في أمسية غنائية اتّسمت بفرحة اللقاء واستِعادة المدينة نبضها، افتتح مهرجان «أعياد بيروت» موسمه الـ11 تحت شعار «وبيبقى لبنان». وكانت عبير نعمة نجمة الحفل، فصدح صوتها على مدى 90 دقيقة بمجموعة من أغنياتها الخاصة، إلى جانب أعمال خالدة لفيروز وزكي ناصيف. واحتشد آلاف الحاضرين على الواجهة البحرية في منطقة أنطلياس - النقاش، ليشاركوا نعمة الاحتفاء بمدينة تحاول التقاط أنفاسها، وقد بدأت تنفض عنها غبار الحرب، وسط حضور وجوه سياسية لبنانية وأجنبية.

وما إن أطلَّت على المسرح برفقة فرقتها الموسيقية، مرتديةً الأبيض، حتى دوى التصفيق في المكان إيذاناً بانطلاق الأمسية. واستهلت برنامجها بأغنية «القهوة»، من كلمات شربل روحانا وألحانه، معبِّرة عن شوقها إلى لقاء جمهورها اللبناني بعد انتظار، ثم أدَّت «لبيروت»، ليتحول المسرح إلى لوحة بصرية باهرة. وارتسمت خريطة لبنان في السماء بواسطة مسيّرات مُضاءة راحت تبدّل تشكيلاتها انسجاماً مع كلمات الأغنية؛ فتارة رسمت قلباً، وطوراً جسَّدت مَشاهد عناق رمزية حلَّقت فوق رؤوس الحاضرين. وأضاف هذا العرض البصري بُعداً فنياً إلى الأمسية، ففوجئ الجمهور الذي سارع إلى توثيق المشهد بعدسات هواتفه.
وامتدَّت تحية نعمة للعاصمة، فقدَّمت «حبيبتي بيروت» التي تحمل رسالة حب وأمل. ويقول مطلعها: «حبيبتي قولي نسيتي الغناء... حبيبتي قومي فإن اللقاء... وما في يديّ سوى خبزتين لطير يناجيك فوق الميناء... حبيبتي لا، لا يجف الحنين... فعند النهاية أنت البقاء».

وعبرت عبير نعمة عن سعادتها بلقاء الجمهور اللبناني مجدداً بعد غياب، متوجهة إليه بالشكر؛ لأنه لم يتردد في قطع مسافات طويلة لمشاركتها هذه الأمسية. ولم تحل درجات الحرارة المرتفعة دون تفاعل الحاضرين، الذين رافقوها بالتصفيق والتلويح والغناء معها طوال السهرة، في مشهد عكس الشوق المتبادل.
ولم تخلُ أمسية عبير نعمة من المفاجآت المتتالية؛ إذ أعدّت برنامجاً غنائياً جمع أكثر من لون موسيقي. فاستضافت الفنان الجزائري أمين، وقدَّمت وصلة تكريمية للراحل زكي ناصيف، كما تنقَّلت بسلاسة بين الأغنية الفرنسية والطرب الأصيل، إلى جانب أعمالها الخاصة. وبخياراتها الموسيقية المتنوّعة والإيقاع الديناميكي الذي حافظت عليه طوال الحفل، نجحت في إمتاع الجمهور الذي واكبها بحماسة حتى اللحظات الأخيرة.
وفي إحدى مفاجآت الأمسية، دعت عبير نعمة الفنان الجزائري أمين (بابيلون) إلى المسرح. وبعد تأخّره في الظهور، راحت تناديه أكثر من مرة وسط أجواء طريفة. وما إن انضم إليها حتى قدَّما دويتو مميزاً امتزج فيه عزفه على الغيتار مع صوتَيهما في أداء أغنيته الشهيرة «زينة»، فحوّلا المسرح إلى مساحة من التفاعل والغناء الجماعي.

وبعد أدائها أغنية «وينك»، تبدَّلت الديكورات لتفسح المجال أمام صور الفنان الراحل زكي ناصيف التي ملأت الشاشات العملاقة. وقدَّمت الفنانة تحية وفاء له، فأنشدت من أرشيفه أغنيتَي «نقيلي زهرة» و«اشتقنا كتير يا حبايب». وما إن انطلقت الألحان حتى وقف الحضور مصفقاً ومردداً الكلمات، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحنين بالفرح، واستعاد معه جيل كامل ذكريات رافقته على وقع أغنيات ناصيف الخالدة.
وبعدها، قدمت أغنية «بيقولوا الحب بيقتل الوقت» من ألحان الراحل زياد الرحباني، قبل أن تتقدَّم نحو عازف البيانو مارك نعوم الذي رافقها في مشهد اتسم بالرومانسية والتناغم الموسيقي، ثم انتقلت إلى أغنيتها «أمل»، وأعقبتها بأداء «نشيد الحب» للمغنية الفرنسية الشهيرة، نجمة الخمسينات، إديت بياف، في حين ازدانت خلفية المسرح بقلوب حمراء أضفت على الأمسية أجواء رومانسية.
وبرزت قدرات عبير نعمة الصوتية في أكثر من محطة؛ إذ أظهرت مرونة كبيرة في الانتقال بين الطبقات المختلفة، وزيَّنت بعض وصلاتها بلمسات أوبرالية نالت إعجاب الجمهور الذي قاطعها مراراً بالتصفيق. وفي أدائها لأغنية «يا ترى»، التي تتناول التحولات التي تطرأ على علاقة حبّ، نجحت في أسر انتباه الحاضرين، تاركة أثراً واضحاً في نفوسهم.
ولم تغادر عبير نعمة المسرح قبل أن تهدي جمهورها أغنيتَي «بلا ما نحس» و«بصراحة»، اللتين تحوّلتا إلى محطتين ثابتتين في كلّ حفل. أما الختام، فجاء مع «بيبقى ناس»، التي حملت رسالة شكر ووفاء لكل من رافقها في رحلتها الفنية والإنسانية. وأسدلت الستارة على أمسية غلبت عليها مشاعر الفرح والأمل، وأكدت أنّ الموسيقى لا تزال قادرة على جمع اللبنانيين حول لحظة حياة واحدة.
وتستمر حفلات «أعياد بيروت» حتى 28 يوليو (تموز) الحالي، فيلتقي الجمهور خلال الأيام المقبلة نخبة من النجوم اللبنانيين والعرب، بينهم الأخرس، وإليسا، ومروان خوري، وجون أشقر، وجوزف عطية، وغي مانوكيان، وإبراهيم معلوف، في سلسلة أمسيات تستكمل عودة المهرجان إلى المشهد الفنّي.



