، دولاراً مقابل دولار».

من جانبها، وصفت الرئيسة التنفيذية لغرفة التجارة الكندية، كانديس لاينغ، القرار بأنه «مؤسف»، لكنها دعت إلى استغلال فترة الثلاثين يوماً لتحقيق تقدم في المفاوضات الرسمية.

كما دعا الرئيس التنفيذي لمجلس المشروبات الروحية الأميركي، كريس سوانغر، إلى التوصل لاتفاق يعيد فتح السوق الكندية أمام المنتجات الأميركية ويجنب قطاع الضيافة مزيداً من الأضرار.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال المؤتمر الوطني الليبرالي لعام 2026 في مونتريال (أرشيفية- أ.ف.ب)

إعفاءات رغم اتساع نطاق الرسوم

ورغم اتساع نطاق الرسوم، استثنت الإدارة الأميركية عدداً من السلع، من بينها منتجات الطاقة، والبوتاس، والأسماك، والمعادن الحيوية، إضافة إلى السلع المشمولة بالفعل برسوم مفروضة بموجب المادة 232 المتعلقة بالأمن القومي.

كما ستطبق الرسوم الجديدة حتى على بعض السلع التي كانت تتمتع بإعفاءات بموجب اتفاق التجارة الأميركي - المكسيكي - الكندي، وهو ما يعكس تشدداً أكبر في السياسة التجارية الأميركية.

انتقادات وتحذيرات من تداعيات اقتصادية

وأثار استخدام قانون يعود إلى حقبة الكساد الكبير انتقادات من خبراء التجارة الدولية، الذين حذروا من أنه قد يفتح الباب أمام استخدام الآلية نفسها ضد شركاء تجاريين آخرين، ويزيد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

وقال جون فيرونو، المسؤول التجاري الأميركي السابق في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، إن المادة 338 صُممت لضمان تطبيق الدول تعريفات جمركية متساوية على جميع الشركاء التجاريين، معتبراً أن استخدامها في الظروف الحالية «يتعارض مع روح القانون».

وأضاف: «قد تكون هذه الرسوم قانونية من الناحية الفنية، لكنها تبتعد عن المبدأ الذي قامت عليه المادة، وهو تحقيق معاملة متساوية بين الدول».

ووصف سكوت لينسكيكوم، نائب رئيس معهد «كاتو»، اللجوء إلى المادة 338 بأنه «الخيار النووي» في سياسة ترمب الجمركية، محذراً من أنه قد يخلق «قدراً هائلاً من عدم اليقين» في الاقتصاد العالمي.

رهانات سياسية قبل الانتخابات

ويرى محللون أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً سياسية، إذ يأتي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط انتقادات تواجه إدارة ترمب بشأن ارتفاع الأسعار.

ويؤكد البيت الأبيض أن الرسوم الجمركية ستشجع الشركات على نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة، إلا أن منتقدين يرون أنها سترفع تكاليف الواردات على الشركات الأميركية، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على المستهلكين.

وقالت النائبة الديمقراطية سوزان ديلبيني إن الرسوم الجديدة «سترفع الأسعار على الأسر الأميركية، وقد تؤدي إلى إجراءات انتقامية ضد الصناعات التي يقول ترمب إنه يسعى إلى حمايتها».

ويأتي القرار في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية - الكندية توتراً متصاعداً، شمل خلافات تجارية، وانتقادات أميركية لطريقة تعامل كندا مع حرائق الغابات التي أثرت في جودة الهواء داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى استمرار الخلافات بشأن تجارة السيارات ومنتجات الألبان والمشروبات الكحولية.


مقالات ذات صلة

قبل طرحها... إيرادات «أنثروبيك» تقفز 1100 % إلى 17 مليار دولار في الربع الثالث

الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

قبل طرحها... إيرادات «أنثروبيك» تقفز 1100 % إلى 17 مليار دولار في الربع الثالث

كشفت شركة «أنثروبيك» الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن قفزة كبيرة بإيراداتها خلال الربع الثالث، لتصل إلى 17 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 1100 في المائة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أسعار البنزين والديزل على لافتة خارج محطة وقود تابعة لشركة «شل» في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

أسعار الوقود الأميركية تسجل مستويات قياسية عشية انتخابات التجديد النصفي

تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطاً سياسية متزايدة، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، مع وصول تكاليف البنزين إلى مستويات قياسية عشية الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تكتسب بيانات التصنيع أهمية خاصة بالنسبة إلى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

النشاط الصناعي الأميركي يسجل أقوى نمو للإنتاج منذ 2021

سجل النشاط الصناعي في الولايات المتحدة تحسناً خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مدعوماً بأقوى نمو في الإنتاج منذ نحو 5 سنوات، في مؤشر على استمرار متانة القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد معالجة بطاقات الاقتراع البريدية استعداداً لانتخابات التجديد النصفي بمركز فرز تابع لهيئة البريد الأميركية في غولدن بكولورادو (رويترز)

من أوهايو إلى تكساس... ولايات أميركية تحسم رهانات «وول ستريت»

تترقب «وول ستريت» سباقات انتخابية في ولايات أميركية عدة، قد تحدد مستقبل العملات المشفرة ورسوم الائتمان واستثمارات مراكز البيانات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه إعادة صادرات الغاز الطبيعي الروسي إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط الأنابيب العابرة للأراضي الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

النفط يتراجع باكثر من 7 % مع انفتاح إيران على محادثات السلام

طائر يحلق على ارتفاع منخفض فوق الماء بينما ترسو سفن الشحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، إيران (أ.ب)
طائر يحلق على ارتفاع منخفض فوق الماء بينما ترسو سفن الشحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، إيران (أ.ب)
TT

النفط يتراجع باكثر من 7 % مع انفتاح إيران على محادثات السلام

طائر يحلق على ارتفاع منخفض فوق الماء بينما ترسو سفن الشحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، إيران (أ.ب)
طائر يحلق على ارتفاع منخفض فوق الماء بينما ترسو سفن الشحن في مضيق هرمز قبالة بندر عباس، إيران (أ.ب)

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 7 في المائة، الاثنين، مع تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، بعدما أجرى مسؤولون إيرانيون وقطريون محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، في تطور عزز التوقعات باستقرار إمدادات الخام من الشرق الأوسط.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية 8.66 دولار، بما يعادل 7.63 في المائة، إلى 104.77 دولار للبرميل. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 7.66 دولار، أو 7.36 في المائة، إلى 96.46 دولار للبرميل.

وكان برنت قد سجل خلال الجلسة أدنى مستوى عند 103.28 دولار، فيما بلغ أدنى سعر لخام غرب تكساس 95.15 دولار، وسط تفاعل الأسواق مع مؤشرات على احتمال إحراز تقدم دبلوماسي في مساعي إنهاء الحرب.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي منح الحكومة «صلاحيات معينة» لإجراء محادثات السلام، مضيفاً أن طهران «ستحاول حل المشكلة عبر الحوار»، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وجاءت هذه التصريحات بعد أيام من المحادثات بين مسؤولين إيرانيين وقطريين، في إطار جهود الوساطة لإنهاء الحرب. وفي مساء الاثنين، توجه وسطاء قطريون إلى طهران لإجراء محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، وإن ذلك «قد يحدث».

وقال المحلل لدى «ريموند جيمس»، بافيل مولتشانوف، إن المؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران دفعت أسعار النفط إلى الانخفاض، لكنه أشار إلى ضرورة التعامل بحذر مع هذه التوقعات، في ضوء ما وصفه بـ«الآمال الكاذبة» التي تكررت خلال الأشهر الماضية.

بدوره، قال محلل «يو بي إس»، جيوفاني ستاونوفو، إن سوق النفط لا تزال تتفاعل بحساسية شديدة مع كل خبر يرد من الشرق الأوسط، موضحاً أن مخاوف التصعيد الوشيك دفعت الأسعار إلى الارتفاع الأسبوع الماضي، قبل أن تتراجع بقوة مع بداية الأسبوع الحالي بالتزامن مع استمرار المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران.

وكان خام برنت قد أنهى تعاملات أكتوبر (تشرين الأول) عند أعلى مستوى له في ستة أشهر، وسط مخاوف من احتمال تجدد التصعيد في الشرق الأوسط عقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الثلاثاء.

استنزاف المخزونات

وتأتي التحركات الدبلوماسية في وقت تتزايد فيه الضغوط على إمدادات النفط العالمية، بعد موجة من الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز، رغم ظهور مؤشرات على ارتفاع الشحنات من بعض كبار المصدرين.

وارتفعت صادرات النفط الخام السعودية في أكتوبر مقارنة بسبتمبر (أيلول)، وفقاً لبيانات شركتين من أصل ثلاث شركات متخصصة في تتبع حركة الناقلات، وذلك رغم الهجمات التي شنها الحوثيون المتحالفون مع إيران على منشآت الطاقة السعودية.

ورغم التراجع الحاد في الأسعار، يرى محللون أن مخاطر نقص الإمدادات لا تزال قائمة، بما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً.

وكانت «غولدمان ساكس» قد توقعت، الأحد، أن يصل سعر خام برنت إلى 140 دولاراً للبرميل في عام 2027، إذا ظل إنتاج النفط في منطقة الخليج أقل بنحو 3.5 مليون برميل يومياً من متوسط مستوياته المسجلة في 2025.


«بنك القاهرة» يعزز توجهاً مصرياً نحو الاستفادة من أصول مملوكة للدولة

رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

«بنك القاهرة» يعزز توجهاً مصرياً نحو الاستفادة من أصول مملوكة للدولة

رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري في البورصة خلال بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

اتخذت الحكومة المصرية خطوة جديدة في مسار التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة عبر بيع 45 في المائة من أسهم «بنك القاهرة»، وعدّها البعض «مرحلة فارقة في مسار الإصلاح المالي»، في حين رآها آخرون «سيولة مؤقتة» تحرم البلاد من عوائد مستقبلية.

وحسبما نقلته «رويترز»، يوم الاثنين، فإن سهم «بنك القاهرة» ارتفع بنسبة وصلت إلى 7 في المائة في أول أيام تداوله بالبورصة المصرية، بعد أن باعت الحكومة حصة تبلغ 45 في المائة، ليكتمل بذلك «بيع تاريخي لأصول حكومية كان قد تأجل لما يقرب من عقدَين».

ويُعدّ تقليص دور الدولة في الاقتصاد إحدى الركائز الأساسية لبرنامج القرض المصري البالغ 8 مليارات دولار المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والمقرر أن ينتهي الشهر المقبل، وفق «رويترز».

وكانت الحكومة قد أعلنت خلال عام 2007 خططاً لخصخصة «بنك القاهرة»، سادس أكبر بنك في مصر من حيث الأصول؛ لكن الخطوة تأخرت بسبب الأزمة المالية العالمية، ثم جرى تأجيلها مراراً بعد ذلك.

وشمل الطرح 45 في المائة من أسهم البنك بسعر 5.30 جنيه للسهم، مما يجعل قيمة البنك 20.5 مليار جنيه (370 مليون دولار). وارتفع سعر السهم إلى 5.68 جنيه في التعاملات المبكرة، الاثنين، قبل أن يتراجع قليلاً.

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال احتفالية انطلاق التداول على أسهم البنك في البورصة المصرية بالقاهرة، إن تنفيذ هذا الطرح «يمثّل رسالة واضحة تعكس جدية الدولة والتزامها بالمضي قدماً في مسار الطروحات الحكومية رغم الظروف العالمية الصعبة والتحديات الإقليمية والدولية».

جانب من بدء تداول أسهم «بنك القاهرة» في البورصة يوم الاثنين (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويرى رئيس «مركز العاصمة للدراسات والأبحاث»، خالد الشافعي، أن تلك الخطوة «مرحلة فارقة ومهمة في مسار الإصلاح المالي وتحديث إدارة الأصول العامة»، مشدداً على أنه «من حيث القيمة الاستثمارية الحقيقية لا يُعد الإدراج تقليصاً لرصيد ثروة الدولة بقدر ما هو إعادة صياغة لكيفية إدارتها وتعظيم عوائدها الاقتصادية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الإجراء يتيح للدولة استعادة سيولة نقدية فورية ضخمة مع الاحتفاظ بـ55 في المائة بوصفها حصة حاكمة، ما يعني أن الدولة ما زالت تمتلك أغلبية المؤسسة وتجني الجزء الأكبر من أرباحها المستقبلية، فضلاً عن الاستفادة من ارتفاع قيمة السهم والبنك ككل بعد إدراجه وتداوله في السوق المالية.

في المقابل، يؤكد رئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، عضو مجلس الشيوخ ناجي الشهابي، لـ«الشرق الأوسط»، رفض حزبه القاطع سياسات بيع أصول الدولة والتخارج من المؤسسات الاقتصادية والمصرفية الوطنية. ويشدّد على أن «ممتلكات الدولة ليست مجرد أصول مالية تُباع لسد فجوات التمويل أو سداد الديون، وإنما هي ثروة وطنية تراكمت عبر أجيال، وتمثّل أحد أهم مرتكزات الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية».

وقال إن حزبه «لا يعارض مشاركة القطاع الخاص الوطني في التنمية، بل يعدّه شريكاً أساسياً في بناء الاقتصاد، لكنه يرفض تحويل هذه المشاركة إلى مبرر لبيع الممتلكات العامة»، مؤكداً أن «الاستثمار الحقيقي هو الذي يُنشئ مصانع جديدة، ويوفّر فرص عمل، ويزيد الإنتاج والصادرات، وليس مجرد نقل ملكية أصول قائمة من الدولة إلى مستثمرين آخرين».

ويشكّل إدراج «بنك القاهرة» جزءاً من حملة خصخصة أوسع نطاقاً تشمل أيضاً إدراجات مزمعة لأسهم شركات في قطاعَي النفط والتطوير، حسب مراقبين.

وأشار صندوق النقد الدولي مراراً إلى أن التقدم المحرز في إتاحة مجال أوسع لاستثمارات القطاع الخاص، بما في ذلك من خلال التخارج من الأصول المملوكة للدولة، «أبطأ من المتوقع».

وقال الشهابي إن التوسع في بيع الأصول والتخارج من المؤسسات الوطنية «يشكّل إحدى أخطر مراحل السياسات التي يفرضها الصندوق»، واستعرض بدائل في مقدمتها «إصلاح إدارة الشركات والمؤسسات العامة، وإقامة شراكات إنتاجية دون التفريط في الملكية العامة، إلى جانب دعم الصناعة والزراعة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وزيادة الصادرات».

كما حذّر من أن بيع الأصول قد يوفّر سيولة مالية مؤقتة، لكنه يحرم الدولة من جزء من عوائدها المستقبلية، مؤكداً أن «الأزمات المالية العابرة لا يجوز علاجها بقرارات دائمة تنقل ملكية أصول وطنية بُنيت بأموال المصريين وجهودهم عبر أجيال».

ورداً على المخاوف التي تعد الطرح تفريطاً في ممتلكات الدولة وحقوق الأجيال القادمة، قال الشافعي: «التفريط الحقيقي هو الإبقاء على الأصول مجمدة بإدارة غير مرنة أو تحمل تكاليف فرص ضائعة، في حين أن الشراكة عبر البورصة تُخضع المؤسسة لإفصاحات حوكمة صارمة ورقابة يومية تشترطها الهيئة العامة للرقابة المالية، وبدلاً من الاعتماد التام على موازنة الدولة في التمويل والتوسع، يصبح البنك قادراً على جذب رؤوس أموال ذاتية استثمارية».

ولفت إلى أن العوائد المتحققة للدولة تُوجَّه إلى إعادة الاستثمار في البنية التحتية، أو دعم الصناديق السيادية والتنموية، «مما يخلق أصولاً جديدة للأجيال القادمة بدلاً من حصر الثروة في كيانات مغلقة، مع بقاء أصل الملكية والسيطرة في يد المال العام».


قبل طرحها... إيرادات «أنثروبيك» تقفز 1100 % إلى 17 مليار دولار في الربع الثالث

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

قبل طرحها... إيرادات «أنثروبيك» تقفز 1100 % إلى 17 مليار دولار في الربع الثالث

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

كشفت شركة «أنثروبيك» الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عن قفزة كبيرة في إيراداتها خلال الربع الثالث من العام، لتصل إلى 17 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 1100 في المائة على أساس سنوي، وذلك في تحديث لإفصاحها المالي المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، قبل طرح أسهمها المرتقب في «وول ستريت».

وأظهرت البيانات المعدلة أن إيرادات الشركة، المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، بلغت 33.24 مليار دولار خلال الأشهر التسعة المنتهية في 30 سبتمبر (أيلول)، بزيادة تقارب 1200 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي الربع الثالث وحده، ارتفعت الإيرادات إلى نحو 17 مليار دولار، مقابل 1.4 مليار دولار قبل عام.

ورغم النمو السريع، سجلت الشركة صافي خسارة بلغ 23.3 مليار دولار خلال الربع الثالث، لترتفع خسائرها خلال الأشهر التسعة الأولى إلى نحو 104 مليارات دولار، مقارنة بـ25.1 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي. وعزت الشركة معظم هذه الخسائر إلى تغير القيمة العادلة للسندات القابلة للتحويل والالتزامات المرتبطة بالمشتقات المالية، وهي بنود محاسبية لا تعكس بالضرورة خسائر نقدية تشغيلية مماثلة.

وعلى مستوى الأداء التشغيلي، عادت الشركة إلى تسجيل خسارة تشغيلية بلغت 567 مليون دولار في الربع الثالث، مع ارتفاع تكلفة الحصول على قدرات الحوسبة قصيرة الأجل.

لكن الأرقام كشفت أيضاً عن حجم الالتزامات المالية المرتبطة بتوسع الشركة؛ إذ أفصحت «أنثروبيك» عن التزامات شراء واتفاقيات إيجار تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 895.4 مليار دولار، يرتبط معظمها بقدرات الحوسبة والبنية التحتية، ومن المقرر تنفيذ جزء كبير منها خلال السنوات الخمس المقبلة.

وارتفعت نفقات الحوسبة والبنية التحتية لدى الشركة بنحو 14.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بزيادة 329 في المائة على أساس سنوي، في ظل توسعها السريع لتلبية الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.

ويأتي الإفصاح المالي الجديد في وقت تستعد فيه «أنثروبيك» لطرح أسهمها في سوق الأسهم الأميركية، في خطوة يُنتظر أن تشكل اختباراً مهماً لشهية المستثمرين تجاه شركات الذكاء الاصطناعي، وسط تصاعد المخاوف بشأن ضخامة الاستثمارات المطلوبة لبناء مراكز البيانات وتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة.

وتعتمد «أنثروبيك» في توفير قدراتها الحاسوبية على شركات كبرى، من بينها «أمازون» و«غوغل» و«سبايس إكس»، إلى جانب مزودي خدمات الحوسبة السحابية المتخصصين. وتثير وتيرة الإنفاق المتزايدة تساؤلات لدى المستثمرين بشأن قدرة هذه الشركات على توفير البنية التحتية بالسرعة المطلوبة، وتحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى عوائد تجارية مستدامة.

وتكتسب عملية الطرح أهمية إضافية في ظل تراجع أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى الأسبوع الماضي، بعدما أثارت نتائجها المالية مخاوف بشأن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، في مقابل عدم وضوح العوائد التي بدأت تحققها تلك الاستثمارات.

ويتضمن إفصاح «أنثروبيك» المعدل، الذي يمتد لنحو 400 صفحة، أكثر من 90 صفحة مخصصة لعوامل المخاطر، تشمل احتياجات الشركة المعقدة للبنية التحتية، والتحديات السياسية والتنظيمية، والموازنة بين متطلبات السلامة والأهداف التجارية. وتأسست الشركة قبل خمس سنوات على يد داريو أمودي وعدد من الباحثين السابقين في «أوبن إيه آي»، التي تستعد بدورها لطرح أسهمها، مع ترجيحات بأن يكون ذلك في عام 2027.