كيف تعيد «الذاكرة الموحدة» صياغة الحوسبة والذكاء الاصطناعي؟

تعرّف على الحل الجذري الذي يرفع أداء أجهزة المستقبل

معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
TT

كيف تعيد «الذاكرة الموحدة» صياغة الحوسبة والذكاء الاصطناعي؟

معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث
معالج "آبل إم5 ماكس" الأحدث

هل فكرت يوماً لماذا تشتري ذاكرة RAM لجهازك وذاكرة VRAM منفصلة لبطاقة الرسومات، في حين تظل سعة كل منهما حبيسة مهام معينة؟ أصبحت ذاكرة الكمبيوتر في الآونة الأخيرة ذات تكلفة مرتفعة جداً بسبب الطفرة الكبيرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وحاجته الماسة إلى كل غيغابايت منها. وهذا الارتفاع بالأسعار قد يجعل المستخدم مضطراً إلى دفع مبالغ طائلة لشراء ذاكرة وصول عشوائي RAM كافية للألعاب أو تحرير عروض الفيديو أو تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، ويجد نفسه أيضاً مجبراً على شراء بطاقات رسومات ذات ذاكرة فيديو ضخمة وكافية للقيام بالمهام ذاتها.

ويعني هذا الأمر أن المستخدم يشتري الذاكرة مرتين ولا يشعر بالاستفادة القصوى منها؛ لأن المعالج المركزي وبطاقة الرسومات يتصرفان بأنانية، حيث يحفظ كل منهما مخزونه الخاص من الذاكرة بشكل منفصل تماماً. ومن هنا، تبرز فكرة عملية: ماذا لو كان بإمكانهما مشاركة الذاكرة معاً؟ في الواقع، هذا الأمر ممكن تماماً ويُعرف باسم الذاكرة الموحدة Unified Memory ويتم استخدامها في بعض المعالجات. ما هي هذه الفئة من الذاكرة، وكيف تعمل وهل سيكون مستقبل الحوسبة الشخصية مبنياً عليها؟

معالج "إنفيديا آر تي إكس سبارك" المقبل

لماذا «تتنافر» الذاكرات التقليدية؟

تقليدياً، يعتمد المعالج المركزي وبطاقة الرسومات على أنواع مختلفة تماماً من الذاكرة بسبب اختلاف طبيعة عملهما:

- المعالج المركزي: يُنفّذ أوامر للأغراض العامة خطوة بخطوة، ولا يمكنه الانتقال إلى الخطوة التالية حتى يحصل على البيانات المطلوبة. ولذلك؛ يعتمد المعالج على ذاكرة من نوع DDR لخفض المدة بين طلب البيانات واستعادتها، وهو ما يُعرف بمدة التأخر Latency.

- بطاقة الرسومات: تُركّز بالكامل على المعالجة المتوازية، حيث تعالج كتلاً ضخمة من البيانات لأداء آلاف العمليات المتشابهة في الوقت نفسه. ولذلك؛ فإن الاهتمام الرئيسي لها ليس مدة التأخر، بل عرض النطاق الترددي Bandwidth، وهو مقياس لكمية البيانات التي يمكن نقلها دفعة واحدة.

ويجعل هذا الاختلاف الجوهري عمليات نقل البيانات بين الذاكرتين صعبة للغاية ومكلفة برمجياً ومادياً. وقد يصل عرض النطاق الترددي لذاكرة الفيديو إلى 1.8 تيرابايت في الثانية، مع تقديم عرض نطاق ترددي مرتفع لذاكرة المعالج أيضاً، ولكن حلقة الوصل بينهما (PCIe من الجيل الخامس) لا تتجاوز 64 غيغابايت في الثانية، أي أنه يصعب مشاركة البيانات بالسرعة المطلوبة لعمل بطاقة الرسومات. ويمكن تشبيه الأمر بمدينتين كبيرتين لكل منهما طرقها الداخلية فائقة السرعة، ولكن حركة المرور التي تربط بينهما تمر عبر جسر واحد ضيق ومزدحم؛ ما يتسبب ببطء عملية النقل بين المدينتين وحدوث ازدحام خانق.

معالج "إيه إم دي ستريكس هالو" المقبل

من الأجهزة المدمجة إلى أجهزة الألعاب

الذاكرة الموحدة ليست فكرة وليدة اليوم، حيث قدمت شركة «إنتل» وحدات رسومات مدمجة مع المعالج منذ عقود، ولكنها لم تكن تعمل بالسرعة المطلوبة؛ لأن المهندسين لم يجدوا حينها طريقة فعالة لمشاركة الذاكرة بين وحدتي معالجة تمتلكان أنماط وصول مختلفة تماماً للبيانات. وكان الازدحام دائماً يكمن في طريقة النقل؛ فحتى لو أُلغيت المسافة المادية لممر PCIe، تظل البيانات في حاجة إلى الانتقال وتعتمد الكمية المنقولة على عرض الوسط الناقل Bus Width أو عدد المسارات على الطريق السريع للبيانات.

وتم التعامل تاريخياً مع هذه المشكلة وفقاً لحالة الاستخدام:

- في الحوسبة العامة: استخدمت «إنتل» و«إيه إم دي» معالجات الرسومات المدمجة iGPUs على شريحة المعالج المركزي نفسها. وطورت شرائح الهواتف الجوالة هذا الأمر بوضع الذاكرة بجانب المعالج مباشرة، إلا أنها تبقى متصلة عبر ناقل ضيق بدقة 64 أو 128 بت. ويُعدّ هذا الناقل كافياً للمعالج المركزي ولبعض الألعاب الخفيفة، ولكنه يقدم بطئاً واضحاً لوحدة معالجة الرسومات المتقدمة التي تتطلب عرض نطاق ترددي فائق.

- في أجهزة الألعاب المتخصصة: تخلت أجهزة «بلايستيشن 5» و«إكس بوكس سيريز إكس وإس» عن ذاكرة النظام المنفصلة واعتمدت على تجمع واحد كبير من ذاكرة GDDR6 ذات نطاق ترددي عالٍ (بناقل تبلغ دقته 256 و320 بت على التوالي) لدفع مئات الغيغابايت في الثانية. هذا الحل ينجح لأن الوظيفة الأساسية لهذه الفئة من الأجهزة هي معالجة رسومات الألعاب.وننتقل إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصي؛ فرغم قدرتها على تشغيل الألعاب المتقدمة، فإنها مطالَبة أيضاً بالتعامل مع آلاف المهام الحساسة في الوقت نفسه (مثل وظائف نظام التشغيل وتحميل الملفات من الإنترنت وحماية النظام من الفيروسات، وغيرها)؛ ولذلك ظل الاعتقاد السائد بأن الذاكرة الموحدة ستبقى حلاً مقتصراً على فئات استخدام محدودة.

معالج "سنابدراغون إكس 2 إيليت إكستريم" الجديد للأجهزة المحمولة

كيف نجحت «أبل» في كسر القيود؟

من جهتها، قدمت «أبل» مزيجاً ناجحاً يجمع بين الميزتين؛ فبدلاً من استخدام ذاكرة GDDR6 كما في أجهزة الألعاب، اعتمدت على ذاكرة LPDDR منخفضة الطاقة وأكثر سرعة في مدة التأخر. ولتعويض انخفاض عرض النطاق الترددي الطبيعي لهذا النوع من الذاكرة، لجأت الشركة إلى توسيع الناقل بشكل هائل؛ حيث بدأ من 128 بت في شريحة M1 الأساسية، وصولاً إلى ناقل ضخم بعرض 1.024 بت في شريحة M1 Ultra. هذا التصميم يعادل وجود 16 قناة ذاكرة تغذي شريحة واحدة؛ ما يوفر نطاقاً ترددياً يصل إلى 800 غيغابايت في الثانية.

ولم يتوقف الابتكار عند الأجهزة فحسب، بل شمل كذلك آلية تخصيص سعة الذاكرة الديناميكي، حيث كانت الأنظمة القديمة تقسم الذاكرة المشتركة إلى سعات ثابتة ومحددة سلفاً لكل من المعالج والرسومات، بينما تتيح تقنية «أبل» لأي طرف تغيير السعة لتي يحتاج إليها من التجمع بأكمله عند الطلب؛ ما يضمن توجيه الذاكرة بالكامل إلى مكان الحاجة الفعلي دون ترك أي جزء محجوز وخامل.

ولم تعد هناك حاجة إلى نسخ البيانات باستمرار ذهاباً وإياباً عبر مسارات PCIe نتيجة لمشاركة هذا التجمع الموحد؛ ما يوفر طاقة ووقتاً كبيرين ويقضي على مشكلة الحفاظ على مزامنة مجموعات البيانات المكررة. هذه الكفاءة العالية هي السر خلف الأداء الفائق لأجهزة «ماك» الأساسية المزودة بـ16 غيغابايت فقط من الذاكرة الموحدة مقارنة بسعرها.

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو: هل الذاكرة الموحدة هي الحل؟

وعلى الرغم من إطلاق شريحة M1 في عام 2020 قبيل الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم المحرك الأساسي خلف تدافع الجميع نحو الذاكرة الموحدة. وتتيح هذه التقنية تشغيل نماذج لغوية ضخمة محليا (مثل نموذج Llama بحجم 70 مليار مُعامل أو أكثر) بسهولة على أجهزة «ماك»؛ لأن الذاكرة المشتركة تستطيع استيعاب حجم النموذج بالكامل. وفي المقابل، لن تتمكن بطاقة رسومات منفصلة تحتوي على 32 غيغابايت من ذاكرة الفيديو بمفردها من احتواء نموذج بحجم 70 غيغابايت (لأن بقية البيانات ستكون مخزنة في الذاكرة العادية RAM التي تحتاج إلى عرض نطاق ترددي كبير لنقل ما تحتاج إليه من البيانات إلى ذاكرة بطاقة الرسومات)؛ الأمر الذي سيجبر المستخدم على شراء بطاقات عدة وإنفاق مبالغ طائلة.

ولا تقتصر فوائد الذاكرة الموحدة على الذكاء الاصطناعي فحسب؛ بل تمتد لتشمل العمل على الجداول الزمنية الضخمة لعروض الفيديو ومعالجة المشاهد ثلاثية الأبعاد العملاقة. خلاصة الأمر هي أن كل حالة استخدام تتطلب سعة كبيرة من ذاكرة الفيديو ستستفيد بشكل مباشر من هذا النظام، متحررة من قيود سعة 8 أو 12 غيغابايت الضئيلة الموجودة في بطاقات الرسومات المنفصلة التقليدية.

التوجه المقبل للقطاع التقني

وعلى الرغم من المكاسب الكبيرة التي تقدمها الذاكرة الموحدة، فإنه يوجد عيب رئيسي فيها هو عدم القدرة على ترقية سعة الذاكرة مستقبلاً؛ ففي الكمبيوتر التقليدي، يمكنك دائماً فتح العلبة وإضافة المزيد من الذاكرة، في حين لا تتيح الذاكرة الموحدة ذلك إلا إذا كان المستخدم يملك مهارات متقدمة في استخدام أدوات اللحام الإلكتروني Soldering؛ فسعة الذاكرة التي يشتريها المستخدم في الجهاز الأساسي هي السعة التي ستبقى معه؛ وهو ما يجعل أسعار ترقيات الذاكرة المرتفعة التي تقدمها «أبل» أمراً مزعجاً للغاية.

ورغم هذا الأمر، يتحول قطاع التقنية الآن نحو استخدام هذه التقنية بشكل رئيسي؛ حيث تسعى رقاقات جديدة مثل «إيه إم دي ستريكس هالو» AMD Strix Halo و«إنفيديا آر تي إكس سبارك» Nvidia RTX Spark و«سنابدراغون إكس 2 إيليت إكستريم» Snapdragon X2 Elite Extreme إلى جلب الذاكرة الموحدة إلى الكمبيوترات التي تعمل بنظام التشغيل «ويندوز».


مقالات ذات صلة

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

خاص يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي ضوابط جديدة للصلاحيات والمساءلة والمراقبة مع ضرورة تتبع القرارات واختبار آليات الإيقاف قبل التشغيل الفعلي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد إحدى جلسات المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

منتدى اليونيسكو في الرياض يبحث أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومخاطر تسارعه

جاء المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المنعقد حالياً بالرياض، في وقت يتصاعد فيه الجدل العالمي حول سرعة تطوير هذه التقنية.

عبير حمدي (الرياض)
خاص تدفع متطلبات السيادة على البيانات والامتثال قطاعات منظمة إلى تبني نماذج ذكاء اصطناعي هجينة وخاصة وفق طبيعة المعلومات والأحمال (أدوبي)

خاص المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي في السعودية: معلومات موثوقة وحوكمة أوسع

توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية يرفع أهمية المعلومات الموثوقة والحوكمة والسيادة على البيانات لتحويل الاستثمار إلى قيمة مؤسسية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

خاص «إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بتحويل القدرة الحاسوبية إلى تطبيقات تجارية، وكفاءات محلية، وبنية تقنية قابلة للتصدير.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«هيوماين» و«كاوست» تستكشفان إتاحة قدرات الحاسوب العملاق «شاهين 3» عبر السحابة

تستكشف «هيوماين» و«كاوست» إتاحة قدرات «شاهين 3» عبر السحابة لدعم الذكاء الاصطناعي والبحث والتطبيقات كثيفة الحوسبة.

نسيم رمضان (لندن)

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
TT

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

قبل أن تسمح المؤسسة لأول وكيل ذكاء اصطناعي باتخاذ إجراء داخل أنظمتها الفعلية، ينبغي أن تتمكن من الإجابة عن أربعة أسئلة عملية؛ من يتحمل مسؤولية سلوكه؟ ما الذي يُسمح له بالوصول إليه؟ هل يمكن إعادة بناء كل قرار اتخذه لاحقاً؟ وهل توجد وسيلة مجرّبة لإيقافه إذا انحرف عن المهمة؟

تصبح هذه المتطلبات، بحسب نيبو فارغيز، المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (FTI Consulting)، أكثر إلحاحاً مع انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم الإجابات والتوصيات إلى نشر وكلاء قادرين على الوصول إلى الأنظمة واستدعاء الأدوات وتنفيذ الإجراءات بأنفسهم.

تتزامن هذه النقاشات مع انطلاق النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض، الاثنين، الذي يستمر حتى 17 سبتمبر (أيلول). ويجمع المنتدى مسؤولين وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلين عن منظمات دولية وقطاعات حكومية وخاصة، لبحث حوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى سياسات وضوابط عملية تواكب تسارع استخدام الأنظمة الأكثر استقلالية.

ويشرح فارغيز أن المشكلة لا تكمن في أن الوكيل مجرد «مستخدم آلي» جديد يحتاج إلى حساب دخول آخر. فأنظمة الهوية والصلاحيات التقليدية صُممت أساساً للتعامل مع شخص بشري أو برنامج يتصرف بطريقة متوقعة ومتكررة. أما وكيل الذكاء الاصطناعي فيتصرف بالنيابة عن شخص، لكنه يستطيع أيضاً تحديد خطوته التالية بصورة ديناميكية، ما يجعل نمط سلوكه أقل قابلية للتوقع مسبقاً.

نيبو فارغيز المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

الصلاحيات الواسعة تتحول إلى نقطة ضعف

يضع هذا الاختلاف مسألة الصلاحيات في قلب المشكلة الأمنية. ويحذر فارغيز من التعامل مع الوكيل كما لو كان حساب خدمة تقليدياً يحمل مجموعة ثابتة من الصلاحيات ويدخل إلى أنظمة معروفة سلفاً.

فالوكيل قد يستدعي سلسلة من الأدوات والأنظمة أثناء محاولته إنجاز هدف معين، فيما يؤثر السياق الذي جمعه في بداية المهمة على القرارات التي يتخذها لاحقاً. ولهذا يرى أن الضوابط الموضوعة للبرمجيات التقليدية لن تكون كافية وحدها لإدارة المخاطر الجديدة.

ويطرح بديلاً يقوم على مبدأ «أقل قدر من الصلاحيات»، بحيث يحصل الوكيل على ما يحتاج إليه فقط لإنجاز المهمة المحددة، على أن تتغير صلاحياته عندما تتغير المهمة. ويشير إلى أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في منح الوكيل منذ البداية كامل مجموعة الصلاحيات التي قد يحتاج إليها مستقبلاً، بدلاً من الحد الأدنى اللازم للعمل الحالي.

وتتزايد حساسية هذه المسألة مع ضغوط إثبات العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت البيانات والأنظمة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها، بدا أكثر قدرة على إنجاز المهام؛ إلا أن الصلاحيات ذاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر إذا تعرض الوكيل للتلاعب أو الاختراق.

ويضرب فارغيز مثالاً بوكيل يمتلك صلاحية الكتابة في قواعد بيانات حساسة أو الوصول إلى مفاتيح أنظمة، إذ يستطيع تنفيذ إجراءات واسعة النطاق قبل أن يلاحظ أحد ما يحدث. وينوه أن تكون كل صلاحية ممنوحة قراراً متعمداً يرتبط بمالك محدد داخل المؤسسة.

هوية صحيحة... وفعل ضار

لا يكفي التحقق من أن الوكيل الذي نفذ الإجراء يحمل هوية صحيحة حيث إن المهاجم لا يحتاج في بعض السيناريوهات إلى انتحال هوية الوكيل أصلاً، إذ يمكنه التأثير في سلوكه بواسطة تعليمات خبيثة مخفية داخل محتوى يبدو موثوقاً، لتخرج النتيجة في سجلات المؤسسة وكأنها عملية مشروعة نفّذها وكيل مخول.

ولهذا يدعو فارغيز إلى تحليل مصدر الفعل وتوقيته والبيانات التي وصل إليها الوكيل، ومدى توافقها مع المهمة الموكلة إليه. ويشير إلى أن عملية مشروعة وأخرى خبيثة قد تبدوان متطابقتين عند النظر إلى سجل الوصول وحده، بينما تظهر الفروق عند جمع السياق والسلوك والنية المحيطة بالفعل. كما يدعو فرق الأمن إلى اختبار الوكلاء بالطريقة نفسها التي قد يستخدمها المهاجم، من خلال إدخال تعليمات خبيثة بصورة متعمدة ومراقبة ما إذا كانت أنظمة الرصد ستكتشفها أم ستسمح بمرورها باعتبارها نشاطاً طبيعياً.

تصبح مراقبة سلوك الوكلاء واكتشاف الانحرافات آلياً أكثر أهمية مع زيادة سرعة وعدد العمليات التي ينفذونها.

عندما تصبح سرعة الآلة مشكلة أمنية

يرى فارغيز أن الاعتماد على محلل بشري يراجع السجلات بعد وقوع الحدث لم يعد نموذجاً عملياً في مثل هذه البيئات. ويلفت أن الحل هو بناء خط أساس للسلوك الطبيعي لكل وكيل يشمل حجم النشاط وتسلسله وتوقيته والأدوات التي يستخدمها، ثم اكتشاف الانحرافات آلياً. فإذا بدأ وكيل مالي، على سبيل المثال، في الاستعلام عن أنظمة الموارد البشرية، أو شرع وكيل اعتاد العمل خلال ساعات الدوام في تنفيذ عمليات عند الثالثة صباحاً، فهذه إشارات تستحق التحقيق حتى لو كانت كل عملية منفردة تبدو مسموحاً بها تقنياً.

متى يجب أن يتدخل الإنسان؟

على الرغم من الاتجاه نحو زيادة الاستقلالية، لا يرى فارغيز أن كل قرار يجب أن يُترك للوكيل. ويفيد بأن العمليات التي يصعب التراجع عنها أو التي يمكن أن تسبب ضرراً كبيراً عند الخطأ ينبغي أن تبقى مرتبطة بموافقة بشرية، خصوصاً عندما تتعلق ببيانات العملاء، أو التزامات مالية، أو تغييرات في الوضع الأمني للمؤسسة، مثل تعديل الصلاحيات أو تعطيل الضوابط الأمنية.

ويتجاوز الإيقاف مجرد الضغط على زر يعطل الوكيل، إذ ينبغي حفظ حالته عند التعليق لفهم ما فعله، إلى جانب تحديد الإجراءات التي بدأ تنفيذها بالفعل قبل الإيقاف وما إذا كان بالإمكان التراجع عنها. كما يوصي بأن تُختبر آلية التعليق بواسطة أشخاص لم يشاركوا في تطوير الوكيل نفسه.

لا يكفي التحقق من الهوية وحده لأن التلاعب قد يحدث عبر تعليمات خبيثة داخل محتوى يبدو موثوقاً (رويترز)

سجل يعيد بناء القرار كاملاً

مع الوكلاء المستقلين، لا يكفي تسجيل النتيجة النهائية، بل يجب حفظ المعلومات الكافية لإعادة بناء القرار بالكامل بدءاً من التعليمات التي بدأت العملية، ومن أصدرها، والبيانات والأدوات التي استخدمها الوكيل، وصولاً إلى الصلاحيات التي نُفذت تحتها كل خطوة، والنتيجة النهائية.

ويشير فارغيز إلى أن بعض منصات الوكلاء بدأت بالفعل بتخصيص هوية وسجل دخول وتاريخ تدقيق لكل وكيل، مع إمكانية ربط الإجراء بالشخص أو القالب الذي يقف خلفه. لكن هذه القدرات ما زالت مرتبطة بالمنصات الفردية، ولا يوجد حتى الآن معيار واسع التبني لتسجيل هذه المعلومات ومشاركتها بصورة متسقة بين الأنظمة المختلفة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يعمل عدة وكلاء معاً، إذ قد لا يظهر الخلل عند تقييم كل واحد منها منفرداً، بل في عمليات التسليم والتفاعل بينها. ولذلك، يعدّ فارغيز أن اختبارات المحاكاة والهجوم أكثر فاعلية من مراجعة السياسات وحدها في اكتشاف المخاطر الكامنة بين الوكلاء.

الشرق الأوسط أمام فرصة للبناء منذ البداية

يرى فارغيز أن وتيرة نشر الذكاء الاصطناعي تتسارع، مشيراً إلى خطط في الإمارات للانتقال بخدمات حكومية نحو الذكاء الاصطناعي المستقل خلال العامين المقبلين، وإلى توجه مركز دبي المالي العالمي نحو بناء مركز مالي «مولود للذكاء الاصطناعي» بحلول 2027، إلى جانب زخم مماثل في السعودية ضمن «رؤية 2030».

ويعتبر أن سرعة التبني في المنطقة لا تعني بالضرورة أن الحوكمة يجب أن تأتي لاحقاً، بل قد تمنح المؤسسات فرصة لبناء ضوابط الهوية والمراقبة والأمن منذ البداية، قبل أن يصبح الوكلاء جزءاً واسع الانتشار من البنية التشغيلية.

ولهذا يعود فارغيز إلى أربعة شروط قبل السماح لأي وكيل بالعمل فعلياً؛ يجب أن يكون مسؤولاً تنفيذياً معروفاً يمتلك سلطة إيقافه، وله صلاحيات مصممة وفق احتياجات المهمة، وسجلات كافية لإعادة بناء كل فعل، وآلية تعليق جرى اختبارها بصورة مستقلة.

ويؤكد فارغيز أن الاختبار الحقيقي لهذه الضوابط لا يكون على الورق، بل عندما تتعرض لمحاولة إساءة استخدام متعمدة، وأن المؤسسات بحاجة إلى الانتقال من مراجعة وكلائها نظرياً إلى اختبارهم تحت ظروف تحاكي هجوماً حقيقياً قبل منحهم القدرة على التصرف داخل الأنظمة الإنتاجية.


«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)

أفاد تحديث من «أمازون ويب سيرفيسز» اطلعت عليه وكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، بأن الخدمة غير قادرة على استعادة الوصول إلى منشأة الحوسبة السحابية التابعة لها في البحرين وإلى إحدى مناطق استضافة البيانات الثلاث في الإمارات، وذلك عقب أضرار لحقت بها خلال حرب إيران.

وذكرت وحدة الحوسبة السحابية التابعة لـ«أمازون» أن الأضرار في البحرين شملت عدداً مما يُعرف بمناطق التوافر، وهي تجمعات تضم مركز بيانات واحداً أو أكثر في المنطقة الجغرافية نفسها.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في التحديث الذي كانت «رويترز» أول من نشر عنه: «امتدت الأضرار التي لحقت ببنيتنا التحتية إلى مناطق توافر عدة، وتجاوزت ما صُممت خدماتنا الإقليمية وخدماتنا متعددة مناطق التوافر لتحمله». وأضافت أنها تساعد عملاءها في البحرين على استئناف عملياتهم في مناطق أخرى.

وأشارت «أمازون ويب سيرفيسز» إلى أنها لم تتمكن في الإمارات من استعادة الوصول إلى موارد وبيانات مستضافة بصورة حصرية في منطقة توافر واحدة تعرف باسم إم إي سي 1- إيه. زد 2. وأضافت أنها تواصل العمل على استعادة الموارد في الإمارات ككل وفي منطقتي التوافر الأخريين المتضررتين.

بدأت الاضطرابات في مارس (آذار) عقب هجمات أميركية وإسرائيلية على إيران ردت عليها طهران بضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في ذلك الوقت، إن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرّضتا لضربات مباشرة، بينما ألحق هجوم بطائرة مسيّرة قرب إحدى منشآتها في البحرين أضراراً مادية ببنيتها التحتية. ونقلت «رويترز» عن مصدر مطّلع في ذلك الوقت قوله إن الانقطاعات في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» أثّرت في بعض العمليات المصرفية.

وذكرت «رويترز»، الأسبوع الماضي، أن الإمارات تعدّل خططاً لمشروع كبير لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي عقب الهجمات الإيرانية، بما في ذلك بحث توزيع المنشآت واستخدام بنية تحتية تحت الأرض ومقاومة للانفجارات.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في تحديث اليوم إنه بعد تضرر أول منطقة توافر في البحرين في مارس، بدأت الشركة توصي العملاء بنقل أحمال العمل إلى مناطق أخرى. وأضافت أن معظمهم فعلوا ذلك قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة عقب تعطل منطقة توافر ثانية في أبريل (نيسان).

وأضافت أنها دعمت منذ ذلك الحين العملاء في إعادة تأسيس عملياتهم في مناطق بديلة، باستخدام النسخ الاحتياطية في حالة توافرها أو تطبيق حلول بديلة للحد من تأثير البيانات التي يتعذر الوصول إليها.

وقالت الشركة إنها قيّمت البنية التحتية المتضررة، واستنفدت كل الخيارات لاستعادة البيانات والموارد التي لم تُنقل قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة.

وذكرت أنها لا تزال ملتزمة بدعم العملاء في البلدين.

وقالت الشركة إنها تعمل في الإمارات على استبدال البنية التحتية المتضررة، وإنها ستقدم تحديثاً بشأن استعادة الخدمات في الأشهر المقبلة، وأضافت أنها ستقدم أيضاً تحديثاً آخر في أوائل 2027 بشأن العمليات في البحرين.

وقالت الشركة إنها أبلغت السلطات المعنية في البلدين، وتواصل العمل معها.


حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
TT

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟

تخيّل صباحاً عادياً في عام 2030. يصل الطبيب إلى عيادته، والمهندس إلى مكتبه، والمحاسب إلى شركته، والمبرمج إلى حاسوبه... لكنّ «زميلاً» جديداً سبقهم جميعاً إلى العمل: نظام ذكاء اصطناعي قرأ الملفات، وحلّل البيانات، وأعدّ التقارير، وربما أنجز خلال دقائق مهام كانت تحتاج سابقاً إلى ساعات.

عندها لن يكون السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: أي جزء من وظائفنا سيبقى لنا؟ ومن سيحصل على الثروة التي يصنعها؟

هذا السؤال أصبح موضوعاً للبحث العلمي؛ ففي 2 يونيو (حزيران) 2026 نشرت دورية «Annual Review of Economics» دراسة بعنوان «النمو الاقتصادي في ظل الذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Growth Under Transformative AI) للباحثين فيليب تراميل، من مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد، وأنطون كورينيك، من جامعة فيرجينيا والمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER). وتطرح الدراسة مفارقة قد تحدد اقتصاد العقد المقبل: إذا استطاع الذكاء الاصطناعي إنجاز جزء كبير من العمل المعرفي بدلاً من البشر، فقد ترتفع الإنتاجية والنمو بصورة هائلة، من دون أن ترتفع أجور البشر بالنسبة نفسها. وبعبارة أبسط: قد يصبح الاقتصاد أغنى... من دون أن يصبح العامل أغنى بالقدر نفسه.

3 طرق إلى عام 2030

في سبتمبر (أيلول) 2026، أطلق «معهد أنثروبيك» (Anthropic Institute) النسخة الأولى من «مستكشف السيناريوهات الاقتصادية» (Econ Scenario Explorer)، استناداً إلى تقرير «السيناريوهات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Scenarios for Transformative AI)، للباحث أنطون كورينيك وزملائه.

ولا يتنبأ النموذج بما سيحدث؛ بل يسأل سؤالاً علمياً: كيف يمكن أن يبدو الاقتصاد الأميركي عام 2030 إذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعات مختلفة؟

وجاءت الإجابة في 3 سيناريوهات:

* في السيناريو «المتواضع»، يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، لكن تأثيره يبقى شبيهاً بثورة الإنترنت: واسعاً، لكنه تدريجي وقابل للاستيعاب. ويصل الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في النموذج إلى نحو 34.1 تريليون دولار بأسعار 2025.

* أما السيناريو «الجوهري»، فيفترض أن يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء نصف العمل المعرفي بحلول 2030. عندها يرتفع الناتج إلى نحو 36.3 تريليون دولار؛ أي أعلى بنحو 8.3 في المائة من اقتصاد مماثل من دون التأثير المفترض للذكاء الاصطناعي.

3 طرق إلى 2030... أي مستقبل ينتظر الإنسان؟

* لكن السيناريو «المتطرف» يرسم عالماً مختلفاً جذرياً: أنظمة تتفوق على البشر في معظم المهام المعرفية، وتنجز غالبية تلك الأعمال بصورة مستقلة. وفي هذه الحالة الافتراضية، قد يصل النمو الاقتصادي إلى نحو 15 في المائة سنوياً، ويرتفع الناتج إلى 44.4 تريليون دولار عام 2030.

إنها أرقام تبدو للوهلة الأولى خبراً رائعاً: إنتاجية أعلى واقتصاد أكبر بكثير. لكنها تقود إلى السؤال الأكثر أهمية في الدراسة: إذا أصبح الاقتصاد أغنى بفضل الذكاء الاصطناعي، فمن سيحصل على هذه الثروة؟... الإنسان أم الآلة ومن يملكها؟

حين تكبر الكعكة وتصغر حصة العامل

هنا تكتسب الدراسة المنشورة في «Annual Review of Economics» أهميتها؛ فتراميل وكورينيك يخلصان إلى أن إسناد جزء كبير من العمل والإنتاج إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلاً من البشر يمكن، في بعض النماذج الاقتصادية، أن يسرّع النمو بصورة غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه يخفض حصة العمل البشري من الدخل. أما الأجور، فقد ترتفع أو تنخفض تبعاً لطبيعة التطور التقني والموارد وعوامل اقتصادية أخرى. وهنا تكمن المفارقة: ازدهار الاقتصاد لا يعني بالضرورة ازدهار أجور البشر.

وتجسد سيناريوهات «Anthropic» هذه الفكرة رقمياً؛ ففي السيناريو المتطرف، تنخفض أجور العاملين في الوظائف المعرفية بأكثر من 10 في المائة بحلول 2030. والأكثر إثارة أن حصة العمل من الناتج، التي تبلغ نحو 59.4 في المائة في السيناريو المتواضع، تهبط إلى 45.2 في المائة في السيناريو المتطرف، بينما ترتفع حصة رأس المال إلى 54.8 في المائة؛ أي إن الاقتصاد قد ينتج ثروة أكبر بكثير، لكن نصيب العامل البشري النسبي منها يصبح أصغر. وهنا يظهر سؤال يتجاوز الاقتصاد إلى المجتمع نفسه: إذا كانت الخوارزميات ستنتج جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيمتلك هذه الثروة؟ وكيف ستوزع مكاسبها؟

هل بدأت الوظائف تتأثر فعلاً؟

لكن، هل بدأت هذه السيناريوهات تظهر في سوق العمل اليوم؟ في 5 مارس (آذار) 2026، نشر الباحثان مكسيم ماسينكوف وبيتر ماكروري من فريق «Anthropic»، دراسة بعنوان «تأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل: مقياس جديد وأدلة أولية» (Labor Market Impacts of AI: A New Measure and Early Evidence). وابتكر الباحثان مقياساً يجمع بين ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه نظرياً، وما يُستخدم فعلياً منه في أماكن العمل.

وجاءت النتيجة أكثر تعقيداً من الحديث عن «اختفاء الوظائف»، فلم يجد الباحثان حتى ذلك التاريخ ارتفاعاً واضحاً ومنتظماً في البطالة بالمهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي. لكنهما رصدا إشارة مبكرة تستحق الانتباه: توظيف الشباب قد يكون بدأ يتباطأ في بعض هذه المهن.

وكشفت الدراسة أيضاً فجوة مهمة؛ فما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي إنجازه تقنياً أكبر بكثير مما تستخدمه المؤسسات فعلياً اليوم. وقد تكون هذه الفجوة هي الأهم: إنها النافذة الزمنية المتاحة أمام العالم للاستعداد قبل أن تتحول القدرة التقنية إلى واقع يومي في سوق العمل.

الوظيفة لا تختفي... بل تتغير

لكن الحديث عن اختفاء «الوظائف» قد يكون مضللاً؛ فالطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والمحامي لا يقوم أي منهم بمهمة واحدة، بل بعشرات المهام. بعضها يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه بدلاً من الإنسان، وبعضها يعزز فيه قدراته، بينما يظل جزء منها محتاجاً إلى الحكم البشري والخبرة والمسؤولية المهنية.

في الرعاية الصحية، مثلاً، يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيص السجل الطبي، وتحليل البيانات، والمساعدة في فرز المرضى. لكنه يجعل مهمة بشرية أخرى أكثر أهمية: مراجعة قرار الخوارزمية ومعرفة متى ينبغي الاعتراض عليه.

لذلك ربما لا يكون الأكثر أماناً في سوق العمل عام 2030، هو من يعمل في مهنة بعيدة عن الذكاء الاصطناعي، بل من يعرف ماذا يسلّم إليه، وماذا يحتفظ به لنفسه، ومتى لا يثق بإجابته.

من سيدفع الضرائب إذا تراجع العمل؟

يطرح التحول سؤالاً أبعد من الوظائف والأجور: ماذا سيحدث للدولة إذا أصبحت نسبة متزايدة من الثروة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي ورأس المال، بدلاً من عمل البشر؟

في فبراير (شباط) 2026، نشر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER) دراسة للباحثين أنطون كورينيك ولي لوكوود بعنوان «المالية العامة في عصر الذكاء الاصطناعي: مدخل تمهيدي» (Public Finance in the Age of AI: A Primer). وناقشت الدراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التحويلي أن يضعف تدريجياً مصدرين أساسيين تعتمد عليهما النظم الضريبية الحديثة: دخل العمل والاستهلاك البشري.

وهنا يتجاوز السؤال مستقبل الطبيب أو المحاسب أو المبرمج: إذا أنتجت الآلات جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيدفع الضرائب؟ وكيف ستوزع الدول مكاسب هذه الثورة بين أفراد المجتمع؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

العالم العربي وسباق وظائف المستقبل... هل نحن مستعدون؟

هذه الدراسات والنماذج بُنيت أساساً على الاقتصاد الأميركي، ولذلك لا يمكن نقل أرقامها حرفياً إلى السعودية أو الاقتصادات العربية. لكن الأسئلة التي تطرحها تهم منطقة تستثمر بسرعة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي واقتصاد المعرفة.

فهل نقيس نجاح الذكاء الاصطناعي بعدد المهام التي يستطيع إنجازها بدلاً من البشر؟ أم بعدد الوظائف الجديدة والأفضل التي يساعد في خلقها؟ والسؤال يبدأ من الجامعات: هل نستمر في إعداد الطالب لمهنة ثابتة؟ أم نعدّه لعالم تتغير فيه المهنة نفسها؟ وهذا يعني تعزيز قدرات يصعب الاستغناء عنها: التفكير النقدي، والحكم المهني، والإبداع، والتواصل الإنساني، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي ومراجعة قراراته.

فالاستعداد لسوق عمل 2030 ينبغي أن يبدأ قبل الوصول إليه؛ لأن إعداد الإنسان للتحول أسهل من محاولة إنقاذ وظيفته بعد أن يكون التحول قد حدث.

الإنسان والذكاء الاصطناعي... من يعرف متى يقول «لا»؟

الإنسان الذي يعرف متى يقول «لا»

لا تقول هذه الدراسات إن عام 2030 سيكون عالماً بلا وظائف، ولا إن السيناريو الأكثر تطرفاً سيتحقق. لكنها تكشف أن مستقبل العمل لم يعد مجرد قضية تكنولوجية؛ بل أصبح سؤالاً علمياً واقتصادياً وإنسانياً.

وحين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلنا، لن تكون أثمن مهارات الإنسان أن ينافس الآلة في سرعة القراءة أو الحساب أو تحليل البيانات؛ بل أن يمتلك ما لا ينبغي أن نتخلى عنه بسهولة: فهم السياق، والحكم البشري، وتحمل المسؤولية، والقدرة على الشك عندما ينبغي الشك.

فربما لن يكون السؤال في 2030: من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل: من يعرف متى يثق به؟... ومتى يقول له «لا»؟