كأس العالم… هل تفقد بريقها مع كل توسع؟

الحديث عن 64 منتخباً لم يعد مجرد فكرة هامشية (أ.ف.ب)
الحديث عن 64 منتخباً لم يعد مجرد فكرة هامشية (أ.ف.ب)
TT

كأس العالم… هل تفقد بريقها مع كل توسع؟

الحديث عن 64 منتخباً لم يعد مجرد فكرة هامشية (أ.ف.ب)
الحديث عن 64 منتخباً لم يعد مجرد فكرة هامشية (أ.ف.ب)

قبل سنوات، كان توسيع كأس العالم إلى 48 منتخباً يُعد أكبر تغيير في تاريخ البطولة. واليوم، لم يعد الحديث عن 64 منتخباً مجرد فكرة هامشية، بعدما فتح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو الباب أمام هذا الاحتمال، في خطوة تعكس توجهه المستمر نحو زيادة عدد المنتخبات والمباريات والعوائد المالية، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات واسعة بشأن القيمة الرياضية لأهم بطولة كروية في العالم.

بدأت فكرة التوسع من اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول)، الذي اقترح في أبريل (نيسان) 2025 إقامة نسخة استثنائية من كأس العالم 2030 بمشاركة 64 منتخباً، تزامناً مع الذكرى المئوية لأول مونديال أُقيم في أوروغواي عام 1930. وستقام نسخة 2030 في المغرب وإسبانيا والبرتغال، مع استضافة أوروغواي والأرجنتين وباراغواي ثلاث مباريات افتتاحية احتفالاً بالمئوية، بينما يرى «كونميبول» أن زيادة عدد المنتخبات ستمنح القارة عدداً أكبر من المباريات، وتتيح مشاركة دول أكثر في المناسبة التاريخية.

ورغم أن إنفانتينو لم يعلن تبنيه الرسمي للمقترح، فإنه أبدى انفتاحاً واضحاً عليه، عادّاً أن منح الدول الصغيرة فرصة المشاركة يمنحها حافزاً أكبر لتطوير كرة القدم. لكن هذا الطرح لم يحظَ بإجماع داخل الأسرة الكروية. فقد وصف رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ألكسندر تشيفرين الفكرة بأنها «سيئة» للبطولة وللتصفيات، بينما حذر رئيس اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) فيكتور مونتالياني من تأثيرها السلبي على منظومة كرة القدم، في حين رأى رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة أن أي توسع إضافي قد يقود إلى «الفوضى».

يدافع أنصار التوسع عن الفكرة بوصفها وسيلة لتوسيع قاعدة اللعبة عالمياً ومنح منتخبات جديدة فرصة الظهور على المسرح الأكبر. وقدمت النسخة الأخيرة من كأس العالم أمثلة استشهد بها المؤيدون، بعدما خطف منتخب الرأس الأخضر الأضواء بوصوله إلى دور الـ16، عقب تجاوزه دور المجموعات، قبل أن يودع البطولة بصعوبة أمام الأرجنتين بعد التمديد. لكن في المقابل، كشفت البطولة أيضاً الفجوة الفنية بين المنتخبات، إذ خرجت منتخبات مثل هايتي والعراق والأردن وبنما وتونس وأوزبكستان من دور المجموعات من دون أي نقطة، وهو ما أعاد النقاش حول ما إذا كانت زيادة عدد المشاركين ستؤدي إلى انخفاض المستوى التنافسي.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، يرى منتقدو المقترح أن توسيع البطولة سيجعل خروج المنتخبات الكبرى من الدور الأول أكثر ندرة، بعدما شهدت النسخ السابقة مفاجآت مدوية، مثل خروج إيطاليا في 2010، وإسبانيا في 2014، وألمانيا في 2018، وبلجيكا في 2022. وحسب نتائج التصفيات المؤهلة للنسخة الأخيرة، فإن التوسع إلى 64 منتخباً كان سيمنح بطاقات إضافية لمنتخبات مثل إيطاليا والدنمارك وبولندا، إلى جانب نيجيريا والكاميرون وفنزويلا والإمارات وعُمان وإندونيسيا وجامايكا وهندوراس وبوليفيا وغيرها.

وتبرز هنا معضلة جديدة، إذ يرى بعض المتابعين أن زيادة عدد المقاعد قد تمنح قارات أقل تنافسية حصصاً إضافية، بينما تمتلك أوروبا وأفريقيا عدداً أكبر من المنتخبات القادرة فعلياً على المنافسة في الأدوار الإقصائية. في المقابل، يؤكد المدافعون عن المشروع أن المشاركة في كأس العالم تمثل عاملاً مهماً في تطوير كرة القدم داخل الدول الناشئة، سواء على المستوى الفني أو الاستثماري.

ولا يقتصر الجدل على الجانب الفني، إذ يفرض توسيع البطولة تحديات تنظيمية ضخمة. فإضافة 16 منتخباً تعني إقامة 24 مباراة إضافية، وهو ما قد يمدد البطولة عدة أيام، ويستلزم عدداً أكبر من الملاعب ومراكز التدريب والفنادق والبنية التحتية. كما يفرض تغير المناخ تحدياً إضافياً، بعدما شهدت البطولات الأخيرة درجات حرارة مرتفعة، ما جعل جدولة المباريات أكثر تعقيداً، خصوصاً في الدول التي لا تمتلك ملاعب مغطاة أو مكيفة.

ويرى مراقبون أن تنظيم بطولة بهذا الحجم قد يجعل الاستضافة المشتركة الخيار الأكثر واقعية مستقبلاً، مع صعوبة استضافة دولة واحدة لجميع متطلبات البطولة. ويبقى الجانب الاقتصادي أحد أبرز دوافع التوسع. فمنذ وصول إنفانتينو إلى رئاسة «فيفا»، ارتفعت قيمة البرامج المالية المقدمة للاتحادات الوطنية والقارية، مع اعتماد الاتحاد الدولي بصورة أكبر على الإيرادات المتأتية من كأس العالم.

وكان «فيفا» قد قدر سابقاً أن النسخة الموسعة إلى 48 منتخباً سترفع الإيرادات بشكل كبير، قبل أن يعيد رفع توقعاته بعد زيادة عدد المباريات في النظام الجديد، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن أي توسع جديد إلى 64 منتخباً سيحقق عوائد أكبر من حقوق البث والرعاية والتذاكر. وبينما يقدم الاتحاد الدولي المشروع بوصفه خطوة لتوسيع انتشار اللعبة عالمياً، يرى منتقدوه أن السؤال لم يعد يتعلق بإمكانية تنظيم بطولة أكبر، بل بما إذا كانت زيادة عدد المنتخبات ستخدم جودة كأس العالم، أم ستجعل البطولة أقرب إلى تصفيات موسعة تسبق الأدوار الإقصائية.


مقالات ذات صلة

مونديال التاريخ… عندما واجهت إسبانيا ظلال إمبراطوريتها القديمة

رياضة عالمية الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا برفقة الأميرتين ليونور وإنفانتا صوفيا تقدموا الصورة مع لاعبي المنتخب الإسباني لكرة القدم في قصر «زارزويلا» بمدريد بعد تتويج الفريق ببطولة كأس العالم (أ.ب)

مونديال التاريخ… عندما واجهت إسبانيا ظلال إمبراطوريتها القديمة

يرتبط في أذهان كثيرين تعبير «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» ببريطانيا الفيكتورية التي بسطت نفوذها مع مطلع القرن الـ20 من كندا إلى هونغ كونغ، لكن...

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية رودريغو هيرنانديز (أ.ف.ب)

رودري… سيد الإيقاع الصامت في كرة القدم الحديثة

في حقبة كروية صاخبة تلهث فيها الكاميرات خلف المهاجمين وأصحاب المهارات الاستعراضية نجح رجل واحد في إعادة الاعتبار للمراكز غير المرئية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية مستقبل ليونيل ميسي يفتح التساؤلات حول شكل الأرجنتين بعد قائدها التاريخي (أ.ف.ب)

ميسي والأرجنتين… كيف تبدأ الحياة بعد رحيل الأعظم؟

ماذا يحدث عندما يرحل أعظم لاعب في التاريخ؟... هذا هو السؤال الذي قد يفرض نفسه قريباً على المنتخب الأرجنتيني، بعد خسارته أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026

The Athletic (نيويورك )
رياضة عالمية زيدان خلال حضوره نهائي كأس العالم بعيداً عن الأضواء (أ.ف.ب)

زيدان... الرجل الذي انتظر قيادة منتخب فرنسا

بعد نهاية علاقة طويلة وعميقة بين ديدييه ديشان والمنتخب الفرنسي، قد يكون من الطبيعي أن تدخل فرنسا مرحلة من التريث وإعادة التقييم قبل بدء حقبة جديدة

The Athletic (نيويورك )
رياضة عالمية تحية متبادلة بين ميسي ولامال في نهائي المونديال (د.ب.أ)

«توبس» تحول صورة ميسي ويامال وعرض النهائي إلى بطاقات استثنائية

أعلنت شركة «توبس» المتخصصة في إصدار البطاقات الرياضية التذكارية مجموعة جديدة مرتبطة بنهائي كأس العالم، تتصدرها الصورة الشهيرة التي جمعت النجمين ميسي ويامال.

The Athletic (نيويورك )