«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
TT

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)
«لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة الكوارتز في فترة من الفترات، بل أيضاً بعزوف الشباب عن مهنة لطالما شكّلت أحد أعمدة الصناعة السويسرية، وتوارثتها العائلات جيلاً بعد جيل بشكل طبيعي. كان لا بد من إغراءات تُلهم جيل الشباب لضمان الاستمرارية. وهذا ما كان.

من بين بيوت المجوهرات والساعات العريقة التي أخذت على عاتقها هذا الأمر، نذكر «كارتييه». دار لا تُقاس فيها القيمة بالدقة الميكانيكية فحسب، بل أيضاً بالقدرة على الابتكار والاستثمار في المستقبل. من هذا الالتزام وُلدت «جائزة كارتييه لمواهب صناعة الساعات المستقبلية» عام 1995؛ لتمنح الشباب فرصة اختبار حدود الإبداع التقني والفني من خلال إعادة تصور مفهوم الوقت نفسه.

أحد الأعمال المشاركة والفائزة بجائزة هذا العام (كارتييه)

وفي 24 يونيو (حزيران) 2026، تم الاحتفاء بالنسخة الثامنة والعشرين من الجائزة خلال حفل أقيم للمرة الأولى في «دار الفنون الحرفية» (Maison des Métiers d’Art) بمدينة لا شو دو فون السويسرية، والتي تأسست عام 2014 لحماية مجموعة من الفنون المهددة بالاندثار ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وتجمع المؤسسة بين عالَمي صناعة الساعات والمجوهرات من خلال تخصصات دقيقة، مثل فنون المينا والتطعيم، والتقنيات المتقدمة في حوار مستمر بين التراث والابتكار ضمن منظومة تجمع بين الحرفيين والفنانين.

وقال كريم دريسي، الرئيس التنفيذي للعمليات في «كارتييه»: «منذ تأسيسها عام 1847، لم تتوقف (كارتييه) عن نقل خبراتها الحرفية، مع الاستمرار في تطوير مهارات جديدة بما يتماشى مع تقاليدها القائمة على التميز. وتجسد جائزة صناعة الساعات، التي أطلقتها الدار عام 1995، هذه الرؤية والطموح بهدف إلهام الجيل المقبل من صناع الساعات وضمان استمراريته».

كان موضوع الدورة هذه السنة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة (كارتييه)

جاء موضوع هذه الدورة تحت عنوان: تغيير التوازن: قراءة الوقت وفهمه بطريقة مختلفة. وهو عنوان لا يطلب من المشاركين مجرد تصميم ساعة، بل إعادة التفكير في الزمن نفسه. طُلب منهم ابتكار قطعة مستوحاة من حركة البندول، تستكشف طرقاً جديدة لفهم الوقت بعيداً عن قياسه التقليدي. وهي فكرة تنتمي إلى خط إبداعي مألوف في «كارتييه»، يظهر في الساعات الغامضة، وRévélation d’une Panthère، وSantos Dumont Rewind، وTank Guichets.

بعد مرحلة أولى من الاختيار اعتمدت على الرسومات والنصوص والعروض المصورة، تأهل اثنا عشر متسابقاً إلى المرحلة النهائية. كان المطلوب هو تحويل فكرة كل واحد منهم إلى قطعة مكتملة، تحت إشراف مرشدين متخصصين من داخل الدار. ما نتج من ذلك لم يكن مجرد نماذج ساعات، بل أعمال تتعامل مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا مجرد وظيفة ميكانيكية. تم تقسيم المسابقة إلى فئات عدة انتهت بتكريم ستة فائزين - ثلاثة متدربين وثلاثة فنيين - عبر منحهم تجربة داخل «كارتييه»، إضافة إلى ساعة من الدار. كما سيحصل الفائزان بالمركز الأول في كل فئة على فرصة تدريب عملي داخل الشركة.

فئة المتدربين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة)

فاز أيمريك بيترز من معهد IATA في نامور البلجيكية بالجائزة الأولى عن عمله Silence Choisi (الصمت المختار). تقوم الفكرة على ساعة لا تهدف إلى قياس الوقت بقدر ما تهدف إلى تعليقه. تتوقف العقارب عند الساعة السادسة، وكأن الزمن دخل حالة سكون تام. ولا تعود الآلية إلى العمل إلا عند استخدام مفتاح خاص يعيد تشغيل الحركة ويحرر العقارب إلى مواقعها الصحيحة. في تلك اللحظة فقط، يصبح الوقت شيئاً يُستدعى بدل أن يكون تدفقاً مستمراً.

ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا) (كارتييه)

وحصلت ليلى سلايسمانز من معهد IATA في نامور على الجائزة الثانية مناصفةً عن عملها Nymphéa (نيمفيا)، المستوحى من زهرة النيلوفر المائية. تتحول الزهرة هنا كائناً ميكانيكياً يفتح ويغلق بتلاته على دورة تمتد لساعتين. صُنعت البتلات من الراتينج، في حين صُنعت القاعدة من خشب الأبنوس المكسيكي. ولا يظهر الميناء المطلي بالمينا إلا بعد اكتمال التفتح، في إشارة إلى أن الوقت لا يكشف عن نفسه إلا لمن يمنحه الانتباه الكافي.

إدوار نيكو مع عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد) (كارتييه)

وتقاسم الجائزة الثانية أيضاً إدوار نيكو من ثانوية إدغار فور في مورتو الفرنسية عن عمله La Dualité Des Opposés (ثنائية الأضداد). يعيد المشروع توزيع الأدوار داخل الساعة بالكامل: الميناء يصبح هيكلاً، العقرب يتوقف، والآلية الميكانيكية تصبح العنصر المرئي المتحرك. في المركز، يظهر قلب ميكانيكي معلق في الفراغ، يقابله تمثال لفهد نائم يؤدي دور الثقل الموازن. العمل يقوم على توازن هش بين الحركة والسكون، حيث يبدو أن أي اضطراب صغير قادر على تغيير البنية بأكملها.

فئة الفنيين

فاز آرثر شوكيه من ثانوية جان جوريس في رين بالجائزة الأولى عن عمله Un Instant (لحظة). يستحضر العمل العمارة الهوسمانية الباريسية، ويعيد إدخال المدينة في تجربة فهم الزمن، عبر إشارات بصرية إلى الواجهات الكلاسيكية ومصابيح الشوارع التقليدية. الزمن هنا لا ينفصل عن المكان، بل يتشكل من خلاله.

آدم ديروش الفائز بالجائزة الثانية عن عمله Médusée (متحجّر) (كارتييه)

أما الجائزة الثانية، فذهبت إلى آدم ديروش من ثانوية ديدرو في باريس عن عمله Médusée (متحجّر). يطرح المشروع سؤالاً بسيطاً: ماذا لو توقف الزمن؟ العقارب ثابتة عند 10:10، في حين تتحرك الأرقام بدلاً منها. وقد صُمم باستخدام السيراميك والمينا والراتينج والزخرفة الساعاتية. ويحمل الاسم إحالة مزدوجة إلى ميدوزا الأسطورية وقنديل البحر شبه الخالد، في مفارقة تجمع بين الجمود والحركة المستمرة.

«الصدى» كان لأدريان ستيفينيلي أحد الفائزين (كارتييه)

أما الجائزة الثالثة، فكانت من نصيب أدريان ستيفينيلي من ثانوية جان جوريس في رين عن عمله Echo (الصدى). في هذا العمل، تختفي العقارب والميناء بالكامل، لتحل محلها تجربة صوتية تعتمد على رنين دوري يشبه سقوط قطرة ماء على سطح صلب. تتحول الساعة هنا تجربةً إدراكية قائمة على الحضور، حيث يصبح الإيقاع البسيط وسيلة لإعادة التفكير في العلاقة مع اللحظة بدل قياسها.

تجدر الإشارة إلى أنه على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، استقطبت الجائزة أكثر من ألفي مشارك، لتصبح واحدة من أبرز المبادرات الأوروبية لاكتشاف المواهب الشابة في صناعة الساعات. ومع فتح باب الترشح للدورة التاسعة والعشرين في الخريف المقبل، تواصل «كارتييه» الاستثمار في فكرة بسيطة، لكنها مركزية: أن الزمن ليس شيئاً يُقاس فقط، بل يُعاد تخيله باستمرار.


مقالات ذات صلة

كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

خاص عروس دار «ديور» (رويترز)

كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

تغير تصاميم الأعراس لم يأتِ بقرار من المصممين فقط، بل لأن الأعراس نفسها تغيرت، بعد أن خرجت إلى الهواء الطلق

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

تختلف مصادر ثروات زبونات الـ«هوت كوتور» حالياً، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)