أصدرت المحكمة العليا الأميركية، الاثنين، قرارات تتعلق بالتصويت المتأخر في الانتخابات وإقالة مسؤولة في «الاحتياطي الفيدرالي»، في خطوة مثلت ضربة لقرارات سابقة للرئيس دونالد ترمب. كما أقرت المحكمة إبقاء حكم تعويض ضد الرئيس ترمب في قضية اعتداء جنسي. ويُتوقع أن تكون لهذه القرارات تأثيرات على الاقتصاد والانتخابات التشريعية المقبلة، كما تفتح باب النقاش حول توازن السلطات بين الفرع التنفيذي والمؤسسات المستقلة.
وأصدرت المحكمة قراراً بأغلبية 5 أصوات مقابل 4، بأن الولايات تملك الحق في قبول وفرز بطاقات الاقتراع المرسلة عبر البريد التي تصل بعد يوم الانتخابات وإغلاق صناديق الاقتراع، وهي مسألة طالما كانت هدفاً لانتقادات الرئيس ترمب. وقد رفض القرار طعناً - قاده الجمهوريون - استهدف القوانين المعمول بها في أكثر من نصف الولايات ومقاطعة كولومبيا، التي تسمح بوصول بطاقات الاقتراع المرسلة بالبريد وفرزها بعد أيام من يوم الانتخابات، شريطة أن تحمل ختم البريد بتاريخ يوم الانتخابات نفسه.
وكان هذا الطعن القانوني جزءاً من حملة أوسع شنها ترمب ضد معظم أشكال التصويت عبر البريد، وقال إنها تفتح الباب أمام التزوير. وقد دأب ترمب على الادعاء بأن خسارته أمام جو بايدن في عام 2020، كانت نتيجة للتزوير. وقال محللون إن هذا القرار يقلل من مخاطر إبطال أصوات مشروعة خلال الانتخابات النصفية المقبلة، ويعدّ انتصاراً للمدافعين عن حقوق التصويت.
كما رفضت المحكمة قرار ترمب بإقالة ليزا كوك العضوة بمجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي». وقالت المحكمة في حيثيات حكمها، إن ترمب لا يملك الصلاحية الدستورية لإقالة عضو في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» دون سبب مشروع. وكانت ليزا كوك أول امرأة من أصول أفريقية تشغل مقعداً في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وقد عينها الرئيس بايدن على أن تنتهي ولايتها في عام 2038، إلا أن ترمب أقالها، قائلاً إنه يملك أدلة على تورطها في احتيال الرهن العقاري.
وترك القرار نوعاً من الارتياح في الأوساط الاقتصادية، حيث عزز استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، وحدّ من قدرة الرئيس على التدخل المباشر في السياسة النقدية، وسط مخاوف من تدخلات إدارة ترمب وتأثير قراراته على استقلالية «الفيدرالي» في الأسواق والثقة في الاقتصاد الأميركي.
وأبقت المحكمة العليا حكماً بتغريم ترمب مبلغ 5 ملايين دولار في قضية اعتداء جنسي ضد الكاتبة إي. جين كارول. وكان ترمب قد طلب من قضاة المحكمة التدخل بعد أن خلصت هيئة محلفين إلى أنه اعتدى جنسياً على الكاتبة إي. جين كارول، وشهّر بها. وقال محللون إن هذا القرار يعدّ ضربة قوية لترمب ونهاية لجهوده القانونية في الطعن ضد حكم هيئة محلفين الذي أثبت اعتداءه على الكاتبة الصحافية في منتصف تسعينات القرن الماضي.
ترقب لملفات حاسمة
تترقب الولايات المتحدة قراراً حاسماً من المحكمة الدستورية العليا بشأن حق الجنسية بالولادة، وهو الملف الذي سعى الرئيس ترمب إلى تقييده منذ بداية ولايته الثانية، في معركة قانونية ودستورية قد تعيد رسم أحد أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الأميركي بما له من تداعيات وتأثيرات وتوسيع غير مسبوق للسلطة الرئاسية في ولايات ترمب الثانية. ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكمها يوم الثلاثاء، وسط انقسامات واسعة في مواقف القضاة، وما يمكن أن يحدثه القرار من تداعيات على سياسات الهجرة.
وجعل ترمب إنهاء حق المواطنة بالولادة محوراً رئيسياً في أجندته للهجرة، واصفاً هذه السياسة بأنها «عار». كما وصفها كبير مستشاريه ستيفن ميلر، بأنها «أخطر وأبشع انتهاك دستوري على الإطلاق»، بينما وصفها نائب الرئيس جي دي فانس بأنها «أغبى سياسة هجرة في العالم».
ويستند منح الجنسية بالميلاد إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، الذي صُدِّق عليه عام 1868 بعد الحرب الأهلية. وقد أُقرّ هذا التعديل جزئياً لضمان حقوق المواطنة للأشخاص الذين كانوا مُستعبدين سابقاً، ونصَّ على أن أي شخص يُولد في الولايات المتحدة هو مواطن، ما دام «خاضعاً لسلطة» الدولة. ويحاول الرئيس ترمب كسر هذا المفهوم عبر أمر تنفيذي قيد منح الجنسية لأطفال المهاجرين غير الشرعيين، أو حاملي التأشيرات المؤقتة، وهو ما تعدّه منظمات حقوقية وولايات معارضة، سابقة خطيرة تؤدي إلى حرمان عشرات الآلاف من الأطفال من الجنسية.
وقد وسّعت المحكمة العليا لاحقاً هذا التفسير في قضية الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك التاريخية عام 1898، حيث قضت بأن الأطفال المولودين في أميركا لأبوين مهاجرين يحق لهم الحصول على الجنسية. ومنذ ذلك الحين، أكدت المحاكم باستمرار، مبدأ أن الميلاد في الولايات المتحدة يحدد الجنسية بشكل عام، بغض النظر عما إذا كان والدا الطفل مواطنين، أو مقيمين شرعيين، أو موجودين في البلاد بشكل مؤقت. وتعتمد عدة دول منح الجنسية للأشخاص المولودين داخل حدودها مثل كندا والمكسيك، وتستخدم دول أخرى مثل ألمانيا وأستراليا، نظاماً مختلطاً يعتمد على مكان الميلاد وجنسية الوالدين والإقامة وعوامل أخرى.
قضية ترمب المحورية
لعقود، كان هذا الأمر محسوماً إلى حد كبير في القانون الأميركي. وتغير ذلك بعد أن جعل ترمب الهجرة إحدى القضايا المحورية في مسيرته السياسية. ويقول الرئيس ترمب إن منح الجنسية بالميلاد يشجع الهجرة غير الشرعية من خلال خلق ما يسميه «عامل جذب» للأشخاص الذين يدخلون الولايات المتحدة. وأشارت إدارته أيضاً إلى ما يُسمى «سياحة الولادة»، حيث يسافر بعض الأجانب إلى الولايات المتحدة للولادة. ويقول ترمب إن سياسات منح الجنسية بالولادة «نهبت» أموال دافعي الضرائب من خلال تقديم مساعدات مالية لأبناء المهاجرين غير الشرعيين.
وتتمحور المعركة القانونية حول صياغة التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، تحديداً عبارة «خاضعاً لاختصاصها القضائي». ويجادل محامو ترمب بأن هذه العبارة تسمح للحكومة بحرمان الأطفال المولودين لأشخاص يقيمون في البلاد بشكل غير قانوني من الجنسية، وهو تفسير يُعارضه كثير من علماء القانون الدستوري.
ولا تتعلق المداولات في المحكمة العليا بشرعية الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب في أيامه الأولى بالبيت الأبيض، بقدر ما تتعلق بحدود سلطة المحاكم الدنيا في وقف القرارات الرئاسية على مستوى البلاد، وهو ما منح ترمب انتصاراً إجرائياً، لكنه لم يحسم القضية الأساسية المتعلقة بتعريف المواطنة الأميركية وتفسير التعديل الرابع عشر في الدستور الأميركي الذي يعطي أي شخص يولد على الأراضي الأميركية الجنسية تلقائياً. وتشير الإحصاءات إلى أن ما يقرب من 3.6 مليون طفل يولدون في المستشفيات الأميركية سنوياً، ويحصلون على مزايا الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وجوازات السفر الأميركية بموجب الولادة على الأراضي الأميركية.
ويقدر معهد سياسات الهجرة أن ما يصل إلى 255 ألف طفل يولدون سنوياً لأبوين من المهاجرين، مما يجعل الأطفال المولودين بلا جنسية إذا سمحت المحكمة لترمب بإنهاء حق المواطنة بالولادة.

