لبنان: إرهاق النزوح المتكرر... عائدون من الحرب إلى الحرب

السكان يختبرون العودة والهروب مرات عدة خلال شهرين

عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
TT

لبنان: إرهاق النزوح المتكرر... عائدون من الحرب إلى الحرب

عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)
عائلة لبنانية تفرّ مجدداً من جنوب لبنان محمّلة بأمتعتها فوق سيارتها (رويترز)

يتحول النزوح المتكرر إلى أحد أكثر التداعيات قسوة على اللبنانيين الذين غادروا منازلهم خلال الحرب؛ فالمعاناة لم تعد مرتبطة بقرار الرحيل الأول، بل بتكراره مرة بعد أخرى. يعود النازحون إلى منازلهم بعد حديث عن هدنة أو تهدئة أو تفاهمات سياسية، ثم يجدون أنفسهم مضطرين إلى المغادرة مجدداً بعد أيام أو أسابيع قليلة. وبين العودة والرحيل، تتآكل القدرة على التخطيط للحياة اليومية، فيما تتحول منازل النزوح إلى جزء ثابت من الواقع الذي يعيشه كثيرون.

من زبقين إلى الباروك... عودة لم تعش سوى أيام

تعكس تجربة الحاجة أمينة، التي فضّلت عدم الكشف عن كامل اسمها، واقع عائلات جنوبية كثيرة لم تتمكن من استعادة الاستقرار منذ حرب عام 2024. فبعدما تضرر منزلها في زبقين ودُمرت منازل أبنائها ومحالهم التجارية، انتقلت العائلة إلى منطقة الباروك حيث استأجرت منزلاً تحوّل مع الوقت إلى ملاذ دائم.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحنا إلى الباروك في جبل لبنان بعد تضرر منزلنا وتدمير منازل أبنائي. تركنا كل شيء خلفنا وذهبنا إلى منطقة بعيدة عنا. استأجرنا منزلاً رغم أن الإيجارات كانت مرتفعة لأنه لم يكن لدينا خيار آخر».

لم تستطع كامل العائلة العودة نهائياً بعد انتهاء الحرب الأولى، فالمنازل المتضررة والمخاوف الأمنية أبقت الجميع بين مكانين. وتقول: «منذ عام 2024 ونحن نعيش بين مكانين. نعود عندما يهدأ الوضع، ثم نغادر مجدداً عند أول تصعيد. لم نشعر يوماً بأننا استعدنا حياتنا الطبيعية».

وعندما قررت العائلة العودة إلى زبقين، الأربعاء الماضي، أبقت المنزل المستأجر في الباروك ولم تتخلَّ عنه. وتوضح: «أبلغنا أصحاب المنزل أننا عدنا إلى الجنوب، لكننا طلبنا منهم إبقاء المنزل لنا لشهرين أو ثلاثة أشهر إضافية حتى نتأكد من استقرار الأوضاع».

لكن الغارات التي استهدفت الجنوب، الجمعة، دفعت العائلة إلى المغادرة مجدداً. ورغم صعوبة التجربة، تستذكر الحاجة أمينة الدعم الذي تلقته من أبناء المنطقة التي استضافتها، وتقول: «الناس هناك كانوا طيبين جداً معنا. لم نشعر أننا غرباء، وكان الجميع يحاول مساعدتنا والوقوف إلى جانبنا».

عائلة لبنانية تغادر جنوب لبنان مجدداً محمّلة بمقتنياتها على متن سيارة متجهة نحو الشمال بعد أيام من عودتها إلى صور إثر دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ (رويترز)

كفررمان والسعديات... عودة تنتهي قبل أن تبدأ

في كفررمان، عاشت حنان حسين تجربة مختلفة في تفاصيلها، لكنها مشابهة في نتيجتها؛ فمنذ اندلاع الحرب، تنقلت بين منزلها في البلدة ومركز استقبال النازحين في السعديات.

وتروي لـ«الشرق الأوسط»: «عندما اندلعت الحرب نزحنا إلى صيدا. بحثنا كثيراً عن منزل لكننا لم نجد، فأُبلغنا بوجود مركز لاستقبال النازحين في السعديات. يومها كنا قد أمضينا ليلة كاملة على الطريق قبل أن نصل إلى هناك».

وبعد نحو 45 يوماً من اندلاع الحرب، قررت العودة إلى كفررمان. وتقول: «عندما هدأت الأمور نسبياً عدت إلى البلدة لأنني كنت أريد المحافظة على منزلي والبقاء فيه. بقيت هناك فترة رغم القصف الذي كان يقع في محيط المنطقة».

لكن الهدوء لم يستمر طويلاً. وتضيف: «مع تجدد الغارات والضربات حولنا اضطررنا إلى المغادرة مجدداً والعودة إلى مكان النزوح. وبعد ذلك تكررت محاولات العودة أكثر من مرة، وفي كل مرة كنا نغادر عندما تتدهور الأوضاع الأمنية».

وعندما أُعلن عن الاتفاق الأميركي - الإيراني، الأسبوع الماضي، اعتقدت أن مرحلة النزوح انتهت. وتقول: «عندما أُعلن عن اتفاق أميركي - إيراني اعتقدنا أن الأمور انتهت وأن بإمكاننا العودة بشكل نهائي، لذلك توجهنا فوراً إلى كفررمان. لكننا لم نستطع النوم تلك الليلة بسبب شدة القصف الذي استهدف محيط المنطقة».

وتضيف: «في صباح اليوم التالي، غادرنا مجدداً وعدنا إلى السعديات. وبعدها قيل لنا مرة أخرى إن بإمكان الأهالي العودة وإن الأمور هدأت، فقررنا المحاولة من جديد، لكن ليلة الخميس - الجمعة كانت صعبة أيضاً بسبب الغارات».

وتتابع: «عند الخامسة فجراً غادرت وعدت إلى مكان النزوح. منذ أشهر ونحن ننتقل بين كفررمان والسعديات، وكلما اعتقدنا أن العودة أصبحت ممكنة نُفاجأ بأن الظروف لا تزال غير مستقرة».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

شقة ميروبا... شبكة أمان لا يمكن التخلي عنها

في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يتمكن كريم علّو من إنهاء علاقته بشقة استأجرها في ميروبا قبل عامين. فالرجل الثمانيني، الجد لتسعة أحفاد، اعتقد أن النزوح سيكون مؤقتاً عندما غادر الضاحية خلال حرب 2024.

ويقول: «غادرت الضاحية خلال حرب 2024 مع أفراد عائلتي، واستأجرت شقة في ميروبا. كنت أعتقد أن النزوح سيكون لفترة قصيرة، لكننا دخلنا عامنا الثاني ونحن نعيش بين منزلين».

ومع اندلاع الحرب الحالية في الثاني من مارس (آذار) 2026 عاد إلى شقة النزوح مجدداً، قبل أن يعود إلى الضاحية بعد الحديث عن تحييد بيروت. ثم غادر مرة أخرى بعد الغارة التي استهدفت المريجة قبل نحو أسبوعين، قبل أن يعود مع تصاعد الحديث عن تقدم المفاوضات الأميركية - الإيرانية.

ويقول: «في الأسبوع التالي، عدنا إلى منزلنا بعدما سمعنا كثيراً من الكلام عن أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية تتجه نحو الحل، وأن هناك فرصة لتهدئة شاملة».

لكن الغارة التي استهدفت الغبيري، الأسبوع الماضي، أعادت إليه المخاوف نفسها. ويضيف: «كلما اعتقدنا أن الأزمة شارفت على النهاية يحدث أمر يعيدنا إلى نقطة البداية».

وكان علّو قد قرر عدم تجديد عقد إيجار الشقة الذي ينتهي مع نهاية الشهر الحالي، لكنه تراجع عن قراره بعد التصعيد الأخير. ويقول: «بعد ما جرى الجمعة في الجنوب والبقاع من تصعيد، تواصلت مع مالك الشقة واتفقنا معه على تمديد عقد الإيجار حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فضلت الانتظار وعدم التسرع لأن الصورة لا تزال غير واضحة».

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

أربع محاولات للعودة إلى شوكين

في شوكين، تنقلت فاطمة رضا وعائلتها أربع مرات تقريباً بين البلدة وبلدة برجا منذ اندلاع الحرب في الثاني من مارس الماضي. وتقول: «اخترنا برجا لأنها الأقرب إلى الجنوب، ولأن كثيراً من أبناء المنطقة نزحوا إليها منذ الأيام الأولى للحرب».

وتضيف: «عدنا بعد وقف إطلاق النار الأول، ثم اضطررنا إلى المغادرة مع عودة التصعيد. تكرر الأمر أكثر من مرة، وهذه هي المرة الرابعة التي نجد أنفسنا فيها بين قرار العودة وقرار النزوح».

وتوضح أن أفراد العائلة كانوا يعودون بشكل متقطع لتفقد المنزل والأرض. وتقول: «لم نكن جميعاً نعود. كان الرجال يذهبون إلى البلدة لتفقد البيت والأرض ثم يعودون، لأن الظروف لم تكن تسمح ببقاء العائلة هناك».

ورغم أن المنزل لا يزال صالحاً للسكن، فإن ذلك لم يكن كافياً للعودة. وتضيف: «البيت لا يزال صالحاً للسكن، لكن هناك أضراراً في الجدران والأبواب والنوافذ ويحتاج إلى الكثير من الإصلاحات. لو كانت المشكلة محصورة بالبيت لكنا عدنا منذ فترة. ما يمنعنا من العودة هو غياب الثقة بأن الأوضاع ستبقى مستقرة».

وتختم بالقول: «في كل مرة نعتقد أن الأمور تحسنت ونفكر بالعودة، يحصل تصعيد جديد. أحياناً لا يمضي سوى يوم واحد أو ساعات قليلة حتى نجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى النزوح. البلدة أصبحت حلماً بالنسبة إلينا في الوقت الحالي».


مقالات ذات صلة

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب اللبناني، لم يصوّت «حزب الله» لسحب الثقة منها ولإسقاطها، بل اختار نوابه الانسحاب من القاعة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي «حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

فرضت حرب 2024 وما أعقبها من مواجهات وتحولات ميدانية واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)

ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

عاد مئات الآلاف من الأطفال في ​غزة، السبت، إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وإن كان في مبانٍ مدرسية متهدمة أو مؤقتة أو في خيام، ورغم أسعار الزي المدرسي والدفاتر والأقلام التي لا تستطيع الكثير من الأسر تحملها.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن 98 في المائة من المدارس في غزة دُمرت أو تضررت خلال الحرب. ويقول مسؤولو التعليم في غزة إن نحو 660 ألف طالب حرموا من التعلم الحضوري والمشاركة المنتظمة في التعليم.

وقال إبراهيم رمضان، مدير التربية والتعليم بشرق خان يونس، إن إعادة فتح المدارس تمثل محطة فارقة في غزة بعد أن أودت الحرب الإسرائيلية على القطاع بحياة نحو 22 ألف طالب وطالبة وأكثر من 770 من العاملين في مجال التعليم، منهم 532 ‌معلماً ومعلمة.

وقال مؤيد ‌أبو مصطفى في خان يونس: «آخر فترة مرقت (مررت) فيها بالمدرسة منذ ثلاث ​سنوات. ‌والآن ⁠بدأ العام ​الدراسي ⁠الجديد. عام من الفرح، عام من السرور، عام من النجاح».

وأضاف: «رغم إن احنا نقرأ في خيم، ولا تهوية ولا أي شيء ولا مقاعد، على الفرش بنقعد، وعام فقدنا فيه أصحابنا... مفيش ولا دفاتر ولا أقلام.. رغم هيك هنقرأ، وهنقرأ في خيمة».

كما تعود إلى الدراسة الحضورية الطالبة النازحة سمر أبو سلمى، البالغة من العمر 15 عاماً، والتي تعيش مع أسرتها بإحدى الخيام.

وقالت، وهي تقف في فناء مدرستها المؤقتة الجديدة: «قبل الحرب كنا ندرس والحين بدنا نحقق حلمنا... وإن شاء الله بنطلع أكثر لفوق. شوفنا الأبلات (المعلمات)... كنا بنقرأ على الجوالات (الهواتف المحمولة)... الحين إحنا رجعنا نحقق حلمنا من خيمة ⁠لخيمة».

وتفتقر سمر أيضاً إلى الكثير من اللوازم الأساسية التي أصبحت أسرتها لا تستطيع ‌تحمل تكلفتها.

وقالت سمر: «قبل الحرب، كان كل إشي متوفر إلنا، من ‌دفاتر، لأقلام، لأغراض، للبس، لطلعات (نزهات)، لأشياء نجيبها رخيصة».

مراتب وسبورة

على الرغم ​من الدمار الذي لحق بالمنطقة المحاصرة، بدأت وزارة التعليم ‌العام الدراسي 2026-2027، بدعم من المنظمات الدولية والمحلية؛ إذ أنشأت عشرات المواقع التعليمية المؤقتة، ومنها خيام ومبانٍ معدنية ‌أو خشبية، لاستيعاب التلاميذ.

أطفال فلسطينيون نازحون يحضرون درساً في مدرسة مؤقتة في خان يونس بجنوب قطاع غزة أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

وبُنيت بعض هذه المدارس على أراضٍ رملية بينما لا يوجد ببعض الفصول الدراسية الأخرى التي يتكدس بها الطلبة سوى فُرش (مراتب) ولوح أسود (سبورة). ولا تزال مدارس أخرى تؤوي عشرات الأسر النازحة.

ويدرس يامن أبو سمرة، البالغ من العمر 14 عاماً، في مدرسة أخرى.

وقال: «قبل (الحرب) كنا نصحى مبسوطين نروح على المدرسة... الحين نيجي على المدرسة نكون خايفين من الطلق الطايش (الرصاص ‌الطائش)، من الصاروخ، من القذائف».

وأضاف: «الحين مفيش كهرباء، مفيش مولدات الطاقة، مفيش ألواح طاقة. الآن قاعدين في خيمة مفيش فيها ولا إشي، مفيش فيها غير الشمس والشوب (الحرارة)».

وقال ⁠مسؤولو التعليم إن من ⁠المتوقع أن يلتحق ما لا يقل عن 540 ألف طالب هذا العام بالدراسة الحضورية في مدارس خاصة ومراكز ومواقع تعليمية مؤقتة بدعم من «يونيسف»، وأن يستمر التعلم عبر الإنترنت لأولئك الذين لا يستطيعون حضور الدروس أو الذين غادروا غزة في أثناء الحرب.

فلسطينيون خارج فصل دراسي يحترق عقب قصف إسرائيلي على مدرسة تديرها وكالة «أونروا» في جباليا شمال قطاع غزة يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60 في المائة من غزة على الرغم من وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، والذي أوقف الأعمال القتالية الرئيسية لكنه لم يُنهِ الصراع.

وتقول السلطات الفلسطينية إن أكثر من 73 ألفاً قُتلوا خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجوم شنه مقاتلون بقيادة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) أودى بحياة نحو 1200 شخص في جنوب إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

نقص اللوازم المدرسية

وقال خالد عليان (30 عاماً)، وهو تاجر أدوات مكتبية، إن القيود الإسرائيلية على الاستيراد أدت إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وقال: «على سبيل المثال، الدفتر هذا حقه ثلاثة شواقل، اليوم أصبح 15 شيقلاً. جميع أصناف القرطاسية (اللوازم المكتبية والدراسية) غالية».

طفل فلسطيني ينظر عبر بوابة مدرسة تابعة لوكالة «الأونروا» في منطقة المغازي وسط قطاع غزة مايو 2026 (رويترز)

ولم ​ترد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي ​الوكالة العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في الوصول إلى غزة، على طلب من «رويترز» للتعليق على القيود المفروضة على الإمدادات والغارات على المدارس. واتهمت إسرائيل «حماس» مراراً باستخدام المدارس لأغراض عسكرية، وهو ما تنفيه «حماس».


إسرائيل تصعّد الغارات قرب الخط الأصفر في غزة

فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعّد الغارات قرب الخط الأصفر في غزة

فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني نازح يقف في شرفة مبنى مدمر يُستخدم كمأوى في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

واصل الجيش الإسرائيلي، الاثنين، تصعيد غاراته وهجماته قرب الخط الأصفر الافتراضي الذي يتمركز شرقه، ويحتل أكثر من 65 في المائة من مساحة غزة.

وزادت حدة الهجمات على الفلسطينيين في القطاع بموازاة رفع الجاهزية العسكرية التي أعلنها الجيش في مواقع عدة منها الضفة، وغزة، ضمن التأهب لهجمات محتملة تخشى إسرائيل حدوثها في «عيد الغفران» اليهودي.

وقتلت الغارات سيدة وطفلاً، الاثنين، في إطلاق نار من آليات وطائرات مسيرة إسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع، فيما أعلن عن وفاة ثالث متأثراً بجروحه الحرجة إثر إطلاق نار مماثل منذ يومين.

وبحسب مصادر طبية، فإن السيدة فداء طوطح «فرحات» (31 عاماً) قتلت إثر إطلاق نار أصاب خيمة نزوحها، صباح الاثنين، على طريق صلاح الدين قبالة مخيم البريج وسط قطاع غزة، وذلك أثناء تجهيزها لأطفالها لتوجههم إلى المدارس، حيث أصيب أحدهم بجروح متوسطة، فيما نقل جثمانها لاحقاً إلى مدينة غزة لتشييعه من قبل ذويها الذين يقطنون بالمدينة.

فيما أعلن عن مقتل الطفل إسماعيل البردويل، إثر إطلاق آليات إسرائيلية النار على خيام النازحين الموجودين في منطقة مواصي شمال غربي مدينة رفح جنوبي القطاع. بينما أصيب في الحدث ذاته ثلاثة آخرون من المواطنين.

مشيعون يبكون على جثمان فلسطيني قُتل في غارة جوية إسرائيلية في مستشفى بمدينة غزة (أ.ب)

وأعلن عن وفاة الشاب محسن بهجة متأثراً بجروحه الخطيرة التي أصيب بها قبل يومين إثر إطلاق نار من طائرات مسيرة إسرائيلية (كواد كابتر) في منطقة السودانية شمال غربي مدينة غزة.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإنه منذ دخول وقف إطلاق النار الافتراضي حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بلغ عدد الضحايا 1394 قتيلاً، وطالت الإصابات 4839 شخصاً.

تمشيط وتحركات عسكرية

ولوحظ في الأيام الأخيرة تكثيف القوات الإسرائيلية إطلاق النار، وإلقاء قنابل متفجرة عند الخط الأصفر، باستخدام الآليات، والطائرات المسيرة الصغيرة، ووسط قصف مدفعي عنيف، وتحركات عسكرية ملحوظة للآليات في إطار عمليات توصف ميدانياً بأنها «تمشيط» لمنع اقتراب أي فلسطيني من مناطق انتشار تلك القوات، في وقت توقفت عمليات الاغتيال في عمق سيطرة مناطق «حماس» لليوم الثاني على التوالي.

ويعود هذا النشاط الملحوظ والمكثف، والذي أدى لوقوع قتلى وجرحى من المدنيين، بشكل متزايد في الأيام القليلة الماضية، إلى رفع حالة التأهب على جميع جبهات القتال من قبل الجيش الإسرائيلي تزامناً مع الأعياد اليهودية.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وفجر الاثنين كثفت الطائرات الحربية الإسرائيلية من تحليقها في سماء قطاع غزة، ما تسبب بحالة هلع وخوف في أوساط المواطنين، وخاصةً الأطفال، والنساء بعدما أصدرت أصوات هدير كبيرة جداً، وألقت قنابل حرارية، ما تسبب في مخاوف من وقوع حدث أمني، كما جرت العادة.

ومع ساعات الصباح الباكر، توغلت القوات الإسرائيلية شمال شرقي مخيم البريج، وسط قصف مدفعي وإطلاق النار، ما تسبب في إصابة 4 مواطنين، بينهم ثلاثة -منهم سيدة- حالتهم خطيرة، نتيجة سقوط قذيفة مدفعية على منزلهم.

هجوم بالزوارق

في غضون ذلك، أصيب 6 فلسطينيين آخرين بينهم حالة على الأقل وصفت بأنها خطيرة، إثر إطلاق نار من آليات عسكرية، وطائرات مسيرة، وزوارق حربية إسرائيلية، في أكثر من منطقة بقطاع غزة. حيث هاجمت الزوارق خيام النازحين قبالة سواحل مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة بإطلاق النار اتجاهها، وإطلاق قذيفتين بالقرب منها.

وقال زكريا بكر، مسؤول لجان الصيادين في غزة، إن قوات البحرية الإسرائيلية كثفت من انتشارها في عرض البحر، وأطلقت النار والقذائف باتجاه شواطئ أكثر من منطقة قبالة سواحل مدينة غزة، ما أدى لوقوع إصابات، مشيراً إلى أن أياً من الصيادين لم يتمكن من الوصول إلى شباكه التي تم نصبها مساء الأحد في البحر، بسبب خطورة الوضع، والاستهدافات المتكررة.

رجل فلسطيني يقف على باب ثلاجة يستخدمه قارب تجديف مؤقتاً في حين يرمي سلة الصيد الخاصة به في البحر بميناء مدينة غزة (أ.ف.ب)

وأضاف بكر في تصريح صحافي له: «الصياد يدخل البحر بحثاً عن لقمة عيش لعائلته، فيجد نفسه أمام خطر القصف، والاعتقال، والموت، وحتى شباكه التي تمثل مصدر رزقه أصبحت عالقة في بحر لم يعد آمناً»، مضيفاً: «بحر غزة ليس ساحة حرب فقط... إنه مصدر رزق آلاف الصيادين، والحق في الوصول إليه والعمل فيه حق لا يجوز أن يتحول إلى جريمة».

لقاءات فصائلية في القاهرة

سياسياً، أجرى وفد قيادي من حركة «حماس» عدة لقاءات مع عدد من الفصائل والقوى الفلسطينية في العاصمة المصرية القاهرة، في إطار استكمال المشاورات السياسية بشأن آخر مستجدات القضية الفلسطينية، وبحث معها التطورات، وخاصةً ملف الانتخابات التشريعية، والمجلس الوطني الفلسطيني، وسبل تعزيز الوحدة الوطنية. كما ذكر بيان للحركة.

وبحسب البيان، أكدت اللقاءات حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، وأرضه، ومقدساته، والتمسك بحقوقه، وثوابته الوطنية، مشددةً على حق الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم بحرية، ونزاهة، وشفافية في المجلس التشريعي، والمجلس الوطني، ورفض التعيين، والإقصاء، والتفرد.

واتفقت الأطراف على مواصلة التشاور والتنسيق بين مختلف الفصائل، والقوى، والشخصيات الوطنية الفلسطينية، والعمل من أجل إنهاء الانقسام، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية، وتشاركية، ووطنية، إلى جانب بلورة استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال، والاستيطان، والتهويد، والتهجير، والضم، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني. وفق نص البيان.


العراق: إقليم كردستان يعلن رسمياً توحيد قوات «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
TT

العراق: إقليم كردستان يعلن رسمياً توحيد قوات «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)

جرت بمقر رئاسة إقليم كردستان في أربيل، الاثنين، مراسم الإعلان الرسمي عن توحيد قوات «البيشمركة» المنقسمة إلى قوتين منذ أكثر من 3 عقود، في خطوة من شأنها توحيد الصف الكردي المنقسم أمنياً وسياسياً.

وأقيمت المراسم بإشراف رئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، بصفته القائد العام لقوات «البيشمركة»، وبمشاركة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني، ونائب رئيس الحكومة وزير شؤون «البيشمركة»، وعدد من المسؤولين الأكراد، إلى جانب ممثلين عن «التحالف الدولي» والبعثات الدبلوماسية. كما جرت المراسم بحضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.

ويعود الانقسام في صفوف قوات «البيشمركة» إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، إبان ما باتت تُعرف بـ«حرب الأخوة» أو الحرب الأهلية بين الحزبين الرئيسيين وقتذاك، «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني» بزعامة الرئيس الراحل جلال طالباني. وانقسمت «البيشمركة» التي كانت تحارب ضد نظام الرئيس الراحل صدام حسين، إلى قوتين؛ هما: «القوة 80 (الصفراء)» التابعة للحزب «الديمقراطي» وتتمركز في مناطق نفوذها بمحافظتي أربيل ودهوك، و«القوة 70 (الخضراء)» التابعة لحزب «الاتحاد الوطني» وتتمركز في محافظة السليمانية ومنطقة حلبجة.

وطبقاً للمصادر الكردية، فإن المراسم تمثّل تتويجاً لمسار إصلاحي طويل استهدف توحيد قوات «البيشمركة» وإعادة تنظيمها ضمن هيكل عسكري مؤسساتي يخضع لوزارة شؤون «البيشمركة».

وبموجب مرسوم جديد، فإنه بدءاً من 21 سبتمبر (أيلول) الحالي، فلن تبقى أي قوة من «البيشمركة» خارج إطار الوزارة، وفق رئاسة الإقليم.

وبدأ مسار الاندماج بين القوتين منذ سنوات وبدعم وإلحاح من قوات «التحالف الدولي»، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، ودول أوروبية أخرى. وكان مسار الاندماج أحد شروط الإبقاء على وصول المعونات العسكرية واللوجستية من تلك الدول إلى قوات «البيشمركة».

عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

ورغم عدم ورود اسم «البيشمركة» في نص الدستور العراقي، فإن «المادة 121 - خامساً» منه تنص على أن «تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم». وتعدّ سلطاتُ الإقليم قواتِ «البيشمركة» داخلةً ضمن تصنيف «حرس الإقليم».

قوة لشعب كردستان

وأكد رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، خلال كلمة في مراسم التوحيد، أنه «لم تعد هناك أي قوة خارج مظلة قوات (البيشمركة)، ويجب أن تكون فوق الحسابات الحزبية بوصفها قوة كردستانية».

وقال إن «(البيشمركة) قوة شعب كردستان، ومهمتها حماية جميع أبناء الإقليم؛ من الكرد والتركمان والمسيحيين والإيزيديين والعرب وجميع المكونات».

وأشار بارزاني إلى أن «(البيشمركة) جزء من منظومة الدفاع العراقية، وتعزيز قدراتها وتنسيقها وتعاونها مع القوات الاتحادية يمثل قوة لجميع العراق».

ولفت إلى أن «حضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري، مراسم الإعلان عن توحيد القوات يؤكد أهمية هذا التنسيق».

وشدد بارزاني على أن «وحدة (البيشمركة) يجب أن تنعكس على التدريب والواجبات والحقوق والترفيع والعقيدة العسكرية، وأن المؤسسة العسكرية يجب ألا تكون ساحة لتصفية الحسابات الحزبية والسياسية».

وأضاف أن «الأحزاب تتنافس في الانتخابات، ولديها مواقف ورؤى مختلفة، وهذه مسألة طبيعية في جميع المنظومات الديمقراطية، لكن (البيشمركة) يجب أن تكون أعلى وفوق هذه الحسابات الحزبية؛ لأنها ليست قوة حزبية، بل قوة كردستانية».

وجدد بارزاني شكره الولايات المتحدة و«التحالف الدولي» والدول التي دعمت إقليم كردستان والعراق خلال الحرب ضد تنظيم «داعش»، وفي مقدمها بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا، وأشاد بدورها في عملية الإصلاح والتدريب وإعادة هيكلة قوات «البيشمركة».

قوات من «البيشمركة» خلال احتفال في أربيل عاصمة إقليم كردستان عام 2023 (أ.ف.ب)

وكانت واشنطن سلّمت قوات «البيشمركة»، وبموافقة الحكومة العراقية، 24 مدفعاً ثقيلاً ومتوسطاً من طراز «هاوتزر M119» عيار «105 مليمتر»، في مطلع أغسطس (آب) الماضي. وجاء ذلك ضمن خطط «التحالف الدولي» لتعزيز القدرات الدفاعية للقوات الكردية الشريكة في مواجهة بقايا تنظيم «داعش»؛ الأمر الذي أثار حفيظة بعض الفصائل وشخصيات سنية وشيعية في بغداد.

ثقة الشارع الكردي

ورغم الترحيب الكردي بإكمال مراسم توحيد قوات «البيشمركة» الكردية، فإن «شكوكاً جادة» ما زالت قائمة بشأن إمكانية توحيد الصف السياسي الكردي بعدما أخفق الأكراد في استكمال التشكيلة الوزارية رغم مرور نحو سنتين على اجراء انتخابات برلمان الإقليم. إلا إن القيادي في حزب «الاتحاد الوطني»، سوران داودي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «توحيد (البيشمركة) يمهد الطريق للتقارب السياسي بين الطرفين؛ (الديمقراطي) و(الاتحاد)، وقد بانت بعض ملامح ذلك من خلال الاجتماعات المكثفة التي يعقدها الجانبان».

وأضاف داودي أن «خطوة التوحيد إجراء روتيني، كان يفترض أن يتم منذ سنوات، والخطوة تزيد من ثقة الشارع الكردي بقوات (البيشمركة)، كما أنها خطوة صحيحة في الإطار المؤسساتي الذي ينشده المواطن الكردي».

حقائق

صفراء وخضراء

انقسمت «البيشمركة» في تسعينات القرن الماضي إلى قوتين؛ هما: «القوة 80 (الصفراء)» التابعة للحزب «الديمقراطي» وتتمركز في مناطق نفوذها بمحافظتي أربيل ودهوك، و«القوة 70 (الخضراء)» التابعة لحزب «الاتحاد الوطني» وتتمركز في محافظة السليمانية ومنطقة حلبجة.