
قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي في العثور على النسخة الورقية منها، كما لم تنجح النسخة الإلكترونية في إغرائي بقراءتها، لأنني لم أكن، في الحقيقة، في حاجة إلى قراءة رواية كننغهام مرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بنيوية، أو تفكيكية، أو تشريحية، لا للرواية، ولا للفيلم... أما مشاهدة الفيلم فكانت تنفيذاً لفكرة خطرت في ذهني خلال استرجاع بعض ما تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«السينما والواقع»، وفيها تكشف وولف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفلام سينمائية. على سبيل الدعابة، أقول إن من يشاهد «الساعات» على خلفية تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والرواية «السيدة دالاوي» مثلما أن رواية «الساعات» هي أيضاً كذلك.

سلسلة من الانقضاضات
صحيح أن السينما «انقضّت» من قبل على روايات وولف «السيدة دالاوي»، و«أورلاندو» و«الأمواج»، و«إلى المنار»، لكن انقضاضها على الرواية «الساعات» شيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالاً بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الرواية، قامت في الأصل على مشروع انقضاض على «السيدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نفسها. فالروائية التي لا تتقبل تحويل الروايات إلى أفلام، أصبحت، ويا للمفارقة، شخصيةً سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركت السينما وولف ورواياتها وكانت قد خالت أن «المنتأى» عن السينما واسع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقضّ ومشتقاتها» لاحقاً.
موقف وولف من السينما
في 3 يوليو (تموز)، و4 أغسطس (آب) 1926، نُشِرَتْ مقالة وولف بالعنوانين المذكورين سابقاً في صحيفة «The Nation and Athenaeum» البريطانية، ومجلة «The New Republic» الأميركية على التوالي. أعتقد أن موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لماذا لم تخطر ببال أحد فكرة ترجمة إحدى رواياتها سينمائياً وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفاً في فترة شهدت تجذر وترسخ التكييف ممارسة، ومصدراً للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّرُ ما ذكرته وولف عن السينما ونشوء علاقتها المبكرة بالأدب عن موقف مضاد للسينما؛ إنما هو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلاً من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الواقع» بالإضافة إلى ازدرائهم لما حولهم، مثل «تحليق النوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شك، طموحاً ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلى السهولة تحت إغراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات.
وتشير وولف إلى الروايات الشهيرة على نحو خاص، مضيفةً أن السينمائيين يرونها في حالة انتظار للنقل إلى الشاشة الصامتة آنذاك. وتكتب متسائلةً: «ما الذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط من ذلك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً.
التكييف والتحويل
على الرغم من عدم احتواء المقالة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيليةً تثيرُ الاستغراب، نظراً لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظاهرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فــقد «نقل شكسبير قصص الثقافة من الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لجمهور متلقين جدد. وأعاد إسخيلوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصاً مألوفة في أشكال جديدة» (2). وتشير في موضع آخر إلى أن الفيكتوريين اعتادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولوحات، وأغانٍ ورقص. يبدو أن كل شيء كان قابلاً للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الفيكتوريين. وما لم تقله هتشيون هو أن السينما، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كانت تقتدي بالمسرح، أو هكذا أظن؛ فبالنظر إليه بعيون وولف، فإن المسرحي، وليس صانع الأفلام، هو الطفيلي المعلم والقدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مثل «روبنسون كروسو» لدانيال ديفو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«توم جونز» لهنري فيلدينغ، أما روايات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها.
الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل
في سياق سرده قصة نشوء علاقة الصبي هنري جيمس بالفنون والأدب، وشغفه بهما، يروي فرِدْ كابلان في الفصل الأول من السيرة الغيرية «هنري جيمس: خيال العبقرية، 1999»: «بالنسبة للصبي الصغير، لم تقتصر هيمنة ديكنز على الروايات، إنما على خشبة المسرح أيضاً. وكان هنري الأب... يصرّ على أن يكون ارتياد المسرح تجربةً عائلية، وأن يتعرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائعة، ودراما، ولغة، وغناء». (23) ويذكر كابلان أن هنري الصغير شاهد في مسارح «برودواي» و«بارك رو» مسرحيات مبنية على العديد من روايات ديكنز، خصوصاً «نيكولاس نِكلبي»، ومسرحيات مبنية على رواية «كوخ العم توم» التي ترجمت مسرحياً بُعَيْدَ نشرها.
في ضوء ما سبق، ليس مستغرباً أن يكون الفيلم الصامت «غاتسبي العظيم، 1926» مبنياً على المسرحية «غاتسبي العظيم، 1926». المسرح سبق السينما إليها، فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَتْ فيه مقالة وولف (1926).

غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط
كان المخرج هربرت برينون سريعاً في «انقضاضه» على رواية فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لتضاف إلى قائمة الترجمات السينمائية الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربع قصص) سبقت «غاتسبي العظيم» إلى الشاشة الصامتة. وتمثل الترجمتان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت من 1926 إلى 2024 في قائمة اشتملت على طيف عريض من الفنون: مسرحيات، أفلام، مسرحيات إذاعية وتلفزيونية، مسرحيات استعراضية، أوبرا، وباليه، وعدة نسخ من روايات مصورة «graphic novels»، وألعاب فيديو. طاف بعض هذه الأعمال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ كونغ للباليه» في 2019.
إن «غاتسبي العظيم» نموذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنه أوسع مجالاً من ذلك، ومتعدد بتعدد الأجناس، والأشكال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة للوسائط «transmedial phenomenon»، وتمنح النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومتعددة بتعدد مرات تكييفه، وتهيئ له مناخات، وفضاءات تلقٍ، وأنماط تفاعل «modes of engagement» مختلفة يفرضها نوع الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومن البديهي ازدياد النص المُكَيَّف شهرةً وانتشاراً. فرواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» -على سبيل المثال المحلي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل. وستتسع شهرتها بعبورها إلى وسائط أخرى عند ترجمتها مسرحياً، أو بصدورها نسخة مصورة، أو بنسخة سينمائية جديدة أفضل من السابقة التي كانت جزءاً من مشروع الغلاف الثالث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!».
والأسئلة: لم لا تدخل روايات سعودية أخرى تجربة التكييف ولو لمرة واحدة، أو التكييف عابر الوسائط «transmedial adaptation» ؟ ما الذي يمنع ذلك؟ وماذا سيحدث؟
*كاتب وناقد سعودي
رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل







