ينتقد العرض المسرحي «لحظة واحدة» أوضاع المسرح المصري وغياب الجمهور عنه، من خلال بطلته التي تُجسد دور ممثلة كبيرة تشعر بغربة بين ماضٍ كان يشهد زحاماً بالمسرح، وعرضها الأخير الذي لم يحضره سوى 3 أشخاص، ما جعلها توجه صرخة ضمن مشاهد المسرحية تقول فيها: «المسرح مات وأنا أيضاً لا بد أن أموت».
العرض الذي ينتمي إلى فئة «الديودراما»، التي تقوم على اثنين فقط من الممثلين، تؤدي بطولته الفنانة ماجدة منير والممثل الشاب إسلام شوقي، وهو من تأليف وإخراج يوسف مراد منير، ويُعرض بقاعة «صلاح جاهين» بمسرح البالون. وفيه تنتاب الممثلة الكبيرة «سميرة» حالة من اليأس جرّاء ظروف تُحيط بها، تعرضها لنوبات من الإحباط؛ حيث تتفاقم عليها مصاعب الوحدة وتعيش على ذكريات حبها وعملها مع زوجها المخرج الراحل، في حين تواجه تهديداً بالطرد من الشقة التي تحمل كل ذكرياتها لعدم قدرتها على دفع الإيجار، وتتدهور أحوالها في العمل، وتروي كيف تجرأ منتج عليها، وترى أنه لم يعد أحد يهتم بالآخر، فكل شخص مشغول بحاله، وتتذكر أنه في آخر عرض مسرحي لم يحضر سوى 3 أشخاص فقط من الجمهور. وبينما هي تجتر أحزانها تجد نفسها في مواجهة «ملك الموت» الذي جاء يقبض روحها، تستمهله لحظة واحدة تتحول إلى لحظات، تستعيد خلالها ذكرياتها الحلوة، حين التقت زوجها وقصة حبهما وعملهما معاً بنجاح قبل أن يتركها وحيدة.

يُقدّم العرض تحية للمسرح المصري؛ إذ تستعيد الممثلة خلاله مشاهد من أعمال مسرحية خالدة لشكسبير وكبار المؤلفين، كما تشارك بطل العرض أداء عدد من الأغنيات الراسخة في تاريخ المسرح المصري، من أعمال فؤاد المهندس ومدبولي وشادية، إلى جانب قصيدة صلاح جاهين «على اسم مصر» وأوبريت «الليلة الكبيرة». وقد تفاعل الجمهور بحماس مع هذه الفقرات الغنائية، كما تفاعل مع المواقف الكوميدية التي حملتها المسرحية.
يقول المخرج يوسف مراد منير إنه أراد من خلال العرض أن يلفت الانتباه إلى ما يواجهه المسرح المصري في الآونة الأخيرة، وما يواجهه الممثلون الكبار والشباب على حد سواء. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكرة عكست رسالة حب للمسرح الذي أثّر في وجدان الجمهور على مدى أجيال»، مؤكداً أنه عاش فترات ازدهار المسرح؛ حيث كان يصطحبه والده المخرج مراد منير معه، ورأى كيف يتسابق كبار النجوم على تقديم عروضه، فيما يواجه حالياً أزمات كثيرة، من بينها إلغاء بند الدعاية من ميزانيات العروض المسرحية، عادّاً العرض «صرخة في مواجهة أوضاع المسرح حالياً»، على حد تعبيره.
ويُشير يوسف إلى أن فكرة التعامل مع الفنان حين يكبر عاشها في الواقع من خلال والدته الفنانة الراحلة فايزة كمال، وعن ذلك يقول: «كان صناع الأعمال الدرامية قبل مرضها يطلبونها في أدوار هامشية، وبأجور مهينة، وهذا الأمر أثر عليَّ؛ لذا طرحته من خلال المسرحية».
ويلفت إلى أن بطلة العرض الفنانة ماجدة منير لم تقدم مسرحيات منذ 15 عاماً، لأنها لم تجد ما يناسبها، وتحمست لهذا النص، وأن الممثل إسلام شوقي الذي يقدمه لأول مرة على مستوى الاحتراف سبق أن قدم أعمالاً كثيرة حاز عنها جوائز ضمن عروض معهد الفنون المسرحية الذي يعمل معيداً به.
ويؤكد يوسف أنه حرص على «تقديم عرض يحقق أيضاً المتعة من خلال المواقف الكوميدية ليكون جاذباً للجمهور، ونحن نسخر من أزماتنا كعادة المصريين»،

وحسب الناقدة الدكتورة سامية حبيب فإن مسرحية «لحظة واحدة» تُثير حالة من الشجن واجترار الألم، في حين يطرح العرض مقتطفات فنية من عروض مسرحية وأشعار وأغنيات، ما يخلق تنوعاً في الحدث، مؤكدة أن الفنان يعيش دائماً بين أعماله الفنية التي أثَّرت في تكوينه، وأن العمر لم يذهب هباءً رغم أن بطلته تشعر بعكس ذلك.
وتشيد سامية حبيب بأداء الفنانة ماجدة التي عبّرت في لوحات العرض عن شعور فنانة في نهاية العمر، قائلةً لـ«الشرق الأوسط»: «هذا ليس جديداً عليها؛ لأنها ممثلة كبيرة حققت تاريخاً طويلاً في المسرح، وبشكل خاص عروض الثقافة الجماهيرية»، كما ترى أن الممثل إسلام شوقي كان مفاجأة العرض؛ حيث يتمتع بحضور لافت وروح كوميدية في تقديمه شخصية «ملك الموت» الذي يصبح مصدراً لسعادة بطلة العرض.
كما تلفت سامية حبيب إلى أن الموسيقى كانت من العناصر الجميلة التي منحت العرض حيوية. وأشادت الناقدة الفنية بموهبة المخرج يوسف مراد منير، وقالت إن له تجارب سابقة حصلت على جوائز عدة، مثل «سجن النسا»، وعدّته مخرجاً واعداً قادراً على توصيل أفكاره بسلاسة ووضوح.







