إسرائيل تبني على أن يُفشل «حزب الله» الاتفاق لتنقض عليه

سياسيوها عدوه «حقل الغام» ونسخة من الاتفاقات القديمة الفاشلة

جندي إسرائيلي يعمل على دبابة على الحدود اللبنانية اليوم (رويترز)
جندي إسرائيلي يعمل على دبابة على الحدود اللبنانية اليوم (رويترز)
TT

إسرائيل تبني على أن يُفشل «حزب الله» الاتفاق لتنقض عليه

جندي إسرائيلي يعمل على دبابة على الحدود اللبنانية اليوم (رويترز)
جندي إسرائيلي يعمل على دبابة على الحدود اللبنانية اليوم (رويترز)

يتابع القادة الإسرائيليون باهتمام بالغ الصراع الدائر في لبنان حول الاتفاق الموقع مع إسرائيل، ويبنون كثيراً على أن يقوم «حزب الله» بإفشاله، والعودة إلى مفهوم «الحسم العسكري»، الذي تقنع الإدارة الأميركية بأنه «الحل الوحيد» للنزاع في لبنان، وكذلك في إيران.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعقد مؤتمراً صحافياً في القدس يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وينطلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في هذا الموقف من المنطق نفسه الذي استخدمه إزاء الاتفاق الأميركي الإيراني، وبموجبه فإن إسرائيل التي استثنيت منه لم تستطع التأثير لوقفه، فراحت تبني آمالها على أن يؤدي غرور قيادة «الحرس الثوري» الإيراني إلى إثارة غضب ترمب ومواصلة الاستفزاز والابتزاز ليفجر الحرب من جديد. لكن الفارق هنا أن نتنياهو شريك في الاتفاق مع لبنان، والمندوب الشخصي عنه، السفير يحيئيل لايتر، هو الذي وقع عليه.

اتفاقات الماضي

وراح نتنياهو ووزراء حزبه (الليكود) يمتدحون الاتفاق مع لبنان ويصرحون بأنه يهمش دور إيران و«حزب الله» ويبقي على الاحتلال ويتيح له ملاحقة رجال الحزب وتنفيذ العمليات الحربية ضدهم. ويربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بالتقدم في توزع سلاح الحزب. ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بالبقاء طويلاً فيها.

ويستذكر الإسرائيليون اتفاقيات عديدة وقعت بشأن لبنان، بعضها وقع بين البلدين بقيت حبراً على ورق، من الاتفاق مع الرئيس الراحل بشير جميل في سنة 1982، ومع الرئيس أمين جميل في سنة 1982، وكذلك «اتفاق الطائف» الذي نص على تفكيك كل الميليشيات المسلحة في لبنان وقرار مجلس الأمن الدولي 1701.

وترى أن مصير الاتفاق الجديد في واشنطن سيكون شبيهاً، بفضل «حزب الله». وتقول إن اللبنانيين سيتعرفون بشكل أعمق على المفاهيم السياسية والعقائدية لـ«حزب الله»، الذي لا يكترث بمصير 1.2 مليون مواطن أرغموا على الرحيل من بيوتهم وبلداتهم ويعيشون مشردين.

انتصار نتنياهو

وكتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، أن «نتنياهو يرى انتصاراً كبيراً في حقيقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يطالب، على الأقل حتى الآن، بالانسحاب إلى الخط الدولي، في ظل محاولات إيران للضغط على واشنطن. وتقول إن الجيش الإسرائيلي سيبقى على خط مضادات الدبابات (مع أن هذا الخط لا يغطي كامل مدى الصواريخ المضادة للدبابات على امتداده)، إلا أن معظم الهجمات الأخيرة على البلدات الشمالية لم تكن بصواريخ مضادة للدبابات، بل بصواريخ وقذائف، وبشكل رئيسي بطائرات مسيّرة من أنواع مختلفة. فكيف سيساعدهم هذا الشريط الأمني؟».

آليات عسكرية إسرائيلية تناور وسط المباني المدمرة في جنوب لبنان (أ.ب)

وأضافت: «كما يعد نتنياهو بأن إسرائيل لن تنسحب من لبنان حتى يُسلّم (حزب الله) سلاحه، لكنه لا يُشير إلى كيفية حلّ مشكلة (حزب الله). لقد زعم مُروّجو الحكومة في بداية المحادثات بين إسرائيل ولبنان أنها أولى الاتصالات الدبلوماسية بين البلدين. من جهة أخرى، لا بدّ أن يكون هناك من بين أعضاء فرق التفاوض من يعلم أن هذا غير صحيح، لأن الاتفاقية الموقعة بين الطرفين يوم الجمعة تُذكّر بشدة ببعض بنود الاتفاقية الموقعة بين إسرائيل ولبنان في مايو (أيار) 1983.

وهكذا، تحوّل «الاعتراف بحقهم وواجبهم في العيش بسلام مع بعضهم بعضاً ضمن حدود آمنة ومعترف بها» في عام 1983 إلى «تأكيد حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهم المشتركة في العيش بأمان بوصفها دول متجاورة ذات سيادة». ويمكن إيجاد أمثلة أخرى لا حصر لها.

قدرة ضعيفة

ويقول الخبير الاستراتيجي رونين بيرغمان، الذي يكتب في «نيويورك تايمز» وفي «يديعوت احرونوت»: «قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها وتفكيك جميع الميليشيات المسلحة بطريقة لا تُهدد السلام وسيادة دولة لبنان، ولا تُهدد دولة إسرائيل، ضعيفة جداً».

وأضاف أنه لا تكمن مشكلة الاتفاق المُوقّع يوم الجمعة فيما يحتويه، بل فيما يفتقر إليه. فهو مليء بالعبارات الرنانة، لكنه يفتقر إلى أربعة عناصر أساسية.

أولها: عدم وجود جدول زمني لإنجازه أو حتى لإحراز تقدم فيه. فهو مشروط تماماً ودون أي مواعيد نهائية.

ثانياً: لا يتضمن الاتفاق عبارة «وقف إطلاق النار» أو أي إشارة إلى وقف إطلاق النار الذي فرضه ترمب على إسرائيل، ولا يُبين ما إذا كان قد طُبِّق أم لا، ولا الشروط التي تم بموجبها، كما لا يُشير إلى آلية الإشراف على وقف إطلاق النار.

ثالثاً: صرّح وزير الدفاع يسرائيل كاتس الليلة الماضية بأن الاتفاق «حدث تاريخي وإنجاز سياسي وأمني مهم لدولة إسرائيل، قد يُسهم في بناء واقع جديد أكثر أماناً على الحدود الشمالية وفي لبنان لأول مرة منذ عقود».

لكن كاتس نفسه صرّح في أبريل (نيسان) الماضي بأن «الجيش الإسرائيلي دمّر بانفجار هائل بنية تحتية إرهابية تحت الأرض في القنطرة، لبنان، والتي تقع داخل المنطقة الأمنية الجديدة. وقد التزمت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بتحرير جنوب لبنان من إرهابيي (حزب الله) وأسلحتهم، وهذه هي النتائج». فلماذا يعتقد أن الحكومة اللبنانية ستنجح هذه المرة؟

رابعاً: «حزب الله» ليس طرفاً في الاتفاق، وقد أعلن معارضته الشديدة له. وإذا بدا هذا مألوفاً لكم، فليس ذلك من قبيل الصدفة، فالوضع يُذكّرنا بشدة بالاتفاق مع «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وكذلك الاتفاق مع إيران.

لا بدّ لأي جهد عسكري، حتى أكثرها نجاحاً، أن ينتهي باتفاق، مع خاتمة سياسية دبلوماسية، وإلا فلن تنجو المنطقة من الحرب، ولن تستطيع أي دولة البقاء في مثل هذا الوضع. لكن خلال ما يقارب ثلاث سنوات من القتال، بذلت إسرائيل جهوداً لتجنب التوصل إلى اتفاقيات، وهو ما بدا على الأرجح هزيمةً للطبقة السياسية أو أقل جاذبيةً للناخبين.

وهكذا، بدلاً من استغلال النجاحات التي حققتها لتوقيع اتفاقيات من موقع قوة، ماطلت إسرائيل لكسب الوقت، واضطرت للموافقة على اتفاقيات مؤقتة، وهي في الواقع بعيدة كل البعد عن تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية.


مقالات ذات صلة

سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر ويكرّس عودة الدولة إلى الجنوب

المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية حيث ينتشر الجيش اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي (أ.ف.ب)

سلام يغرس العلم اللبناني في زوطر ويكرّس عودة الدولة إلى الجنوب

لم يكن مشهد رئيس الحكومة نواف سلام وهو يغرس العلم اللبناني في بلدة زوطر الغربية مجرد خطوة رمزية

كارولين عاكوم
المشرق العربي جنود لبنانيون على متن آليات عسكرية في مدخل بلدة زوطر الغربية التي انتشر الجيش فيها يوم الثلاثاء بعد انسحاب إسرائيلي (رويترز)

الجيش اللبناني يتقصى المخاطر بالمناطق التجريبية لتأمين عودة المدنيين

يبحث القضاء اللبناني في آلية قانونية وإجرائية تتيح للجيش إجراء تفتيش في الملكيات الخاصة من دون عوائق، بعد دخول الجيش إلى أولى المناطق التجريبية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان دونالد ترمب وجوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

الرئاسة اللبنانية بعد لقاء ترمب وعون: لبنان تمسك بانسحاب إسرائيلي كامل

أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون، عقب محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان شدد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي يرفع أحد الجنود اللبنانيين العلم اللبناني على آلية مدرعة في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار وحدات الجيش في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ الخطة المدعومة أميركياً (رويترز)

نشر الجيش اللبناني في «المناطق التجريبية» رسالة متعددة الأهداف

تحمل انطلاقة المرحلة التنفيذية الأولى من انتشار الجيش في المناطق التجريبية بالتزامن مع زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لأميركا رسالة سياسية

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون عند مدخل بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها ضمن خطة جرى التوصل إليها بوساطة أميركية (رويترز)

إسرائيل تحافظ على سيطرة عملية بعد الانسحاب من زوطر الغربية

يبدأ جنوب لبنان اختباراً أمنياً غير مسبوق مع دخول الجيش اللبناني إلى أولى «المناطق التجريبية» التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، في خطوة تُعد بداية تنفيذ الاتفاق.

صبحي أمهز (بيروت)