ليبيا تشن حملات مكثفة لوقف تداول «مبيدات مسرطنة»

المواطنون يترقبون نتائج التحقيقات في إحدى أخطر القضايا المرتبطة بأمنهم الغذائي

رجال أمن خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة الخميس (مكتب النائب العام)
رجال أمن خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة الخميس (مكتب النائب العام)
TT

ليبيا تشن حملات مكثفة لوقف تداول «مبيدات مسرطنة»

رجال أمن خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة الخميس (مكتب النائب العام)
رجال أمن خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة الخميس (مكتب النائب العام)

تتسارع وتيرة الملاحقات القضائية والأمنية في ليبيا منذ أن كشفت تحقيقات النائب العام، الأسبوع الماضي، عن احتواء 65 في المائة من عينات المحاصيل الزراعية على «مبيدات محظورة ومواد مسرطنة»، ما فجر صدمة واسعة لدى الشارع الليبي، ودفع السلطات إلى تكثيف ملاحقة شبكات الاتجار بهذه المبيدات في أنحاء البلاد.

النائب العام الليبي خلال اجتماع مع قادة أمنيين وتنفيذيين في طرابلس الأسبوع الماضي (مكتب النائب العام)

وتواصل النيابة العامة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة، منذ الأربعاء الماضي، عمليات مداهمة وتفتيش واسعة، في إطار تضييق الخناق على شبكات الاتجار بالمبيدات المحظورة، مع اتساع دائرة الملاحقات لتشمل متهمين جدداً، ومخازن ومحال يشتبه في استخدامها لتداول هذه المواد.

وكان أحدث هذه التحركات الأمنية في غرب البلاد، وتحديداً العاصمة طرابلس، حين أعلنت النيابة العامة، السبت، أن التحقيقات قادت إلى معلومات كشفت عن نشاط للاتجار بالمبيدات المحظورة في تاجوراء والقره بوللي، ووادي الربيع وغوط الشعال، والنشيع والسبعة.

وأسفرت عمليات التفتيش عن ضبط 75 عبوة من المبيدات المحظورة، و306 عبوة لمواد منتهية الصلاحية، و24 عبوة لمواد مجهولة المصدر والتركيبة الكيميائية داخل 16محلاً، فيما أمرت النيابة بإلقاء القبض على 14 شخصاً، وإغلاق المحال والتحفظ على المضبوطات.

وقبل ذلك بيوم، وسعت النيابة العامة الليبية نطاق حملتها في المنطقة الممتدة من مدينة الزاوية، حتى منفذ رأس جدير الحدودي مع تونس، حيث جرى تفتيش 68 محلاً، تبين أن 60 منها تستخدم في الاتجار بالمبيدات المحظورة، فأمرت بإغلاقها والتحفظ على المضبوطات، مع ملاحقة القائمين عليها.

وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» سهيل بوشيحة (الصفحة الرسمية للوزارة)

كما شهدت مدينة الخمس، الخميس، حملة مماثلة انتهت بضبط 950 عبوة من المبيدات المحظورة، و350 كيلوغراماً من مواد منتهية الصلاحية، مع حبس 12 متهماً، وإغلاق 30 محلاً استخدمت في الاتجار بهذه المواد.

وفي مصراتة، امتدت التحقيقات إلى المزارع نفسها، بعدما ربطت التحاليل بين منتجات معروضة في الأسواق و12 مزرعة، حيث ضبطت السلطات 20 شخصاً متلبسين برش المزروعات بأربعة مبيدات محظورة قبل جني المحاصيل، وأمرت بحبسهم احتياطياً، والتحفظ على الكميات المضبوطة.

كما طالت الحملة مدناً في شرق البلاد، ومنها بنغازي، حيث أعلنت النيابة ضبط 11 ألف عبوة من المبيدات المحظورة، و500 عبوة من مبيدات منتهية الصلاحية، إضافة إلى 19 ألف كيلوغرام من سماد اليوريا المدعوم من الدولة، بعد مداهمة 37 محلاً، مع القبض على المسؤولين الحاضرين وملاحقة بقية المتورطين.

محل أسمدة ومبيدات عقب إغلاقه في غرب ليبيا (مكتب النائب العام)

وفي مدينة البيضاء، أعلنت النيابة، الجمعة، ضبط 493 عبوة من المبيدات المحظورة لدى 14 شخصاً، وأمرت بحبسهم احتياطياً وإغلاق أماكن التخزين.

وعكست الحملة، التي شملت مدناً ومناطق في شرق ليبيا وغربها، توافقاً نادراً بين السلطات على جانبي الانقسام السياسي في التعامل مع القضية، باعتبارها تمس الأمن الغذائي وصحة المواطنين، وهو ما بدا جلياً في تزامن حملات المداهمة والتوقيف، التي نفذتها النيابات المختصة في المنطقتين.

يشار إلى أن الفصول الأولى للقضية بدأت بتحقيقات موسعة باشرتها النيابة العامة منذ فبراير (شباط) الماضي، كشفت عن ثغرات رقابية سمحت بدخول مبيدات إلى البلاد من دون بيانات تعريفية. وأظهرت تحاليل عينات من محاصيل معروضة في أسواق طرابلس وبنغازي ومصراتة احتواء 65 في المائة منها على آثار مبيدات محظورة، أو مواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة.

عناصر من الأمن الليبي خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة (مكتب النائب العام)

وعزا النائب العام، المستشار الصديق الصور، ذلك إلى «خلل رقابي»، مطالباً بتحديث قوائم المبيدات المحظورة وتشديد الرقابة على الاستيراد.

وفي موازاة التحرك القضائي، أصدر وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، سهيل بوشيحة، الجمعة، قراراً لتنظيم استيراد المبيدات الزراعية، يقضي بإخضاع المبيدات ذات الطبيعة الخاصة لإذن مسبق قبل استيرادها، مع قصر فتح الاعتمادات المستندية على المنتجات ذات المنشأ الأوروبي والأميركي، بعد الحصول على الموافقات والتسجيلات اللازمة.

كما ألزم القرار وزارة البيئة بإحالة قوائم المواد المحظورة والمسموح بها إلى وزارة الاقتصاد لتحديث قائمة المواد الممنوع استيرادها، وحظر استيراد المواد الخام الداخلة في صناعة المبيدات الزراعية، إضافة إلى منع استيراد المبيدات عبر المنافذ البرية.

في السياق ذاته، كشف رئيس التفتيش بمكتب النائب العام، خليفة عاشور، عن أن قائمة المبيدات المحظورة في ليبيا «لم تُحدَّث منذ سنوات»، وتضم 77 مبيداً محظوراً، مشيراً، وفقما نقلت عنه قناة محلية، إلى وجود «تحايل على الأسماء العلمية والتجارية للمبيدات عند توريدها إلى البلاد»، وهو ما يستدعي، حسب قوله، تطوير قدرات أجهزة الجمارك، وتعزيز خبراتها الفنية لمواكبة أساليب التهريب والتحايل.

وقوبل هذا النشاط الأمني الواسع بترحيب حقوقي من جانب «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا»، التي عدت أن «ضمان الحق في الغذاء الصحي أمر بالغ الأهمية، وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الصحة العامة والأمن القومي الصحي وحماية المستهلك».

ويترقب الليبيون ما ستسفر عنه التحقيقات في إحدى أخطر القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي في البلاد، وسط توقعات بأن تكشف عن شبكات أوسع لتوريد وتداول المبيدات المحظورة، والثغرات الرقابية التي سمحت باستمرار نشاطها لسنوات.


مقالات ذات صلة

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

شمال افريقيا وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات من الليبيين في الحملة الواسعة التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، حجم الأموال والمصوغات المضبوطة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، تعاظم دور بعض المدن الليبية وتأثيرها في صناعة القرار السياسي، مدعومة بما تمتلكه من تشكيلات مسلحة ومقربين من دوائر السلطة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري مستقبلاً بولس في يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

القاهرة تتمسك بدعم الحل السياسي والانتخابات المتزامنة في ليبيا

أكدت مصر موقفها الثابت والداعم لوحدة واستقرار ليبيا، كما شدد على أهمية توحيد المؤسسات الوطنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي – ليبي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محطة كهرباء في زليتن بغرب ليبيا (الشركة العامة للكهرباء)

انقطاع الكهرباء يفاقم معاناة الليبيين في صيف ساخن

يشتكي ليبيون من انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 5 ساعات يومياً في بعض المناطق، نتيجة استمرار طرح الأحمال، مما فاقم معاناتهم، خاصة في ظل الارتفاع درجات الحرارة.

جاكلين زاهر (القاهرة)

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.

ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.

وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».

الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)

وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.

وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.

رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)

وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.

وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».


الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
TT

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)

يواصل الجيش السوداني عملياته الهجومية في جبهة القتال بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، في محاولة للتقدم بوتيرة متسارعة نحو مدينة الكرمك الاستراتيجية القريبة من الحدود الإثيوبية، التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.

وتشير تقارير ميدانية متواترة إلى أن الجيش نفّذ خلال اليومَين الماضيَين ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«قوات الدعم السريع» في محيط مدينة الكرمك، ثاني أكبر مدن الإقليم. وتنطلق العمليات العسكرية التي يقودها الجيش والقوات المتحالفة معه من منطقة البركة، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومتراً من المدينة.

وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تظهر تقدم قواته في محاور متقدمة باتجاه الكرمك. وخلال الأيام الماضية، حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي ومقجة وسركم، الواقعة على الطريق الرئيسي الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك، مما دفع «قوات الدعم السريع» إلى التراجع نحو مناطق أعمق داخل الإقليم.

في المقابل، نفى قائد «قوات الدعم السريع» في محور النيل، اللواء حمودة البيشي، صحة الأنباء التي تحدثت عن تقدم الجيش نحو مدينة الكرمك، واصفاً إياها بأنها «مزاعم لا أساس لها من الصحة». وأكد البيشي، في تدوينة نشرها عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، أن المدينة لا تزال بالكامل تحت سيطرة قواته.

سيارات عليها آثار طلقات نارية في إحدى ساحات الخرطوم 11 يونيو 2026 (رويترز)

وشهد إقليم النيل الأزرق خلال الشهرَين الماضيَين تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلاله الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة.

وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

ولا تزال قوات تحالف «تأسيس» تنتشر بأعداد كبيرة في مناطق دوكان وكرن كرن وخور الحسن بمحافظة الكرمك، إلى جانب مناطق أخرى تمتد باتجاه مدينة قيسان.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، في وقت سابق، إرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى إقليم النيل الأزرق، في إطار مساعيه لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع».

مسيّرات تهاجم أم درمان

وفي ولاية الخرطوم، أفادت مصادر محلية بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدّت، السبت، لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مواقع في مدينة أم درمان، مرجحة أن تكون تلك المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع». كما ذكر سكان في مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، أنهم سمعوا دوي انفجارات متتالية في شمال غربي المدينة، ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها الدفاعات الجوية ضد عدد من الطائرات المسيّرة، دون التمكن من التحقق من طبيعة الأهداف التي كانت تستهدفها.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، شهدت ولاية الخرطوم هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع عودة آلاف المواطنين إلى منازلهم في الولاية.

Your Premium trial has ended


ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات واسعة من الليبيين في الحملة الواسعة، التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، هو حجم الأموال والمصوغات الذهبية المضبوطة، ولا أسماء المسؤولين الذين طالتهم أوامر القبض، بقدر ما أثاره المشهد نفسه من سؤال تكرر على نطاق واسع: هل يمكن أن يتكرر ذلك في ليبيا؟

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة والنويري (مجلس النواب الليبي)

ومع توالي صور المداهمات وإعلانات توقيف نواب ومسؤولين حاليين وسابقين في العراق أخيراً، تحولت الحملة إلى مادة للنقاش داخل الأوساط الليبية، حيث رأى كثيرون فيها نموذجاً ينشدونه في بلدهم المصنف دولياً بين أكثر 5 دول العالم معاناة من الفساد، في ظل تعثر جهود المحاسبة، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

تفاعل ليبي مع الحملة

امتد التفاعل الليبي مع الحملة العراقية، التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، منذ الأسبوع الماضي، من مواقع التواصل إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطين ليبيين، رأوا فيها مناسبة لإعادة فتح النقاش بشأن مستقبل مكافحة الفساد في ليبيا.

على سبيل المثال، استغل رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، الحملة العراقية لتوجيه انتقادات إلى أعضاء مجلس النواب، الذين طال بقاؤهم لأكثر من 12 عاماً، عاداً أن بعضهم يتصرف وكأنه بمنأى عن القانون والمحاسبة، بينما رأى الناشط السياسي المبروك السويح أن «التجربة الليبية تعثرت رغم استلهامها النموذج العراقي عند تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2014، بسبب الانقسام السياسي الذي ضرب البلاد».

تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية عن مظاهر فساد على نطاق واسع خصوصاً في قطاع النفط (رويترز)

في المقابل، توقع الخبير في إصلاح النظام الصحي، هاشم بالخير، إطلاق حملة مماثلة في ليبيا، فيما ذهب المدون عبد القادر الفارسي إلى استعجال انطلاق هذه الحملة والتساؤل عن موعدها. أما الباحث السياسي، محمد الأمين، فقد اختصر هذه الأمنيات بقوله: «المرآة عراقية... والوجع ليبي».

وتأتي هذه الأصداء بينما لا تزال ليبيا تسجل تراجعاً في مؤشرات مكافحة الفساد الدولية؛ إذ أظهر أحدث تصنيف لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تراجعها إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في عام 2025.

ولا تبدو هذه المقارنات بعيدة عن واقع ترصده تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة؛ إذ لطالما تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية في تقاريرها السنوية عن مظاهر فساد على نطاق واسع، خصوصاً في قطاع النفط وسوء الإدارة، علماً بأن النفط يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات الدولة الليبية.

ولم تقتصر التحذيرات من استفحال الفساد في ليبيا على التقارير الدولية، بل تكررت على لسان كبار المسؤولين الأمميين السابقين والحاليين المعنيين بالملف الليبي.

المبعوثة الأممية إلى ليبيا حذرت من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية» (غيتي)

فقد سبق أن حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية»، فيما وصفت الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، ما تشهده البلاد بأنه «فساد فظيع وسوء الإدارة في جميع أنحاء البلاد».

أما المبعوث الأممي الأسبق، غسان سلامة، فقد رسم صورة أكثر قتامة عندما قال في تصريحات سابقة إن «حجم الفساد في ليبيا لا يمكن تصوره... كل يوم هناك مليونير جديد».

تشابه بين التجربتين العراقية والليبية

هنا يرى عبد الرحيم الشيباني، عضو الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة، أن هناك أوجهاً من التشابه بين التجربتين العراقية والليبية، تتمثل في سقوط نظامين شموليين كانا يحتكران إدارة الموارد العام في بلدين نفطيين (إشارة إلى نظامي الرئيسين معمر القذافي وصدام حسين في البلدين). وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «نتائج الحوار السياسي المهيكل برعاية الأمم المتحدة الذي شارك فيه «تضمنت معالجات مهمة لتعزيز دور الأجهزة الرقابية ومكافحة الفساد»، لكنه عاد ليؤكد أن «الإرادة السياسية تظل المؤشر الحقيقي على انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة في مكافحة الفساد».

ومن منظور الشيباني، «فمن المستبعد بلوغ تقدم حقيقي في مكافحة الفساد في ليبيا من دون إنهاء الانقسام السياسي؛ لأن ذلك سيمهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً».

ويأتي هذا التفاعل الليبي بالتزامن مع تأكيد رئيس الوزراء العراقي استمرار حكومته في ملاحقة المتهمين بالفساد واسترداد الأموال العامة، بعد حملة شملت مسؤولين ونواباً حاليين وسابقين، إلى جانب مسؤولين كبار في قطاع النفط، وأسفرت عن ضبط مبالغ مالية كبيرة ومصوغات ذهبية، استناداً إلى مذكرات قضائية.

نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ووسط الإشادة الواسعة بالحملة العراقية، يرى خالد الزنتوني، الرئيس السابق لـ«شركة الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى»، أن الفساد ليس ظاهرة تخص العراق أو ليبيا وحدهما. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد موجود في كثير من دول العالم، حتى في بعض الدول المتقدمة والعربية، ومؤشرات الشفافية الدولية تؤكد اتساع هذه الظاهرة، لكن الفارق يكمن في قدرة الدول على مكافحتها».

وأعرب الزنتوني عن الأسف من أن «مفهوم الفساد أصبح محل تباين في الفهم، حتى إن بعض الممارسات باتت تُبرر، رغم أنها تشكل جرائم واضحة، مثل تقاضي العمولات على العقود الحكومية، أو إساءة استخدام الاعتمادات المستندية، أو الأنشطة المرتبطة بالسوق الموازية، التي أسهمت في تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة عمليات غسل الأموال».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ومع ذلك، يشير الزنتوني إلى أن «مكتب النائب العام يقود خلال الفترة الأخيرة جهوداً إيجابية في مكافحة الفساد، من بينها التحقيقات المتعلقة بتهريب الوقود، التي انتهت إلى توجيه اتهامات لعدد من المتورطين، لكن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية، وأحياناً الاجتماعية».

وشدد الزنتوني على «ضرورة دعم الأجهزة القضائية وتمكينها من أداء دورها، وتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مكتب النائب العام وسائر الجهات المختصة، بما يضمن ممارسة مهامها بحرية وعدالة، ومن دون توفير أي حصانة أو حماية لأي متورط، أياً كان موقعه».

أما الشيباني فلا يرى خياراً سوى الوفاء بمتطلبات أساسية لمكافحة الفساد، من بينها «تشريعات تمنح الدولة القدرة على ملاحقة المتورطين وفق إجراءات قانونية عادلة، مع ضمان حقوق الدفاع، إلى جانب تطوير المنظومات الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتدريب الكوادر المختصة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في إدارة المال العام».

كما دعا إلى «التعاون مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الشفافية الدولية، وإنشاء قواعد بيانات موثوقة تساعد على قياس مؤشرات النزاهة، والتأكد من التزام المؤسسات بمعايير الشفافية والإفصاح المالي».