ما وراء الصمت الليبي حيال محاكمة «أبو عجيلة» و«البكوش» في أميركا؟

قانونيون يتهمون «الوحدة» بـ«تقويض» سلطة القضاء المحلي

الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
TT

ما وراء الصمت الليبي حيال محاكمة «أبو عجيلة» و«البكوش» في أميركا؟

الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)
الليبي الزبير البكوش على الطائرة قبل وصوله إلى أميركا (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل فبراير الماضي «إكس»)

بات الصمت الرسمي سمة بارزة في تعامل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة مع ملفات الليبيين الملاحقين أمام القضاء الأميركي؛ إذ لم تعلّق على مجريات محاكمة ضابط الاستخبارات السابق، أبو عجيلة المريمي، في قضية «لوكربي».

كما لم يصدر عنها حتى الآن أي موقف بشأن الليبي الزبير البكوش، بعد إعلان واشنطن توقيفه على خلفية اتهامات مرتبطة بالهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012.

أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية من «رويترز»)

وأعاد هذا الغياب الحكومي فتح باب التساؤلات بشأن أسباب هذا الصمت وحدود التعاطي مع القضايا ذات الأبعاد السيادية والقانونية، لا سيما بعد إعلان فريق الدفاع عن المريمي، الأحد، أن محكمة أميركية أسقطت في 26 مايو (أيار) إحدى التهم الثلاث الموجهة إليه، والمتعلقة بإتلاف أو محاولة إتلاف مبنى أو مركبة أو أي ممتلكات عقارية أو منقولة باستخدام النار أو المتفجرات، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

ويقول متابعون إن حالة الصمت الرسمي تعكس ما يوصف بـ«حرج سياسي» متزايد لدى السلطات في غرب ليبيا في التعامل مع الملفات المرتبطة بالولايات المتحدة، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام الداخلي واعتماد الحكومات المتعاقبة على الدعم الدولي في عدد من الملفات السياسية والأمنية.

ولا يجد المحامي محمد بن دردف، رئيس فريق الدفاع عن المريمي، تفسيراً لهذا الصمت سوى «الحذر في التعامل مع هذه القضايا شديدة الحساسية، لا سيما مع التعقيدات التي قد تحيط أي تحرك حكومي رسمي يُفهم باعتباره معارضاً للمصالح الأميركية».

وأوضح بن دردف لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «انطباعاً متراكماً بوجود تحفظ واضح لدى أطراف ليبية رسمية إزاء الخوض في ملفات تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، حتى لو تعلقت بإجراءات قضائية أو بقضايا تعويضات أو بمحاكمة شخصيات ليبية تتم خارج البلاد».

كما يلحظ «أن تفاعلات الشارع الليبي ومنصات التواصل الاجتماعي تلعب أحياناً دوراً مؤثراً في إعادة بعض الملفات إلى واجهة الاهتمام، قبل أن يتراجع الزخم مجدداً مع انشغال الليبيين بالأزمات الاقتصادية والمعيشية اليومية»، بحسب بن دردف.

والمريمي ضابط سابق بجهاز الأمن الخارجي (الاستخبارات)، يبلغ من العمر 75 عاماً. وقد اختطفه مسلحون من منزله منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ومنذ ذلك الحين يخضع للمحاكمة في أميركا.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، أقر لاحقاً بتسليمه إلى الولايات المتحدة، واصفاً إياه بأنه «إرهابي متهم بتصنيع المتفجرات التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص بريء» في تفجير طائرة «بان أميركان 103» فوق لوكربي عام 1988.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من 3 أعوام ونصف العام، لا تزال نتائج التحقيق الذي فتحه النائب العام الليبي، الصديق الصور، بشأن ملابسات تسليم المريمي غائبة عن الرأي العام، رغم تأكيده آنذاك أن العملية تمت «من دون علم السلطة القضائية ولا وكلاء النيابة».

وفي حين أوكلت السلطات القضائية الأميركية فريقاً أميركياً للدفاع عنه، يواصل فريق الدفاع الليبي المتطوع لمساندته قانونياً انتقاد ما يصفه بـ«الصمت الرسمي وغياب أي دعم من السلطات في شرق البلاد وغربها تجاه محاكمة مواطن ليبي أمام القضاء الأجنبي».

ويبدي بن دردف، استغرابه من «غياب الدعم المالي لفريق الدفاع» في إطار ما يصفه بـ«واجب الدولة السيادي تجاه أحد مواطنيها، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليه» رغم حديثه بأن الحكومة المكلفة من البرلمان قدمت خلال مراحل سابقة دعماً مالياً لعائلة المريمي.

ويرى قانونيون أن الجدل الدائر حول محاكمة الليبيين في الخارج يتجاوز البعد القانوني، ليعكس أزمة تتعلق بصورة الدولة الليبية نفسها ومدى قدرتها على استعادة مؤسساتها السيادية وفرض اختصاصها القضائي، في بلد لا يزال يعيش انقساماً ممتداً منذ أكثر من عقد.

وترسخ هذا الاعتقاد لدى قانونيين منذ إعلان واشنطن توقيف المواطن الليبي الزبير البكوش بموجب مذكرة دولية قبل نحو 4 أشهر، لمواجهة اتهامات تتعلق بـ«القتل والإرهاب والحرق العمد».

ويواجه البكوش اتهامات تتعلق بـ«الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012»، في حين لم تصدر «الوحدة الوطنية» أي تعليق رسمي بشأن ملابسات اعتقاله أو تسليمه إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي.

وفي هذا الإطار، عدّ الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي، محمد الزبيدي، الصمت الذي تبديه السلطات في طرابلس تجاه قضية البكوش، ومن قبله المريمي، يمثل «تكتماً على فعل مُجرَّم بالقانون المحلي والقانون الدولي، وإقراراً ضمنياً بالشراكة فيه».

وقال الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، إن تسليم مواطن ليبي إلى واشنطن تم «بتواطؤ مع الجانب الأميركي»، معتبراً أن هذا الإجراء يتعارض مع المبادئ القانونية التي تمنع تسليم المواطنين الليبيين إلى أي دولة أخرى مهما كانت طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.

ويستند منتقدو تسليم الليبيين إلى الخارج إلى قانون الإجراءات الجنائية الليبي، التي تشترط لقبول طلبات التسليم «ألا يتعلق الطلب بليبي»، وهو ما يعدّه قانونيون حظراً صريحاً لتسليم المواطنين الليبيين إلى سلطات قضائية أجنبية.

وأضاف الزبيدي أن تسليم أو خطف مطلوبين ليبيين خارج إطار القضاء الوطني بات أمراً مكرراً، مستشهداً بحالات سابقة مثل أبو أنس الليبي وأحمد أبو ختالة، معتبراً أن ذلك يعكس وضع ما وصفها بأنها «دولة مخترقة ومنزوعة السيادة».

وكانت القوات الأميركية قد اعتقلت أبو أنس الليبي في طرابلس عام 2013، قبل نقله إلى الولايات المتحدة بتهم مرتبطة بتفجيرات سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998، حيث توفي لاحقاً في السجن عام 2015. كما اعتقلت أحمد أبو ختالة عام 2014، ونقلته إلى واشنطن لمحاكمته في قضية الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي.

ويؤكد الزبيدي أنه لا يبرر أي اتهامات موجهة إلى هؤلاء الأشخاص، لكنه يشدد على أن الاختصاص الأصيل يبقى للقضاء الليبي، وأن محاكمتهم يجب أن تتم داخل البلاد لا عبر «الخطف والنقل إلى الخارج».

كما رأى الزبيدي أن الحكومات الليبية المتعاقبة منذ 2011، بما فيها حكومة الدبيبة، منحت المجتمع الدولي انطباعاً بـ«عجز القضاء المحلي»، مستشهداً بمنح اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027، رغم أن اختصاصها ـ بحسب وصفه ـ «تكميلي وليس أصيلاً». وحذر من أن استمرار هذا النهج قد يرتب على ليبيا تعويضات مالية جديدة وفتح قضايا أخرى خاصة بالنظام السابق.


مقالات ذات صلة

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر
شمال افريقيا الصالحين يتوسط دومة (إلى اليمين) والأشتر في أول اجتماع لرئاسة مجلس النواب الليبي الجديد الأربعاء (مجلس النواب)

واشنطن والبعثة الأممية تعترفان بانتخاب رئيس «النواب» الليبي... والمنفي يرفض

في وقت تكرّس فيه واشنطن والبعثة الأممية الشرعية للرئاسة الجديدة للبرلمان الليبي يعمّق رفض محمد المنفي ودعوته الموازية شقاق الانقسام السياسي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (مجلس النواب)

انفتاح رئيس «النواب» الجديد على «الأعلى للدولة» يختبر المسار السياسي في ليبيا

يفتح انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي الباب أمام اختبار جديد للعلاقة مع المجلس الأعلى للدولة، وسط دعوات لاستئناف الحوار بين المؤسستين.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا برفع رواتب موظفي الدولة حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي.

علاء حموده (القاهرة)

السودان: مناوي يلوّح بورقة التمرد إذا «استمرت الدولة في دعم الميليشيات»

أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

السودان: مناوي يلوّح بورقة التمرد إذا «استمرت الدولة في دعم الميليشيات»

أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)
أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)

لوّح حاكم إقليم دارفور، (غرب السودان)، مني أركو مناوي، بالتمرد المسلح مجدداً، احتجاجاً على ما سماه «استمرار الدولة في إنشاء المزيد من الميليشيات» في البلاد... وأثارت تصريحاته الكثير من الجدل والتكهنات حول دلالتها السياسية والعسكرية، في وقت تقاتل قواته إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وفي لقاء جماهيري، الأربعاء، في العاصمة السودانية الخرطوم، قال مناوي: «لا نريد دولة تدعم الميليشيات، وسنتمرد على أي دولة تدعم ميليشيات الجنجويد أو أي ميليشيات تحت أي مسمى»، مكرراً عبارة: «تحت أي اسم» أكثر من مرة.

جنود بمطار الخرطوم الدولي خلال استقبال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بعد مشاركته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

واسترسل قائلاً: «لن نقبل بدولة تأتي بأي جنجويدي أو ميليشياوي وتدعمه من أموال دافع الضرائب السوداني... أو من دمنا ودم أطفالنا».

لكن في المقابل، أكد، حاكم دارفور، مناوي، أن «القوة المشتركة» والقوات المسلحة السودانية «يعملان جنباً إلى جنب على الأرض وفوق الجو لتحرير» آخر منطقة تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»؛ في إشارة إلى إقليم دارفور، التي تسيطر عليه الأخيرة بالكامل.

ويرأس «مناوي» حركة «جيش تحرير السودان»، أكبر الفصائل المسلحة المكونة لـ«القوة المشتركة» في إقليم دارفور، التي انحازت للقتال في صفوف الجيش ضد «قوات الدعم السريع». إلى جانب «حركة العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

ولم تمض إلا ساعات على حديثه، حتى استدرك مناوي في منشور على منصة «إكس»، بالقول، إن خطابه الذي رفض فيه «أي ميليشيا تم تحريفه من قبل إعلامي الجنجويد»؛ في إشارة إلى منتسبي «قوات الدعم السريع». وأضاف: «نعم أرفض الميليشيات مستفيداً من تجربتكم... ومهما حرفتهم أو حرضتم، لا ميليشيا سواكم حتى الآن، كنتم الميليشيا الأولى ويجب أن تكون الأخيرة».

ورأى البعض، أن تصريحات مناوي التي وصفت بأنها أقرب إلى لغة التهديد، تعبر عن مخاوفه من تحالف عسكري جديد قيد التأسيس، تحت اسم «درع الغرب» يضم عدداً من القادة الميدانيين الذين انشقوا من «قوات الدعم السريع»، وانضموا إلى الجيش السوداني، وغالبيتهم ينحدرون من المجموعات العربية بدارفور.

من جهة ثانية، أثار حديث مناوي، بصفته حليفاً رئيسياً للجيش في حربه ضد «الدعم السريع»، موجة شديدة من العداء والغضب وسط أنصار الحكومة التي وجهت إعلامها في منصات التواصل الاجتماعي للهجوم عليه. وأشار البعض منهم، إلى أن تصريحاته «رسالة تهديد صريحة ومباشرة إلى الجيش»، باعتباره يقف وراء احتواء الفصائل المنشقة من «الدعم السريع» للاستقواء بها، تحسباً من أي مواجهات عسكرية داخل معسكر المجموعات المسلحة المتحالفة معه.

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي خلال زيارته مخيم نازحين بشمال السودان في 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقالت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش أو «قوات الدعم السريع»، يغلب عليها التكوين «القبلي والجهوي» بلا استثناء، وإن زعمت غير ذلك. وأضافت أن «وجود هذا العدد الكبير من الميليشيات خارج نطاق سلطة الدولة والجيش يُشكل مصدر قلق حقيقياً لمستقبل السودان». وأشارت إلى أن تعدد الميليشيات وتكاثرها منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، يثير الكثير من المخاوف بين السودانيين من اندلاع حروب ونزاعات مسلحة جديدة في مناطق مختلفة من البلاد.

ويأتي الهجوم الكثيف على حاكم إقليم دارفور، عطفاً على واقعة سابقة، عقب تمرده الثاني أبان توليه منصب كبير مساعدي مساعد الرئيس المعزول، عمر البشير، في عام 2013.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

ودافع أنصار الرجل عنه، باعتبار أن حديثه «يتسق تماماً» مع موقف رئيس «مجلس السيادة»، عبد الفتاح البرهان، بدمج كل المجموعات العسكرية في الجيش.

وتُعد «القوة المشتركة» التي تضم إلى جانب حركة مناوي، «حركة العدل والمساواة» بقيادة وزير المالية، جبريل إبراهيم، و«قوات التحالف السوداني» من الفصائل الفاعلة في الميدان العسكري ضد «الدعم السريع»، وتشارك قواتها حالياً في كل العمليات الحربية التي تدور في إقليمي كردفان ودارفور.


السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف إنشاء ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها، وذلك وسط توتر متصاعد مع إثيوبيا التي تسعى إلى الوصول إلى منفذ بحري وتعده «أولوية وطنية قصوى».

وجاءت التأكيدات المصرية المتجددة بشأن قضية «المنفذ البحري»، خلال مؤتمر صحافي عقده السيسي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، الخميس، في سيول.

وأشار الرئيس المصري إلى أن مسؤولية أمن البحر الأحمر وحوكمة شؤونه «تقع على عاتق الدول المشاطئة»، رافضاً «أي محاولات للهيمنة أو الوجود الخارجي خارج الأطر الشرعية للتعاون الإقليمي».

وتحدث السيسي أيضاً عن أهمية مياه النيل بصفتها مسألة وجودية للشعب المصري، وأعلن في الوقت ذاته دعم مصر الكامل للتنمية في دول حوض النيل، مع رفضها القاطع لأي إجراءات أحادية تنتهك مبدأ عدم الإضرار وقواعد القانون الدولي ذات الصلة، أو تمس حقوقها المائية التاريخية.

حوكمة البحر الأحمر

ويتسع التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر خلافات حادة في ملف المياه والمنافذ البحرية، وترفض القاهرة إقامة أديس أبابا أي سدود جديدة على النيل، ولوّحت «بحق الدفاع الشرعي» عن حقوقها المائية، كما ترفض حصول إثيوبيا على أي منفذ على البحر الأحمر، على أساس أن هذا ليس حقاً قانونياً لها.

وأكدت «القمة الرباعية التشاورية»، التي انعقدت بمدينة العلمين المصرية الأحد الماضي، وشارك فيها زعماء مصر والصومال وإريتريا ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة». كما شددت الدول الأربع على مبدأ حرية الملاحة.

قمة رباعية في العلمين بمصر تؤكد على دعم الاستقرار في القرن الأفريقي (الرئاسة المصرية)

وإثيوبيا دولة حبيسة محاطة بالبر من جميع الجهات منذ انفصال إريتريا عنها عام 1993.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، الخميس، تصريحات على لسان الرئيس السابق لمجلس نواب الشعب الإثيوبي، أبادولا جيميدا، أكد فيها أن «أي جهة لا يمكنها منع إثيوبيا من تأمين منفذ بحري»، عادّاً أن «إثيوبيا حُرمت من الوصول إلى البحر بموجب قرارات لم تخضع لنقاش وطني كافٍ أو مداولات ضمن إطار قانوني رسمي».

وزعم أن «خصوم إثيوبيا التاريخيين سعوا طويلاً إلى منع البلاد من تأمين منفذ بحري، بما في ذلك من خلال دعم قوى تعمل من داخل إثيوبيا نفسها»، وأعاد الاتهامات التي وجهتها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد لمصر بدعم جبهات حركات إثيوبية معارضة.

مبادئ القانون الدولي

وقال سفير مصر الأسبق لدى السودان، السفير حسام عيسى، إن تصريحات الرئيس السيسي في سيول بمثابة تأكيد على المبادئ المصرية بشأن تأمين البحر الأحمر والحفاظ على سيادة واستقرار الدول في منطقة القرن الأفريقي.

وأضاف: «ما تعانيه تلك المنطقة من نزاعات لا يتحمل مساعي إثيوبيا نحو تصدير أزماتها الخارجية لخلق صراع جديد لن يقود في النهاية لتحقيق نتائج إيجابية لأديس أبابا».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ادعاء دولة حبيسة بأن لها الحق في الوصول إلى البحر أمر مخالف للقانون الدولي الذي يمنع أي قوى غير ساحلية من اقتطاع أراضٍ أو فرض ممرات بالقوة أو النفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة وسلامة أراضي الدول المطلة عليه.

واتهم عيسى إثيوبيا بعدم الاكتراث بمبادئ القانون الدولي، وأن لديها نوايا توسعية، وأنها «تعمل على مصادرة حقوق جيرانها كما الحال في قضية النيل».

من جهته، قال الباحث في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد فؤاد رشوان، لـ«الشرق الأوسط» إن موقف مصر ثابت لم يتغير بشأن «المنفذ البحري» أو قضية «مياه النيل»، لافتاً إلى أنها تُصّر على مبادئ القانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية والبحار، وكذلك مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة، وهي أسس قام عليها الاتحاد الأفريقي.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء افتتاحه سد النهضة (الخارجية الإثيوبية)

وسبق أن نفى مصدر مصري مسؤول نفياً قاطعاً تقارير متداولة حول استعداد مصر منح إثيوبيا نفاذاً بحرياً إلى البحر الأحمر مقابل مرونة إثيوبية في موقفها بشأن «سد النهضة»، حسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء المصرية الرسمية في فبراير (شباط) الماضي.

شبح حرب إقليمية

وبالتزامن مع الحديث عن انتشار قوات إريترية حول مدينة أديغرات في شمال إقليم تيغراي - وهي منطقة قريبة من إريتريا - اتهم وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى صياغة رواية تقوم على «الدفاع عن النفس لتبرير حرب محتملة ضد إريتريا، بهدف الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر».

ويرى السفير عيسى أن وجود صراع في القرن الأفريقي «لن يؤثر على المنطقة فقط، ولكن ستظهر تأثيراته بوضوح على الملاحة الدولية في منطقة مهمة للاقتصاد العالمي»، مشيراً إلى أن جيران إثيوبيا (مصر والسودان وإريتريا والصومال) وجهوا إليها رسائل مهمة عبر «القمة التشاورية الأخيرة» بضرورة تغيير سياساتها الحالية.

ويعتقد عيسى أن «الحرب تمددت بالفعل إلى خارج الأراضي الإثيوبية مع التمسك بالوصول إلى موانئ وأراضي دول أخرى دون توافق معها»، وقال إن أديس أبابا تسعى إلى فرض شيء دون رضا الدول المجاورة.

أما رشوان، فتوقع أنه «في حال استمرار السياسة الإثيوبية القائمة على خلق عداءات خارجية وإلقاء اتهامات مختلفة لدول الجوار بدعم الصراعات الداخلية، فإن ذلك قد يقود إلى حرب إقليمية أوسع، خصوصاً أن إريتريا لديها مخاوف من أن تفقد مجدداً سيطرتها على ميناء عصب».


احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
TT

احتمال زيادة أسعار الوقود يثير مخاوف الجزائريين

مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)
مجلس الوزراء خلال إقرار مشروع قانون المالية لسنة 2007 في 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة)

قد يستيقظ الجزائريون صباح اليوم الأول من عام 2027 على زيادة في أسعار الوقود، على غرار ما حدث في 1 يناير (كانون الثاني) الماضي. لكن الفارق هذه المرة هو أن الحكومة لم تعلن حينها مسبقاً عن أي تعديل في أسعار المحروقات، في حين أنها مهّدت هذه المرة لاحتمال الزيادة، مبررة ذلك بارتفاع تكاليف الإنتاج.

مخاوف من تغير أسعار مشتقات النفط مطلع 2027 (الشرق الأوسط)

تضمّن مشروع قانون المالية لعام 2027، الذي أرسلته الحكومة، الأربعاء، إلى المجلس الشعبي الوطني للاطلاع عليه؛ تمهيداً لمناقشته والمصادقة عليه، مادة قد لا تلقى ترحيباً لدى عامة الجزائريين، ولا سيما محدودي الدخل، في حال تفعيلها.

ويتعلق الأمر بالمادة 218، التي تمنح الحكومة إمكانية مراجعة أسعار الوقود خلال عام 2027، من دون تحديد حجم الزيادات المحتملة؛ ما يضفي على النص طابعاً «غير شعبي» بمفهوم التداول الإعلامي للقرارات الحكومية، التي ترهق كاهل الأسر.

وورد في النص، أنه «يمكن، عند الاقتضاء، مراجعة أسعار الوقود من طرف الجهات المعنية». وفي عرض الأسباب، ذكرت الحكومة أن الدولة «تتبنى واحدة من أكثر سياسات تسعير الوقود استقراراً وفاعلية على مستوى العالم؛ بهدف دعم نموذج الطاقة الوطني بشكل مستدام. ولتحقيق هذه الغاية، تتكفل الخزينة العمومية بتغطية جزء كبير من التكاليف الفعلية؛ ما يسهم في سد الفجوة بين تكاليف الإنتاج وسعر الوقود في محطات التعبئة، بما يحمي القدرة الشرائية للأسر، ويعزز القدرة التنافسية للجهات الاقتصادية الفاعلة».

* فاتورة مكلفة

يبرز النص، أنه «نظراً إلى الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج، قد يصبح تعديل أسعار الوقود ضرورة تقنية واقتصادية ملحة». موضحاً أن التعديل المحتمل للأسعار «يعدّ أساسياً لضمان الاستقرار المالي لقطاعي التكرير والتوزيع، وتجنب أي مخاطر لانقطاع الإمدادات، وضمان استمرار توفر المنتجات البترولية في جميع أنحاء البلاد، دون المس بالدعم الحكومي».

جانب من تفاعل الصحافة المحلية مع التدابير المعلنة في مجلس الوزراء بخصوص قانون المالية 2027

ووفق المادة نفسها، «يمكّن هذا الإجراء الجهات المعنية من تنفيذ تعديلات سعرية موجهة ومنظمة»، موضحة أنها «مرونة تنظيمية تحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية للشركات الصناعية والحفاظ على التماسك الاجتماعي».

وحالياً، تعرض محطات الوقود البنزين بسعر 47 ديناراً للتر ( 0.35 دولار). والمازوت (الديزل) بـ31 ديناراً للتر (0.23 دولار للتر). ومعروف أن الدولة تتحمل جزءاً من الفارق بين تكاليف الإنتاج الحقيقية، والأسعار المطبقة عند المضخة. ويسمح هذا الدعم بالحفاظ على أسعار الوقود عند مستويات أدنى من تكلفتها الاقتصادية، وتخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر والشركات.

لكن وفقاً للحكومة، فقد يتطلب ارتفاع تكاليف الإنتاج تعديلات في الأسعار من أجل الحفاظ على الاستمرارية المالية لشركات التكرير والتوزيع، وضمان استمرار تزويد السوق الوطنية.

واللافت، أن مراجعة الأسعار المحتملة للوقود، لا تزال تفتقر إلى التفاصيل، خصوصاً ما يتعلق بحجم الزيادة، وهو الجانب الذي يشغل الرأي العام في البلاد بالدرجة الأولى، لا سيما أن أي رفع لأسعار الوقود من شأنه أن ينعكس على أسعار معظم السلع والخدمات، وعلى وجه الخصوص تكاليف نقل المسافرين والبضائع.

ترقب إحالة مشروع قانون المالية 2027 على المناقشة العامة في البرلمان (البرلمان)

ويشكل دعم الوقود أحد العناصر المهمة لتدخل الدولة في الاقتصاد. ومع ذلك، فإن مشروع قانون المالية لا يحدد حجم الوفرة المالية، الذي قد ينتج من مراجعة الأسعار.

وفوجئ الجزائريون مع بداية عام 2026 بزيادة في أسعار الوقود دخلت حيز التنفيذ في فاتح يناير، في وقت شهد فيه قطاع النقل تحركاً احتجاجياً للناقلين شمل نقل المسافرين والبضائع، وأدى الإضراب إلى اضطرابات في حركة النقل والإمدادات، قبل أن تبدأ السلطات مفاوضات مع ممثلي القطاع لمعالجة مطالبهم.

* إصلاح ضريبة الثروة

يظهر من خلال مشروع قانون المالية 2027 توجه البلاد نحو تسجيل مستوى جديد من الاختلال في ماليتها العامة، مع توقع ارتفاع عجز الميزانية إلى 63.3 مليار دولار خلال عام 2027، مقابل نحو 40 مليار دولار متوقعة للسنة المالية 2026.

وتعكس الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية حجم الفارق بين موارد الدولة ونفقاتها؛ إذ تُقدّر النفقات بنحو 132 مليار دولار، مقابل إيرادات لا يتوقع أن تتجاوز 68.7 مليار دولار. ويُقدّر الفارق بين النفقات والإيرادات بنحو 63.3 مليار دولار؛ وهو ما يمثل حجم العجز المتوقع في الميزانية.

ويعكس هذا المستوى من العجز استمرار سياسة مالية توسعية، في وقت تواصل فيه الدولة تخصيص موارد كبيرة لتمويل البرامج الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، ومواصلة تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، إلى جانب مرافقة المشاريع التي تُصنّف ضمن القطاعات الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد.

كما تسعى الحكومة إلى إصلاح ضريبة الثروة، التي لم تتجاوز إيراداتها بين 2022 و2025 نحو 149 ألفاً إلى 186 ألف دولار سنوياً، مقارنة بإيرادات ميزانياتية متوقعة تبلغ 68.7 مليار دولار في 2027.

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة في يناير الماضي بسبب زيادة مفاجئة في أسعار الوقود (نقابات قطاع النقل)

ويقترح مشروع قانون المالية خفض عتبة الخضوع للضريبة من نحو 743 ألف دولار إلى 594 ألف دولار، مع اعتماد معدلات تصاعدية بين 0.2 و1 في المائة، وتشديد العقوبات على التأخر أو عدم التصريح. كما يُبقي بعض الإعفاءات، أبرزها السكن الرئيسي ضمن حدود معينة.

وتهدف هذه الإجراءات إلى توسيع قاعدة الخاضعين للضريبة، وتحسين التحصيل، من دون أن يقدم المشروع تقديراً للإيرادات الإضافية المتوقعة، أو تفسيراً واضحاً لضعف المردود الحالي.