عمال «كومرتس» يرفضون استحواذ «يونيكريديت» مع اقتراب البنك الإيطالي من السيطرة

موظفو «كومرتس بنك» يحتجون قبيل انعقاد الاجتماع السنوي للمساهمين في مدينة فيسبادن بألمانيا في 20 مايو 2026 (رويترز)
موظفو «كومرتس بنك» يحتجون قبيل انعقاد الاجتماع السنوي للمساهمين في مدينة فيسبادن بألمانيا في 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

عمال «كومرتس» يرفضون استحواذ «يونيكريديت» مع اقتراب البنك الإيطالي من السيطرة

موظفو «كومرتس بنك» يحتجون قبيل انعقاد الاجتماع السنوي للمساهمين في مدينة فيسبادن بألمانيا في 20 مايو 2026 (رويترز)
موظفو «كومرتس بنك» يحتجون قبيل انعقاد الاجتماع السنوي للمساهمين في مدينة فيسبادن بألمانيا في 20 مايو 2026 (رويترز)

جدد عمال بنك «كومرتس بنك» يوم الخميس رفضهم القاطع لعرض الاستحواذ المقدم من بنك «يونيكريديت»، مؤكدين معارضتهم للاندماج في وقت يقترب فيه البنك الإيطالي من إحكام سيطرته على منافسه الألماني.

ويعكس هذا الموقف استمرار المعارضة الألمانية لمحاولات «يونيكريديت» التي تمتد من موظفي «كومرتس بنك» إلى الأوساط السياسية في برلين، بما يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجه عمليات دمج البنوك الكبرى في منطقة اليورو، رغم تشجيع صناع السياسات لهذه الصفقات بهدف إنشاء مؤسسات مالية قادرة على منافسة البنوك الأميركية العملاقة، وفق «رويترز».

وجاء في رسالة وجهها مجلس العمال إلى الموظفين، واطلعت عليها «رويترز»: «يبقى موقفنا واضحاً وثابتاً؛ نحن لا نريد يونيكريديت ولا نحتاج إليه».

ويأتي هذا الموقف بعد يوم واحد من إعلان «يونيكريديت» رفع حصته في «كومرتس بنك» إلى 47.6 في المائة، ما يضعه على بعد خطوة واحدة من السيطرة الكاملة على البنك الذي يسعى للاستحواذ عليه منذ عام 2024.

وأضاف مجلس العمال في رسالته: «نرفض هذا النهج غير الشفاف، وغير المنسق، والعدائي».

في المقابل، أكد «يونيكريديت» يوم الأربعاء أنه يسعى إلى «حوار بنّاء مع جميع الأطراف المعنية».

ودعت الرئيسة التنفيذية لـ«كومرتس بنك»، بيتينا أورلوب، الموظفين إلى التحلي بالهدوء، وقالت في رسالة مصورة عبر الشبكة الداخلية للبنك، وفقاً لنص اطلعت عليه «رويترز»: «بعد نتائج عرض الاستحواذ، نواجه الآن واقعاً جديداً، لكننا لن نسمح له بزعزعة استقرارنا».

وأبدى البنكان استعدادهما للحوار، بعدما تعثرت عدة جولات من المحادثات غير الرسمية بسبب تباين وجهات النظر.

وحذرت إدارة «كومرتس بنك» من أن اندماج البنكين قد يؤدي إلى الاستغناء عن نحو 11 ألف وظيفة، في حين قدّر مجلس العمال أن عدد الوظائف المهددة قد يصل إلى 23 ألفاً.

من جانبه، أشار «يونيكريديت» إلى إمكانية خفض نحو 7 آلاف وظيفة، تتركز معظمها في الوظائف المركزية.

ويضم «كومرتس بنك» نحو 38 ألف موظف بدوام كامل، وكان قد نفذ خلال العقد الماضي عدة جولات من إعادة هيكلة القوى العاملة، شملت إلغاء 3 آلاف وظيفة في وقت سابق من هذا العام، إضافة إلى خطة أُعلنت عام 2021 لتقليص 10 آلاف وظيفة.

وأكد مجلس العمال في ختام رسالته: «سنواصل الدفاع بكل قوة عن استقلالية بنك كومرتس بنك».


مقالات ذات صلة

«بي إن بي باريبا» يختار الرياض... ترخيص مقر إقليمي يعزز حضور فرنسا بالسعودية

الاقتصاد السعودية تعزز حضور المؤسسات المالية العالمية باستقطاب المقر الإقليمي لمجموعة «بي إن بي باريبا» الفرنسية (واس)

«بي إن بي باريبا» يختار الرياض... ترخيص مقر إقليمي يعزز حضور فرنسا بالسعودية

حصل بنك «بي إن بي باريبا»، أكبر بنك في فرنسا، على ترخيص لإنشاء مقر إقليمي في السعودية، في خطوة تأتي في وقت تتسع العلاقات الاقتصادية بين السعودية وفرنسا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد «البنك المركزي التركي» (رويترز)

البنوك والسندات التركية تقفز بعد عودة «المركزي» إلى التمويل الأرخص

قفزت أسهم البنوك التركية يوم الاثنين، بالتزامن مع صعود السندات الحكومية، بعدما استأنف «البنك المركزي التركي» التمويل عبر عمليات إعادة الشراء لأجل أسبوع...

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
تقرير إخباري جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

تقرير إخباري «جاكسون هول»... وارش أمام اختبار الأسواق ورهانات الفائدة

تستضيف مدينة جاكسون هول الندوة الاقتصادية السنوية التي أصبحت على مدى عقود إحدى أهم المحطات في أجندة البنوك المركزية العالمية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد صورة جماعية لمسؤولي بنك الأردن عقب حفل تدشين أول مقر في الرياض (الشرق الأوسط) p-circle 02:03

المشاريع الكبرى وتدفقات الاستثمار تجذب بنك الأردن إلى السعودية

لا تتوقف جاذبية السوق السعودية عند تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسع المشاريع الكبرى.

بندر مسلم (الرياض)

الرسوم تعود إلى واجهة الصراع التجاري بين أميركا والصين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
TT

الرسوم تعود إلى واجهة الصراع التجاري بين أميركا والصين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خارج «قاعة الشعب الكبرى» يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)

تعود الرسوم الجمركية لتتصدر مشهد العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه القوتان الأكبر بالعالم الحفاظ على هدنة تجارية هشة وتهيئة الأجواء لقمة مرتقبة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ. وبين رسائل سياسية تدعو إلى إزالة العقبات وتحركات اقتصادية تلوح بقيود جديدة، تبدو العلاقة وكأنها تسير على مسارين متوازيين: الحوار من جهة، والضغط التجاري من جهة أخرى.

وأعلنت وزارة التجارة الصينية، الخميس، أنها تراقب وتقيّم التحركات الأميركية، رداً على سؤال بشأن دراسة واشنطن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 7.5 في المائة على السلع الصينية، على خلفية اتهامات تتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة هوانغ لينغ إن الصين «تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة»، في رسالة تشير إلى أن بكين لا تريد استباق القرار الأميركي بالتصعيد، لكنها في الوقت نفسه تضع احتمال الرد على الطاولة. وتعيد الخطوة المحتملة قضية «فائض الطاقة الإنتاجية» إلى قلب الخلاف الاقتصادي بين البلدين. فترى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أن الدعم الحكومي الصيني، والاستثمارات الصناعية الضخمة أديا إلى إنتاج يفوق قدرة السوق المحلية على الاستيعاب، ما يدفع الشركات الصينية إلى تصدير كميات أكبر بأسعار تضغط على المنتجين في الأسواق الخارجية.

وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في القطاعات التي تعدها بكين استراتيجية لمستقبل اقتصادها، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والرقائق والروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة. أما الصين فترفض في الأساس تصوير قدراتها الصناعية بوصفها مشكلة «فائض إنتاج»، وتدافع عن تنافسية شركاتها بوصفها نتيجة للاستثمار طويل الأجل، وتطور سلاسل الإمداد، وارتفاع الكفاءة الصناعية.

ومن هذا المنظور، تنظر بكين إلى القيود الغربية بوصفها محاولة لحماية الصناعات المحلية، واحتواء صعود الشركات الصينية. اقتصادياً، قد تبدو رسوم إضافية بنسبة 7.5 في المائة محدودة مقارنة بمستويات الرسوم التي شهدتها جولات سابقة من الحرب التجارية، إلا أن أهميتها تكمن في الإشارة التي ترسلها إلى الأسواق. فإضافة طبقة جديدة من الرسوم تعني أن الهدنة الحالية لا تزال قابلة للاهتزاز، وأن الشركات التي بنت استراتيجياتها الاستثمارية على استقرار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم قد تضطر إلى الاحتفاظ بهوامش أوسع لمواجهة المخاطر. كما أن التأثير لن يتوقف بالضرورة عند المصدرين الصينيين. فإذا نقلت الشركات جانباً من التكلفة الجديدة إلى المشترين الأميركيين، فقد ترتفع أسعار بعض السلع أو المدخلات الصناعية، بما يعيد ملف التضخم إلى حسابات السياسة التجارية الأميركية. أما إذا تحمل المصدرون التكلفة للحفاظ على حصصهم السوقية، فإن الضغط سينتقل إلى هوامش أرباح الشركات الصينية. وفي المقابل، تمتلك بكين مجموعة واسعة من أدوات الرد، تبدأ من الرسوم والإجراءات التنظيمية، ولا تنتهي بالقيود على الشركات الأميركية العاملة في الصين. وقد واصل البلدان بالفعل اتخاذ إجراءات اقتصادية مستهدفة ضد بعضهما بعضاً، بما في ذلك قيود أميركية على منتجات صينية وإجراءات صينية ضد كيانات أميركية. لكن المفارقة أن هذا التصعيد المحتمل يأتي بينما تعمل القنوات الدبلوماسية على تهيئة المناخ لاتصالات رفيعة المستوى. فقد دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال اجتماعه مع السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو، البلدين إلى «إزالة التدخلات وتجاوز العقبات» أمام التبادلات رفيعة المستوى، مع الإقرار بأن العلاقات لا تزال تواجه مخاطر وتحديات متعددة.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية مع توقع عقد قمة جديدة بين ترمب وشي الشهر المقبل، بعد لقائهما في بكين في مايو (أيار)، حين تعهدا بالحفاظ على استقرار العلاقات والهدنة التجارية الهشة. وكان ترمب قد دعا شي إلى اجتماع في الولايات المتحدة في 24 سبتمبر (أيلول)، وإن كان الموعد النهائي للزيارة لم يتأكد بعد. وهنا تتحول الرسوم المحتملة إلى جزء من عملية تفاوض أوسع. فقد تستخدم واشنطن التهديد بفرضها لانتزاع تنازلات تتعلق بالسياسة الصناعية أو الوصول إلى الأسواق، بينما يمكن لبكين استخدام احتمال الرد لرفع تكلفة أي تصعيد قبل القمة.

وتواجه الصين في الوقت نفسه تحدياً داخلياً يجعل الملف أكثر تعقيداً. فمع تباطؤ بعض محركات الطلب المحلي، أصبحت الصادرات والصناعات المتقدمة أكثر أهمية للنمو، وهو ما يجعل القيود التجارية الخارجية أكثر حساسية بالنسبة إلى بكين. وفي المقابل، ترى واشنطن أن السماح بتدفق إنتاج صيني إضافي إلى السوق العالمية قد يزيد الضغوط على قطاعات صناعية تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بنائها محلياً. لذلك فإن الخلاف حول «فائض الإنتاج» ليس مجرد نزاع على حجم الصادرات، بل هو صراع حول شكل النظام الصناعي العالمي المقبل: أين ستتركز المصانع؟ ومن سيسيطر على التقنيات الجديدة؟ وما مقدار الدعم الحكومي المقبول في المنافسة الدولية؟ والسيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في استخدام الأسابيع السابقة للقمة للتوصل إلى تفاهمات تمنع الرسوم الجديدة أو تحد من نطاقها.

أما السيناريو الآخر فهو دخول الطرفين في دورة جديدة من الإجراء والرد المضاد، بما قد يبدد جانباً من التحسن الذي تحقق في العلاقات. وبين الخيارين، ستراقب الأسواق ما إذا كانت عبارة بكين عن الاحتفاظ «بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة» ستبقى رسالة تفاوضية، أم ستكون مقدمة لجولة جديدة من الحرب التجارية. فالاختبار الحقيقي للقمة المقبلة لن يكون في لغة البيانات السياسية بقدر ما سيكون في قدرة واشنطن وبكين على منع خلافاتهما الصناعية من التحول مجدداً إلى رسوم وقيود تعيد تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار العالمية.


«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
TT

«جاكسون هول» يضع وارش أمام اختبار الأسواق والتضخم

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بمؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في يوليو (رويترز)

تتجه أنظار الأسواق العالمية ابتداءً من الخميس إلى منتدى «جاكسون هول» الاقتصادي في وايومنغ، الذي يجمع مسؤولي البنوك المركزية والاقتصاديين لمناقشة آفاق الاقتصاد والسياسة النقدية، في حين تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى كلمة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الجمعة، في أول ظهور رئيسي له في المنتدى منذ توليه قيادة البنك المركزي.

وتأتي كلمة وارش في توقيت حساس، بعدما أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة من دون تغيير في اجتماعه الأخير، في حين لا يزال التضخم أعلى بكثير من مستهدفه البالغ 2 في المائة، في وقت بدأت فيه الأسواق تعيد تسعير احتمالات رفع الفائدة قبل نهاية العام.

وأظهرت أحدث البيانات أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) ارتفع 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، في حين استقر المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 3.3 في المائة. وتبقي هذه المستويات ضغوط الأسعار حاضرة بقوة في حسابات «الاحتياطي الفيدرالي»، رغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن النمو وسوق العمل.

لكن اختبار وارش في «جاكسون هول» لا يتعلق بمسار الفائدة وحده، بل بقدرته على استعادة ثقة الأسواق في أسلوب التواصل مع المستثمرين. فمنذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار)، تبنى وارش نهجاً أكثر تحفظاً في تقديم توجيهات مسبقة بشأن قرارات السياسة النقدية المقبلة، وسعى إلى تقليص الإشارات المباشرة إلى المسار المحتمل للفائدة. إلا أن مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو (تموز) أثار انتقادات من اقتصاديين ومستثمرين رأوا أنه لم يقدم وضوحاً كافياً بشأن رؤيته للاقتصاد والسياسة النقدية.

وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» لتقديم قدر أكبر من الشفافية، من دون التخلي عن توجهه للابتعاد عن توجيه الأسواق مسبقاً بشأن قرارات الفائدة.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

بين الشفافية وتجنب التوجيه المسبق

ويمثل ذلك معادلة دقيقة أمام وارش، الجمعة: فهو مطالَب بتوضيح كيفية قراءته للتضخم والنمو وسوق العمل، لكنه لا يريد أن يقيد نفسه بإشارة صريحة إلى قرار الفائدة المقبل.

ويرى مؤيدو نهجه أن رد فعل الأسواق على مؤتمره الصحافي في يوليو كان مبالَغاً فيه، وأن تغيير أسلوب التواصل يحتاج إلى وقت حتى تعتاد الأسواق على نهج أقل اعتماداً على التوجيه المستقبلي.

وقال راندال كروسزنر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وعضو سابق في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، في تصريحات لـ«بلومبرغ»، إن البنك المركزي لا يزال في بداية عملية إعادة صياغة لأسلوب التواصل، مشيراً إلى أن الأسواق قد تخطئ أحياناً في تفسير رسائل البنك المركزي.

في المقابل، ترى أوساط في «وول ستريت» أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني بالضرورة تقليص الشفافية، وأن المستثمرين يريدون على الأقل معرفة كيف ينظر وارش إلى البيانات الاقتصادية الحالية وما الذي يدفعه إلى موقفه بشأن الفائدة.

التضخم يعقّد مهمة وارش

وتزداد صعوبة المهمة مع بقاء التضخم أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي». فقد استقر التضخم الأساسي عند 3.3 في المائة في يوليو، في حين بقي التضخم العام عند 3.7 في المائة؛ ما يجعل أي إشارة إلى خفض الفائدة أكثر حساسية.

وفي المقابل، أبقى «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الأساسي في اجتماعه الأخير عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، بعدما صوّت ثلاثة مسؤولين لصالح رفعه ربع نقطة مئوية، في إشارة إلى انقسام متزايد داخل البنك بشأن مدى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم.

وتُظهر تسعيرات الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ نحو 45 في المائة لرفع الفائدة بحلول اجتماع ديسمبر (كانون الأول)؛ ما يعكس عودة سيناريو التشديد النقدي إلى دائرة الاهتمام بعد أن كانت توقعات خفض الفائدة هي المحرك الرئيسي للأسواق في مراحل سابقة.

سوق السندات تضيف ضغطاً آخر

ولا يأتي وارش إلى «جاكسون هول» في فراغ مالي؛ إذ تتعرض سوق السندات الأميركية لضغوط متزايدة مع ارتفاع احتياجات الاقتراض الحكومي، في وقت أعلنت فيه وزارة الخزانة الأميركية توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وخفض العوائد طويلة الأجل.

وأثارت هذه الخطوة تساؤلات إضافية حول العلاقة بين السياسة المالية والنقدية، خصوصاً مع وصول الدَّين الحكومي الأميركي إلى مستويات قياسية وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة.

ومن هنا، ستراقب الأسواق ما إذا كان وارش سيقدم في كلمته تصوراً أوضح بشأن العلاقة بين التضخم والفائدة وعوائد السندات، أو سيواصل نهجه القائم على ترك القرارات مفتوحة أمام البيانات المقبلة.

الجمعة... كلمة تحت المجهر

وبذلك، لا تبدو كلمة وارش، الجمعة، مجرد خطاب تقليدي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في أحد أهم التجمعات الاقتصادية السنوية، بل ستكون اختباراً مبكراً لأسلوب قيادته للبنك المركزي.

فالأسواق تريد إجابات عن اتجاه الفائدة، والتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وعوائد السندات تضغط على الأوضاع المالية، في حين يسعى وارش إلى إثبات أن تقليص التوجيه المسبق لا يعني غياب الرؤية أو ضعف التواصل.

ولهذا؛ قد تكون الرسالة الأهم التي يبحث عنها المستثمرون، الجمعة، ليست قراراً محدداً بشأن سبتمبر (أيلول)، وإنما الطريقة التي سيشرح بها وارش كيف يفكر «الاحتياطي الفيدرالي» في المرحلة المقبلة.


«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة

مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يمهد لرفع جديد للفائدة

مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر «بنك اليابان المركزي» في العاصمة طوكيو (رويترز)

عزز نائب محافظ «بنك اليابان»، ريوزو هيمينو، التوقعات بأن «البنك المركزي» يقترب من رفع جديد لأسعار الفائدة، بعدما شدد على ضرورة التحرك «في الوقت المناسب» لمنع التضخم من تجاوز المستويات المستهدفة، في تحول يعكس ازدياد القلق من ضعف الين وارتفاع تكاليف الطاقة واتساع الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الياباني.

ورغم أن هيمينو تجنب الإشارة صراحة إلى رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر (أيلول) المقبل، فإن تصريحاته أبقت هذا الاحتمال قائماً بقوة، خصوصاً بعدما أصبحت الأسواق تستوعب بصورة شبه كاملة إمكانية زيادة تكاليف الاقتراض الشهر المقبل. وقال هيمينو إن «البنك» يحتاج إلى تحقيق توازن بين جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتحرك بالسرعة اللازمة لتجنب التأخر في مواجهة التضخم. وأضاف أن «مجلس السياسة النقدية» سيناقش هذا التوازن في كل اجتماع، خصوصاً مع اقتراب التضخم الأساسي من هدف «البنك» البالغ اثنين في المائة.

وتأتي هذه اللهجة بعد مدة طويلة كان فيها التحدي الأساسي أمام «بنك اليابان» هو رفع التضخم، وليس كبحه. لكن الصورة تغيرت مع ارتفاع أسعار الواردات، وضعف الين، وزيادة تكاليف الوقود؛ بسبب الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب قوة الطلب العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

ويرى هيمينو أن اليابان دخلت مرحلة يتعين فيها على «البنك المركزي» أخذ احتمال تجاوز التضخم الأساسي مستوى اثنين في المائة بجدية أكبر. وقال إن تجاوز التضخم الهدف ستكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد؛ مما يستدعي إيلاء مخاطر ارتفاع الأسعار اهتماماً أكبر من السابق.

وتدعم البيانات الأخيرة هذا القلق. فقد بلغ التضخم على مستوى الجملة 7.2 في المائة على أساس سنوي خلال يوليو (تموز) الماضي؛ مما يشير إلى ضغوط متنامية على تكاليف الشركات قد تنتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين.

* سبتمبر تحت المجهر

تكتسب تصريحات هيمينو أهمية إضافية نظراً إلى سجله السابق في إرسال إشارات تسبق تحولات السياسة النقدية. وقال شوتارو موري، كبير الاقتصاديين لدى «إس بي آي شينسي بنك»، إن هيمينو لم يستبعد رفع الفائدة في سبتمبر المقبل، وإن لهجته جاءت متشددة بصورة عامة كما كان متوقعاً، مضيفاً أن اجتماع الشهر المقبل سيكون مفتوحاً على اتخاذ قرار.

وكان «بنك اليابان» قد رفع سعر الفائدة الرئيسي في يونيو (حزيران) الماضي إلى واحد في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، قبل أن يبقي السياسة النقدية دون تغيير في يوليو الماضي، مع إطلاق أقوى تحذيراته حتى الآن بشأن مخاطر التضخم.

وتشير مصادر تحدثت إلى «رويترز» إلى أن «البنك» قد يرفع الفائدة في أقرب وقت خلال سبتمبر المقبل، كما يبحث إمكانية تسريع وتيرة التشديد النقدي مقارنة بمعدل الزيادات الحالي البالغ نحو مرتين سنوياً.

ولا يتعلق القرار بالتضخم وحده. فضعف الين يرفع تكلفة السلع المستوردة، لا سيما الطاقة والغذاء، ويزيد الضغوط على الأسر والشركات.

وأكد هيمينو أن «البنك» سيدقق في تأثير سعر الصرف على التضخم عند تقييم قراراته المقبلة.

وفي المقابل، تواجه السلطات معضلة دقيقة؛ إذ إن رفع الفائدة بسرعة أكبر قد يزيد تكاليف التمويل ويضغط على النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التأخر في التحرك إلى ترسيخ التضخم وربما إجبار «البنك» لاحقاً على زيادات أعلى حدة. ورفض هيمينو فكرة أن مزيداً من رفع الفائدة سيضر بالضرورة بالاقتصاد الهش، عادّاً أن تعديل الظروف المالية التي لا تزال تيسيرية يمكن أن يساعد على توجيه رؤوس الأموال نحو استثمارات أعلى إنتاجية. وقال إن رفع الفائدة في التوقيت المناسب يمكن أن يمنع قفزة مستقبلية في التضخم وما قد تستتبعه من زيادات مفاجئة في أسعار الفائدة؛ مما يصب بنهاية المطاف في مصلحة الشركات الصغيرة.

وشبه هيمينو السياسة الحالية بسيارة لا تزال تضغط فيها على دواسة الوقود، قائلاً إن «البنك» سيحتاج إلى تخفيف هذا الضغط تدريجياً عبر رفع الفائدة في الوقت المناسب. وبذلك، تتحول مسألة رفع الفائدة من سؤال بشأن «ما إذا» كان «بنك اليابان» سيواصل التشديد، إلى سؤال عن «متى وبأي سرعة». وإذا استمرت ضغوط الأسعار وضعف الين، فقد يكون اجتماع سبتمبر المقبل أول اختبار فعلي لمدى استعداد «البنك» لتسريع خروجه من إرث السياسة النقدية فائقة التيسير.