مصر والصين... شراكة متنامية دون الإخلال بـ«حسابات التوازن» مع أميركا

القاهرة عدّت تعاون البلدين على مدى سبعة عقود «نموذجاً فريداً»

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

مصر والصين... شراكة متنامية دون الإخلال بـ«حسابات التوازن» مع أميركا

محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر أن علاقاتها مع الصين «شكّلت على مدى سبعة عقود نموذجاً فريداً للتعاون المثمر والشراكة الاستراتيجية الشاملة، وشهدت تطوراً متواصلاً في مختلف المجالات». فيما يرى خبراء أن «شراكة القاهرة وبكين لا تخل بـ(حسابات التوازن) مع واشنطن».

ووفق إفادة لوزارة الخارجية، السبت، تحتفل مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو (أيار) 1956، حين بادرت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، فاتحة بذلك صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدولي بين دول العالم النامي.

وذكرت «الخارجية» أن قيادتي البلدين تبادلتا رسائل التهنئة والتقدير، كما تبادل رئيسا الوزراء ووزيرا الخارجية في البلدين رسائل عكست عمق الروابط السياسية والدبلوماسية بين القاهرة وبكين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية - الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وشهد الرئيسان حينها مراسم التوقيع على عدد من اتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك في كثير من المجالات، ومن بينها خطة «التطوير المشترك لمبادرة (الحزام والطريق)»، وتعزيز التعاون في مجال الابتكار التكنولوجي وتكنولوجيا الاتصالات.

سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية - الصينية»، السفير علي الحفني، يقول إن «يوم 30 مايو، هو تاريخ تأسيس علاقات دبلوماسية بين مصر والصين، والعلاقات منذ ذلك التاريخ تتطور بشكل مستمر؛ لأنها تعبّر عن إرادة سياسية موجودة في القاهرة وبكين».

يضيف الحفني: «في نهاية التسعينات تم إنشاء علاقات تعاون استراتيجي، ثم تطورت إلى علاقات شراكة استراتيجية، ثم إلى علاقات شراكة استراتيجية شاملة، وهذا كان في زيارة الرئيس السيسي الأولى للصين نهاية عام 2014 وتم الاتفاق على ترقية العلاقات بحيث إنها تصبح علاقات استراتيجية شاملة».

الرئيس عبد الفتاح السيسي يزور النصب التذكاري للجندي المجهول بميدان «تيانانمن» في بكين ويضع إكليلاً من الزهور عليه مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

«أهداف واحدة»

ويتابع الحفني لـ«الشرق الأوسط»: «يكاد لا يكون هناك مجال لم تتطرق إليه جهود الدولتين في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة عربياً وأفريقياً، وهناك تناغم في رؤية البلدين لقضية مهمة جداً ألا وهي ارتباط الأمن بالتنمية، ومن هنا كانت المساعي المستمرة في السعي من أجل إيجاد تسويات سياسية للنزاعات كافة، سواء كانت في المنطقة العربية أو في القارة الأفريقية أو في قارة آسيا».

ويوضح أنه «كان هناك تركيز على موضوع التنمية، لأن التنمية في حد ذاتها كفيلة إذا ما تحققت أن تخلق حالة من الاستقرار الأمني». ويدلل على ذلك بأن «التركيز في الدبلوماسية الصينية والمصرية على التنمية وعلى التكامل والاندماج الإقليمي، ومصر تُقدر جداً الجهود التي تبذلها الصين في هذا الإطار، ودائماً ما تدعم مبادراتها، سواء بالنسبة لـ(الحزام والطريق)، أو بالنسبة للأمن الجماعي أو التنمية المشتركة أو الحضارة العالمية أو أخيراً الحوكمة العالمية».

وتحدث الحفني عن أن عدد الشركات الصينية التي تنفذ مشروعات في مصر يزداد، والاستثمارات الصينية في ارتفاع، فالعلاقة بين البلدين «تنمو مع مرور الوقت ومبنية على فهم عميق متبادل ورؤية مشتركة بشأن ضرورة أن تتسم العلاقات الدولية بالطابع الديمقراطي ولا يتم التمييز فيها بين دولة صغيرة أو كبيرة».

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين عام 2024 نحو 17 مليار دولار، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025. كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 13.9 مليار دولار خلال 2023، وفق إفادة «جهاز التعبئة والإحصاء» في مايو 2024.

رئيس الوزراء المصري يستقبل رئيس مجلس الدولة الصيني بالقاهرة في يوليو الماضي (مجلس الوزراء المصري)

«التعاون الأمني»

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة يؤكد أن «العلاقات المصرية - الصينية تمتد بجذورها في أعماق التاريخ، سواء كان ذلك على المستوى الثنائي أو التعاون في المجال الأمني والعسكري، أو فيما يتعلق بالعلاقات السياسية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، بما في ذلك قضية الشرق الأوسط، وأيضاً فيما يتعلق بالتطورات التي تشهدها المنطقة حالياً خصوصاً القضية الفلسطينية، وضرورة أن تكون هناك تسوية أساسها (حل الدولتين)».

وعقدت مصر والصين في أبريل (نيسان) 2025 أول تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وتم تنفيذه على مدار عدة أيام بإحدى القواعد الجوية المصرية، وبمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة المتعددة المهام من مختلف الطرازات.

ويشير حليمة إلى العلاقات بين القاهرة وبكين في إطار مجموعة «البريكس»، وفي إطار «منتدى الصين العربي»، و«المنتدى الصيني - الأفريقي»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا يسير بالتوازي مع العلاقات المصرية - الأميركية ومع الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة».

وحسب وزارة الخارجية، السبت، «تتطلع مصر إلى تعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتوسيع آفاق التعاون مع الصين، بما يخدم مصالح البلدين، ويحقق التنمية والازدهار لشعبيهما، ويعزز التواصل الحضاري بين الشعبين المصري والصيني اللذين يجمعهما تاريخ عريق وإرث حضاري يمتد لآلاف السنين».

وشهدت العاصمة الصينية بكين نهاية 2024 عقد الجولة الرابعة من «آلية الحوار الاستراتيجي بين مصر والصين» على مستوى وزراء الخارجية.

جانب من «الحوار الاستراتيجي» بين مصر والصين في ديسمبر 2024 (الخارجية المصرية)

«العلاقات الأميركية»

حول توازن العلاقات المصرية مع أميركا في ظل الشراكة المتنامية مع الصين، يرى نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية الصينية» أن «هناك تطابقاً في الرؤى ما بين القاهرة وبكين، لأن الدولتين تدركان أن الانفتاح يجب أن يكون على العالم أجمع ودون استثناءات».

ويضيف أن «مصر والصين تسعيان إلى الحفاظ على الشراكات القائمة بينها وبين قارات العالم الأخرى، ما دام أن هذا يتم على أساس من الاحترام المتبادل واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وأيضاً ما دام أن هناك مصالح اقتصادية تحقق الهدف المنشود».

كما يوضح أن «مصر تعتز بشراكاتها الأخرى، سواء كانت مع الولايات المتحدة أو مع روسيا أو الهند أو اليابان أو كوريا الجنوبية، فمصر مثلما تعتز بشراكتها مع الصين، تعتز بشراكاتها مع الشركاء الدوليين كافة».

أيضاً يقول نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية» إن «مصر في سياستها الخارجية تتسم بإقامة علاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية كافة، وعلى المستوى الدولي علاقاتها تتسم بهذا التوازن في ظل مبادئ ثابتة وراسخة، سواء كان ذلك في علاقتها مع الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو الاتحاد الأوروبي». ويرى أن «العلاقات المصرية مع أميركا لا تقل عن مستوى علاقاتها مع الصين».

وفي يوليو (تموز) الماضي، قال رئيس مجلس الدولة الصيني، لي تشيانغ خلال زيارته إلى القاهرة ولقاء رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي إنه يعمل على «مواصلة إثراء مقومات علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، بما يضفي قوة دافعة نحو التنمية والنهضة الوطنية لكلا البلدين، ويسهم بطاقة إيجابية للسلام والتنمية في المنطقة والعالم».


مقالات ذات صلة

تراجع التأييد لترمب لأدنى مستوى خلال رئاسته عند 33 %

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تراجع التأييد لترمب لأدنى مستوى خلال رئاسته عند 33 %

أظهر ‌استطلاع أجرته «رويترز - إبسوس» اليوم الاثنين تراجع نسبة التأييد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أدنى مستوى لها منذ توليه الرئاسة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)

المحكمة العليا الأميركية ترفض مجدداً طعن ترمب في قضية اعتداء على كاتبة

رفضت المحكمة العليا الأميركية، الاثنين، للمرة الثانية، محاولة الرئيس دونالد ترمب إلغاء حكم صادر عن هيئة محلفين خلص إلى أنه اعتدى جنسياً على كاتبة عام 1996.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مدمرة أميركية (أرشيفية- أ.ف.ب)

تقرير: مدمرة أميركية قضت أربعة أيام بلا طاقة في بحر الصين الجنوبي

قالت شبكة «سي إن إن» الأميركية إن مدمرة أميركية قضت أربعة أيام الشهر الماضي دون مراحيض صالحة للاستخدام أو خدمات مطبخ أو تكييف هواء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صورة توضيحية تظهر شارة التحقق الزرقاء وشعارات «فيسبوك» و«إنستغرام» (رويترز)

محاكمة تهدد بتغيير «إنستغرام» و«فيسبوك» جذرياً... ما القصة؟

تواجه «ميتا» محاكمة مفصلية قد تفرض تغييرات جوهرية على «إنستغرام» و«فيسبوك» لحماية الأطفال، تشمل الإعجابات والتصفح المتواصل وخوارزميات التوصية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في فلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تحليل إخباري نزع السلاح أم الانسحاب أولاً؟ عقدة تهدد خطة ترمب لغزة

تواجه خطة ترمب لغزة عقدة ترتيب نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي، وسط خلاف مع نتنياهو وتعقيدات التحقق من تنفيذ الالتزامات وحدود الضغط الأميركي.

شادي عبد الساتر (بيروت)

جريمة قتل بدافع «الشرف» تُثير جدلاً في مصر

جرائم أُسَرية مروعة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)
جرائم أُسَرية مروعة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)
TT

جريمة قتل بدافع «الشرف» تُثير جدلاً في مصر

جرائم أُسَرية مروعة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)
جرائم أُسَرية مروعة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)

تحولت جريمة قتل في صعيد مصر إلى قضية رأي عام، وأثارت حالة من الجدل، بعدما قطع زوج سفره وعاد من حيث يعمل في الخارج إلى محافظة سوهاج، عندما اكتشف خيانة زوجته مع شابين في محيطه، فقتلهم «دفاعاً عن الشرف»، لتُضاف الجريمة إلى متوالية من جرائم عنف أُسري شهدتها مصر الأسابيع الماضية.

وانقسم المتابعون إلى فريق متعاطف مع الزوج وآخر منتقد له، وسط تساؤلات عن فرص انتشار هذه النوعية من الجرائم مستقبلاً، مع اتساع قدرات تزييف الصور وتسجيلات الفيديو.

وقال المتهم خلال التحقيقات -وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية- إن صوراً ومقاطع فيديو من حسابات مجهولة حول إقامة زوجته علاقة مع شابين وصَلَته في غُربته بليبيا حيث يعمل؛ وبعودته ومواجهة زوجته اعترفت له بوجود علاقة مع أحدهما الذي ابتزَّها لإقامة علاقة مع الآخر، ما دفع الزوج لقتلهم بآلة حادة، والتمثيل بجثة أحدهم.

وسرعان ما انتشرت هذه الرواية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبة بصور للمتهم وعبارات تمتدح «دفاعه عن شرفه»، وتتعاطف معه بوصفه ضحية لزوجة خانته، ثم تسببت في ضياع مستقبله.

ورغم انتشار توضيحات من محامين بأن حالة الزوج لا تنطبق عليها المادة 273 من قانون العقوبات المصري، والتي تُحوِّل قتل الزوج لزوجته وعشيقها في حالة تلبُّسهما بالزنا من جناية إلى جنحة، فإن ذلك لم يحد من تعاطف كثيرين مع المتهم.

ويوضح المحامي حسن شومان سبب عدم انطباق مادة الدفاع عن الشرف على حالة المتهم، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المادة مرتبطة قصراً على حالة التلبس، وفلسفتها استفزاز مشاعر الزوج لدرجة تصعب معها السيطرة على أفعاله، وتتحول فيها العقوبة من جناية إلى جنحة»، مضيفاً أن التوصيف القانوني للحالة الأخيرة هو «القتل العمد»؛ إذ كانت لدى الزوج فترة كافية ليتمالك مشاعره، مما يجعل الجريمة في هذه الحالة انتقاماً، وليس دفاعاً عن الشرف.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وأضاف أن بعض الروايات المتداولة تشير إلى أن الزوج تعرض للابتزاز من الشابين، وطلبا منه مالاً، وأنهما اللذان أرسلا له هذه المقاطع؛ وهي حالة قد تدفع القاضي إلى اللجوء للمادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بالرأفة، فيخفَّف الحكم من الإعدام أو المؤبد إلى السجن المشدد. ولفت إلى أن القضية ملتبسة، ولن تتضح خيوطها سوى بتحقيقات النيابة وتقارير الأجهزة الفنية والطب الجنائي.

وكان الموكل عن المتهم في القضية، المحامي محمود محمد، قد قال في بث مباشر، مساء الأحد، إن «الخيانة وقعت وثابتة في حق موكله بأدلة أمام جهات التحقيق، وأنه قَتَل دفاعاً عن نفسه وليس دفاعاً عن الشرف»، في إشارة إلى أنه تعرَّض للاعتداء قبل ارتكابه جريمة القتل.

وأكد محمد في منشور آخر باليوم التالي، أنه «لا توجد صور ولا مقاطع جنسية بين المجني عليهم في القضية»، وعزز ذلك التصريح رأي الفريق الثاني من متابعي القضية ممن رفضوا تبرير فعل الزوج، وسط روايات أخرى متداولة بأن الزوجة تعرضت للابتزاز لإقامة علاقة جنسية مع أحد الشابين؛ لكنها رفضت.

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، أن القضية كشفت عن سرعة تصديق الناس لرواية الجاني والتعاطف معه، مضيفاً أنه ظهرت منذ الساعات الأولى لتكشُّف القضية عبارات مثل: «دافع عن شرفه»، و«غسل شرفه»، وأن القاتل «تحوَّل إلى ضحية قبل أي نتيجة تحقيق رسمية».

واعتبر صادق أن مثل هذه الحالات متكررة «حيث الشك في سلوك المرأة -حتى لو غير مثبت ولا مبني على مواد رقمية قابلة للتلاعب- يبرر العنف فوراً».

قرية في محافظة سوهاج بصعيد مصر (صفحة المحافظة على فيسبوك)

وقبل شهور، قضت محكمة الجنايات بالإعدام على زوج قتل زوجته ليلة زفافهما، لاعتقاده أنها «لم تكن بِكراً»، وهو ما نفاه الطب الشرعي.

وأضاف صادق: «الشك أو الشائعة، حتى من حسابات مجهولة، تعد كافية لتحويل الزوج أو الأب أو الأخ، من مشتكٍ إلى قاضٍ ومُنفِّذ»، محذراً من اتساع ذلك في ظل انتشار وسائل التواصل؛ مؤكداً أن اعتبار الأدلة الرقمية دليلاً فورياً يبرر القتل أمر خطير؛ لأن المواد الرقمية يسهل التلاعب فيها أو صنعها.

وتأتي القضية بعد أيام من تصدُّر قضية عُرفت بـ«مذبحة مايو» بالقاهرة لـ«الترند»، إثر قتل أب لابنته وثلاثة من أقارب أمها، وإصابة 17 آخرين، إثر فتحه النار عليهم في «جلسة صلح»، بعد حصوله على سلاح الجريمة من «الدارك ويب»، وفق ما أوضحه بيان النيابة.

وفي حادثة أخرى، قتل متهم شقيقه إثر خلافات عائلية، في إحدى قرى محافظة المنوفية بدلتا النيل.


توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)
صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)
TT

توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)
صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تصاعدت التوترات بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية تصريحات إثيوبية تحدثت عن «السيطرة على تدفقات مياه النيل»، والرد المصري الذي حذر من المُضي قدماً في تنفيذ هذه الخطط، وهو ما عدّه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يعمق الخلافات القائمة حول موارد «نهر النيل» في ظل مخاوف من الدخول في سنوات جفاف تؤثر سلباً على إيرادات المياه لدولتي المصب مصر والسودان.

وتتمسك مصر والسودان بالحقوق التاريخية بشأن حصص المياه السنوية وفقاً لـ«اتفاقية 1959» بين البلدين، وحددت الحصص الحالية (55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان)، فيما يشكو البلدان من الدخول في «الفقر المائي».

وما زالت الخلافات قائمة بشأن «الاتفاق الإطاري للتعاون في حوض نهر النيل» (عنتيبي)، وهو إطار قانوني ومؤسسي دائم لإدارة مياه نهر النيل وتقاسم مواردها بين جميع دول الحوض بشكل يُوصف من قِبل دول المنبع بـ«العادل والمنصف». وقد أعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ بعد مصادقة 6 دول عليها، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وجنوب السودان، وسط رفض مصري وسوداني.

وعن التوتر المتصاعد بين مصر وإثيوبيا، قال كبير خبراء إدارة مشروعات المياه والزراعة بالأمم المتحدة، أحمد فوزي دياب: «الأمر لم يعد مجرد تباينات حول حصص المياه، وإنما أصبحت قضية ترتبط بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي في حوض النيل».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تواجه بالفعل تحدياً في ملف المياه، مع ازدياد الاحتياجات السكانية والاقتصادية، وتراجع نصيب الفرد من الموارد المائية، ولذلك فإن أي انخفاض إضافي في تدفقات النيل ستكون له تداعيات كبيرة على الأمن الغذائي والتنمية والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل هناك تحركات على مستويات مختلفة للحفاظ على الأمن المائي».

وشدّد على أن الخلافات بين دول حوض النيل يجب ألا تتحول إلى حالة استقطاب دائم، لأن استمرارها دون حلول تفاوضية عادلة قد يفتح الباب أمام صراعات إقليمية يصعب احتواؤها؛ مضيفاً: «مصر مطالبة باستخدام جميع أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية والفنية المتاحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الحوار والتفاوض، للوصول إلى ترتيبات تضمن حقوق ومصالح جميع دول حوض النيل دون الإضرار بدول المصب».

ولفت إلى أن استفادة إثيوبيا من مواردها المائية «حق مشروع، لكن هذا الحق يجب ألا يتحول إلى إجراءات تفرض أمراً واقعاً يضر بمصالح دول المصب، وفي مقدمتها مصر والسودان».

مخاوف مصرية من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

وفي الأيام الأخيرة، تداولت وسائل إعلام عربية ومحلية تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصبّ سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أنها «تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة».

فيما رد مصدر مصري مسؤول على هذه التصريحات عبر وكالة الأنباء الرسمية قائلاً: «تصريحات المسؤول الإثيوبي تمثل إمعاناً في نهج أديس أبابا الأحادي في انتهاك القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام إثيوبيا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة».

ولوّح بأن مصر «لديها أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح شعبها في نهر النيل، وهي لن تقبل، ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ».

وفي فبراير (شباط) 2025 عقد المجلس الوزاري لـ«مبادرة حوض النيل» اجتماعاً استثنائياً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أكد خلاله وزير الري المصري هاني سويلم التزام بلاده بمبادئ «مبادرة حوض النيل»، وضرورة الحفاظ على مبدأ الإجماع بين أعضائها كـ«ضرورة حتمية لضمان استمرار المبادرة وتحقيق الاستفادة التبادلية، بما يعزز الاستقرار الإقليمي».

ويقول الخبير في الشأن الأفريقي، رمضان قرني، إن التوتر المتصاعد «يتجاوز حدود الملاسنات والتصريحات السياسية المتبادلة، ويدخل في إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل منظومة العلاقات والتوازنات في حوض النيل والقرن الأفريقي».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر لم تتجاهل رغبة شركائها الأفارقة بدول حوض النيل في التعامل مع «الاتفاقية الإطارية»، وإنما شاركت على مدار الفترة الماضية في اجتماعات تشاورية وتنسيقية بهدف الوصول إلى صيغة توافقية تحظى بقبول مختلف دول الحوض.

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وأضاف: «التحفظات المصرية على الاتفاقية ليست رفضاً لمبدأ التعاون بين دول حوض النيل، وإنما ترتبط بعدد من المسائل القانونية والفنية التي ترى القاهرة ضرورة معالجتها قبل الوصول إلى اتفاق شامل، وفي مقدمتها آليات اتخاذ القرار والتصويت، وضرورة الإخطار المسبق عند تنفيذ المشروعات التي قد يكون لها تأثير على دول أخرى، إلى جانب مراعاة الاستخدامات والحقوق المائية القائمة ومبدأ العدالة في توزيع الموارد».

وتظل قضية المياه واحدة من أبرز القضايا المحورية في العلاقات المصرية - الإثيوبية، ولذلك فإن أي تحرك إثيوبي يتعلق بإدارة مياه النيل أو الإطار القانوني الحاكم لدول حوض النيل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز الجانب الفني، وفقاً لقرني الذي أشار إلى أن تبادل التصريحات يأتي بالتزامن مع تطورات متسارعة في القرن الأفريقي، وملفات مثل الصومال وإقليم «أرض الصومال»، وأمن البحر الأحمر، والعلاقات بين الدول المشاطئة له.

والخلاف بين القاهرة وأديس أبابا ممتد لنحو 15 عاماً حول مشروع «سد النهضة» الذي أنشأته إثيوبيا على رافد نهر النيل الشرقي، وأعلنت افتتاحه قبل عام تقريباً.


زيادة في توريد القمح المحلي بمصر «دون طموحات الحكومة»

الحكومة المصرية تعمل على زيادة مساحات القمح المنزرعة (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
الحكومة المصرية تعمل على زيادة مساحات القمح المنزرعة (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
TT

زيادة في توريد القمح المحلي بمصر «دون طموحات الحكومة»

الحكومة المصرية تعمل على زيادة مساحات القمح المنزرعة (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)
الحكومة المصرية تعمل على زيادة مساحات القمح المنزرعة (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)

على الرغم من زيادة القمح المحلي في مصر المورَّد من المزارعين إلى الحكومة مسجلاً 4.72 مليون طن مقارنة بالعام الماضي، كانت الزيادة المحققة - وفق خبراء - أقل من مستهدفات الحكومة التي قدّرت الحصاد بنحو 5 ملايين طن خلال الموسم الذي يبدأ من منتصف أبريل (نيسان) إلى منتصف أغسطس (آب) من كل عام.

وبلغت نسبة الزيادة مقارنة بالعام الماضي نحو 20 في المائة بعدما ورَّد المزارعون في 2025 نحو 3.93 مليون طن فقط، وفق البيانات الصادرة عن وزارة الزراعة.

ورفعت الحكومة في أبريل سعر توريد القمح إلى 2500 جنيه للإردب مع الصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والمورِّدين خلال 48 ساعة بحد أقصى، في إطار تشجيع المزارعين على التوسع في زراعة القمح وتجنب صعوبات واجهتهم في سنوات سابقة.

وعلى مدار 4 أشهر خصصت الحكومة 400 نقطة على مستوى ربوع البلاد من أجل تسلُّم القمح من المزارعين، في حين بلغ إجمالي المساحات المنزرعة بالقمح نحو 3.7 مليون فدان بزيادة تقارب 600 ألف فدان عن الموسم الماضي.

وقفزت واردات مصر من القمح خلال النصف الأول من العام الحالي بنحو 48 في المائة لتسجل 7.7 مليون طن بعد قرار رفع الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية إلى ما يكفي 9 أشهر من الاستهلاك بدلاً من 6 أشهر، في حين تعد القاهرة من أكبر مستوردي القمح حول العالم مع استيراد نحو 12 مليون طن سنوياً لتلبية الطلب المحلي.

وتخطط الحكومة لخفض فاتورة الاستيراد الزراعي من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتوطين صناعة التقاوي والبذور محلياً، مع التوسع في الزراعة التعاقدية ودعم الصادرات الزراعية لتوفير النقد الأجنبي، وفق إفادات متكررة من وزارة الزراعة.

مصر زادت في أبريل الماضي سعر توريد القمح (صفحة وزارة الزراعة على «فيسبوك»)

وتحدث أستاذ الاقتصاد الزراعي أشرف كمال عن «تباين إنتاجات الأراضي المنزرعة بالقمح مع متوسط 19 إردباً للفدان الواحد ترتفع إلى 23 إردباً في أراضي الدلتا القديمة وتنخفض إلى 13 و14 إردباً للفدان في المناطق الصحراوية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الأمر قد يكون السبب في الفارق بين ما تم توريده إلى الحكومة بشكل كامل وما كانت تستهدفه وتطمح إليه بشكل أساسي».

ويؤكد وكيل لجنة الزراعة بمجلس النواب فريد واصل لـ«الشرق الأوسط» وجود تقديرات متفائلة في بعض الأحيان استناداً إلى حسابات رقمية خلال توريد القمح، «لكن عند اكتمال الحصاد، التقديرات وطموحات المستهدف الحكومي تتغير».

وفي المقابل يقول رئيس الإدارة المركزية لشؤون المديريات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة محمد شطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الرقم الإجمالي لما تم جمعه يقترب من - وربما يفوق - المستهدف الحكومي، باعتبار أنه لم يتضمن ما يقارب مائتَي ألف طن من القمح الصلب المورَّد لمصانع المعكرونة، بالإضافة إلى 115 ألف طن تُستخدم في التقاوي، بما يعني أن إجمالي ما جرى حصاده يفوق 5 ملايين طن».

ويضيف: «الفضل في زيادة نسبة المساحة المنزرعة يرجع في المقام الأول للتوسعات في الأراضي الزراعية التي زُرع فيها القمح هذا العام، بجانب التسهيلات التي تقدم للمزارعين عبر توفير التقاوي والسماد المدعم، وتسريع وتيرة تسلُّم المستحقات المالية».