بعد استقالة ستارمر... بيرنهام الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة البريطانية

اليمين المتشدد يطالب بانتخابات مبكرة

السياسي البريطاني أندي بيرنهام في طريقه من مانشستر إلى لندن الاثنين (رويترز)
السياسي البريطاني أندي بيرنهام في طريقه من مانشستر إلى لندن الاثنين (رويترز)
TT

بعد استقالة ستارمر... بيرنهام الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة البريطانية

السياسي البريطاني أندي بيرنهام في طريقه من مانشستر إلى لندن الاثنين (رويترز)
السياسي البريطاني أندي بيرنهام في طريقه من مانشستر إلى لندن الاثنين (رويترز)

بات السياسي المخضرم أندي بيرنهام الأوفر حظاً لرئاسة الوزراء في بريطانيا خلفاً لكير ستارمر الذي أعلن الاثنين استقالته بعد أشهر من الضغوط داخل حزب العمال الحاكم. وكان بيرنهام قد ضمن عودته إلى البرلمان الأسبوع الماضي، وتعززت فرصته ليصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عقد من الزمن، بعدما أعلن منافسه المحتمل ويس ستريتنغ دعمه له.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لدى إعلان استقالته أمام مقر رئاسة الوزراء في لندن الاثنين (إ.ب.أ)

وفي خطاب أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، أقرّ ستارمر، الذي يتولى منصبه منذ يوليو (تموز) 2024، بأنه فقد دعم نواب حزبه العمالي. وأوضح أنه أبلغ الملك تشارلز الثالث قراره الاستقالة، بما يتيح انتخاب زعيم جديد لحزب العمال، وبالتالي رئيس جديد للوزراء. وقال ستارمر: «سأبقى في منصبي رئيساً للوزراء حتى انتهاء المنافسة، وسأبذل كل ما في وسعي لضمان انتقال منظم للسلطة».

وأعاد ستارمر حزب العمال إلى السلطة بعد 14 عاماً في المعارضة، مُحقّقاً فوزاً كاسحاً على المحافظين في الانتخابات العامة في يوليو 2024، لكن ولايته سرعان ما اتسمت بتراجعات عن سياسات، وشعبية متدنية جداً، واستقالات وزارية... وخلص نواب حزب العمال في نهاية المطاف إلى أنه غير قادر على التصدي لصعود حزب «ريفورم يو كاي» اليميني المتشدد والمناهض للهجرة، الذي يتصدر استطلاعات الرأي الوطنية. وتراجعت سلطة ستارمر منذ مُني حزب العمال بهزيمة قاسية في انتخابات محلية وإقليمية في مايو (أيار) الماضي، ولم يعد قادراً على الصمود أمام الضغوط بعد تأكيد عودة منافسه بيرنهام إلى البرلمان الأسبوع الماضي، ما يمهد الطريق أمام تحدٍّ متوقع لزعامته. ومن المقرر أن يشغل بيرنهام، وهو سياسي عمالي مخضرم، مقعده في مجلس العموم في وقت لاحق، الاثنين، بعد فوزه الخميس في انتخابات فرعية برلمانية في مايكر فيلد في شمال غرب إنجلترا.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وزوجته فيكتوريا يغادران بعد إعلان استقالته أمام مقر رئاسة الوزراء الاثنين (إ.ب.أ)

جدول زمني للانتقال

وقال ستارمر أمام زملاء كبار له في الحكومة إن «السؤال الذي يطرحه حزبي الآن هو ما إذا كنت الشخص الأنسب لقيادته إلى الانتخابات العامة المقبلة». وأضاف: «لقد سمعت جواب كتلتي البرلمانية عن هذا السؤال، وأقبل هذا الجواب برحابة صدر». وتابع متأثراً في خطاب عاطفي أن «كل قرار اتخذته كان هدفه وضع البلد الذي أحبه أولاً. ولهذا السبب سأستقيل من قيادة حزب العمال». وقال ستارمر أيضاً إنه طلب من اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال وضع جدول زمني لاختيار خلف له، على أن يبدأ تقديم الترشيحات في التاسع من يوليو. وأوضح أن «ذلك سيضمن أن يكون هناك زعيم جديد قبل عودة البرلمان في سبتمبر (أيلول) المقبل» بعد العطلة الصيفية.

وبموجب قواعد حزب العمال، يجب أن يكون زعيم الحزب المنتمي إلى يسار الوسط عضواً في البرلمان. وأكد بيرنهام الاثنين أنه سيترشح لزعامة حزب العمال، وبالتالي رئاسة الحكومة البريطانية. ودعا في منشور على منصة «إكس» إلى انتقال «منظّم ومسؤول»، مؤكداً أنه سيرشح نفسه «في إطار هذه العملية». وأبدى وزير الصحة السابق ويس ستريتنغ الذي كان أعلن سابقاً عزمه السعي لخلافة ستارمر، تأييده لبيرنهام، ما يؤشر إلى أن الأخير قد ينال زعامة الحزب ورئاسة الحكومة البريطانية من دون أي منافسة تُذكر.

«الفرصة الأخيرة»

ورغم أن ستارمر كان يؤكد أنه سيقاوم أي محاولة لإطاحته، فإن الطابع الحاسم لانتصار بيرنهام الأسبوع الماضي والضغوط اللاحقة كانا أكبر من قدرته على الصمود. وكانت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، ووزير الطاقة إد ميليباند، بين الوزراء الكبار الذين أبلغوا رئيسهم بضرورة الرحيل، وفق الصحافة، في حين أفادت تقارير بأن أكثر من مائة من نواب حزب العمال البالغ عددهم 403 حضّوه على الاستقالة.

السياسي البريطاني أندي بيرنهام في محطة قطارات بمانشستر في طريقه إلى لندن الاثنين (رويترز)

وأوضح بيرنهام خلال خطاب فوزه الأسبوع الماضي أن الحزب الحاكم المتراجع أمامه «فرصة أخيرة للتغيير». وفي حال نجاحه، يُتوقع أن يخلف السياسي البالغ 56 عاماً ستارمر في رئاسة الوزراء، بفضل الغالبية البرلمانية الكبيرة لحزب العمال. ويأتي إعلان ستارمر، الذي كان متوقعاً على نطاق واسع، عشية الذكرى العاشرة لاستفتاء «بريكست»، الذي أدى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وإلى تبدل غير مسبوق في رؤساء الحكومات. وبُعيد إعلان ستارمر استقالته، سارع زعيم حزب «ريفورم يو كاي» اليميني المتشدد والمناهض للهجرة نايجل فاراج إلى الدعوة لانتخابات مبكرة. ويتصدر حزبه استطلاعات الرأي الوطنية.

وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بستارمر، معتبرة أنه ساهم خلال ولايته في تعزيز أمن أوروبا وأوكرانيا التي تواجه غزواً روسياً منذ أعوام. وأشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالمساعدة التي قدمها ستارمر لبلاده، في حين استبعد الكرملين تبدّل السياسة البريطانية حيال روسيا بعد استقالته.

وأمضى ستارمر، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه لا يحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام، عطلة نهاية الأسبوع، بحسب تقارير، مع عائلته في تشيكرز، المقر الريفي لرؤساء الوزراء، حيث أجرى محادثات مع حلفائه. وكان ستارمر يتشبث بالسلطة منذ أشهر بعد ولاية تخللتها هفوات وتراجعات في السياسات وفضائح واستقالات وزارية... وكاد يُطاح به في مارس (آذار) الماضي بسبب قراره غير الموفق تعيين بيتر ماندلسون، المعروف بصلته بالأميركي جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.

يشار إلى أن بيرنهام، وهو نائب ووزير سابق في الحكومة خلال العقد الأول من الألفية، خالف الاتجاهات الوطنية بفوزه بسهولة على مرشح حزب «ريفورم يو كاي». وينتمي بيرنهام إلى ما يُعرف بجناح يسار الوسط المعتدل في حزب العمال، ولم يقدم تفاصيل كثيرة عن خططه للحكومة في حال وصوله إلى السلطة. وتقول وسائل إعلام بريطانية إنه يعتزم استبدال وزيرة المال رايتشل ريفز، مع الإبقاء على وزيرة الداخلية شبانة محمود.



لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
TT

لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)

قالت ‌هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، الجمعة، إن منصة «سناب شات» بدأت تعطيل خاصية «البحث عن أصدقاء» بشكل تلقائي للمستخدمين الأطفال في بريطانيا، ​في خطوة وصفتها الهيئة بأنها مهمة للحد من مخاطر الاستدراج عبر الإنترنت.

وتساعد هذه الخاصية المستخدمين في العثور على أصدقاء جدد وإضافتهم.

وذكرت الهيئة أن هذا التغيير سيجعل من الصعب على الغرباء الاتصال بالأطفال على المنصة التي تعدّها من كبرى الخدمات الإلكترونية وأكثرها شعبية بين الأطفال في بريطانيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت الهيئة في مايو (أيار) إن ‌32 في المائة ‌من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ​8 ‌و12 عاماً ​في بريطانيا يستخدمون «سناب شات»، رغم أن الحد الأدنى للسن المسموحة بها على المنصة هو 13 عاماً.

وقال أوليفر غريفيث، مدير مجموعة السلامة على الإنترنت التابعة للهيئة، إن هذا التغيير «كان ينبغي أن يحدث منذ فترة طويلة»، وإن الهيئة ستراقب تطبيق «سناب شات» لهذه الحماية الجديدة خلال هذا الشهر.

والتزمت المنصة بإجراء هذا التغيير في ‌مايو (أيار)، وأبلغت الهيئة في ‌الآونة الأخيرة بأن إجراءات التحقق ​الفعّالة من العمر لمن هم ‌دون 18 عاماً ستدخل حيز التنفيذ بحلول نهاية ‌العام.

وقال متحدث باسم «سناب شات» إن المنصة «ستواصل تعزيز إجراءات الحماية مع تطوّر المخاطر، وستعمل بشكل بناء مع الهيئة وخبراء السلامة والأسر والشبان، للمساعدة في ضمان بقاء (سناب شات) مكاناً آمناً للتواصل ‌والتعبير عن الذات».

وهناك مخاوف منذ فترة طويلة بشأن الاستدراج عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأجرت الجمعية الوطنية لمنع القسوة ضد الأطفال تحليلاً لبيانات الشرطة البريطانية في عام 2025، وتبيّن أن 40 في المائة من الجرائم المسجلة، التي تنطوي على اتصال جنسي بطفل وتم تحديد المنصة المستخدمة فيها، وقعت على «سناب شات».

وضغطت الهيئة على شركات التكنولوجيا الكبرى لاتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الاستدراج. وأوضحت الهيئة أن الاستدراج الإلكتروني يمكن أن تكون له عواقب مدمرة على الأطفال تدوم مدى الحياة.

وأصدرت الهيئة من جديد تحذيراً لشركات التكنولوجيا الأخرى التي لا تتصدى ​لمخاطر الاستدراج، قالت ​فيه إن هذه الشركات تخاطر بغرامات تصل إلى 10 في المائة من إجمالي إيراداتها العالمية.


نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)

اقتحم ‌متظاهرون، اليوم الجمعة، موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام، في بداية مظاهرات ستستمر يومين، وتأتي في إطار تنامي ردود الفعل الغاضبة عالمياً من التوسع ​السريع في القدرات الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وقال تحالف يسمى «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» إن جماعات نشطاء أعلنت تنظيم فعاليات في 16 دولة، اليوم الجمعة وغداً السبت. ويحشد التحالف الجماعات المعنية بحماية البيئة وحملات الحقوق الرقمية لدعم الدعوات إلى وقف أعمال البناء واسعة النطاق.

وتجمع أكثر من 100 ناشط، اليوم الجمعة، في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام، وتحركوا في مسيرة قبل اقتحام الموقع ‌وتسلقوا رافعات وعلقوا ‌بالونات ورقصوا في وجود الشرطة. وحمل بعضهم ​لافتات ‌كتب عليها «تباً ​لمركز بياناتكم»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال المتظاهر سام فان دير بيك: «مراكز البيانات هذه تدمر عالمنا. يصبح غير قابلاً للعيش عليه بسبب كل الموارد التي تستهلكها. لهذا السبب نحن هنا اليوم».

تظاهر أكثر من 100 ناشط في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام (إ.ب.أ)

وذكرت شركة «بيور داتا سنترز» مالكة الموقع، التي تعتزم استثمار أكثر من مليار دولار وتدعمها «أوكتري» المملوكة لـ«بروكفيلد»، إنها ملتزمة بالتواصل مع الأطراف المعنية في المنطقة.

وأضافت الشركة: «نطلب بكل احترام من الموجودين في الموقع المغادرة بأمان والدخول معنا في حوار بشأن المشروع ‌وأي مخاوف قد تكون لديهم».

ومن المقرر أيضاً ‌خروج مسيرة في دبلن، وتنظيم احتجاج ​أمام مبنى البرلمان في وارسو، ومظاهرة ‌ضد مركز بيانات آخر لمايكروسوفت في الدنمارك ضمن إجراءات أخرى.

وقالت مايكروسوفت ‌إنها تتفهم أن الناس لديهم مشاعر قوية تجاه المشروع وتحترم حقهم في التعبير عنها سلمياً، لكنها لن تتغاضى عن أي أعمال غير قانونية.

وتتنامى ردود الفعل السلبية من إسبانيا إلى الهند والولايات المتحدة التي شهدت أمس الخميس انخفاض ‌أسهم شركات التكنولوجيا بشكل حاد بسبب مخاوف من أن يفرض الحزب الديمقراطي بعد سيطرته على الكونغرس لوائح أكثر صرامة تحد من ازدهار الذكاء الاصطناعي.

ويقول نشطاء إن مراكز البيانات تضغط على إمدادات الكهرباء والمياه، وتتنافس مع قطاع الإسكان والشركات الأخرى على الموارد الشحيحة، وتهدد الأهداف المناخية. ويشيرون أيضاً إلى فقدان الوظائف والمخاطر المحتملة على الأمن الشخصي والوطني من جراء تركز السلطة في أيدي الشركات التكنولوجية الخاصة والكبرى.

وتدفع شركات التكنولوجيا بحجة أن مراكز البيانات ضرورية لتلبية الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتوفير بنية تحتية حيوية للشركات والحكومات والمستهلكين.

وذكر تحالف «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» أنه لا يعارض التقدم ولا يدعو إلى إغلاق مراكز البيانات القائمة، بل يقول إن بناء مراكز ​جديدة كبيرة يجب أن ​يتوقف حتى تضع الحكومات قواعد أوضح.

ويوجد في هولندا نحو 200 مركز بيانات إما أن يعمل أو قيد التخطيط أو الإنشاء.


«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل
TT

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

دأبت الأجهزة الأمنية في فرنسا، المُكلفة بمواكبة المظاهرات، بغض النظر عن الجهة التي تدعو إليها، على خفض أعداد الأشخاص الذين يسيرون فيها. وفي المقابل، فإن النقابات والجمعيات المعنية تعمل بشكل منهجي على تضخيم الأعداد التي تلبي دعوات التظاهر. وما حصل اليوم الجمعة، لم يشذ عن هذه القاعدة.

فوزارة الداخلية قدّرت عدد المتظاهرين بـ575 ألف نسمة، وفي المقابل، فإن نقابة «كونفدرالية العمل» أكدت في بيان لها أن أعدادهم وصلت إلى 1.5 مليون متظاهر، والثابت أن العدد الحقيقي يقع بين هذين الحدين، ما يعني عملياً أن «خميس التعبئة» الذي دعت إليه 8 نقابات من القطاعين العام والخاص، وانضم إليه الطلاب والمزارعون والعاملون في قطاع النقل والاتصالات، بما في ذلك الوسائل الإعلامية العامة، لاقى نجاحاً لا يمكن التشكيك به.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة، عجّل في الدعوة لعقد «مؤتمر اجتماعي» الاثنين 9 نوفمبر (تشرين الثاني) يدور حصراً حول القدرة الشرائية والرواتب، بحضور نقابات العمال والموظفين وجمعيات رجال الأعمال والحكومة.

رهانات الحكومة

ما كان رئيس الحكومة ليستعجل جمع السلطات العامة والنقابات وأرباب العمل حول طاولة واحدة، لولا استشعاره أمرين: الأول، حالة الاحتقان التي تسود المجتمع الفرنسي جرّاء تراجع القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والدنيا، بفعل التضخم وارتفاع الأسعار اللذين يثقلان كاهل الاقتصاد، وهو ما عكسته كثافة المشاركة في المظاهرات، فضلاً عن الإضرابات التي شملت عدداً من القطاعات. والثاني، تداخل المطالب بين الطلاب والعمال والموظفين و«السترات الصفراء» والمزارعين وفئات اجتماعية أخرى، تشكو جميعها من عجزها عن مواجهة ارتفاع أسعار الفائدة، والتضخم الذي يستنزف مدخراتها، في وقت تراوح فيه الرواتب مكانها.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع الميزانية الذي قدّمته الحكومة إلى مجلسي النواب والشيوخ لا يلبي هذه المطالب، إذ رفضه مجلس النواب بالإجماع، باعتباره مشروعاً تقشفياً لا يستجيب، بأي حال، للمطالب المطروحة. ومن الواضح أن فرنسا تشهد حالة من الاحتقان الشعبي، في ظل تصاعد المزايدات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية أبريل (نيسان) المقبل.

ويحدث ذلك في ظل حكومة لا تحظى بأغلبية نيابية في مجلس النواب، فيما تنتهي الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون بعد أقل من 6 أشهر. وتزيد الأوضاع المالية من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، في ظل بلوغ الدين العام الفرنسي نحو 3600 مليار يورو، فيما يُتوقع أن تقترب تكلفة خدمة الدين من 80 مليار يورو مع نهاية العام الحالي.

ويعني ذلك عملياً أن الحكومة تواجه حالة من الهيجان الاجتماعي من غير أن تكون متمكنة من أوراق تتيح لها المواجهة والتعامل بجدية مع الحراك. وبكلام آخر، فإن الصندوق الحكومي شبه فارغ، وتلبية ما يريده المتظاهرون في القطاعين العام والخاص وما يدعو إليه طلاب التعليمين الثانوي والجامعي... كل ذلك يحتاج إلى أموال، وهذه الأموال «مفقودة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)

الفصل بين المطالب

منذ أن انطلق حراك طلاب التعليم الثانوي في أواسط سبتمبر (أيلول) الماضي ضعيفاً ومعزولاً، لم تدرك السلطات أهميته، ولم توله الجدية اللازمة إلا بعد انطلاق مبادرات إقفال الثانويات وبدء المظاهرات. إلا أن الحكومة أخطأت، في بداية الحراك، باستخدام القوة المفرطة ضد طلاب لا تزال أغلبيتهم يافعة.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن ثلاثة أرباع المقبوض عليهم في أول مظاهرة كبيرة (نحو 2000 شاب) كانوا من القاصرين. كذلك، لم تكن المطالب «ثورية»، إذ تركزت على توفير الأساتذة البدلاء، وتحسين الأوضاع المادية في المدارس المتهالكة، والتخلي عن منصة توجيه الطلاب إلى المرحلة الجامعية، المعروفة باسم «باركور سوب». ثم انضم الطلاب الجامعيون إلى الحراك تضامناً مع زملائهم، قبل أن يتسع نطاقه ليشمل النقابات، ثم حركة «السترات الصفراء».

وبلغ الاحتقان ذروته في المظاهرات التي عمّت باريس ومرسيليا وليون، وهي المدن الثلاث الرئيسية، إلى جانب عشرات المدن المتوسطة، وانتهى معظمها، في 17 من الشهر الماضي، بأعمال عنف وشغب.

ولم تتردد السلطات في توجيه الاتهامات إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون، بالسعي إلى «تسييس» الحراك واستغلاله لأغراض انتخابية.

والجمعة، تظاهر في باريس، بين مقري مجلس الشيوخ ورئاسة الحكومة، نحو 50 رئيساً للجامعات والكليات وممثلاً عنهم، للمطالبة بمزيد من الاهتمام الحكومي بالمدارس والجامعات.

الطلاب في شارع «ريفولي» في قلب باريس في سياق حراكهم للمطالبة بتحسين أوضاع المدارس والجامعات (رويترز)

ما حدث وتطوّر لاحقاً هو أن أعمال العنف، وما رافقها من سرقة ونهب، وتحويل الشوارع والساحات إلى ميادين للكر والفر بين مجموعات «بلاك بلوك» من أقصى اليسار والقوى الأمنية، دفعت السلطات، وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، إلى النظر بجدية في المطالب المطروحة والتعاطي معها، قدر الإمكان، بإيجابية.

وأقدمت الحكومة على أمرين: الأول، تعزيز المواكبة الأمنية للمظاهرات عن طريق نشر 70 ألفاً من رجال الشرطة والدرك والوحدات الخاصة بمكافحة الشغب، والاستعانة بمجموعات من الجيش لتجنب يوم آخر كـ«السبت الأسود». والثاني، إطلاق سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي الطلاب في قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة، أفضت إلى اقتراحات أعلنها وزيرا «التربية» و«التعليم العالي»، تضمنت مجموعة من الإصلاحات، بيد أن ممثلي غالبية الطلاب عدّتها «غير كافية»، وبالتالي فإن الحراك تواصل.

الحكومة مقيدة اليدين

ما فعلته السلطات مع الطلاب تسعى إلى استنساخه مع النقابات العمالية، بحيث تقيم فاصلاً بين الجهتين. ويبدو من الصعب التكهن بما ستسفر عنه اجتماعات يوم الاثنين (9 نوفمبر). واستبق لو كورنو الاجتماع بتأكيده، الخميس، أنه رغم الأوضاع المعروفة، فإن الحكومة «ستعمد إلى الاستجابة للمسائل الخاصة بالقدرة الشرائية والرواتب».

لكن مصدراً في قصر الإليزيه صرّح لصحيفة «لوموند» (عدد الجمعة - السبت) بأن «القمة الاجتماعية (التي دعا إليها لو كورنو) تعني المطالبة بموارد مالية، والحال أن الأموال غير متوفرة». وطلب رئيس الحكومة من وزير العمل تقديم خلاصات الاجتماعات التي عقدها، فيما كلّف وزير الميزانية باستكمال تواصله مع ممثلي الموظفين.

حقيقة الأمر أن الحكومة تجد يديها مقيدتين: فمن جهة، يمانع أرباب العمل، بشكل عام، في منح الموظفين والعمال علاوات على رواتبهم، بما فيها رواتب الحد الأدنى. إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على جميع شركات القطاع الخاص. فمجموعة «توتال إنرجيز»، مثلاً، العاملة في قطاع الطاقة، حققت أرباحاً تجاوزت 7 مليارات يورو في الفصل الثالث من العام الحالي.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور حالياً، بعد احتساب الضرائب، 1478 يورو. وثمة مَن يقترح رفعه إلى 1500 يورو، أو أكثر من ذلك بقليل، فيما تطالب النقابات بزيادة أكبر بكثير، لكن زيادة مثل هذه تبدو «سخيفة» بالنظر إلى أسعار السلع والخدمات راهناً.

ومن جهة ثانية، تتخوف السلطات، ومعها أرباب العمل، من أن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور ستفتح الباب على مصراعيه، وتدفع الآخرين إلى المطالبة، بدورهم، بزيادات.

أوركسترا «العالم الجديد» تعزف في ساحة «ريبوبليكا» في باريس قبل انطلاق مظاهرة يوم الخميس (أ.ف.ب)

وبانتظار اجتماعات الاثنين، يتواصل الحراك السبت، مع إطلاق دعوات للتجمع والتظاهر، بما في ذلك في باريس. فقد دعت «تنسيقية السترات الصفراء» إلى «الفصل الرابع» من الحراك الاجتماعي، احتجاجاً على غلاء الأسعار، امتداداً لما حصل الخميس، ومواصلةً للضغط على الحكومة.

وتقدمت «التنسيقية» بطلب للتظاهر في باريس بين ساحتي ريبوبليك وناسيون، وهو ما وافقت عليه مديرية الشرطة. وانضم الطلاب إلى دعوة «التنسيقية».

وجاء في بيان لـ«الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا»، الجمعة، أن الطلاب مدعوون إلى المشاركة «لأنهم لن يتراجعوا عن أي شيء، ومن أجل أن تتجاوب الحكومة» مع مطالبهم. وإلى جانب باريس، ثمة 11 مظاهرة أخرى مرتقبة السبت في مدن أخرى، منها طولون وبيزانسون وكركاسون ونيم وأورليان وبواتيه، بعضها للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وبعضها الآخر دعماً للشعب الفلسطيني...

قطار «الخريف الحار» انطلق في فرنسا ويصعب، منذ اليوم، التعرف على المحطة التي سيتوقف عندها.