لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.
أعادت الولايات المتحدة هذا الأسبوع فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية، بالتزامن مع توسيع الضربات ضد مواقع الرادارات والدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستخدمها إيران لتهديد الملاحة.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية تعمل في المنطقة، بينما أعلن ترمب أن «المضيق مفتوح أمام السفن غير الإيرانية». غير أن التجربة الميدانية تشير إلى أن إصابة ناقلة واحدة، أو حتى ارتفاع كلفة التأمين، يكفيان لإبطاء الحركة التجارية من دون حاجة إلى إغلاق كامل للممر البحري.
المعضلة الأميركية أن حماية السفن وفرض الحصار مهمتان تتزاحمان على الموارد نفسها. فالمدمّرات المزودة بصواريخ موجهة تستطيع مرافقة الناقلات واعتراض الصواريخ الإيرانية، لكنها مطلوبة أيضاً في خليج عُمان لمنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وخلال الشهرين الماضيين، قالت القوات الأميركية إنها ساعدت أكثر من 800 سفينة على عبور المضيق، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن الصواريخ الساحلية التي تطلق من مسافات قريبة قد تصل قبل اعتراضها. وهذا يجعل السيطرة الأميركية مكلفة وغير مكتملة، ويمنح طهران قدرة تعطيل تفوق وزنها البحري التقليدي.
الإمساك بمفاتيح هرمز
في المقابل، لا تحتاج إيران إلى إغراق عشرات الناقلات كي تثبت أنها ما زالت تمسك بجزء من «مفاتيح» هرمز، بل يكفي أن تُبقي شركات الشحن والتأمين في حالة خوف، وأن تجعل الطريق الجنوبي بمحاذاة عُمان غير مضمون تماماً. ولقد اتهمت واشنطن «الحرس الثوري» بمهاجمة سبع سفن تجارية خلال أسبوع، بينما هددت طهران بوقف صادرات الطاقة في المنطقة إذا مُنعت تجارتها من المرور. وبذا تحاول إيران تحويل الحصار الموجّه ضد اقتصادها إلى أزمة جماعية تصيب منتجي المنطقة والمستهلكين في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة مقابلة. ووفق موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، يدرس ترمب توسيع «بنك» الأهداف ليشمل محطات الكهرباء والجسور ومواقع استراتيجية أعمق إذا رفضت إيران العودة إلى التفاوض. ولقد بدأت الضربات بالفعل تتجاوز الشريط الساحلي، فيما يستمر استهداف منشآت مدنية مزدوجة الاستخدام، أو مواقع محصّنة في العمق كـ«جبل الفأس»، انتقالاً إلى مستوى مختلف من الحرب، ما قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية على قواعد أميركية أو منشآت طاقة في دول المنطقة وإسرائيل. ولذا يحاول الطرفان البقاء تحت سقف يصعب ضبطه: قتال مؤلم بما يكفي للضغط، لكنّه ليس واسعاً إلى درجة إسقاط كل فرص التسوية.
النفط وصناديق الاقتراع
الساعة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى ترمب ليست عسكرية فقط، بل انتخابية. فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل تضع حداً زمنياً واضحاً أمام البيت الأبيض. وارتفع سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً للبرميل بعد انهيار التهدئة، فيما بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.84 دولار للغالون. وهنا يرى محللون أن السعر قد يتجاوز 4 دولارات خلال أيام إذا استمرت اضطرابات هرمز، وهو مستوى يسهل أن يتحوّل إلى قضية انتخابية يومية.
هذه الأرقام تفسّر جانباً من مقامرة طهران؛ فالقيادة الإيرانية تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات، لكنها تراهن على أن الألم السياسي في الولايات المتحدة قد يتصاعد أسرع من الانهيار الاقتصادي داخل إيران. ووفق تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال»، يعتقد كل طرف أن بإمكانه إبقاء المواجهة منخفضة الوتيرة حتى يرضخ الآخر: ترمب يريد فتح المضيق وانتزاع تنازلات نووية قبل الانتخابات، وطهران تريد الصمود حتى يتحوّل ارتفاع الوقود والتضخم إلى عبء يومي على الجمهوريين.
غير أن الرهان الإيراني ليس مضموناً؛ إذ أظهرت الأشهر الأولى من الحرب أن واشنطن قادرة، ولو جزئياً، على فتح مسارات ملاحية وتأمين عبور مئات السفن. كما أن الحصار المتجدّد يهدد بتجفيف إيرادات النفط التي تحتاج إليها طهران لإعادة بناء الصواريخ والدفاعات الجوية. وفي الوقت نفسه، قد يختار ترمب التصعيد بدلاً من التراجع إذا شعر بأن استمرار الاشتباك حتى نوفمبر سيبدو هزيمة سياسية له. وهنا تتحول الانتخابات من قيد على الرئيس إلى حافز لطلب «نصر واضح»، ما يجعل الأسابيع المقبلة أكثر خطورة.
ومع أن البيت الأبيض يراهن على «احتواء» الصدمة النفطية عبر زيادة الصادرات من خارج إيران، وتوسيع استخدام المسارات البديلة، وإشراك الحلفاء في حماية الملاحة، فإنه في المقابل لا يملك أي ضمانة بأن السوق ستنتظر.
إذ أظهرت بيانات تتبّع السفن أن معظم العابرين قبيل بدء الحصار الجديد كانوا مرتبطين بالتجارة الإيرانية، بينما غابت تقريباً ناقلات التحميل من منتجي المنطقة الآخرين. وبالتالي، إذا طال الاضطراب، فلن يبقى أثره في محطات الوقود وحدها، بل سيمتد إلى النقل والسلع والتضخّم وأسعار الفائدة، في حين كان ترمب يأمل باستخدام تراجع الأسعار دليلاً على نجاحه الاقتصادي. ومع ذلك، يستطيع ترمب إصدار أوامر تنفيذية تسمح لإدارته بتقديم مساعدات مالية للعائلات الأميركية للتعويض عن ارتفاع الأسعار، كما جرى خلال جائحة «كوفيد - 19».
حسابات جبهة لبنان
بالتوازي مع التصعيد في الخليج، استضافت روما جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بوساطة أميركية لتنفيذ «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه في واشنطن يوم 26 يونيو (حزيران). وتتركّز المباحثات على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان: بتفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة، ونشر الجيش اللبناني، ثم بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. ووصف مسؤول أميركي المباحثات بأنها إيجابية، لكنه أقرّ ضمنياً بأن التقدّم سيكون بطيئاً؛ إذ تتمسّك بيروت ببدء الانسحاب الإسرائيلي كي تتمكن الدولة من إثبات جدوى المسار، بينما تعلن إسرائيل أنها لن تنسحب ما دام «حزب الله» يحتفظ بسلاحه.
هذا الخلاف ليس إجرائياً فقط، بل يتعلّق بمَن سيبدأ الخطوة التي لا يمكن التراجع عنها. لبنان يخشى أن ينفذ التزاماته الأمنية ثم يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي قائماً، فتظهر الدولة عاجزة أمام جمهورها، ويستعيد «حزب الله» مبرّر السلاح. أما إسرائيل فتخشى أن تنسحب أولاً ثم يعيد الحزب بناء مواقعه جنوبي الليطاني أو يتسلّل إلى المناطق التي يتسلمها الجيش. ولهذا تحاول واشنطن و«سنتكوم» بناء نموذج محدود يمكن التحقق منه ميدانياً قبل تعميمه، مع مراقبة انتشار الجيش وتفكيك المواقع وانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل متزامنة.
بالنسبة إلى إيران، سيكون نجاح هذا النموذج أخطر من خسارة موقع عسكري منفرد. فـ«حزب الله» كان طوال عقود أكثر أذرعها الإقليمية تنظيماً وقدرة على الردع، و«الجسر» الذي يربط النفوذ الإيراني بالساحة المتوسطية. وبالتالي، حصر سلاحه تدريجياً بيد الدولة اللبنانية لا يعني فقط إضعاف الجبهة الإسرائيلية الشمالية، بل إعادة تعريف موقع الحزب داخل لبنان، من قوة تقول إنها تحمي البلاد إلى طرف يُحمّله خصومه مسؤولية إطالة الاحتلال وتعطيل السيادة.
ولكن هذا التحول لا يحدث بقرار خارجي؛ فالحزب رفض الاتفاق ومسار نزع السلاح، ولا يزال يملك قاعدة اجتماعية وتنظيماً مسلحاً وقدرة على تعطيل التنفيذ أو رفع كلفته داخلياً. وأي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتصويره «عدواً للبنان»، لا قوة سياسية وعسكرية لبنانية متجذّرة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد الاستقطاب الداخلي بدلاً من تعزيز سلطة الدولة.
أيضاً، لا يمكن فصل روما عن هرمز؛ فقد ربطت إيران في تفاهماتها السابقة مع واشنطن بين التهدئة وإنهاء الحرب في لبنان، وفي حين تراهن الإدارة الأميركية الآن على معادلة معاكسة: كلما ضاقت الخيارات على طهران في المضيق، ازدادت فرص انتزاع أوراق منها في لبنان؛ وكلّما تراجعت قدرة «حزب الله» على المبادرة، أصبحت إيران أكثر عزلة في أي تفاوض نووي أو إقليمي.
بغداد تبدّل معادلة النفوذ
الجبهة الثالثة ظهرت في واشنطن، حيث استقبل ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في زيارة ركزت على انسحاب القوات الأميركية، والاستثمارات والطاقة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. وأعلن الجانبان أن القوات الأميركية المتبقية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، منهية مرحلة عسكرية بدأت قبل 23 سنة، مع نقل «مركز الثقل» في العلاقة من الوجود القتالي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.
ترمب قدّم الزيارة بلغة «الصفقات»، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعقد اتفاقات كثيرة مع العراق، وإن شركات أميركية ستشارك في استخراج النفط، بينما سعى الزيدي إلى تأكيد أن رحيل الجنود لا يعني رحيل المصالح الأميركية.
واشنطن أيضاً تبحث دعم إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، الذي ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بوصفه ممرّاً بديلاً يقلّل الاعتماد على هرمز. وفي لحظة تستخدم فيها إيران المضيق «ورقة ضغط»، يصبح فتح طرق تصدير برّية جزءاً من استراتيجية أمنية، لا مشروعاً تجارياً فقط.
لكن الثمن السياسي لهذه الشراكة واضح: واشنطن تريد من بغداد ضبط الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها أو دمجها فعلياً تحت سلطة الدولة. وبالفعل تعهّدت الحكومة العراقية بمعالجة ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر، وهو الموعد نفسه لخروج القوات الأميركية. والجمع بين الموعدين يمنح الزيدي حجّة داخلية مهمة؛ إذ يستطيع القول إن الدولة لا تنزع سلاح الفصائل لإبقاء الوجود العسكري الأميركي، بل بالتزامن مع إنهائه.
بيد أن هذا يضعه أيضاً أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ لأن بعض هذه الفصائل جزء من مؤسّسات رسمية، ولديها تمثيل سياسي ونفوذ اقتصادي وشبكات محلية يصعب تفكيكها بقرار إداري. كذلك تستطيع القوى المرتبطة بطهران تصوير الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإبدال النفوذ الإيراني بوصاية أميركية اقتصادية وأمنية، خصوصاً إذا بدت العقود النفطية منحازة إلى الشركات الأميركية أو غير شفّافة.
اقتصادياً، يحاول الزيدي توسيع هامش استقلال العراق بعدما ألحقت الحرب أضراراً بإنتاجه النفطي وماليته العامة. وطالب خلال زيارته بحصة «عادلة» داخل منظمة «أوبك». وقال إن حروب العراق والإرهاب ألحقت بالبلاد خسائر تتجاوز 400 مليار دولار، ومن هنا تأتي حاجته إلى استثمارات أميركية في النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار.
في المقابل، يرى محللون أنه إذا نجح الزيدي في تأمين طرق تصدير بديلة وشراكات لا تمر عبر إيران، وفي وضع الفصائل تحت سلطة الحكومة، فسيكون العراق قد بدأ خروجاً تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني المباشر. لكن هذا لا يعني انتقاله السريع إلى الفلك الأميركي، إذ ستبقى الروابط التجارية والدينية والسياسية والأمنية بين العراق وإيران أعمق من أن تلغيها زيارة أو اتفاق نفطي. والأرجح أن بغداد ستواصل محاولة الموازنة بين الجانبين، مع استخدام الشراكة الأميركية لزيادة قدرتها على التفاوض مع طهران.
«عض الأصابع»
وحقاً، تبدو ملفات هرمز وبيروت وبغداد منفصلة على الخرائط، لكنها تنتمي إلى مواجهة واحدة حول مستقبل النفوذ الإيراني وشروط القيادة الأميركية للمنطقة.
مع ذلك، يرى البعض أن حجارة «الدومينو» لا تسقط دائماً في الاتجاه الذي يريده اللاعب الأقوى. فكل ضغط إضافي على إيران قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق بعنف أكبر؛ وكل تأخر إسرائيلي في الانسحاب من لبنان يمنح «حزب الله» ذريعة جديدة للاحتفاظ بسلاحه؛ وكل اندفاعة عراقية غير محسوبة نحو تفكيك الفصائل قد تفتح أزمة داخلية يصعب احتواؤها.
أما ترمب، الذي يريد خوض انتخابات نوفمبر بمظهر الرئيس القادر على فتح هرمز وخفض أسعار الوقود وإضعاف شبكة طهران، فقد يجد نفسه أمام «حرب استنزاف» تتآكل فيها المكاسب قبل أن تنضج نتائج الحصار.
لذلك، لن يُحسم سباق «عضّ الأصابع» بمَن يتحمل الضربات زمناً أطول فقط، بل بمَن يستطيع تحويل الصمود إلى نتيجة سياسية قابلة للصرف.
إيران قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي عبر هرمز، لكنها في المقابل تخاطر بخسارة مواقع نفوذها الأكثر حساسية في لبنان والعراق. والولايات المتحدة تستطيع تشديد الحصار وتوسيع بنك الأهداف، لكنها قد تصل إلى الخريف من دون مضيق آمن أو اتفاق نووي أو أسعار وقود مقبولة انتخابياً. وبين هذين الرهانين، قد لا يكون المنتصر مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن لا تنفد ساعته أولاً. طهران تعرف أن الحصار سيضغط على صادراتها ويستنزف الإيرادات ويعيد تكدّس النفط في الخزانات... لكنها تراهن على ألم أميركا سياسياً


