«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

نهلة كرم تضع بطلاتها في صالة رياضية بحثاً عن التعافي

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب
TT

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألعاب رياضية، حيث يمارسن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تلتف كل لاعبة حول عمود معدني في وسط الغرفة تتمسك به وترقص، وسط مخاوف من الانزلاق والسقوط من أعلاه. هذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعاً جسدياً في البداية، وتترك في الجسد ندوباً وكدمات، لكنها مع ذلك تكون سبباً في تعافي الروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجاعهن القديمة، وتمنح أجسادهن كتلاً عضلية تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحتماله، وبالقدر نفسه تمنح أرواحهن قوة على المواجهة، وثقة بالنفس، ما يمنحهن قدرة على مواجهة مخاوفهن والندوب الروحية والنفسية اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً.

الرواية، الصادرة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بأن تجعل صالة الألعاب مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث؛ بل تصوغ هذا المكان بوصفه محركاً سردياً لمصائر الشخصيات، وفاعلاً في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة رياضية تمارس فيها الشخصيات المروي عنها نشاطاً رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى علاقة نفسية، فيغدو رفيقاً ومعالجاً نفسياً وصديقاً بديلاً، ورغم معدنيته وصلابته، فإنه أقل قسوة من البشر الذين تعاملت معهم هذه الشخصيات في الخارج، ويساعدهن في التطور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فالمكان هنا ملاذ، وفضاء للتعافي، وهو المركز الذي تلتقي فيه هذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلى هذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط.

لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بدءاً من «غادة»، التي تتأذى من فقر عائلتها وإقامتها في منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فتشعر بأن جزءاً من جسدها غريب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلاً عن إحساسها بالخجل من الندوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أما «شيماء»، رغم ثراء عائلتها، فتعاني من النبذ بسبب بدانتها المفرطة، بداية من إحساسها بأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مروراً بتنمر زميلاتها ومدرسيها عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولاً إلى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها.

الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بعقدة قديمة منذ طفولتها المبكرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخرى، فصارت تخشى أن تصبح مثل أمها، وتعاني من هجر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة في أن تكون مثل زوجة الأب المرغوب فيها، وليس الأم المرغوب عنها. أما «ريم» فمنذ طفولتها تعاني من سفر أبيها بحثاً عن المال، وموته في الغربة، وبخل أمها وجشعها المادي، ثم زواج ريم بأمر أمها من رجل ثري، اكتشفت بعد ذلك أنه عنين، وكان يضربها بقسوة وعنف كل ليلة تاركاً ندوباً في كل جسدها. الشخصية الخامسة «حلا»، صاحبة الصالة الرياضية، تعاني من كراهية كل من ينافسها، وتشعر منذ طفولتها بأنها ليست جميلة، خصوصاً بعد وفاة والدتها متأثرة بالسرطان، وزواج والدها من امرأة أخرى، لديها ابن وابنة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمجرد أنها جميلة وشعرها طويل، مقارنة بشعر حلا التي تخشى من سقوطه كما حدث مع أمها في أيامها الأخيرة.

تتبقى شخصية واحدة هي «فريدة»، مدربة اللعبة، الأكثر بروزاً في الرواية، والمعادل لعمود البول، فهي عمود الرواية، وكل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حولها، فهي الأكثر شعوراً بآلام كل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومحاولة تجاوزها والتعافي منها، حيث تمتلك من الرهافة وحدة الشعور ما يجعلها تنصت للألم والأوجاع الكامنة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني من متلازمة عدم الشعور بالألم منذ ولادتها، فلو اشتعلت بها النيران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيراً ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت.

قسمت الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، كل منها يحمل اسم إحدى الرقصات على البول، مثل «brass monkey» و«butterfly»، و«drama queen»، و«hello boys»، و«suicide spin»، ويبدو اسم كل فصل ولعبة دالاً على أزمة الشخصية المحكي عنها داخله، فهذه الرقصات أو الألعاب موظفة فنياً لتتناسب مع أزمة كل شخصية، والنجاح في اللعبة يأتي متناغماً مع تجاوز الأزمات. وكل فصل ينقسم إلى قسمين؛ الأول يحمل اسم إحدى الشخصيات، وتروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تماماً من أوجاعها، والقسم الثاني عن فريدة، التي تأتي حكايتها مجزأة عبر كل الفصول، ومتخللة كل الحكايات؛ فهي مركز الحكي، وهي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المتكلم، في حين أن كل الشخصيات الخمس الأخرى تحكي عنهن الساردة بضمير الغائب، عبر تقنية الراوي العليم.

تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها في صالة الرقص، ثم تعود الساردة عبر تقنية الاسترجاع إلى تاريخ المحكي عنها، لنتعرف على حكايتها منذ طفولتها، وكيفية وصولها إلى هذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في البداية مع اللعبة التي تبدو عنيفة وصعبة عليهن، ويبدو التوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والسقوط في الحياة والأوجاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتفاع بعيداً عن الأرض، بالتوازي مع الانفلات من جاذبية الماضي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لذلك، يبدو الزمن داخل هذه الصالة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمن للمتعة والتعافي والتجاوز، في حين أن الزمن خارجها يبدو زمناً للآلام.


مقالات ذات صلة

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

ثقافة وفنون  بدرية البشر

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي،

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

شجرة ديوان قصر هشام

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر
TT

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي في العثور على النسخة الورقية منها، كما لم تنجح النسخة الإلكترونية في إغرائي بقراءتها، لأنني لم أكن، في الحقيقة، في حاجة إلى قراءة رواية كننغهام مرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بنيوية، أو تفكيكية، أو تشريحية، لا للرواية، ولا للفيلم... أما مشاهدة الفيلم فكانت تنفيذاً لفكرة خطرت في ذهني خلال استرجاع بعض ما تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«السينما والواقع»، وفيها تكشف وولف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفلام سينمائية. على سبيل الدعابة، أقول إن من يشاهد «الساعات» على خلفية تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والرواية «السيدة دالاوي» مثلما أن رواية «الساعات» هي أيضاً كذلك.

سلسلة من الانقضاضات

صحيح أن السينما «انقضّت» من قبل على روايات وولف «السيدة دالاوي»، و«أورلاندو» و«الأمواج»، و«إلى المنار»، لكن انقضاضها على الرواية «الساعات» شيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالاً بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الرواية، قامت في الأصل على مشروع انقضاض على «السيدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نفسها. فالروائية التي لا تتقبل تحويل الروايات إلى أفلام، أصبحت، ويا للمفارقة، شخصيةً سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركت السينما وولف ورواياتها وكانت قد خالت أن «المنتأى» عن السينما واسع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقضّ ومشتقاتها» لاحقاً.

موقف وولف من السينما

في 3 يوليو (تموز)، و4 أغسطس (آب) 1926، نُشِرَتْ مقالة وولف بالعنوانين المذكورين سابقاً في صحيفة «The Nation and Athenaeum» البريطانية، ومجلة «The New Republic» الأميركية على التوالي. أعتقد أن موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لماذا لم تخطر ببال أحد فكرة ترجمة إحدى رواياتها سينمائياً وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفاً في فترة شهدت تجذر وترسخ التكييف ممارسة، ومصدراً للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّرُ ما ذكرته وولف عن السينما ونشوء علاقتها المبكرة بالأدب عن موقف مضاد للسينما؛ إنما هو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلاً من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الواقع» بالإضافة إلى ازدرائهم لما حولهم، مثل «تحليق النوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شك، طموحاً ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلى السهولة تحت إغراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات.

وتشير وولف إلى الروايات الشهيرة على نحو خاص، مضيفةً أن السينمائيين يرونها في حالة انتظار للنقل إلى الشاشة الصامتة آنذاك. وتكتب متسائلةً: «ما الذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط من ذلك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً.

التكييف والتحويل

على الرغم من عدم احتواء المقالة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيليةً تثيرُ الاستغراب، نظراً لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظاهرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فــقد «نقل شكسبير قصص الثقافة من الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لجمهور متلقين جدد. وأعاد إسخيلوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصاً مألوفة في أشكال جديدة» (2). وتشير في موضع آخر إلى أن الفيكتوريين اعتادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولوحات، وأغانٍ ورقص. يبدو أن كل شيء كان قابلاً للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الفيكتوريين. وما لم تقله هتشيون هو أن السينما، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كانت تقتدي بالمسرح، أو هكذا أظن؛ فبالنظر إليه بعيون وولف، فإن المسرحي، وليس صانع الأفلام، هو الطفيلي المعلم والقدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مثل «روبنسون كروسو» لدانيال ديفو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«توم جونز» لهنري فيلدينغ، أما روايات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها.

الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل

في سياق سرده قصة نشوء علاقة الصبي هنري جيمس بالفنون والأدب، وشغفه بهما، يروي فرِدْ كابلان في الفصل الأول من السيرة الغيرية «هنري جيمس: خيال العبقرية، 1999»: «بالنسبة للصبي الصغير، لم تقتصر هيمنة ديكنز على الروايات، إنما على خشبة المسرح أيضاً. وكان هنري الأب... يصرّ على أن يكون ارتياد المسرح تجربةً عائلية، وأن يتعرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائعة، ودراما، ولغة، وغناء». (23) ويذكر كابلان أن هنري الصغير شاهد في مسارح «برودواي» و«بارك رو» مسرحيات مبنية على العديد من روايات ديكنز، خصوصاً «نيكولاس نِكلبي»، ومسرحيات مبنية على رواية «كوخ العم توم» التي ترجمت مسرحياً بُعَيْدَ نشرها.

في ضوء ما سبق، ليس مستغرباً أن يكون الفيلم الصامت «غاتسبي العظيم، 1926» مبنياً على المسرحية «غاتسبي العظيم، 1926». المسرح سبق السينما إليها، فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَتْ فيه مقالة وولف (1926).

غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط

كان المخرج هربرت برينون سريعاً في «انقضاضه» على رواية فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لتضاف إلى قائمة الترجمات السينمائية الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربع قصص) سبقت «غاتسبي العظيم» إلى الشاشة الصامتة. وتمثل الترجمتان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت من 1926 إلى 2024 في قائمة اشتملت على طيف عريض من الفنون: مسرحيات، أفلام، مسرحيات إذاعية وتلفزيونية، مسرحيات استعراضية، أوبرا، وباليه، وعدة نسخ من روايات مصورة «graphic novels»، وألعاب فيديو. طاف بعض هذه الأعمال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ كونغ للباليه» في 2019.

إن «غاتسبي العظيم» نموذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنه أوسع مجالاً من ذلك، ومتعدد بتعدد الأجناس، والأشكال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة للوسائط «transmedial phenomenon»، وتمنح النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومتعددة بتعدد مرات تكييفه، وتهيئ له مناخات، وفضاءات تلقٍ، وأنماط تفاعل «modes of engagement» مختلفة يفرضها نوع الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومن البديهي ازدياد النص المُكَيَّف شهرةً وانتشاراً. فرواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» -على سبيل المثال المحلي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل. وستتسع شهرتها بعبورها إلى وسائط أخرى عند ترجمتها مسرحياً، أو بصدورها نسخة مصورة، أو بنسخة سينمائية جديدة أفضل من السابقة التي كانت جزءاً من مشروع الغلاف الثالث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!».

والأسئلة: لم لا تدخل روايات سعودية أخرى تجربة التكييف ولو لمرة واحدة، أو التكييف عابر الوسائط «transmedial adaptation» ؟ ما الذي يمنع ذلك؟ وماذا سيحدث؟

*كاتب وناقد سعودي

رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل


«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»
TT

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.

ويرى الناقد والأكاديمي المغربي دكتور سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) أن رحاحلة «انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية»، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من «تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاً جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة».

ويقول يقطين إن خصوصية الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة «سردية - أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.

ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.

ويبحث الكتاب في ظاهرة «الاستطرادات الثقافية» التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، مركزاً على السؤال الأساسي، وهو: «متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟».

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، يحمل الفصل الأول عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري»، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية: تأسيس وتأصيل»، حيث يرصد مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم «الاستطراد الثقافي الروائي»، أما المبحث الثاني في الفصل الأول فجاء بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتداخل الأجناسي»، ويتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية من جهة، وظاهرة الاستطراد الثقافي من جهة أخرى، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين، وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي، ويختتم الفصل الأول بمبحث بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتناص»، حيث يقارب الكتاب العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.

وينتقل الفصل الثاني إلى الجانب التطبيقي تحت عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار التطبيقي»، حيث يقوم الباحث بتحليل نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها بنية سردية – نماذج دالة»، ويركز على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما المبحث الثاني فجاء بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها زخرفة معرفية»، ويتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.

ويخصص الفصل الثالث والأخير لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويحمل عنوان «الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية: تحليل وتركيب»، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويختتم الفصل الثالث بمبحث بعنوان «الاستطرادات الثقافية والنص»، حيث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

حمل العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/تموز 2026)، عدداً من الملفات الثقافية، ويقدم العدد بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرز ملفات العدد، ملف «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر أربعة مقالات تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف، أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة تحرير مجلة «الإيسيسكو» الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهي «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

فمنذ أن تولى المالك قيادة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عام 2019، دخلت المنظمة طوراً جديداً من الحضور والتأثير؛ اتسعت فيه دوائر الشراكات، وتعددت المبادرات، وتعزز حضورها الدولي؛ حتى غدت نموذجاً لمنظمة تنبض بالحركة وتستشرف المستقبل بثقة وطموح.

كما حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026؛ احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها في افتتاحية العدد، تزفّ رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، بشرى صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد بثلاث لغات (العربية، والفرنسية، والإنجليزية) لتوسيع رسالتها الحضارية عالمياً.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية.. بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام للرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية، ويناقش الكاتب واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والأخرى ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

قدّم المقال قراءة تحليلية مقارنة لواقع اللغة العربية اليوم على الساحتين الدولية والمحلية.

ويرى الكاتب أن واقع العربية دولياً يمر بمرحلة نمو واعتراف واعدين؛ فهي لغة رسمية معتمدة في الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية، وتتبوأ المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الانتشار. كما يشير إلى تزايد حضورها التعليمي في المدارس والمعاهد الغربية والأميركية والآسيوية كلغة ثانية أو ثالثة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص من غير الناطقين بها كعنصر تواصل وإدارة.

لكن، وفي مقابل هذا «الواقع المغني» والاعتراف الخارجي المتصاعد، يطرح الكاتب تساؤلاً نقدياً مؤرقاً حول مدى مواءمة هذا التقدير العالمي مع الوضع الاعتباري الداخلي للعربية في دولها الأصلية، محذراً من وطأة التغريب وتراجع تمكين اللغة معرفياً وإدارياً في أوطانها.

تعريب التعليم الطبي

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها أن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

يستعرض المقال الجذور التاريخية لازدهار الطب العربي إبان الحضارة الإسلامية حين كانت مؤلفات ابن سينا والرازي مراجع رئيسية لأوروبا. ثم يحلل التحديات المعاصرة المتمثلة في الإرث الاستعماري، وهيمنة الإنجليزية في النشر، مستشهداً بتجارب دولية ناجحة تدرس الطب بلغتها الوطنية (اليابان، ألمانيا، فرنسا، الصين، وإسبانيا)، وتجربة سوريا الرائدة منذ عام 1919.

ويرى الكاتب أن اللغة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء. وعندما يتلقى المتعلم معارفه بلغته الأم، يصبح أكثر قدرة على الفهم والتفكير والإبداع.

وفي تحليل مقارن، يتساءل الكاتب: هل اللغة عائق أم أداة؟ ويوضح أن المقارنة بين الدول تشير إلى أن الدول المستقلة علمياً وسيادياً تُدرِّس بلغاتها الوطنية، في حين الدول التي خضعت للاستعمار تميل لاستخدام لغات أجنبية. ويرى أن هذا يدعم فكرة أن اللغة ليست عائقاً بل أداة، وأن اختيار لغة التعليم يعكس توجهاً حضارياً وثقافياً.

تعريب العلوم

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، أستاذة مساعدة بجامعة الخرطوم كلية الآداب قسم اللغة العربية.

وفي هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس. وتوضح الكاتبة أن الطفل الذي يُجبَر على دراسة العلوم بلغة أجنبية يخوض معركتين متزامنتين: معركة فهم المفاهيم العلمية، ومعركة فك رموز اللغة الجديدة؛ ما يؤدي إلى تراجع جودة الفهم بنسبة تصل إلى 60 في المائة مقارنة بالمتعلم بلغته الأم.

وتستند الكاتبة إلى دراسات حديثة لـ«يونيسكو» (2026) تؤكد أن التدريس بلغة المنزل يزيد من فرص الفهم والاستيعاب بنسب تتراوح بين 40 في المائة و160 في المائة في بعض الدول. كما تفنّد حجة صعوبة المصطلحات العلمية، موضحة أن المصطلحات لا تشكل سوى 4 في المائة من أي كتاب تخصصي. وتُذّكر بمآثر علماء المسلمين بصفتهم مؤسسين لهذه العلوم (كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس) والذين تلقوا علومهم بلغة مجتمعهم، محذرة من أن إجبار الأطفال على لغات أجنبية في مراحلهم المبكرة يحدِث قطيعة معرفية واجتماعية داخل الأسرة العربية.

الدبلوماسية اللغوية

وضمن الملف، كتب الدكتور يوسف إسماعيلي، (خبير بمركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها في المغرب)، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

ويقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفتها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية؛ إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.

ويشرح الكاتب مفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بصفته مجموعة السياسات والمبادرات التي توظف تعليم اللغة ونشرها ضمن الاستراتيجية الثقافية للدول والمؤسسات الدولية. وتمتاز هذه الدبلوماسية بأنها تعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، مستهدفة الإنسان قبل الدولة، وبانيةً علاقات تقوم على الفهم المتبادل أكثر من المصالح الآنية.

ويستعرض المقال نماذج تاريخية تؤكد أن أثر اللغة قد يتجاوز أثر القوة العسكرية. ويستشهد بالتجربة الأندلسية، حيث أصبحت العربية لغة الإدارة والطب والفلسفة والعلوم، وتعلمها المسلمون وغير المسلمين؛ لأنها كانت لغة المعرفة والارتقاء الاجتماعي. وحتى بعد زوال الحكم الإسلامي، بقي أثر العربية في الجامعات الأوروبية والمصطلحات العلمية التي انتقلت إلى اللغات الحديثة.

ثم ينتقل الكاتب إلى واقع العربية اليوم، ويبيّن أنها من أكثر لغات العالم انتشاراً، وتحظى بمكانة رسمية في المنظمات الدولية، كما يتزايد الإقبال على تعلمها في الجامعات الغربية، والمعاهد الدبلوماسية، ومراكز الدراسات، وقطاعات الاقتصاد، والطاقة، والإعلام.

ومع ذلك، يرى المقال أن العربية لا تزال تواجه تحديات تتمثل في اختزالها في بُعدها الديني، وربطها بالصراعات السياسية، وتقديمها بوصفها لغة صعبة، إضافة إلى غياب خطاب عالمي موحد يبرز قيمتها الحضارية والمعرفية.

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل العربية عالمياً لا يعتمد على انتشارها العددي، بل على تطوير رؤية ثقافية حديثة لتعليمها، تجعلها أداةً للحوار والتواصل والمعرفة، وتقدمها بصفتها لغة حية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر.

قازان: جوهرة تتارستان

وضمن ملفات العدد الجديد، يأتي الاستطلاع عن «قازان» بعنوان: «قازان.. جوهرة تتارستان وعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي 2026»، للكاتب العماني الدكتور سالم بن هلال الحبسي، (مدير الأمانة العامة للجان الوطنية والمؤتمرات في الإيسيسكو).

ويحتفي المقال بمدينة قازان التاريخية عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، والتي اختيرت لتكون عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويبرز الكاتب الموقع الاستراتيجي والجغرافي للمدينة على ضفاف نهر الفولغا. ويركز على القيمة الحضارية الكبرى لقازان بوصفها نموذجاً تاريخياً وواقعياً فريداً للتعايش الخلاق، والتفاعل الثقافي الحيوي بين ثقافة الشرق الإسلامية وتراث الغرب الروسي، حيث تلتقي فيها أصالة المعالم التراثية بروح العصر، لتغدو منارة حقيقية للتنوع الثقافي والتسامح الديني والاجتماعي.

يستعرض الكاتب التاريخ الممتد لقازان منذ أكثر من ألف عام، ودورها في انتشار الإسلام في منطقة الفولغا بعد اعتناق بلغار الفولغا الإسلام عام 922م، وهو الحدث الذي يمثل البداية التاريخية للإسلام في الأراضي الواقعة ضمن روسيا الحالية. كما يوضح كيف حافظت المدينة على هويتها الإسلامية رغم التحولات السياسية التي مرت بها، لتصبح لاحقاً مركزاً للإصلاح الفكري والثقافي للمسلمين في روسيا.

ويؤكد المقال أن تجربة قازان تثبت إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والانفتاح الحضاري، وأن المدن تستطيع أن تصبح أدوات للتقارب بين الشعوب عندما تستثمر تاريخها الثقافي بصورة إيجابية.

إسهامات عربية في الكيمياء

من المقالات المهمة في هذا العدد، مقال: «إسهامات العلماء العرب والمسلمين في إرساء أسس الكيمياء الحديثة»، للدكتور عبد الوهاب السعدون، الأمين العام السابق للاتحاد الخليجي للبتروكيماويات (السعودية).

يعيد هذا المقال قراءة تاريخ علم الكيمياء من منظور علمي، مبيناً أن مساهمة العلماء العرب والمسلمين لم تقتصر على نقل المعارف القديمة، بل تمثلت في تحويل الكيمياء من ممارسات يغلب عليها الطابع الفلسفي والخيميائي إلى علم تجريبي قائم على الملاحظة والقياس والتجربة.

يبدأ الكاتب باستعراض الظروف التي مهدت لازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية، مع اتساع الدولة الإسلامية ونشاط حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى استيعاب التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم تطويره وإضافة إسهامات أصلية إليه.

ويبرز المقال الدور المحوري لجابر بن حيان الذي يعدّه كثير من المؤرخين المؤسس الحقيقي لعلم الكيمياء الحديثة؛ لما أدخله من منهج تجريبي صارم، واعتماده المختبر والتجربة أساساً للبحث العلمي، إضافة إلى تطوير عمليات التقطير والتنقية والترشيح والأكسدة، وتحضير عدد من الأحماض والمركبات الكيميائية.

كما يتناول إسهامات الرازي، الذي ربط الكيمياء بالطب، وأسهم في تطوير المعرفة بالمواد الكيميائية واستخداماتها العلاجية، إلى جانب الكندي وغيره من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للمنهج العلمي الذي تبنّته أوروبا لاحقاً.

ويشير الكاتب إلى أن الكتب العربية في الكيمياء تُرجمت إلى اللاتينية، وظلت مراجع رئيسية في الجامعات الأوروبية لقرون، وأن كثيراً من المصطلحات والممارسات المخبرية الحديثة تعود جذورها إلى أعمال العلماء المسلمين.

المعرفة والتحولات الاجتماعية

وكتبت الدكتورة شادن دياب، «خبيرة دولية في علم المناخ والبيئة – فرنسا»، مقالاً بعنوان: «نظرية المعرفة والتحولات الاجتماعية والبيئية في العالم العربي».

ويطرح هذا المقال سؤالاً فلسفياً معاصراً حول العلاقة بين المعرفة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التغير المناخي والأزمات البيئية والتكنولوجية. وترى الكاتبة أن هذه التحديات لا تفرض حلولاً تقنية فحسب، بل تستدعي إعادة التفكير في مفهوم المعرفة نفسه.

تنطلق الدراسة من أفكار الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي ربط المعرفة بالتجربة الإنسانية والوجود العملي، ثم تقارنها برؤية ابن خلدون التي تجعل المعرفة نتاجاً للتعلم والخبرة والممارسة الاجتماعية، لتؤكد أن المعرفة ليست معطى ثابتاً، وإنما عملية متجددة تتشكل داخل السياق التاريخي والاجتماعي.

وتنتقل الكاتبة إلى مناقشة التغير المناخي بوصفه أزمة معرفية بقدر ما هو أزمة بيئية؛ لأن مواجهة آثاره تتطلب تطوير أنماط جديدة من التفكير، وإعادة بناء السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية على أسس أكثر استدامة.

وتخلص الدراسة إلى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على التفاعل مع هذه التحولات، تجمع بين التراث الفكري والعلوم الحديثة، وتربط البحث العلمي بصنع القرار، حتى تصبح المعرفة أداة لإدارة المستقبل لا مجرد وسيلة لفهم الماضي.

عارف الساعدي: الشعر مفتاحي للعالم

وضمن باقة من المواد الأدبية، تنوعت بين الشعر والنثر، جاء الحوار مع الشاعر العراقي الدكتور عارف الساعدي، بعنوان: «الشعر مفتاحي للعالم!»، وأجراه الناقد المغربي الدكتور نصر الدين شردال.

يتحدث الحوار عن الساعدي الشاعر الذي «ظل وفياً لخصائص القصيدة العربية الأصيلة في جزالة لغتها، وإحكام إيقاعاتها وبراعة صورها، وحداثة رؤيتها، وتخلق أنساقها، وتعدد دلالاتها وتناسل تأويلاتها، واستمر في بلورة هذه الإمكانيات الجمالية في أعماله الشعرية».

وفي هذا الحوار قال الساعدي عن الشعر إنه «ذلك الكائن الغامض الذي يتسلل إلى أرواحنا، فنغوص فيه دون أن نعرف متى وإلى أین ننتهي، لكنه يبقى أشبه بالحلم الذي حلمناه. ولم نصح منه».

وقال إن أول التماساته مع الشعر «هي حكايات جدتي لأمي وأنا ابن السنة العاشرة: حين كانت تغوص بنا ما بين الأساطير والجنّي والطنطل، مجموعة خرافات أشبه بأفلام الكرتون، ولكنها حكايات مخصبة لبذرة الشعرية، منذ تلك اللحظات وأنا بلا وعي أخزن هذه الحكايا لتخرج فيما بعد كلمات موزونة بلا معنى».