محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

المخرج المصري قال لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه خاض رهانات ناجحة بالمهرجانات

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
TT

محمد طاهر: «مشاكل داخلية» يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني

يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)
يعد أول فيلم مصري قصير ينافس في المهرجان الأميركي (الشركة المنتجة)

قال المخرج المصري محمد طاهر إن فكرة فيلمه القصير «مشاكل داخلية 32B» ولدت في الأساس من ملاحظة اجتماعية دقيقة وعميقة، أكثر من كونها منطلقة من واقعة محددة بذاتها أو تجربة شخصية عابرة، موضحاً أن الكاتب والسيناريست هيثم دبور هو مَن صاغ هذه الفكرة، وكتب الفيلم ثم أرسل إليه النص.

وأضاف محمد طاهر لـ«الشرق الأوسط» أنه أحب السيناريو بشدة من القراءة الأولى، نظراً لاهتمامه في تلك الفترة بتقديم فيلم سينمائي يتمحور حول موقف يومي عابر وبسيط في ظاهره، لكنه يستطيع في الوقت ذاته أن يكشف عن طبقات عميقة وخافية في العلاقات الإنسانية المركبة.

ويعد «مشاكل داخلية 32B» أول فيلم مصري قصير يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان «تريبيكا» السينمائي الدولي بنيويورك، بعد رحلة حافلة بالنجاحات؛ بدأها في النسخة الماضية من مهرجان «قرطاج» السينمائي بتونس بالتتويج بالجائزة الكبرى «التانيت الذهبي».

ويُقدم الفيلم، الذي يجمع بين محمد ممدوح وهنا شيحة، قصة إنسانية مكثفة تدور حول أب منفصل عن زوجته، يحاول جاهداً الحفاظ على علاقة قريبة ودافئة مع ابنته المراهقة، لكنه يجد نفسه فجأة محاصراً وسط مواقف تربوية حرجة ومتقلبة، تصنع خطاً درامياً رفيعاً يمزج بين الكوميديا السوداء والتوتر الإنساني الدافئ، مستنداً إلى بطولة متميزة للفنان محمد ممدوح.

طاهر بعد فوزه في «قرطاج» (إدارة المهرجان)

وأكد محمد طاهر أنه يفضل دائماً القصص التي عندما يشاهدها الجمهور يرى نفسه فيها بشكل مباشر، أو تجعل المشاهد يتذكر شخصاً يعرفه في حياته الواقعية مر بالتجربة ذاتها، لافتاً إلى أن هذه الأعمال تنطلق دائماً من تفاصيل صغيرة جداً، وتكاد تكون غير ملحوظة، إلا أنها تحمل طبقات إنسانية غنية، وتُسهم من خلال مواقف يومية عادية للغاية في تعرية شخصياتنا، وتوضيح حدودنا النفسية، ومواجهة مخاوفنا الدفينة.

وأشار إلى أن الفيلم يتناول مرحلة المراهقة من زاوية الأب أكثر من الابنة، وهي زاوية نادراً ما تحظى بالاهتمام الكافي في الأعمال الدرامية، فالأب في الفيلم ليس مجرد شخصية مسؤولة عن اتخاذ القرارات، بل إنسان يعيش حالة من الحيرة والارتباك، ويحاول أن يفهم ما يحدث حوله، فهو يعتقد في البداية أنه يؤدي دوره على أكمل وجه، لكنه يكتشف تدريجياً أن هناك فجوة حقيقية بينه وبين الابنة، وأن الحب وحده لا يكفي دائماً لضمان التواصل.

ويرى طاهر أن هذه الفجوة ترتبط أحياناً بما وصفه بـ«الكلام غير المَقول» داخل الأسرة، «مع تأجيل الكثير من الأسئلة والمشاعر على أمل أن تُحل من تلقاء نفسها، غير أن ما يبدو صمتاً مؤقتاً قد يتحول مع الوقت إلى مسافة حقيقية بين الآباء والأبناء. ومن هنا جاءت رغبته في استكشاف حالة الأب الداخلية، ليس بوصفها أزمة فردية، بل تجربة يمكن أن يجد كثيرون أنفسهم فيها».

وأكد طاهر أن الفيلم يحمل بعض الملامح المرتبطة بالسياق الثقافي العربي، لكنه فوجئ خلال عروضه الدولية بأن الجمهور في بلدان مختلفة تفاعل مع الحكاية بالقدر نفسه تقريباً، مشيراً إلى أن ردود الفعل التي تلقاها في نيويورك كانت من أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة له، إذ لاحظ أن الجمهور يضحك في المشاهد نفسها التي يضحك فيها الجمهور العربي، ويتفاعل مع المواقف ذاتها بالطريقة نفسها، في تجربة أكدت له أن المشاعر التي يناقشها الفيلم تتجاوز حدود المكان والثقافة.

محمد ممدوح في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وعن المزج بين الكوميديا والبُعد الإنساني، أوضح أن «التحدي الأكبر كان الحفاظ على حساسية الموضوع من دون الوقوع في الميلودراما أو السخرية»، مشيراً إلى أن «الكوميديا في الفيلم لا تأتي من الاستهزاء بالشخصيات أو بالموقف، ولكن من صدق الشخصيات نفسها وهي تُحاول التعامل بجدية مع ظرف غير مألوف، فكلما كانت ردود الأفعال حقيقية، وأكثر ارتباطاً بطبيعة الشخصيات، أصبح الموقف أكثر قدرة على توليد الضحك والتعاطف في الوقت نفسه»، على حد تعبيره.

وقال طاهر إن اختيار محمد ممدوح لتجسيد شخصية الأب جاء انطلاقاً من إيمانه بقدرته على التعبير عن مشاعر معقدة بأقل قدر ممكن من الحوار، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم يعتمد على الانفعالات الداخلية والتفاصيل الدقيقة في الأداء، وهو ما يجيده ممدوح بشكل لافت.

وأضاف أن «العمل بينهما شهد جلسات تحضير مطولة وبروفات عديدة، تضمنت نقاشات حول دوافع الشخصية وخلفياتها النفسية وطبيعة ردود أفعالها في مختلف المواقف»، لافتاً إلى أن ممدوح لم يتعامل مع الدور بصفته مؤدياً فقط، بل شارك في تطوير الشخصية من خلال خبرته وملاحظاته، خصوصاً أن تجربة الأبوة نفسها جعلته قريباً من المشاعر التي يمر بها البطل، وهو ما انعكس على أداء الشخصية، ومنحتها قدراً أكبر من العمق والصدق.

وأضاف أن من بين الأمور التي حرص عليها أيضاً ترك مساحة مفتوحة أمام المشاهد في نهاية الفيلم، فبالنسبة له لا تكمن أهمية الحكاية في معرفة ما حدث تحديداً، بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها الأب مع ما يعتقد أنه حدث. ولذلك فضّل أن تظل النهاية قابلة لقراءات متعددة، بحيث يشارك المشاهد في استكمال أجزاء الحكاية، وإعادة تفسيرها من منظوره الخاص.

وأضاف طاهر أنه يعمل حالياً على تطوير مشروع فيلم روائي طويل، إلى جانب مشروع مسلسل، مؤكداً أن تجربة «مشاكل داخلية 32B» عزّزت قناعته بقوة الفيلم القصير وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع، وسيظل مساحة مهمة بالنسبة له للتجريب واكتشاف أفكار وأساليب جديدة.


مقالات ذات صلة

3 أجيال للمنافسة على كعكة الموسم الصيفي بالسينما المصرية

يوميات الشرق هنيدي ومنى زكي وتارا عماد في لقطة من «الجواهرجي» (فيسبوك)

3 أجيال للمنافسة على كعكة الموسم الصيفي بالسينما المصرية

تستعد دور العرض السينمائي في مصر لاستقبال 3 أفلام جديدة وهي «الست لما» ليسرا، و«الجواهرجي» لمحمد هنيدي، و«محمود التاني» لأحمد بحر.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)

«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

في أفلام الأبطال الخارقين نادراً ما يسير البطل بمفرده، فدائماً حوله فريق أو شريك، وجمهور يهتف له في كل زاوية من المدينة...

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الممثل الأميركي فينسنت باستوري خلال حضور حفل توزيع جوائز «إم تي في» الموسيقية لعام 2019 بـ«مركز برودينشال» في نيو جيرسي (أ.ف.ب)

وفاة نجم مسلسل «ذا سوبرانوس» فينسنت باستوري عن 80 عاماً

توفي فينسنت باستوري، الممثل المخضرم الذي جسَّد شخصيات رجال العصابات، واشتهر بأداء دور سلفاتوري بونبنسيرو في مسلسل «ذا سوبرانوس»، عن عمر يناهز 80 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)

الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس في «مهرجان عمّان السينمائي» 20 فيلماً قصيراً آتياً من مختلف أنحاء العالم العربي.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق إلهام شاهين (فيسبوك)

«الحافي» و«حين يكتب الحب» يعيدان إلهام شاهين للسينما

تعود الفنانة المصرية إلهام شاهين للسينما، بعد ابتعاد دام 5 سنوات منذ تقديمها لفيلم «حظر تجول»، الذي نال جوائز عدة من مؤسسات فنية مختلفة.

داليا ماهر (القاهرة )