وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

ريشيتنكوف: التعاون الصناعي والتقني مع المملكة يكتسب أبعاداً أوسع في إطار «رؤية 2030»

وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
TT

وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)
وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

أكد وزير التنمية الاقتصادية في روسيا الاتحادية، مكسيم ريشيتنكوف، ارتياح بلاده لمستوى تطوُّر العلاقات الاستراتيجية مع السعودية، موضحاً أنَّ حضور المملكة بوصفها ضيف شرف في الدورة الـ29 لمنتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي هذا العام، يعكس «مستوى الحوار الرفيع والاهتمام المشترك بتطوير التعاون في كافة المجالات»، ومشيراً إلى أنَّ هذه الشراكة اكتسبت أبعاداً أوسع وأعمق في إطار «رؤية 2030».

وكان الكرملين أعلن اختيار المملكة ضيف الشرف الرئيسي لهذه الدورة بالتزامن مع مرور 100 عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث يرأس وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وفداً سعودياً يضم عدداً من كبار المسؤولين وممثلي المؤسسات الوطنية والشركات الكبرى، وفي مقدمتها شركة «أرامكو».

وقال الوزير الروسي لـ«الشرق الأوسط»، على هامش فعاليات المنتدى الاقتصادي الأهم في روسيا - والذي يصفه كثيرون بأنه «دافوس الروسي» - إن العلاقات بين البلدين تطورت بشكل نشط خلال السنوات الماضية، كاشفاً عن قفزة نوعية في مؤشرات التبادل التجاري بين البلدين، حيث تضاعف حجم التجارة البينية أكثر من مرتين خلال السنوات الـ5 الماضية. وأضاف أنَّ التعاون الاستثماري يشهد تطوراً مستمراً، متوقعاً أن يسهم إبرام اتفاقية حكومية دولية قريبة بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة في إعطاء دفعة إضافية قوية للمستثمرين في كلا البلدين.

تنسيق أبعد من النفط

وأشار ريشيتنكوف إلى أنَّ التنسيق المشترك لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية يمثل «محوراً رئيسياً على أجندتنا الثنائية»، لافتاً إلى النجاح الكبير الذي يحققه البلدان دولياً من خلال قيادة تحالف «أوبك بلس».

وفي سياق متصل، شدَّد ريشيتنكوف على أنَّ روسيا «تعدُّ شريكاً موثوقاً به في ضمان الأمن الغذائي للمملكة. فنحن نوفِّر لها المنتجات الزراعية والغذائية، بما في ذلك القمح والشعير وزيت دوار الشمس والدواجن»، مشيراً إلى فتح آفاق جديدة لتوسيع التعاون، كاشفاً في هذا الإطار عن دراسة خطط طَموحة لإنشاء مراكز زراعية مشتركة وممرات لوجستية متطوِّرة داخل المملكة خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أنَّه «في إطار رؤية 2030، تعمل المملكة العربية السعودية بنشاط على تطوير الصناعة والبنية التحتية، حيث يمكن الاستفادة من الخبرات الروسية. وفي الوقت نفسه، يكتسب التعاون التكنولوجي والصناعي أهمية متزايدة»، مضيفاً: «إننا نعمل على تطوير التعاون في مجال التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وحلول المدن الذكية، والأمن السيبراني، وتقنيات تحلية المياه».

كما أبدى جاهزية بلاده الكاملة للمشارَكة في تطوير برنامج الفضاء السعودي، مستندة إلى خبرتها المهمة في تدريب رواد الفضاء، وعلوم الأحياء الفضائية والطب.

مشاركون سعوديون في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

طفرة سياحية كبرى

وفي ملف السياحة، وصف الوزير الروسي هذا القطاع بأنه أحد أبرز قطاعات النمو الواعدة والتعاون بين البلدين؛ حيث قفز إجمالي التدفق السياحي في العام الماضي بنسبة 38 في المائة، وهو ما يعادل 10 أضعاف مستويات عام 2019.

وأشار إلى دخول نظام الإعفاء المشترك من التأشيرة لمواطني البلدين حيز التنفيذ ابتداءً من 11 مايو (أيار) 2026 بعد توقيع اتفاقية تاريخية بين البلدين، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة عبر شركتي «الخطوط السعودية» و«فلاي ناس»، ومتوقعاً «أن يزداد الاهتمام بالسفر المتبادل».

وتوقف الوزير عند الإنجازات التي حققها الطرفان في مجال تطوير التعاون في القطاع السياحي، لافتاً إلى أن عام 2025 وحده شهد زيارة أكثر من 143 ألف سائح سعودي روسيا، بزيادة قدرها 33 في المائة عن العام السابق.

وفي السياق ذاته، أكد الوزير الروسي أن بلاده تعمل جاهدة على توسيع آفاق التبادل السياحي المشترك، مستندة إلى الاتفاقات المبرمة على أعلى المستويات بين القيادتين لإنشاء أرضية صلبة لنمو هذا القطاع الحيوي.

وأضاف ريشيتنكوف: «نبذل قصارى جهدنا لضمان أن يلبي قطاع السياحة الداخلية لدينا تطلعات السياح السعوديين، من خلال توفير بيئة سفر مثالية ومواتية لسفرهم وثقافتهم».

ولتحقيق هذه الغاية وضمان راحة الزوار القادمين من المملكة، أوضح الوزير أنه يجري التوسع بشكل متسارع في تطبيق معايير «الحلال» والخدمات الملائمة للمسلمين في قطاع الضيافة الروسي.

وكشف عن حصول الفنادق الأولى في مدن موسكو، وسوتشي، وكازان على الشهادات الرسمية اللازمة، في حين تقدمت أكثر من 100 منشأة فندقية أخرى بطلبات مماثلة، وهي قيد الدراسة حالياً.

تحسن ملحوظ في البنية التحتية

واستعرض ريشيتنكوف الملامح الطموحة للبنية التحتية السياحية في بلاده، مشيراً إلى أنها شهدت تحولاً جذرياً على مدار العقد الماضي عبر إنشاء مطارات وطرق حديثة، وتطوير مراكز المدن والأماكن العامة لتهيئة بيئة جاذبة للمستثمرين الكبار ورواد الأعمال على حد سواء.

وتضم روسيا اليوم طاقة استيعابية هائلة تتجاوز مليون غرفة فندقية، إلى جانب 400 منتجع للتزلج تحتوي على أكثر من 500 مسار مصنف بطول إجمالي يتخطى ألف كيلومتر، فضلاً عن شواطئ ممتدة في جنوب البلاد يقارب طولها 2000 كيلومتر.

وفي إطار النظرة المستقبلية، أعلن الوزير الروسي خطة استراتيجية لبناء 11 منتجعاً ساحلياً ومرفأ جديداً مُجهَّزاً للعمل على مدار العام بحلول عام 2030، حيث ستتوزَّع هذه المشروعات الضخمة على سواحل 5 بحار، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة ببحيرة بايكال الشهيرة، بطاقة استيعابية تستهدف جذب 10 ملايين زائر سنوياً.

ووجَّه ريشيتنكوف دعوة مفتوحة لقطاع الأعمال السعودي للاستثمار في هذه الوجهات الواعدة، مؤكداً أن «المستثمرين في هذه المشروعات سيحظون بمعاملة تفضيلية متميزة... إنها حقاً فرصة رائعة».

مشاركون يمرون أمام شاشة كبيرة تعرض صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (إ.ب.أ)

اقتصاد راسخ في وجه العقوبات

وفي تقييمه لأداء الاقتصاد الروسي، أشار ريشيتنكوف إلى رفع صندوق النقد الدولي مؤخراً توقعاته للنمو الاقتصادي الروسي في عام 2026 إلى 1.1 في المائة، استناداً إلى ارتفاع أسعار النفط، عادّاً ذلك «مؤشراً إيجابياً، لا سيما في ظلِّ تقييم الصندوق الحذر لروسيا». وزاد أن المستثمرين «لا ينظرون إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل ينظرون أيضاً إلى استدامة السياسة الاقتصادية الكلية، ووضع الموازنة، وعبء الدين، والمشروعات ذات الربحية الواضحة، والاستراتيجية، ومستوى مقبول من المخاطر».

وقال الوزير: «إن الدين العام الروسي يُعدُّ من بين الأدنى بين دول مجموعة العشرين، حيث يبلغ نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وخلال السنوات الـ3 الماضية وحدها، بما في ذلك عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الروسي بأكثر من 10 في المائة بالقيمة الحقيقية».

ورأى أن هذا «يمثل نمواً سنوياً بنسبة 3.3 في المائة تقريباً، وهو أعلى من المتوسط العالمي؛ ما يسمح لنا بالحفاظ بثبات على المركز الرابع بين أكبر اقتصادات العالم، وفقاً لتعادل القوة الشرائية».

وشدَّد على أهمية هذه المعطيات في توضيح مستوى جاذبية السوق الروسية للاستثمارات الأجنبية عموماً، والعربية على وجه الخصوص. وقال: «إن روسيا تُعدُّ سوقاً استثماريةً جذابةً للمستثمرين العرب على المدى الطويل، لا سيما في القطاع الزراعي وإنتاج الأسمدة، والبنية التحتية، والتقنيات الرقمية، والحلول الصناعية. وتتوافق هذه المجالات مع أولويات دول الخليج، بما في ذلك تنويع الأصول وتطوير قطاعات جديدة».

وأكد ثبات الاقتصاد الروسي في مواجهة التحديات الخارجية، وقال إنه «في السنوات الأخيرة، أثبت اقتصادنا قدرته على التكيُّف مع الضغوط والحفاظ على زخم إيجابي في ظلِّ العقوبات، وإعادة هيكلة الخدمات اللوجستية، وتقييد الوصول إلى رؤوس الأموال الغربية. وفي الوقت نفسه، تبقى البنية التحتية للتعاون قضية محورية، بما في ذلك التسويات بالعملات الوطنية، وعلاقات المراسلة المصرفية، والخدمات اللوجستية، وحماية الاستثمارات».


مقالات ذات صلة

وزير الاقتصاد الفرنسي: السعودية ركيزة أساسية لأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق

الاقتصاد وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية الفرنسي رولان ليسكور يتحدث خلال مؤتمر البترول العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

وزير الاقتصاد الفرنسي: السعودية ركيزة أساسية لأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق

أكد وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية الفرنسي، رولان ليسكور، أن السعودية تؤدي دوراً محورياً في تعزيز أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي المنعقد في الرياض (الشرق الأوسط)

رئيس «أرامكو»: استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة يهدد اقتصادات العالم

حذّر الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو»، أمين الناصر من أن تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة لا تقتصر على أسواقها، بل تمتد إلى الاقتصادات العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة بالسوق المالية السعودية (رويترز)

السوق السعودية تتراجع بعد الهجوم على مطار الرياض وسط حذر خليجي

تراجعت السوق السعودية خلال التعاملات المبكرة، الاثنين، بعد هجوم جديد استهدف مطار الرياض الدولي، في حين سجلت معظم أسواق الخليج ارتفاعات محدودة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر محمد عرقاب يتحدث في جلسة حوارية ضمن «مؤتمر البترول» العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

الجزائر: «أنبوب الغاز العابر للصحراء» يستهدف نقل 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا

أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص معرض مُعدات «هيتاشي» الإنشائية التابع لشركة ATEC بالدمام (الشركة)

خاص «هيتاشي إنرجي»: تطوير شبكات النقل والربط الكهربائي يعزز فرص الاستثمار في السعودية

في وقت تتسارع الاستثمارات السعودية لتطوير البنية التحتية للكهرباء ومواكبة نمو الطلب ودمج مصادر الطاقة المتجددة، تعزز «هيتاشي إنرجي» حضورها بالمملكة.

ساره بن شمران (الرياض)

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
TT

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تفقد ما يصل إلى ربع قواها العاملة بحلول عام 2050، نتيجة تسارع شيخوخة السكان، في تطور يهدد آفاق النمو الاقتصادي والإنتاجية والقدرة التنافسية لثلاثة من أبرز الاقتصادات الصناعية في آسيا.

وقال كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي، مساء الاثنين، إن التحولات الديموغرافية في الدول الثلاث قد تؤدي إلى انكماش القوى العاملة بنسبة تصل إلى 25 في المائة خلال العقود المقبلة.

وتسلط هذه التقديرات الضوء على تحدٍّ اقتصادي طويل الأمد، يتجاوز تأثيره سوق العمل ليشمل المالية العامة، وأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية، فضلاً عن قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات الإنتاج، والاستثمار.

وتواجه الاقتصادات الثلاثة مزيجاً من انخفاض معدلات المواليد، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، ما يؤدي تدريجياً إلى تراجع أعداد السكان في سن العمل مقابل زيادة أعداد كبار السن.

ورغم اختلاف الظروف الاقتصادية والسياسات السكانية بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فإنها تشترك في تحدٍّ أساسي يتمثل في كيفية الحفاظ على النمو مع تقلص قاعدة العمالة التي يعتمد عليها الإنتاج، والاستهلاك، والإيرادات الضريبية.

ضغوط على النمو والإنتاجية

يمثل تقلص القوى العاملة أحد أبرز المخاطر الهيكلية التي تواجه الاقتصادات المتقدمة والصاعدة في شرق آسيا، خصوصاً أن نمو الناتج الاقتصادي يعتمد على حجم العمالة، ومستوى إنتاجيتها، والاستثمارات المتاحة لها.

ومع انخفاض عدد العاملين، تصبح زيادة الإنتاجية شرطاً أساسياً للحفاظ على معدلات النمو، وهو ما يتطلب استثمارات أكبر في التكنولوجيا، والأتمتة، وتطوير المهارات.

وفي اليابان، التي تواجه منذ سنوات تحديات الشيخوخة، وتراجع السكان، أصبحت ندرة العمالة عاملاً مؤثراً في قرارات الشركات المتعلقة بالتوظيف، والأجور، والاستثمار في المعدات الموفرة للعمالة.

أما الصين، فإنها تواجه تحدياً أكثر تعقيداً بسبب الحجم الكبير لاقتصادها، وقاعدتها الصناعية، إلى جانب حاجتها إلى تعزيز الاستهلاك المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستثمار، والصادرات.

وقد يؤدي تقلص السكان في سن العمل إلى إبطاء نمو الإنتاج الصناعي، والخدمات، ما لم تتمكن الشركات من تعويض نقص العاملين بتحسين الكفاءة، وتبني التقنيات الحديثة.

وفي كوريا الجنوبية، يثير انخفاض معدلات المواليد مخاوف بشأن قدرة الاقتصاد على توفير العمالة اللازمة للقطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدمية خلال العقود المقبلة.

المالية العامة أمام اختبار صعب

لا تقتصر تداعيات الشيخوخة على تراجع أعداد العاملين، بل تمتد إلى زيادة الضغوط على الموازنات الحكومية.

فمع ارتفاع نسبة كبار السن تتزايد احتياجات الإنفاق على المعاشات، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، في وقت قد يتباطأ فيه نمو الإيرادات الضريبية نتيجة تقلص قاعدة العاملين.

ويفرض هذا التحول تحدياً مزدوجاً على الحكومات، يتمثل في تمويل الالتزامات الاجتماعية المتزايدة دون تحميل الأجيال الأصغر أعباء ضريبية كبيرة قد تؤثر في الاستهلاك، والاستثمار.

كما قد يؤدي ارتفاع الإنفاق المرتبط بالشيخوخة إلى تقليص الموارد المتاحة لمشروعات البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي، ما يجعل تحسين كفاءة الإنفاق العام أكثر أهمية.

وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة في اليابان، حيث تمثل استدامة المالية العامة وإدارة الدين الحكومي تحديين رئيسين، بينما تحتاج الصين وكوريا الجنوبية إلى الاستعداد المبكر لارتفاع تكاليف الشيخوخة.

التكنولوجيا وسيلة لتعويض نقص العمالة

قد يوفر التقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية والأتمتة فرصة لتخفيف الآثار الاقتصادية لتراجع القوى العاملة.

وتتمتع الاقتصادات الثلاثة بقدرات صناعية وتكنولوجية يمكن توظيفها لرفع إنتاجية العاملين، وتقليل الاعتماد على العمالة البشرية في بعض الأنشطة.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب استثمارات مستمرة في تدريب الموظفين، وإعادة تأهيلهم، لضمان قدرتهم على استخدام التقنيات الجديدة، والانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية.

كما أن التكنولوجيا لا تستطيع معالجة جميع آثار الشيخوخة، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على التفاعل البشري المباشر، مثل الرعاية الصحية، وخدمات كبار السن.

وقد يؤدي ارتفاع الطلب على هذه الخدمات إلى زيادة المنافسة على العمالة، ما يرفع تكاليف التشغيل، ويزيد الحاجة إلى تطوير نماذج عمل أكثر كفاءة.

إصلاحات سوق العمل ضرورة متزايدة

إلى جانب التكنولوجيا، يمكن أن تساعد إصلاحات سوق العمل في الحد من تأثير التراجع الديموغرافي، من خلال زيادة مشاركة النساء وكبار السن في النشاط الاقتصادي، وتحسين مرونة أنظمة التوظيف.

كما يمكن أن يسهم رفع سن التقاعد تدريجياً، حيثما تسمح الظروف الصحية، والاجتماعية، في إبطاء تقلص القوى العاملة، وتخفيف بعض الضغوط على أنظمة المعاشات.

وتبرز أيضاً أهمية السياسات الداعمة للأسر -مثل توفير خدمات رعاية الأطفال، وتحسين التوازن بين العمل والحياة- في معالجة بعض العوامل التي تسهم في انخفاض معدلات المواليد.

غير أن تأثير هذه الإجراءات على حجم القوى العاملة يحتاج إلى سنوات طويلة، ما يجعل الإصلاحات قصيرة ومتوسطة الأجل ضرورية بالتوازي مع السياسات السكانية.

وقد تلجأ بعض الاقتصادات إلى توسيع استقطاب العمالة الأجنبية لسد النقص في قطاعات محددة، وإن كان نجاح هذا الخيار يرتبط بالاعتبارات السياسية، والاجتماعية، وطبيعة أسواق العمل المحلية.

تحول اقتصادي يتجاوز الحدود الوطنية

يمكن أن تمتد آثار تقلص القوى العاملة في الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الاقتصاد العالمي، نظراً إلى الدور المحوري للدول الثلاث في التجارة الدولية، وسلاسل التوريد، والصناعات المتقدمة.

فأي تغير في تكاليف الإنتاج أو الطاقة الصناعية لهذه الاقتصادات قد ينعكس على أسعار السلع، والتكنولوجيا، وتدفقات الاستثمار عبر الحدود.

كما قد تدفع ندرة العمالة الشركات إلى إعادة توزيع بعض أنشطتها الإنتاجية، أو زيادة الاستثمار في المصانع المؤتمتة، بما يعيد تشكيل أنماط التجارة والاستثمار في آسيا.

وفي المقابل، قد تستفيد اقتصادات آسيوية تتمتع بتركيبة سكانية أصغر سناً من فرص استقطاب الاستثمارات، والأنشطة الصناعية الباحثة عن العمالة.

ويضع تحذير صندوق النقد الدولي صناع القرار أمام ضرورة التعامل مع الشيخوخة باعتبارها قضية اقتصادية مركزية، وليست مجرد تحول سكاني تدريجي.

فقدرة الصين واليابان وكوريا الجنوبية على الحفاظ على مكانتها الاقتصادية بحلول منتصف القرن ستعتمد بدرجة كبيرة على نجاحها في رفع الإنتاجية، وإصلاح أسواق العمل، وتطوير أنظمة التقاعد، والرعاية الاجتماعية.

ومع احتمال فقدان ما يصل إلى ربع القوى العاملة بحلول عام 2050، تصبح الاستجابة المبكرة لهذه التحولات عاملاً حاسماً في تحديد مسار النمو والاستقرار المالي في شرق آسيا خلال العقود المقبلة.


اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
TT

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)
أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في بانكوك هذا الأسبوع، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزامنة ناجمة عن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الأميركية على إيران، وتصاعد أعباء الديون، والطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي.

وتستمر الاجتماعات في العاصمة التايلاندية من الاثنين إلى السبت، وسط خيارات اقتصادية صعبة أمام صانعي السياسات. وبينما يدعو صندوق النقد الدولي الحكومات إلى ضبط الإنفاق، تزداد احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، بفعل ارتفاع التضخم والمخاطر المناخية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتضمن جدول الأعمال اجتماعات رفيعة المستوى مغلقة، وفعاليات عامة، وإعلانات بشأن السياسات الاقتصادية تصدر عن كبار المسؤولين الماليين في العالم. ومن المقرر أن يكشف الصندوق الثلاثاء عن توقعاته للاقتصاد العالمي، على أن ينشر خلال الأسبوع توقعات تفصيلية للمناطق المختلفة، في وقت يسعى فيه صانعو السياسات إلى التعامل مع التحديات التي تلقي بظلالها على آفاق النمو.

وفي بانكوك، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن الاقتصاد العالمي يتعرض لقوتين متعاكستين: صدمة سلبية في المعروض من الطاقة ناجمة عن الحرب الأميركية على إيران، وصدمة إيجابية في الطلب تدفعها الطفرة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

وأضافت، خلال فعالية في اليوم الأول للاجتماعات، أن تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هو ما يساعد الاقتصاد العالمي على مواصلة النمو بنحو 3 في المائة، رغم الضغوط التي تفرضها صدمة إمدادات الطاقة.

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال جلسة عن الذكاء الاصطناعي والوظائف في بانكوك (إ.ب.أ)

من جهته، دعا رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، الدول النامية إلى التركيز على تطوير تطبيقات صغيرة ومتخصصة للذكاء الاصطناعي، بدلاً من محاولة منافسة الاقتصادات الكبرى في بناء النماذج المتقدمة كثيفة رأس المال.

وقال بانغا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال مؤتمر صحافي، إن الدول النامية لا ينبغي أن تحاول منافسة الولايات المتحدة والصين في تطوير النماذج الرائدة أو إنشاء مراكز بيانات ضخمة؛ مشيراً إلى افتقار كثير منها إلى القدرة الحاسوبية والكهرباء والكوادر اللازمة لذلك.

وأوضح أن التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن تشغيلها على هواتف ذكية أقل قوة، واستخدامها في مجالات مثل الصحة والتعليم والزراعة، وغيرها من القطاعات ذات الأولوية التنموية للدول منخفضة الدخل.

صدمة الطاقة تضغط على الاقتصادات النامية

يتصدر الأثر الاقتصادي للحرب الأميركية على إيران جدول المخاوف في بانكوك، بعدما أدت التطورات العسكرية إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتقليص الإمدادات العالمية من النفط والغاز.

وحذَّر صندوق النقد الدولي من أن تداعيات هذه الصدمة لا تتوزع بالتساوي؛ إذ تتحمل الدول النامية المعتمدة على استيراد الطاقة العبء الأكبر.

ورغم الأزمة، دعا الصندوق الحكومات إلى الحد من الإنفاق على الدعم، وتعزيز الاحتياطيات المالية لمواجهة الصدمات، بعد سنوات من الاضطرابات التي أعقبت جائحة «كورونا».

غير أن منتقدين يرون أن تقليص الدعم ليس خياراً واقعياً أمام الدول منخفضة الدخل، وأن المؤسسات المالية الدولية مطالبة بتقديم استجابة أوسع لحماية الاقتصادات الأكثر تضرراً.

وقال كيفن بي. غالاغر، مدير مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن، إن الدول الأعضاء الأفقر في صندوق النقد والبنك الدوليين تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة تداعيات الحرب على إيران، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الغربية، وأزمة المناخ التي تفاقمت بفعل ظاهرة «إل نينيو».

وأضاف أن الصندوق والبنك الدوليين لا يقدمان استجابة تتناسب مع حجم التحديات، داعياً إلى توفير سيولة طارئة على المدى القصير، إلى جانب تمويل طويل الأجل يجعل مسارات النمو الاقتصادي أقل عرضة للصدمات.

رئيس البنك الدولي أجاي بانغا خلال جلسة عن الذكاء الاصطناعي والوظائف في بانكوك (إ.ب.أ)

وتتسع الاحتياجات التمويلية والاجتماعية في الدول النامية، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي حذر في تقرير صدر الأحد من أن الصدمات المتزامنة قد تدفع ملايين إضافية إلى دائرة الفقر، في وقت تواجه فيه الحكومات صعوبة في مواصلة تقديم الدعم للأسر.

وقال مدير البرنامج ألكسندر دي كرو، إن العالم يشهد «عاصفة مثالية» قد تعيد عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، إلى الفقر. وأضاف أن حكومات الدول النامية باتت أمام خيار بالغ الصعوبة، بين خفض الدعم المقدم إلى أفقر مواطنيها والمخاطرة بتقويض خططها التنموية بأكملها.

التضخم وأسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة

تمكنت الاقتصادات المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة من امتصاص صدمة ارتفاع أسعار الطاقة بدرجة أفضل، ولكنها لم تسلم من موجة التضخم المتصاعدة بفعل زيادة الأسعار، التي بدأت آثارها تمتد إلى سلع أخرى.

ودفعت الضغوط التضخمية البنوك المركزية حول العالم إلى رفع أسعار الفائدة لكبح ارتفاع الأسعار، ما يحد من النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، أسهمت الطفرة الاستثمارية في تقنيات الذكاء الاصطناعي في دفع أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة، وتعزيز النمو في الاقتصادات المتقدمة.

ومن المقرر أن تشهد الاجتماعات أيضاً لقاءات مهمة على هامشها، من بينها اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين، الذي يُتوقع أن يحتل ارتفاع عوائد السندات مكانة بارزة على جدول أعماله.

ومن أبرز الغائبين عن الاجتماع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الذي لن يشارك بسبب «ارتباطات داخلية»، وفق مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية يوم الجمعة.


«ميدكو إنرجي» تستحوذ على 10 % في أربع مناطق للنفط والغاز تابعة لـ«إيني» بإندونيسيا

صهاريج لتخزين النفط تابعة لشركة «ميدكو إنرجي» بإندونيسيا (إكس)
صهاريج لتخزين النفط تابعة لشركة «ميدكو إنرجي» بإندونيسيا (إكس)
TT

«ميدكو إنرجي» تستحوذ على 10 % في أربع مناطق للنفط والغاز تابعة لـ«إيني» بإندونيسيا

صهاريج لتخزين النفط تابعة لشركة «ميدكو إنرجي» بإندونيسيا (إكس)
صهاريج لتخزين النفط تابعة لشركة «ميدكو إنرجي» بإندونيسيا (إكس)

أعلنت شركة الطاقة الإندونيسية «بي تي ميدكو إنرجي إنترناشيونال»، الاثنين، أنها توصلت إلى اتفاق مع شركة الطاقة الإيطالية «إيني»، للاستحواذ على حصة مشاركة بنسبة 10 في المائة بأربع مناطق امتياز للنفط والغاز تقع في حوض «كوتاي» بمقاطعة كاليمانتان الشرقية.

وذكرت «ميدكو»، في بيان، أن مناطق الامتياز الأربع تشمل «موارا باكاو» و«غانال» و«غرب غانال» و«شرق غانال»، والتي تديرها حالياً شركة «سيارا»، وهي مشروع مشترك للطاقة أسسته شركتا «إيني» و«بتروناس» الماليزية.

وتشمل عملية الاستحواذ أصولاً تتعلق بالإنتاج والتطوير والتنقيب، بما في ذلك حقل «جيليغا» للغاز العملاق الذي أُعلن عنه مؤخراً، وتُقدّر احتياطاته بنحو 5 تريليونات قدم مكعبة من الغاز، و300 مليون برميل من المكثّفات.

وقال رونالد غوناوان، الرئيس التنفيذي لشركة «ميدكو إنرجي»: «تُكمل هذه الصفقة محفظة أعمالنا الحالية في إندونيسيا وتُوسّع حضورنا بقطاع الغاز الطبيعي المُسال».

في سياق منفصل، قالت شركة «بيرتامينا هولو إنرجي»، وهي وحدة التنقيب والإنتاج التابعة لشركة الطاقة الحكومية الإندونيسية «بيرتامينا»، في بيان، إنها وقَّعت اتفاقية مع «إيني» في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، للاستحواذ على حصص في ثلاث مناطق امتياز للنفط والغاز بكاليمانتان الشرقية.

وعقب إتمام الصفقة، ستمتلك الشركة حصة مشاركة بنسبة 10 في المائة بمنطقتيْ «شمال غانال» و«راباك»، وحصة مشاركة إجمالية تبلغ 25 في المائة بمنطقة «شرق سيبينغان».