تخيل أن تكون ألكسندر زفيريف أو ييري ليهيتشكا، تخوض مباراة الدور الرابع على الملعب الرئيسي في ويمبلدون، ثم ترفع رأسك قبل الإرسال لترى أن المقصورة الملكية، أكثر مقاعد البطولة شهرة، لا يجلس فيها عند انطلاق المباراة سوى 4 أشخاص فقط. وذلك وفقاً لصحيفة «التلغراف البريطانية».
كان ذلك اختباراً قاسياً للشعبية. فالمشهد أوحى بأن كثيراً من المدعوين فضّلوا التوجه إلى صالات الضيافة والاستمتاع بالمأكولات الفاخرة، من الكمأ الأبيض والكافيار، بدلاً من متابعة المباراة التي انطلقت قرابة التاسعة مساءً.
لكن وسط المقاعد شبه الخالية، برز شخص واحد غيّر معنى الصورة بالكامل: روجر فيدرر.
جلس الأسطورة السويسرية في منتصف الصف الأمامي، يتابع كل نقطة بعينين لا تفوتهما أي تفصيلة، في لقطة وصفها التقرير بأنها من أكثر الصور تعبيراً في تاريخ الملعب الرئيسي، لأنها اختزلت مكانة الرجل الذي توج بلقب ويمبلدون 8 مرات، وهو الرقم القياسي في منافسات الرجال.

ولم يعد مهماً أن غالبية المدعوين فضّلوا الحانة أو مغادرة الملعب، لأن الشخص الوحيد الذي كان وجوده يصنع الفارق كان حاضراً في مقعده. ففيدرر، بالنسبة لويمبلدون، لا يزال الملك بلا منازع.
وتُعد الدعوة إلى المقصورة الملكية واحدة من أرفع الامتيازات في عالم الرياضة. بالنسبة للرياضيين، هي إعلان غير مباشر بأنهم بلغوا قمة النجاح. أما بالنسبة للمشاهير، فهي مناسبة لا يمكن تفويتها للظهور في قلب الحدث.
فقد ظهر في المقصورة خلال الأيام الماضية ديفيد بيكهام، وبرادلي كوبر، ونيكول كيدمان، بينما استغل ماثيو ماكونهي المناسبة للجلوس إلى جانب أسطورة التنس أندريه أغاسي. أما الممثل هيو غرانت، فقد التقطته الكاميرات قبل عامين وهو يغفو في مقعده بعد الاستفادة الكاملة من الضيافة المجانية.
أما فيدرر، فكانت أولوياته مختلفة تماماً.
فبالنسبة لأحد أعظم من حمل مضرب التنس، الذي يحرص على حضور البطولة يومياً تقريباً، لا تمثل المقصورة الملكية مكاناً للاستعراض أو لتناول الطعام، بل فرصة لمشاهدة أفضل مباريات التنس من أقرب نقطة ممكنة إلى الملعب.
ولذلك كان من اللافت أن شخصيات مثل ليني هنري، وكلوديا وينكلمان، ودوقة غلوستر، إضافة إلى كارول ميدلتون، وبيبا ميدلتون، والدة وشقيقة أميرة ويلز، لم تعتبر المباراة الحدث الأهم في الأمسية، أو على الأقل لم ترَ أن مواجهة زفيريف وليهيتشكا تستحق البقاء في المقاعد منذ البداية.
أما فيدرر، فلم يكن يشبه أياً منهم.
فعندما تكون هناك مباراة تُلعب، فإنه يشاهدها بكل تركيز. لا ينشغل بالأحاديث الجانبية، ولا بالمآدب، ولا بالحركة المستمرة داخل المقصورة، بل يثبت نظره على الملعب كما لو أنه ما زال ينافس على اللقب.
ومن الصعب العثور على لاعب معتزل يمنح البطولة هذا القدر من الاهتمام.
فآندي موراي وإيفان ليندل يظهران أحياناً في الملعب الرئيسي، لكن وجودهما يكون عادة ضمن مقاعد المدربين لمتابعة اللاعبين اللذين يعملان معهما. أما جون ماكنرو، فهو حاضر باستمرار، لكن بصفته معلقاً ومحللاً تلفزيونياً يتقاضى أجراً مقابل عمله.
في المقابل، يفضل بعض الأبطال الابتعاد تماماً عن المكان الذي صنعوا فيه أمجادهم.
ويُعد بيت سامبراس أبرز الأمثلة، إذ نادراً ما يظهر في ويمبلدون، وكأن العودة إلى الملاعب التي شهدت أعظم إنجازاته تذكره بأن الزمن حرمه من فرصة المنافسة مجدداً.
أما فيدرر، فلا يبدو أنه يحمل أي شعور من هذا النوع.
إنه يحضر ببساطة لأنه يحب التنس، ويستمتع بمشاهدته، حتى لو كانت المباراة بين زفيريف وليهيتشكا وليست نهائياً يجمع أكبر نجوم اللعبة.
ولا شك أن رؤية فيدرر في المدرجات تمنح اللاعبين دفعة معنوية استثنائية، إذ يدركان أن أكثر لاعب ارتبط اسمه بتاريخ ويمبلدون يجلس لمتابعتهما عن قرب، وهو تقدير لا يمكن لأي تصفيق أو جائزة أن يضاهيه.
