«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
TT

«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الشلل التام الذي جمّد حركة التجارة في أحد أخطر الممرات المائية حول العالم، عاد الأمل مجدداً للاقتصاد العالمي عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توصُّل واشنطن وطهران إلى اتفاق سلام أولي يقضي بإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً.

وجاءت كلمات ترمب الحماسية عبر منصته الرقمية: «يا سفن العالم، شغّلي محركاتك... ودعي النفط يتدفق!»، بمثابة ضوء أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع الصراع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

ومع تحديد يوم الجمعة المقبل موعداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم في سويسرا، بدأت الأسواق العالمية في تسعير الانفراجة الجيوسياسية فوراً؛ حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستوى 84 دولاراً للبرميل، مسجلة أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للحرب في مارس (آذار)، بينما قفزت مؤشرات الأسهم الآسيوية في طوكيو وسيول بنحو 5 في المائة، واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع تحليق «البتكوين» فوق مستوى 65600 دولار.

آسيا... الرابح الأكبر

تُمثل إعادة فتح المضيق طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا، وهي المنطقة التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية نظراً لاعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية؛ إذ تتجه عادة أكثر من 80 في المائة من كميات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية. وخلال أشهر الحرب، هوت العملات الآسيوية وتفاقم التضخم، وضغطت أزمة النقص الحاد في المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية للدول النامية مثل باكستان وفيتنام والفلبين، التي اضطرت الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة.

وحتى القوى الصناعية الكبرى ذات الاحتياطيات العميقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها الوطنية جراء فواتير الاستيراد المتضخمة. ومن هنا، سارع القادة في المنطقة إلى الترحيب بالاتفاق؛ حيث وصفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي الاتفاق بأنه «خطوة كبرى نحو الحل»، معربة عن أملها في ضمان ملاحة حرة وآمنة فعلياً في المضيق، وهو ما أيَّده رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، معتبراً استعادة هذا الممر الحيوي أمراً أساسياً لتخفيف الضغوط عن كاهل الاقتصادات الإقليمية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الأثر يمتد لنهاية العام

رغم التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق، يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر؛ مؤكدين أن عودة التدفقات التجاريّة إلى طبيعتها ستستغرق أسابيع أو ربما أشهراً. ويرى جوشوا نغو، نائب رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في استشارية الطاقة «وود ماكنزي»، أن النبأ السار يتمثل في عودة تدفق النفط والغاز فور فتح المضيق، لكن النبأ السيئ هو أن كل يوم قضاه المضيق مغلقاً ضاعف من حجم الأضرار الهيكلية وأدَّى إلى تفشي الاضطرابات عميقاً في قطاع اللوجستيات.

وتبرز أزمة الغاز الطبيعي المسال كإحدى أكثر القضايا تعقيداً؛ فأسعار الغاز في آسيا ترتبط عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر. وهذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت 100 دولار في مارس الماضي لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي ستبقى أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء مرتفعة ومؤرقة للمستهلكين حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير.

الأسمدة والبتروكيميائيات

لا تتوقف أهمية مضيق هرمز عند حدود براميل النفط، بل تمتد إلى سلع استراتيجية تدير عصب الحياة اليومية. وتعد دول الخليج مصدراً لأكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد «اليوريا»، وهو المكون الأساسي للأسمدة النيتروجينية. وقد تسبب إغلاق المضيق في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا الممتد من مايو (أيار) إلى يوليو (تموز). وحذر ألبرت بارك، كبير اقتصاديي بنك التنمية الآسيوي، من أن هذا الخلل سيهدد الأمن الغذائي العالمي، ولن تظهر الآثار الحادة لانخفاض إنتاجية المحاصيل إلا في وقت لاحق من هذا العام.

وعلى الجانب الصناعي، واجهت المصانع في اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في «النافتا» - وهي مشتق نفطي حيوي يُستخدم في صناعة البلاستيك وتغليف المواد الغذائية - إلى جانب شح إمدادات الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات. وشبّه هاروهيكو ساكاينو، مستشار وكالة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية، في تصريح لـ«بلومبرغ» تضرر سلاسل الإمداد بـ«الشعيرات الدموية التي تم تدميرها وتتطلب وقتاً طويلاً للشفاء»، مؤكداً أن الأمر لن يكون ببساطة استئناف الاستيراد، بل سيتطلب عاماً كاملاً لتستعيد الشركات الصغيرة قدراتها الإنتاجية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الهند: انتعاش مرتقب وفاتورة أقل

بالنسبة للهند - التي تصنف كواحدة من أكبر مستوردي الخام في العالم - يمثل الاتفاق انفراجة مالية ضخمة؛ إذ سيسهم العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الموردين الرئيسيين في خفض تكاليف الشحن الفلكية وأقساط تأمين المخاطر التي فرضتها شركات الملاحة الدولية. وكان من أبرز ملامح هذا التراجع المباشر، عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال «ديشا» المحملة بشحنة قطرية للمضيق متجهة شرقاً نحو محطة داهيج الهندية بعد أن ظلت محتجزة غرب المضيق منذ مطلع مارس.

وينعكس كل تراجع مستدام في أسعار النفط إيجابياً على موازنة الهند؛ حيث يسهم في تقليص فاتورة الواردات الضخمة، ودعم استقرار الروبية، وتضييق عجز الحساب الحالي، فضلاً عن كبح جماح التضخم المحلي. وستمتد هذه المنافع لتنعش قطاعات الطيران، والبتروكيماويات، والأسمدة، واللوجستيات التي عانت شركاتها وتكبدت خسائر فصلية فادحة تعادل أرباح عام كامل بسبب تكاليف الوقود المرتفعة.

مخاوف ومستقبل غامض

يبقى التفاؤل الحالي مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً مع وجود تفاصيل شائكة لم تُعلن بعد حول من سيتولى إدارة الملاحة في المضيق. فقد أشارت وكالة الأنباء الإيرانية «فارس» إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان، وهي خطوة قد تثير حفيظة واشنطن التي يعتبر رئيسها حرية الملاحة حجر الزاوية للاتفاق. يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الحالي يطلق مهلة 60 يوماً فقط للتفاوض بشأن مستقبل برنامج إيران النووي، مما يضفي صبغة «مؤقتة» على المشهد.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية، حتى وإن انتهت بفتح المضيق، قد سرّعت بشكل غير قابل للتراجع من استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة، لكي لا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لـ«ممر الثلاثين كيلومتراً».


مقالات ذات صلة

حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ترتفع قليلاً رغم استمرار التوترات

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز مرئية بالقرب من شاطئ بندر عباس، إيران (رويترز)

حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ترتفع قليلاً رغم استمرار التوترات

ارتفعت حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز قليلاً، رغم استمرار المواجهة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار مستقر قبيل «جاكسون هول»... والين يتماسك بعد تصريحات بنك اليابان

تحرك الدولار الأميركي في نطاق ضيق، يوم الخميس، قبيل ندوة «جاكسون هول»، فيما استقر الين بعد أن أبقى مسؤول في بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية في ميناء الفجيرة (رويترز)

النفط يواصل خسائره مع آمال بانفراج أزمة مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط، يوم الخميس، لتواصل سلسلة خسائرها، وسط آمال بأن تفضي المحادثات بين إيران وقطر إلى فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شخص يمر أمام لوحة عرض لتاجر ذهب في لندن، بريطانيا (إ.ب.أ)

الذهب يرتفع وسط ترقب تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي

ارتفعت أسعار الذهب قليلاً، يوم الخميس، مع استمرار المخاوف من تراجع قيمة العملات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إنفيديا» في مقرها الرئيسي في سانتا كلارا، كاليفورنيا (أ.ف.ب)

«إنفيديا» تتجاوز التوقعات بإيرادات 96.2 مليار دولار... وتستشرف قفزة جديدة في الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إنفيديا» نتائج مالية قوية للربع الثاني من سنتها المالية 2027، متجاوزةً توقعات المحللين على صعيد الإيرادات والأرباح.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

الأسهم اليابانية تتراجع... والسندات تلتقط أنفاسها

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

الأسهم اليابانية تتراجع... والسندات تلتقط أنفاسها

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أرسلت الأسواق اليابانية، الخميس، إشارات متباينة عكست حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين بين مستقبل أسعار الفائدة وموجة الذكاء الاصطناعي. ففي الوقت الذي تراجع فيه مؤشر «نيكي» تحت ضغط أسهم مرتبطة بصناعة الرقائق، انخفضت عوائد السندات الحكومية عن أعلى مستوياتها بعدما امتنع نائب محافظ «بنك اليابان»، ريوزو هيمينو، عن إعطاء إشارة واضحة إلى موعد الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة.

وتراجع «نيكي» 0.2 في المائة إلى 66131.98 نقطة، بعدما كان قد صعد بنحو 1 في المائة خلال الجلسة. وفي المقابل، ارتفع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.15 في المائة إلى 4117.22 نقطة، في مؤشر على أن الأموال لم تخرج من السوق اليابانية بقدر ما أعادت توزيع نفسها بعيداً عن بعض أسهم التكنولوجيا المرتفعة التقييم ونحو أسهم القيمة.

وجاءت البداية إيجابية مدفوعة بنتائج وتوقعات «إنفيديا»، بعدما ارتفع سهم عملاق الرقائق الأميركي بنحو 5 في المائة في التعاملات الممتدة، إثر توقع الشركة قفزة في الإيرادات بنسبة 70 في المائة خلال السنة المالية المقبلة. لكن الزخم لم يستمر؛ فقد تحول سهم «أدفانتيست»، اليابانية المتخصصة في معدات اختبار الرقائق والموردة لـ«إنفيديا»، من الارتفاع إلى خسارة بلغت 3.05 في المائة، ليصبح أكبر عامل ضغط على «نيكي».

وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في «إيواي كوزمو للأوراق المالية»، إن المستثمرين ما زالوا حذرين تجاه أسهم الرقائق بعد ارتفاعاتها الحادة في النصف الأول من العام. لكنه أشار إلى أن صعود «توبكس» يعكس استمرار قوة المعنويات وتحول السيولة نحو أسهم القيمة.

وظهر هذا التحول بوضوح في القطاع المصرفي، إذ ارتفع سهمَي «ميتسوبيشي يو إف جيه المالية» 0.81 في المائة، و«سوميتومو ميتسوي المالية» 0.92 في المائة. كما صعد سهما «فوجيكورا» و«فوروكاوا إلكتريك» المتخصصتين في كابلات الألياف الضوئية 3.68 في المائة و4.71 في المائة على التوالي، بينما قفز سهم شركة رقائق الذاكرة «كيوكسيا» 5 في المائة. ولا تنفصل تحركات الأسهم عن الجدل المتصاعد بشأن مسار السياسة النقدية؛ ففي سوق السندات، تراجعت العوائد عن ذروة الجلسة بعدما خيّب هيمينو توقعات المستثمرين الذين كانوا ينتظرون منه إشارة أكثر وضوحاً إلى رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول).

وأكد هيمينو ضرورة رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب، داعياً إلى إجراء «مداولات معمقة» بشأن ضغوط الأسعار في كل اجتماع للسياسة النقدية. لكن غياب جدول زمني واضح دفع المتعاملين الذين راهنوا على خطاب أكثر تشدداً إلى إغلاق بعض مراكزهم.

واستقرَّ عائد السندات الحكومية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتحركات الفائدة، عند 1.685 في المائة بعدما لامس 1.7 في المائة، بينما بلغ عائد سندات الـ5 سنوات 2.155 في المائة، متراجعاً من 2.165 في المائة خلال الجلسة.

وقال ماساهيتو سوغاوارا، كبير المحللين في «دايوا للأوراق المالية»، إن هيمينو لم يقدم شيئاً يتجاوز ما تعرفه الأسواق بالفعل، ولذلك لم تتغير بصورة جوهرية توقعات رفع الفائدة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر بعدما ارتفعت رهانات التشديد النقدي خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أسهمت الجهود اليابانية - الأميركية لدعم الين في يوليو (تموز) في دفع عائد السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، بينما سجَّل عائد الـ5 سنوات مستوى قياسياً هذا الشهر. لكن «بنك اليابان» يواجه معادلة دقيقة. فمن جهة، تبرر الضغوط التضخمية واستمرار ضعف الين مزيداً من رفع الفائدة. ومن جهة أخرى، فإن تسريع التشديد النقدي يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومة، ويزيد حساسية أسواق السندات، خصوصاً في اقتصاد يحمل واحداً من أضخم أعباء الدين العام عالمياً.

وتراجع الين بعد تصريحات هيمينو إلى نحو 159.395 ين للدولار، بعدما وصل خلال الجلسة إلى 158.885 ين، بما يعكس خيبة أمل المتعاملين الذين كانوا يراهنون على رسالة أكثر تشدداً من البنك المركزي.

ومن منظور الأسهم، قد تستفيد المصارف من ارتفاع الفائدة وهوامش الإقراض، بينما تواجه شركات النمو والتكنولوجيا ضغوطاً أكبر نتيجة ارتفاع معدلات الخصم وتقييماتها المرتفعة. وهذا يفسر جزئياً التباين بين تراجع «نيكي»، الأكثر تأثراً بأسهم التكنولوجيا الثقيلة، وصعود «توبكس» الأوسع.

وتنتقل الأنظار الآن إلى محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا، المنتظر حضوره اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين، الأسبوع المقبل، في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية الأميركية. وستبحث الأسواق في تصريحاته عن إجابة للسؤال الذي تركه هيمينو مفتوحاً، وهل أصبح سبتمبر موعداً شبه محسوم لزيادة الفائدة، أم أن «بنك اليابان» يريد الاحتفاظ بمرونة أكبر؟ وحتى تتضح الإجابة، من المرجح أن تبقى الأسواق اليابانية موزعة بين اتجاهين، حيث مستثمرون يعيدون تقييم أسهم التكنولوجيا بعد ارتفاعاتها الكبيرة، وآخرون يعيدون بناء محافظهم استعداداً لاقتصاد ياباني تدخل فيه أسعار الفائدة المرتفعة مجدداً عاملاً رئيسياً في تسعير الأسهم والسندات والين.


الأسواق الخليجية ترتفع بدعم آمال استئناف الدبلوماسية بين واشنطن وطهران

مستثمر يتابع الأسهم في سوق دبي (رويترز)
مستثمر يتابع الأسهم في سوق دبي (رويترز)
TT

الأسواق الخليجية ترتفع بدعم آمال استئناف الدبلوماسية بين واشنطن وطهران

مستثمر يتابع الأسهم في سوق دبي (رويترز)
مستثمر يتابع الأسهم في سوق دبي (رويترز)

ارتفعت أسواق الأسهم الخليجية في مستهل تداولات الخميس، مدعومة بآمال استئناف الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تبادل الاتهامات بين الجانبين خلال الأيام الماضية.

ويزور رئيس الوزراء القطري طهران، اليوم، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، في وقت تواصل فيه واشنطن التلويح بتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران عبر استهداف شركائها التجاريين بالعقوبات.

كما أفادت مصادر إيرانية بأن طهران وسلطنة عُمان تضعان اللمسات الأخيرة على اتفاق يتعلق بإدارة مضيق هرمز، بينما قالت «قوات الحرس الثوري» الإيراني إن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن آلية إدارة الممر المائي الاستراتيجي.

في السعودية، ارتفع مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» بنسبة 0.1 في المائة، مع تداول معظم الأسهم في المنطقة الخضراء؛ حيث صعد سهم «التصنيع» بنسبة 3.6 في المائة، وارتفع سهم «أرامكو السعودية» بنسبة 0.5 في المائة.

كما عرضت «أرامكو السعودية» كميات إضافية من النفط الخام للتحميل في سبتمبر (أيلول) من مواقع خارج مضيق هرمز، بعد بيع ما لا يقل عن 4 ملايين برميل إلى الصين خلال الشهر الحالي.

وارتفع مؤشر دبي الرئيسي بنسبة 0.4 في المائة، بدعم من صعود معظم الأسهم؛ حيث ارتفع سهم «طاقة الإمارات» بنسبة 2.9 في المائة، وسهم «إمباور» بنسبة 1.3 في المائة.

كما صعد مؤشر أبوظبي بنسبة 0.3 في المائة، مدعوماً بارتفاع سهم «ألفا ظبي القابضة» بنسبة 1.3 في المائة، وسهم «بنك أبوظبي الأول» بنسبة 1.2 في المائة.

وفي قطر، ارتفع المؤشر بنسبة 0.5 في المائة، بقيادة أسهم الاتصالات والطاقة؛ حيث صعد سهم «أوريدو» بنسبة 1.9 في المائة، وسهم «ناقلات» بنسبة 1 في المائة.

وأطلقت «قطر للطاقة» مناقصة فورية لبيع شحنات من النافثا من ميناء رأس لفان الواقع داخل مضيق هرمز، وفق وثيقة اطلعت عليها «رويترز».


فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الأقلية لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم، في وقت تتزايد فيه ضغوط المستثمرين للسيطرة على العجز والدين العام، بينما تقترب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.

وتأتي المعركة المالية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعاني فرنسا بالفعل أحد أعلى مستويات العجز في منطقة اليورو، بينما قد تجعل الحسابات الانتخابية خفض الإنفاق والإصلاحات المالية أكثر صعوبة. ويزيد من المخاطر أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تضع السياسة المالية تحت ضغط أكبر، في ظل صعود مرشحين من أقصى اليمين واليسار، بينما تطرح القوى السياسية برامج قد تزيد الضغوط على المالية العامة.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو يستعرض حرس الشرف خلال مراسم استقباله لدى وصوله إلى مامودزو في جزيرة مايوت الفرنسية (أ.ف.ب)

وتستعد الحكومة لتحديد هدف عجز الموازنة لعام 2027 خلال الأسابيع المقبلة، على أن تقدم مشروع قانون الموازنة إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) بحلول 6 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة يُتوقع أن تطلق أسابيع من التجاذبات السياسية والقلق في أسواق السندات.

وكانت الحكومة قد تعهَّدت بإجراءات كبيرة لخفض الإنفاق عندما يصل مشروع الموازنة إلى النواب في أكتوبر، بينما طرح وزير المالية رولان ليسكوير تجميد جزء من إنفاق المعاشات التقاعدية العام المقبل بهدف تحقيق وفورات، لكن تفاصيل الخطة لا تزال محدودة.

وتواجه باريس في الوقت نفسه صعوبة في تحقيق هدف خفض العجز هذا العام إلى 5.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ5.1 في المائة العام الماضي، في ظل ضعف النمو والإنفاق الطارئ المرتبط بموجات الحر، بينما تزيد أزمة الطاقة الضغوط على المالية العامة.

الأسواق تراقب فرنسا من كثب

لم تعد معركة الموازنة شأناً سياسياً داخلياً فقط، إذ بدأ المستثمرون خلال الصيف إعادة تسعير الديون الفرنسية تحسباً لمزيد من التقلبات قبل الانتخابات. وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية، التي تحمل تصنيفاً ائتمانياً ممتازاً، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى نحو 88 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2024.

وقال كيفن توزيت، من شركة إدارة الأصول الفرنسية «كارميغناك»، إن الفارق قد يصل إلى 100 نقطة أساس، مع وجود مجال لمزيد من الاتساع بعد ذلك.

وساعدت الشكوك بشأن التزام السياسيين الفرنسيين بخفض العجز على دفع عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات تتجاوز نظيرتها الإيطالية، رغم ارتفاع عبء الدين في إيطاليا.

وتواجه فرنسا أيضاً استحقاقات ائتمانية مهمة، إذ تستعد وكالات التصنيف لتحديث تقييماتها للبلاد خلال الأسابيع المقبلة، بدءاً من «فيتش» يوم الجمعة، بعدما خفضت تصنيف فرنسا قبل عام إلى مستوى «إيه +»، وهو الأدنى في تاريخ التصنيف السيادي للبلاد لدى الوكالة.

ولا تقتصر الضغوط على خفض العجز الحالي، إذ ستحتاج الحكومة إلى الاقتراض بمبالغ أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة لإعادة تمويل مئات المليارات من اليوروهات من السندات التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.

وتزداد حساسية الأسواق الفرنسية أيضاً أمام التطورات العالمية، بعدما وصلت تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة واليابان أخيراً إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع أعباء الديون. وعادةً ما تنتقل التحركات الحادة في سندات الخزانة الأميركية إلى أسواق السندات الرئيسية الأخرى.

وزير الاقتصاد والمالية والصناعة والطاقة والسيادة الرقمية الفرنسي رولان ليسكيور (إ.ب.أ)

الانتخابات تزيد صعوبة خفض العجز

تتداخل معركة موازنة 2027 بصورة مباشرة مع الانتخابات الرئاسية المقررة في جولتين يومي 18 أبريل و2 مايو، مما يقلل هامش المناورة أمام الحكومة ويزيد احتمالات تأجيل القرارات المالية الصعبة.

وأظهر استطلاع أجرته «هاريس تولونا» أن خمسة سيناريوهات انتخابية من أصل أربعة، بحسب التقديرات الواردة في الاستطلاع، قد تقود إلى جولة إعادة بين زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بينما أظهر الاستطلاع تقدم لوبان أمام جميع منافسيها، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت متأخرة قائماً كما جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ويمثل كل من ميلانشون ولوبان تحولاً كبيراً في السياسة الاقتصادية. فقد دعا ميلانشون إلى إلغاء الدين الذي يحمله البنك المركزي، بينما تؤيد لوبان خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض الفئات.

وقال ديفيد زان، رئيس الدخل الثابت الأوروبي لدى «فرانكلين تمبلتون»، إن المشهد لا يزال شديد الضبابية، لكن المرشحين يميلون عموماً إلى سياسات مالية أكثر مرونة، بدلاً من تبني برامج تركز على إصلاح العجز وخفض الدين.

هل تعود المادة 49.3؟

ومن المتوقع أن تصبح المادة 49.3 من الدستور الفرنسي إحدى الأدوات الرئيسية في معركة الموازنة، وهي آلية تتيح لرئيس الوزراء تمرير مشروع قانون في الجمعية الوطنية من دون طرحه للتصويت، بعد أن يربط الحكومة بمسؤوليتها السياسية عن النص.

ومنذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت جمعية وطنية بلا أغلبية واضحة، اعتمدت حكومات الأقلية المتعاقبة على هذه المادة لتمرير قوانين الموازنة من دون تصويت برلماني.

لكن استخدام المادة يفتح الباب أمام المعارضة لتقديم مذكرة حجب ثقة، مما يجبر الحكومة على تقديم تنازلات، عادةً إلى الاشتراكيين أو الوسطيين أو المحافظين، لضمان بقائها.

وقد تكون مساحة التسوية أضيق هذه المرة، مع استعداد الأحزاب للانتخابات الرئاسية ومحاولتها ترسيخ مواقعها السياسية قبل بدء الحملة الانتخابية رسمياً.

وسبق أن أدَّت الموازنة إلى إسقاط رئيسي وزراء منذ انتخابات 2024، مما يعكس حجم المخاطر السياسية المحيطة بالملف المالي.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره اجتماعاً عاماً لفريق العمل المعني بمكافحة الهجرة غير الشرعية (أ.ف.ب)

ماذا لو لم تمر الموازنة؟

إذا فشل البرلمان في إقرار موازنة 2027 بحلول نهاية العام ولم تلجأ الحكومة إلى المادة 49.3، يمكنها تمرير قانون طوارئ قصير الأجل يمدد العمل بموازنة 2026 إلى حين إقرار موازنة كاملة بعد الانتخابات.

لكن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة من الشلل المالي غير المسبوقة، وفق تحذير سابق لوزارة المالية الفرنسية، مع تجميد الاستثمارات والزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، في وقت تستمر فيه تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية في الارتفاع.

وقد يؤدي تمديد الموازنة إلى زيادة العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ما سيضعف ثقة المستثمرين ويدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع.

كما أن الانتخابات قد تؤدي إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، ما يعني أن إقرار موازنة كاملة لعام 2027 قد يتأخر إلى النصف الثاني من العام، بالتزامن مع بدء العمل على موازنة 2028.

الموازنة بمرسوم؟

وإذا تمكنت الحكومة من البقاء حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) من دون إقرار قانون للموازنة، فقد تحاول تمريرها بمرسوم، متجاوزةً البرلمان في أهم تشريع مالي سنوي. ولم يُستخدم هذا الخيار مطلقاً في ظل الجمهورية الخامسة، بينما يرى خبراء قانونيون أنه سيكون خياراً بالغ الخطورة وقد يؤدي إلى تصويت جديد بحجب الثقة عن الحكومة.

وعلى خلاف المسار المنصوص عليه في المادة 49.3، فإن سقوط الحكومة بعد إقرار موازنة بمرسوم لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الموازنة.

لكن قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات ستكون محدودة، ما قد يترك حكومة لوكورنو لتصريف الأعمال. وفي هذه الحالة، قد تصبح موازنة المرسوم حلاً مؤقتاً إلى حين تشكيل حكومة جديدة تتمكن في أواخر 2027 من الحصول على دعم برلماني لخطتها المالية.

الدين يفرض حساباته

حتى في حال نجاح الحكومة الحالية في خفض العجز، ستظل فرنسا أمام تحدٍ طويل الأجل يتمثل في إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون التي أُصدرت خلال سنوات الفائدة شديدة الانخفاض.

ويرى مستثمرون أن قدرة الرئيس الحالي أو المقبل على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لخفض العجز لا تزال موضع شك، بينما تزيد الانتخابات من صعوبة اتخاذ إجراءات قد تكون مكلفة سياسياً.

وبذلك، تتحول موازنة 2027 إلى اختبار مزدوج لفرنسا: اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج توافق مالي في ظل برلمان منقسم، واختبار لثقة الأسواق في قدرة باريس على السيطرة على العجز والدين قبل أن تصبح تكاليف الاقتراض عبئاً أكبر على المالية العامة.