الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

خبير: واشنطن تحتفظ بـ«العصا الغليظة» مع طهران... ولا انفراج قريباً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إحراز «تقدم كبير»، وتأكيده الحازم بأن طهران لن تمتلك أسلحة نووية مطلقاً، فإن الوقائع على الأرض تعكس معادلة شديدة التعقيد؛ حيث تتداخل أصوات الانفجارات في مضيق هرمز مع مشاورات الخبراء النوويين في الغرف المغلقة، وسط تمسك كل طرف بشروطه القصوى التي تحول دون صياغة اتفاق نهائي حتى الآن.

وفي ظل هذا الانسداد الدبلوماسي والتمسك المتبادل بالشروط، تبدو آفاق الحل السلمي السريع بعيدة المنال؛ حيث يتحول المسار من عملية تفاوضية فنية إلى «صراع إرادات» مفتوح.

وحول مآلات هذا المأزق الشائك، يرى مايكل روبين، الباحث البارز في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المشهد لا يتجه نحو انفراجة قريبة، بل إلى حالة من الجمود الصارم الممزوج بالبارود.

ويقول روبين، إن «طرفي النزاع يتجهان نحو حالة من التجميد المطول للملف، تتخللها عمليات عسكرية خاطفة ومتقطعة. قد تعتقد إيران واهمة أنها تمسك بزمام المبادرة، وأن بإمكانها المناورة لكسب الوقت ونفاد المسعى الحاضر لترمب، لكن ترمب لا يُشبه أيّاً من أسلافه، كما أنه لا يأبه كثيراً لما يعتقده الكونغرس».

ويوضح روبين قائلاً: «لن أجرؤ على الركوب في سيارة واحدة مع قادة عسكريين إيرانيين، مثل علي فدوي أو محمد باقر قاليباف؛ لأن أي شخص يفعل ذلك اليوم قد يتحول بسهولة شديدة إلى أضرار جانبية لضربة أميركية دقيقة بطائرة مسيّرة».

وتؤكد هذه القراءة أن الهامش المتاح للمناورة الإيرانية بات أضيق من أي وقت مضى، وأن الإدارة الأميركية الحالية تتبنى استراتيجية «العصا الغليظة» المستعدة دائماً لتفعيل لغة الاغتيالات والضربات الجراحية لتقليم أظافر طهران الإقليمية، ما يجعل تكلفة العناد السياسي باهظة للغاية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب)

مخاوف تكرار تجربة أوباما

وتتمحور العقبة الأساسية التي تمنع كسر هذا التجميد حول تسييل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار.

وتُطالب طهران بـ«ثمن اقتصادي فوري» للمضي قدماً، محددة مطالبها بالحصول على 12 مليار دولار مقدماً و24 مليار دولار خلال فترة المفاوضات الاستراتيجية (التي تمتد إلى 60 يوماً وفق مقترح التهدئة الأحدث)، وذلك لإنعاش اقتصادها المنهك، وإثبات جدوى الدبلوماسية داخلياً.

في المقابل، يجد ترمب نفسه في «حقل ألغام سياسي»؛ فالإذعان للمطالب الإيرانية بتقديم سيولة نقدية مسبقة سيضعه في مرمى انتقادات لاذعة، ويُعيد إلى الأذهان هجومه الضاري طوال سنوات على إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي سمحت بنقل أموال سائلة لطهران عام 2016.

ورغم رغبة ترمب في إنهاء الحرب غير الشعبية، فإن أركان إدارته، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يصرون على عدم منح طهران أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول قبل اتخاذ خطوات ملموسة وحاسمة لتفكيك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

استعراض قوة

وبالتوازي مع لغة الدبلوماسية المتعثرة، لم تتوقف الآلة العسكرية عن العمل في الميدان. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات دفاعية استهدفت مواقع رادار للمراقبة الساحلية في «غوروك» وجزيرة «قشم» بإيران.

وقالت إن الضربات جاءت بعد إسقاط 4 طائرات مسيّرة إيرانية كانت موجهة نحو مضيق هرمز، وشكّلت تهديداً للملاحة المدنية. جاء هذا التصعيد بعد يومين فقط من ضربة صاروخية إيرانية دموية استهدفت مطار الكويت الدولي، وأسفرت عن مقتل مدني، في مؤشر خطير على قدرة طهران على ممارسة الضغط عبر استهداف حلفاء واشنطن.

غير أن ترمب أكد أن الضربات الأميركية السابقة نجحت في تدمير معظم مصانع المسيّرات ومواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية، مستشهداً بأن طهران لم يعد لديها سوى 21 في المائة إلى 22 في المائة فقط من ترسانتها الصاروخية السابقة.

وتأتي هذه الأرقام لتُعزز الرؤية الأميركية القائلة بأن واشنطن قادرة على حسم المعركة «عسكرياً أو عبر اتفاق» يفرض شروطها بالكامل، وأبرزها تأمين الملاحة المطلقة في مضيق هرمز.

ستيف ‌ويتكوف ⁠و⁠جاريد ‌كوشنر (رويترز)

ويتكوف وكوشنر

على المقلب الآخر من المشهد، تظهر الجدية الأميركية في التعاطي مع الشق التقني للملف النووي تحسباً لأي اختراق تحققه الوساطات الجارية عبر باكستان وقطر.

فقد كشف موقع «أكسيوس» عن زيارة سرية قام بها مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى المختبر الوطني في «أوك ريدج» بولاية تينيسي، المعقل التاريخي لخبراء معالجة اليورانيوم وتكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي في الولايات المتحدة.

الاجتماع الذي ضم نحو 100 خبير نووي يستهدف وضع خطط تنفيذية جاهزة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم.

وتتركز النقاشات الفنية الحالية حول صياغة جداول زمنية دقيقة؛ حيث يُطالب ترمب بإنهاء عملية خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني خلال 60 يوماً، في حين تضغط طهران لتمديد المهلة إلى 90 يوماً.

وتعكس هذه التحركات رغبة واشنطن في تجنب ثغرات الاتفاقات السابقة، وضمان التحقق الصارم من عدم قدرة طهران على العودة السريعة للتخصيب العالي إذا ما تقرر المُضي في خيار التسوية الدبلوماسية.


مقالات ذات صلة

أسواق الخليج متباينة مع ترقب انفراجة دبلوماسية بين واشنطن وطهران

الاقتصاد مستثمران يتابعان الأسهم في سوق البحرين (رويترز)

أسواق الخليج متباينة مع ترقب انفراجة دبلوماسية بين واشنطن وطهران

تباينت أسواق الخليج مع ترقب جهود الوساطة الأميركية-الإيرانية، في حين ضغطت المخاطر الأمنية وتراجع النفط على المعنويات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمّان (أرشيفية - بترا)

الجيش الأردني يعلن اعتراض 5 طائرات مسيّرة إيرانية

صرح مصدر عسكري مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، بأن القوات المسلحة تعاملت، ليلة الاثنين وصباح الثلاثاء، مع خمس طائرات مسيَّرة انطلقت من إيران.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
شؤون إقليمية صورة من مقطع فيديو نشرته «سنتكوم» تُظهر استهداف معدات عسكرية خلال ضربات على إيران (رويترز)

أميركا تضرب «مراكز قيادة عسكرية» إيرانية

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الثلاثاء)، استهداف مواقع عسكرية أميركية، بينها منظومات دفاع جوي في البحرين والكويت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ انفجار في موقع مجهول خلال ما وصفته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بضربات على إيران في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو تم توزيعه في 20 يوليو 2026 (رويترز) p-circle

إصابة 100 جندي أميركي في الأسابيع الأخيرة... وترمب يتوعّد إيران بـ«دفع الثمن»

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أمس (الاثنين)، أن 100 عسكري أميركي أُصيبوا منذ السابع من يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يتصاعد الدخان من انفجار في موقع مجهول خلال ما وصفته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بضربات على إيران (رويترز) p-circle

أميركا تصدر «تحذيراً عالمياً» لمواطنيها على خلفية التوترات بالشرق الأوسط

أصدرت الولايات المتحدة، أمس الاثنين، تحذيراً يحض المواطنين الأميركيين في جميع أنحاء العالم على «توخي الحذر واليقظة» بسبب الحرب مع إيران، وفق بيان لـ«الخارجية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)