«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
TT

«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الشلل التام الذي جمّد حركة التجارة في أحد أخطر الممرات المائية حول العالم، عاد الأمل مجدداً للاقتصاد العالمي عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توصُّل واشنطن وطهران إلى اتفاق سلام أولي يقضي بإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً.

وجاءت كلمات ترمب الحماسية عبر منصته الرقمية: «يا سفن العالم، شغّلي محركاتك... ودعي النفط يتدفق!»، بمثابة ضوء أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع الصراع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

ومع تحديد يوم الجمعة المقبل موعداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم في سويسرا، بدأت الأسواق العالمية في تسعير الانفراجة الجيوسياسية فوراً؛ حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستوى 84 دولاراً للبرميل، مسجلة أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للحرب في مارس (آذار)، بينما قفزت مؤشرات الأسهم الآسيوية في طوكيو وسيول بنحو 5 في المائة، واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع تحليق «البتكوين» فوق مستوى 65600 دولار.

آسيا... الرابح الأكبر

تُمثل إعادة فتح المضيق طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا، وهي المنطقة التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية نظراً لاعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية؛ إذ تتجه عادة أكثر من 80 في المائة من كميات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية. وخلال أشهر الحرب، هوت العملات الآسيوية وتفاقم التضخم، وضغطت أزمة النقص الحاد في المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية للدول النامية مثل باكستان وفيتنام والفلبين، التي اضطرت الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة.

وحتى القوى الصناعية الكبرى ذات الاحتياطيات العميقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها الوطنية جراء فواتير الاستيراد المتضخمة. ومن هنا، سارع القادة في المنطقة إلى الترحيب بالاتفاق؛ حيث وصفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي الاتفاق بأنه «خطوة كبرى نحو الحل»، معربة عن أملها في ضمان ملاحة حرة وآمنة فعلياً في المضيق، وهو ما أيَّده رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، معتبراً استعادة هذا الممر الحيوي أمراً أساسياً لتخفيف الضغوط عن كاهل الاقتصادات الإقليمية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الأثر يمتد لنهاية العام

رغم التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق، يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر؛ مؤكدين أن عودة التدفقات التجاريّة إلى طبيعتها ستستغرق أسابيع أو ربما أشهراً. ويرى جوشوا نغو، نائب رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في استشارية الطاقة «وود ماكنزي»، أن النبأ السار يتمثل في عودة تدفق النفط والغاز فور فتح المضيق، لكن النبأ السيئ هو أن كل يوم قضاه المضيق مغلقاً ضاعف من حجم الأضرار الهيكلية وأدَّى إلى تفشي الاضطرابات عميقاً في قطاع اللوجستيات.

وتبرز أزمة الغاز الطبيعي المسال كإحدى أكثر القضايا تعقيداً؛ فأسعار الغاز في آسيا ترتبط عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر. وهذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت 100 دولار في مارس الماضي لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي ستبقى أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء مرتفعة ومؤرقة للمستهلكين حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير.

الأسمدة والبتروكيميائيات

لا تتوقف أهمية مضيق هرمز عند حدود براميل النفط، بل تمتد إلى سلع استراتيجية تدير عصب الحياة اليومية. وتعد دول الخليج مصدراً لأكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد «اليوريا»، وهو المكون الأساسي للأسمدة النيتروجينية. وقد تسبب إغلاق المضيق في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا الممتد من مايو (أيار) إلى يوليو (تموز). وحذر ألبرت بارك، كبير اقتصاديي بنك التنمية الآسيوي، من أن هذا الخلل سيهدد الأمن الغذائي العالمي، ولن تظهر الآثار الحادة لانخفاض إنتاجية المحاصيل إلا في وقت لاحق من هذا العام.

وعلى الجانب الصناعي، واجهت المصانع في اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في «النافتا» - وهي مشتق نفطي حيوي يُستخدم في صناعة البلاستيك وتغليف المواد الغذائية - إلى جانب شح إمدادات الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات. وشبّه هاروهيكو ساكاينو، مستشار وكالة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية، في تصريح لـ«بلومبرغ» تضرر سلاسل الإمداد بـ«الشعيرات الدموية التي تم تدميرها وتتطلب وقتاً طويلاً للشفاء»، مؤكداً أن الأمر لن يكون ببساطة استئناف الاستيراد، بل سيتطلب عاماً كاملاً لتستعيد الشركات الصغيرة قدراتها الإنتاجية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الهند: انتعاش مرتقب وفاتورة أقل

بالنسبة للهند - التي تصنف كواحدة من أكبر مستوردي الخام في العالم - يمثل الاتفاق انفراجة مالية ضخمة؛ إذ سيسهم العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الموردين الرئيسيين في خفض تكاليف الشحن الفلكية وأقساط تأمين المخاطر التي فرضتها شركات الملاحة الدولية. وكان من أبرز ملامح هذا التراجع المباشر، عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال «ديشا» المحملة بشحنة قطرية للمضيق متجهة شرقاً نحو محطة داهيج الهندية بعد أن ظلت محتجزة غرب المضيق منذ مطلع مارس.

وينعكس كل تراجع مستدام في أسعار النفط إيجابياً على موازنة الهند؛ حيث يسهم في تقليص فاتورة الواردات الضخمة، ودعم استقرار الروبية، وتضييق عجز الحساب الحالي، فضلاً عن كبح جماح التضخم المحلي. وستمتد هذه المنافع لتنعش قطاعات الطيران، والبتروكيماويات، والأسمدة، واللوجستيات التي عانت شركاتها وتكبدت خسائر فصلية فادحة تعادل أرباح عام كامل بسبب تكاليف الوقود المرتفعة.

مخاوف ومستقبل غامض

يبقى التفاؤل الحالي مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً مع وجود تفاصيل شائكة لم تُعلن بعد حول من سيتولى إدارة الملاحة في المضيق. فقد أشارت وكالة الأنباء الإيرانية «فارس» إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان، وهي خطوة قد تثير حفيظة واشنطن التي يعتبر رئيسها حرية الملاحة حجر الزاوية للاتفاق. يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الحالي يطلق مهلة 60 يوماً فقط للتفاوض بشأن مستقبل برنامج إيران النووي، مما يضفي صبغة «مؤقتة» على المشهد.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية، حتى وإن انتهت بفتح المضيق، قد سرّعت بشكل غير قابل للتراجع من استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة، لكي لا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لـ«ممر الثلاثين كيلومتراً».


مقالات ذات صلة

لاغارد ترحب بالاتفاق: خطوة إيجابية لمضيق هرمز والاقتصاد العالمي

الاقتصاد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد (د.ب.أ)

لاغارد ترحب بالاتفاق: خطوة إيجابية لمضيق هرمز والاقتصاد العالمي

رحبت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، يوم الإثنين، بالأنباء الواردة بشأن اتفاق السلام الأولي بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)

البتكوين تستعيد بريقها فوق 65 ألف دولار بعد اتفاق مضيق هرمز

صعدت عملة البتكوين إلى أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأعمال العدائية.

الاقتصاد ورقة نقدية من فئة المئة دولار (رويترز)

الدولار يسجل أدنى مستوى في 10 أيام بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

لامس الدولار الأميركي أدنى مستوى له في 10 أيام مقابل العملات الرئيسية يوم الإثنين.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام معروضة في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يعزز مكاسبه ويرتفع بأكثر من 2 % بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 2 في المائة يوم الإثنين، بعد أن أعلن مسؤولون أميركيون وإيرانيون التوصل إلى اتفاق أولي لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

مع بدء تداول أسهم شركة «سبايس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك، لم يعد الحديث عن دور الأموال الخليجية مجرد تكهنات أو تسريبات صحافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ارتفاع العقود الآجلة الأميركية مع انحسار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع العقود الآجلة الأميركية مع انحسار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية يوم الاثنين، بعدما توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة ساهمت في هبوط أسعار النفط، وخففت من المخاوف المتعلقة بالتضخم، ما عزز التوقعات باتباع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نهجاً أقل تشدداً.

ومع ذلك، لا يزال إطار الاتفاق لا يتناول قضايا جوهرية، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والصراع الإسرائيلي اللبناني، بينما يُتوقع توقيع الاتفاق رسمياً في سويسرا يوم الجمعة، وفق «رويترز».

وتراجعت أسعار النفط الخام بأكثر من 5 في المائة عقب الإعلان عن الاتفاق، لتسجل أدنى مستوياتها منذ مارس (آذار)، الأمر الذي دعم أسهم الشركات الحساسة لتكاليف الوقود، مثل شركات الطيران والرحلات البحرية، في حين ضغط على أسهم شركات الطاقة.

وارتفعت أسهم «يونايتد إيرلاينز» بنسبة 5 في المائة، بينما صعدت أسهم «دلتا إيرلاينز» و«أميركان إيرلاينز» بنحو 4 في المائة لكل منهما في تعاملات ما قبل الافتتاح. كما ارتفعت أسهم «نورويجيان كروز» و«كارنيفال كورب» بنسبة 4.1 في المائة لكل منهما.

في المقابل، تراجعت أسهم عملاقي النفط «إكسون موبيل» و«شيفرون» بنسبة 2.5 في المائة لكل منهما.

وقالت لالي أكونر، محللة الأسواق العالمية لدى «إيتورو»: «يبقى العامل الحاسم هو مدى استدامة التحسن في الأوضاع. فأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يؤدي سريعاً إلى محو جزء من المكاسب الأخيرة، لا سيما في أسواق الطاقة».

وتراجع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات VIX)) المعروف بمؤشر الخوف في «وول ستريت»، إلى 16.77 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من أسبوع، بعدما كان قد سجل أعلى مستوياته في أكثر من شهرين خلال الأسبوع الماضي.

وأظهرت بيانات مايو (أيار) أن ارتفاع تكاليف الطاقة بدأ ينعكس على تضخم أسعار المستهلكين، ما زاد من أهمية اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» المرتقب هذا الأسبوع، والذي سيكون الأول برئاسة كيفين وارش منذ توليه المنصب.

وقد يسهم استئناف تدفقات النفط من الشرق الأوسط في تخفيف الضغوط على أسعار الخام، ما يوفر متنفساً لصناع السياسة النقدية في مواجهة التضخم.

ويتوقع المتعاملون على نطاق واسع أن يُبقي «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير هذا الأسبوع، بينما خفضوا رهاناتهم على رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

وبحلول الساعة 6:37 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 427 نقطة أو 0.83 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 90.75 نقطة أو 1.22 في المائة، بينما قفزت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 586.25 نقطة أو 1.98 في المائة.

كما ارتفعت أسهم شركة «سبايس إكس» بنسبة 5.8 في المائة بعد نجاح الطرح العام الأولي للشركة بقيادة إيلون ماسك، والذي رفع قيمتها السوقية إلى أكثر من تريليوني دولار.

وساهم الإدراج السلس لسهم «سبايس إكس» في تعزيز ثقة المستثمرين بسوق الاكتتابات العامة، ما اعتُبر مؤشراً إيجابياً للشركات التي تستعد للإدراج خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك».

وكانت المؤشرات الأميركية الرئيسية قد أنهت الأسبوع الماضي على مكاسب، رغم الضغوط التي تعرضت لها أسهم الذكاء الاصطناعي. وأشار محللون إلى أن حساسية قطاع التكنولوجيا لأسعار الفائدة، إلى جانب إعادة تموضع المستثمرين قبيل إدراج «سبايس إكس»، كانتا من أبرز أسباب موجة البيع السابقة.

وفي قطاع الرقائق الإلكترونية، ارتفع سهم «مايكرون» بنسبة 7.4 في المائة بعد أن رفعت مؤسسات مالية عدة أسعارها المستهدفة للسهم، بينما صعد سهم «إنفيديا» بنسبة 2 في المائة، و«إنتل» بنسبة 2.7 في المائة، و«مارفيل تكنولوجي» بنسبة 4.6 في المائة.

ومن بين الأسهم البارزة الأخرى، ارتفع سهم «باراماونت سكاي دانس» بنسبة 3.8 في المائة بعد موافقة وزارة العدل الأميركية على استحواذ الشركة على «وارنر براذرز».


44 % ارتفاعاً في تحويلات المصريين بالخارج خلال أبريل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

44 % ارتفاعاً في تحويلات المصريين بالخارج خلال أبريل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن البنك المركزي المصري، يوم الاثنين، أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج، واصلت وتيرتها المتصاعدة، فقد ارتفعت التحويلات خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، بمعدل 44 في المائة لتسجل نحو 4.3 مليار دولار مقابل 3 مليارات دولار خلال نفس الشهر من العام الماضي.

وأضاف البنك في بيان صحافي: «واصلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج وتيرتها المتصاعدة حيث ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى أبريل 2026 بمعدل 33.2 في المائة لتسجل تدفقات قياسية بلغت نحو 39.2 مليار دولار مقابل نحو 29.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي».


أبعد من براميل النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
TT

أبعد من براميل النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

لا تمثل الانفراجة الأخيرة في أزمة مضيق هرمز مجرد حدث عابر لضمان تدفق شحنات الطاقة، بل تُعد تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً اقتصادية واستثمارية عميقة ومباشرة على المنظومة المالية لدول مجلس التعاون الخليجي. ونظراً لأن هذا الممر الحيوي يمثل الشريان الرئيس لتجارة الطاقة العالمية، ويمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز الخليجية إلى الأسواق الدولية، فإن عودة الملاحة إلى طبيعتها تفتح آفاقاً جديدة للاستقرار الإقليمي الكلي.

وكانت الولايات المتحدة وإيران أعلنتا عن اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، بعد أشهر من العنف الدامي، والاضطراب الاقتصادي العالمي. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مضيق هرمز الذي يُعدّ ممرّاً أساسياً لإمدادات النفط العالمية، وكانت إيران قد فرضت عليه قيوداً منذ بداية الحرب، سيُعاد فتحه. أضاف: «الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن. سفن العالم، شغِّلوا محركاتكم. دعوا النفط يتدفق».

ومع تفاعل الأسواق العالمية فوراً مع نبأ الاتفاق المبدئي -حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستوى 84 دولاراً للبرميل تزامناً مع ترقب توقيع المعاهدة الرسمية يوم الجمعة المقبل في سويسرا- فتحت عودة الملاحة إلى طبيعتها آفاقاً جديدة للاستقرار الإقليمي الكلي.

وفي هذا الصدد، أكد المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن انفراج الأزمة عبر هذا الاتفاق يتجاوز فكرة تجنب اضطراب إمدادات الخام ليصبح داعماً هيكلياً للاستقرار المالي، مشيراً إلى أن مكاسب الثقة المستدامة في المرحلة الحالية تفوق بكثير الطفرات السعرية المؤقتة للنفط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.

وكان البنك الدولي أشار الأسبوع الماضي إلى أن العودة التدريجية المتوقعة لتدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز ستسهم في تنفيس الاختناقات المالية لدول المجلس، مبيناً أن استعادة نمو الصادرات النفطية ستقود تعافي الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة تدريجياً ليرتفع إلى 4.2 في المائة في عام 2027.

شخص يجلس في المياه الضحلة بينما ترسو سفن الشحن والسفن التجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)

سد الفجوات المالية

وتكشف التحليلات الفنية لأسواق الطاقة أن عودة الملاحة التدريجية في المضيق ستتيح للمنتجين الخليجيين استعادة وتيرة التصدير الطبيعية، وضخ الإمدادات اللازمة لسد الفجوات المالية، والميزانيات المقدرة بمليارات الدولارات، والتي تأثرت بفعل الحصار البحري.

ويأتي هذا الانفراج تزامناً مع طلب مكبوت وضخم من كبار مستوردي الطاقة في آسيا؛ إذ قيّدت الحكومات والمصافي الآسيوية استهلاكها بحدة طوال فترة الصراع، وقامت بالسحب من مخزوناتها، وهي الآن تبدي جاهزية عالية لإعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية، مما يضمن تدفقاً مستداماً للطلب على المديين المتوسط، والطويل.

ورغم هذه الآفاق الإيجابية، يتوقع خبراء الطاقة -وفق تقرير لافت لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية- مرور عدة أشهر قبل أن تتمكن شركات الطاقة من العودة إلى العمل بالطاقة اللازمة لتلبية الطلب العالمي؛ موضحين أن بطء عمليات شحن وتكرير النفط، والشكوك المتبقية حول أمن المرور عبر المضيق، يعنيان أن التأثير الإيجابي الكامل للاتفاق لن يظهر على الفور في الأسواق.

وفي سياق إدارة الأزمة، برزت المرونة الهيكلية واللوجستية العالية للسعودية، والتي نجحت خلال فترة النزاع في الاستفادة من بنيتها التحتية المتقدمة عبر تحويل وتمرير أكثر من 60 في المائة من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر من خلال خط أنابيب «شرق-غرب»، مما مكّنها من الحفاظ على تدفقات الإمداد، واقتناص فرص الأسواق، والتخفيف من حدة الصدمة التصديرية، وهو ما يثبت كفاءة وقدرة البنية التحتية اللوجستية البديلة للرياض حتى في أحلك الظروف الجيوسياسية.

انحسار «علاوة المخاطر»

وأوضح العطاس في تحليله لـ«الشرق الأوسط» أن الميزة الفورية لانفراج الأزمة تتمثل في تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية؛ فخلال فترات النزاع، وترقب الإغلاق، ترتفع هذه العلاوة تلقائياً على الأصول، والأسواق الخليجية، مما يفرز ضغوطاً متتالية على الأسواق المالية، ويرفع تكاليف التشغيل. ومع انفراج الأزمة، تنخفض هذه العلاوة بشكل حاد، الأمر الذي يسهم مباشرة في تعزيز ثقة المستثمرين الإقليميين، والدوليين، ويشجع على عودة قوية للتدفقات الاستثمارية الساخنة وطويلة الأجل إلى أسواق المنطقة.

ويرتبط هذا الانخفاض الفني مباشرة بانتعاش قطاع اللوجستيات البحري، وهبوط تكاليف النقل، والتأمين؛ إذ إن التوترات المستمرة في المضيق قفزت بأسعار الشحن البحري وأقساط التأمين ضد مخاطر الحروب إلى مستويات قياسية، مما ألقى بظلاله على حركة التجارة، وسلاسل الإمداد الخليجية، والعالمية. ومع عودة الهدوء والاستقرار ستشهد الأسواق انخفاضاً ملموساً في هذه التكاليف، ما يرفع من كفاءة حركة التجارة البينية، والمسارات الدولية للمنطقة.

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

قوة دفع للأسواق المالية

وعلى صعيد الأسواق المالية الخليجية (الأسهم، والسندات)، توقع العطاس أن تتفاعل المؤشرات إيجابياً مع تراجع حدة المخاطر الجيوسياسية، حيث يزداد إقبال المستثمرين على تجميع الأسهم القيادية، وتحديداً في قطاعات البنوك، والبتروكيميائيات، والنقل، والخدمات اللوجستية التي تعد محركات رئيسة للبورصات الإقليمية. ولن يقتصر الأثر على أسواق الأسهم؛ بل يمتد ليشمل سوق الدخل الثابت؛ إذ ستستفيد السندات والصكوك الخليجية من انخفاض منحنى العائد، وعلاوات المخاطر، مما يرفع من شهية الصناديق العالمية تجاه أدوات الدين السيادية، والشركاتية في المنطقة.

هذا الوضوح في المشهد يصب مباشرة في تعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فرأس المال العالمي يبحث دائماً وبشكل حثيث عن البيئات المستقرة، والآمنة. وعندما تتراجع المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة الدولية، وممرات الطاقة، تصبح دول الخليج وجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية، لا سيما في ظل الفرص الاستثمارية الفندقية والصناعية والتقنية الضخمة المرتبطة برؤى التنمية الوطنية، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

وفيما يتعلق بأسواق النفط، أشار المستشار المالي والاقتصادي لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم احتمالية تراجع أسعار النفط جزئياً مع اختفاء الرهانات على نقص الإمدادات، ومخاوف انقطاعها، فإنّ هذا الاستقرار السعري يعتبر إيجابياً، ومكسباً حقيقياً على المديين المتوسط، والطويل؛ فالدول الخليجية لا تبحث عن طفرات سعرية مؤقتة، بل تستفيد بشكل أعمق من استدامة الطلب العالمي، وضمان وصول صادراتها بانتظام وأمان إلى عملائها التقليديين والجدد دون تعطل.

وينعكس هذا الاستقرار إيجاباً على بيئة الأعمال المحلية، من خلال تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية العملاقة؛ حيث تدفع فترات الاضطراب والترقب بعض الشركات والتكتلات الاستثمارية الكبرى إلى تأجيل قرارات التوسع، أو إبطاء وتيرة الإنفاق الرأسمالي، وضخ السيولة. أما الآن، ومع انحسار المخاطر، فإن الرؤية تتدفق بوضوح أمام متخذي القرار في القطاع الخاص لتفعيل خطط التخطيط الاستراتيجي، والتوسع الاستثماري، والتوظيف، بما يخدم الأهداف التنموية المستدامة للمنطقة.