انكماش حاد في نشاط القطاع الخاص بمنطقة اليورو بأسرع وتيرة خلال 18 شهراً

ضغوط الطاقة تُعمّق تراجع الخدمات في ألمانيا وفرنسا

امرأة تدفع ورقة نقدية من فئة 20 يورو عند صندوق الدفع في سوبر ماركت بشانفيري في فرنسا (رويترز)
امرأة تدفع ورقة نقدية من فئة 20 يورو عند صندوق الدفع في سوبر ماركت بشانفيري في فرنسا (رويترز)
TT

انكماش حاد في نشاط القطاع الخاص بمنطقة اليورو بأسرع وتيرة خلال 18 شهراً

امرأة تدفع ورقة نقدية من فئة 20 يورو عند صندوق الدفع في سوبر ماركت بشانفيري في فرنسا (رويترز)
امرأة تدفع ورقة نقدية من فئة 20 يورو عند صندوق الدفع في سوبر ماركت بشانفيري في فرنسا (رويترز)

أظهر مسح اقتصادي أن نشاط القطاع الخاص في منطقة اليورو انكمش بأسرع وتيرة له خلال 18 شهراً في مايو (أيار)، في ظل تراجع الطلب على السلع والخدمات -وهو مؤشر رئيسي على صحة الاقتصاد-، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج للشهر الثاني على التوالي، في حين بلغت ضغوط التكاليف أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وتراجع مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 48.5 نقطة في مايو، مقارنة بـ48.8 نقطة في أبريل (نيسان)، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكنه جاء أعلى من القراءة الأولية البالغة 47.5 نقطة. كما ارتفع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات بشكل طفيف إلى 47.7 نقطة من 47.6 نقطة، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 46.4 نقطة. ويشير أي رقم دون مستوى 50 نقطة إلى انكماش في النشاط الاقتصادي.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون: «مع تراجع النشاط التجاري في منطقة اليورو للشهر الثاني على التوالي في مايو، تزداد احتمالات دخول الاقتصاد في حالة انكماش خلال الربع الثاني». وتشير بيانات مؤشر مديري المشتريات إلى احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي الفصلي بنسبة 0.2 في المائة ما لم يحدث تحسن جوهري في يونيو (حزيران).

وانخفض إجمالي الطلبات الجديدة للشهر الثالث على التوالي، مسجلاً ثاني أسرع وتيرة تراجع منذ نوفمبر 2024، مع تسجيل الطلبات الخارجية أكبر انخفاض لها هذا العام.

وتركز الضعف الاقتصادي في أكبر اقتصادَين في المنطقة؛ إذ سجلت ألمانيا وفرنسا انكماشاً في نشاط القطاع الخاص، في حين سجلت إيطاليا وإسبانيا نمواً طفيفاً.

ارتفاع تكاليف الإنتاج

كما ارتفعت تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة لها منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، فيما صعدت أسعار البيع للمستهلكين إلى أعلى مستوى لها في 38 شهراً، مسجلة الشهر الثالث على التوالي من تسارع تضخم أسعار الإنتاج. ويأتي ذلك بعد ارتفاع التضخم في مايو إلى 3.2 في المائة، وفق بيانات صدرت يوم الثلاثاء، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، مع توقعات بمزيد من الارتفاع نتيجة تداعيات حرب الشرق الأوسط على أسعار الوقود.

وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى تفاقم المخاطر السلبية على التضخم والنمو، مما يضع صناع السياسات أمام معادلة صعبة. ويرى بعض الاقتصاديين أن اجتماع يونيو سيكون حاسماً، مع احتمال رفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.25 في المائة، في حين يدعو آخرون إلى توخي الحذر في ظل تباطؤ الاقتصاد وتراجع ثقة المستهلك.

ومع تراجع الطلبات الجديدة، أفادت الشركات بزيادة الطاقة الإنتاجية غير المستغلة. وتسارعت وتيرة فقدان الوظائف إلى أسرع مستوى لها في خمس سنوات ونصف السنة، رغم أن عمليات التسريح ظلت محدودة نسبياً.

وأظهر المسح تحسناً طفيفاً في ثقة قطاع الأعمال مقارنة بشهر أبريل، لكنها بقيت ضعيفة وفق المعايير التاريخية، وأقل بكثير من المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

انكماش متواصل في قطاع الخدمات الألماني

تراجع نشاط قطاع الخدمات الألماني مجدداً في مايو مع ارتفاع تكاليف الطاقة، وفقاً لمؤشر مديري المشتريات. وأظهر مسح نُشر يوم الأربعاء أن قطاع الخدمات الألماني انكمش للشهر الثاني على التوالي في مايو، مع تأثر النشاط بانخفاض الطلب وارتفاع تكاليف الطاقة وغيرها من التكاليف الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في ألمانيا، الصادر عن «إتش سي أو بي» الألمانية، والمعد من قِبل «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إلى 48.1 نقطة في مايو من 46.9 نقطة في أبريل، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 47.8 نقطة.

ويُعد شهر مايو أول فترة منذ نحو عام يشهد فيها القطاع انكماشاً لشهرين متتاليين.

وقال المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «لا يزال الطلب على الخدمات يعاني ضعف القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد مستويات عدم اليقين».

ومع ذلك، أشار إلى أن تباطؤ وتيرة تراجع النشاط التجاري والطلبات الجديدة قد يعكس احتمال أن يكون الانكماش في الربع الثاني محدوداً.

وانخفضت الأعمال المتراكمة للشهر الثالث على التوالي، مما استدعى خفض مستويات التوظيف. وتراجع التوظيف للشهر الخامس على التوالي، وإن بوتيرة أبطأ من السابق.

وبقي تضخم تكاليف المدخلات قريباً من أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعاً بتكاليف الطاقة والنقل والأجور، فيما تباطأ تضخم أسعار المخرجات مقارنة بأعلى مستوياته في أبريل، مع تزايد المنافسة ومقاومة العملاء لرفع الأسعار.

وانتعشت توقعات الأعمال للشهور الاثني عشر المقبلة من أدنى مستوى لها في أكثر من عامين ونصف العام في أبريل إلى أعلى مستوى لها منذ فبراير (شباط)، وهو ما عدّه سميث انعكاساً لآمال متزايدة بإنهاء الصراع في الشرق الأوسط إلى جانب الدعم الحكومي، رغم أن الثقة لم تعد إلى مستويات ما قبل الحرب.

كما ارتفع المؤشر المركب النهائي لألمانيا، الذي يشمل قطاعَي الخدمات والتصنيع، إلى 48.8 نقطة في مايو، مقارنة بـ48.4 نقطة في الشهر السابق.

انكماش حاد في قطاع الخدمات الفرنسي

سجل قطاع الخدمات الفرنسي انكماشاً حاداً في مايو بأسرع وتيرة له منذ أكثر من خمس سنوات ونصف السنة، مع تضرر النشاط من ضعف الطلب وارتفاع التكاليف المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لمسح اقتصادي.

وتراجع مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات في فرنسا إلى 44.3 نقطة في مايو مقارنة بـ46.5 نقطة في أبريل، وهو مستوى يشير إلى انكماش واضح، رغم أنه جاء أفضل من القراءة الأولية البالغة 42.9 نقطة، لكنه يبقى الأدنى منذ نوفمبر 2020 خلال جائحة «كوفيد-19».

وانخفض المؤشر المركب النهائي، الذي يشمل قطاعَي الخدمات والتصنيع، إلى 44.9 نقطة من 47.6 نقطة في أبريل، متجاوزاً القراءة الأولية البالغة 43.5 نقطة، لكنه يسجل أدنى مستوى له في 28 شهراً.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، جو هايز: «قطاع الخدمات الفرنسي، الذي كان يعاني بالفعل هشاشة قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، تعرض لانتكاسة حادة في مايو».

وأضاف أن استمرار تراجع المؤشرات المرتبطة بالنشاط والطلبات الجديدة إلى مستويات منخفضة يعزّز احتمالات دخول الاقتصاد في مرحلة انكماش.

كما أشار إلى أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي تقيد قرارات الشركات، في حين تؤدي ضغوط الأسعار المتزايدة إلى تآكل القدرة الشرائية. وأوضح أنه من الصعب تصور تعافٍ اقتصادي قريب في فرنسا في ظل هذه الظروف، مما يزيد من احتمالات انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني.


مقالات ذات صلة

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

الاقتصاد أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)

«تي إس إم سي» التايوانية تسجل أرباحاً قياسية للربع السادس على التوالي

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، يوم الخميس تحقيق أرباح قياسية للربع السادس على التوالي.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
خاص اصطفاف أعداد كبيرة من الحاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

خاص كيان موحد للتجارة والتصدير يدعم انتشار المنتجات السعودية خارجياً

يمثل قرار دمج «الهيئة العامة للتجارة الخارجية» و«هيئة تنمية الصادرات السعودية» في كيان موحد خطوةً تنظيميةً تستهدف تعزيز التكامل المؤسسي وتوحيد الجهود...

بندر مسلم (الرياض)
تكنولوجيا براد سميث رئيس شركة «مايكروسوفت» يلقي كلمة في بروكسل ببلجيكا يوم 30 أبريل 2025 (رويترز)

رئيس «مايكروسوفت» يدعو إلى معايير سلامة للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي

دعا رئيس «مايكروسوفت» براد سميث الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى وضع معايير فعالة لسلامة الذكاء الاصطناعي، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن الحوادث.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.