عودة الانتخابات إلى واجهة النقاش تختبر قدرة الأفرقاء على إنهاء الانقسام

ما بين حوار ترعاه الأمم المتحدة ومبادرة أميركية

ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
TT

عودة الانتخابات إلى واجهة النقاش تختبر قدرة الأفرقاء على إنهاء الانقسام

ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)
ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)

مع استمرار الجمود السياسي الذي يطبع المشهد الليبي، عاد ملف الانتخابات إلى واجهة النقاش والتساؤلات مجدداً، بوصفه الاختبار الأبرز لقدرة الأفرقاء على إنهاء سنوات الانقسام.

فبعد أكثر من عقد ونصف العقد على سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، ما زالت البلاد عاجزة عن إنتاج سلطة موحدة تستند إلى شرعية انتخابية، في ظل تعثر متكرر للمسارات السياسية، وتضارب مصالح القوى المحلية والخارجية.

وزراء خارجية مصر وتونس وليبيا خلال اجتماع لدول الجوار الليبي بحضور تيتيه في القاهرة 21 مايو (البعثة الأممية)

ويبدو التساؤل بشأن مصير صندوق الاقتراع اليوم أكثر إلحاحاً، ويكشف في إجابته تبايناً في التوقعات مع تعدد المبادرات المطروحة لكسر حالة الانسداد بين حوار وطني مهيكل ترعاه الأمم المتحدة، يُنتظر أن تصدر توصياته خلال أيام، وتحركات سياسية أخرى تشمل مجموعة مصغرة يُنظر إليها على أنها امتداد لمبادرة أميركية مرتبطة بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، فضلاً عن تسريبات تتحدث عن مقترحات وحلول قد يدفع بها مجلسا «النواب» و«الدولة».

وبين هذه المسارات المتوازية، يترقب الليبيون ما إذا كانت ستقود إلى توافق يفتح الطريق أمام الانتخابات هذا العام أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي أخفقت في إنهاء الأزمة.

ويرى سياسيون، ومن بينهم الأكاديمي أستاذ القانون الليبي راقي المسماري، أن «مبادرة بولس، المدعومة أممياً عبر اجتماعات (4+4)، إلى جانب الحوار المهيكل، تفتح نافذة أمل للتوصل إلى تفاهمات بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس المفوضية». لكن المسماري شدد لـ«الشرق الأوسط» على أن الوصول إلى الانتخابات «يبقى رهناً بقدرة الأفرقاء الليبيين على تحقيق توافقات حقيقية داخل هذه الاجتماعات».

إحدى جلسات الحوار المهيكل الليبي في طرابلس (البعثة الأممية)

ومنذ مطلع الربيع الحالي، قطعت الأمم المتحدة خطوات متقدمة في مسار «الحوار المهيكل»، الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمشاركة سياسيين وخبراء ليبيين، ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة الأممية في أغسطس (آب) الماضي، ومن المنتظر أن تظهر مخرجاته مطلع يونيو (حزيران) المقبل.

كما رعت الأمم المتحدة جولتين سياسيتين في تونس وروما لاجتماعات «المجموعة السياسية المصغرة» (4+4)، التي ضمت ممثلين عن حكومة «الوحدة» الوطنية في غرب ليبيا والجيش الوطني في شرقها، بهدف معالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة في المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي ملفات أخفق مجلسا «النواب» و«الدولة» في حسمها خلال الأشهر الماضية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تسريبات لم ينفها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مؤخراً بشأن لقاء جمعه بممثلين عن لجنة التواصل في المجلس الأعلى للدولة خلال اجتماع بالقاهرة، تناول تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة القضايا الخلافية الرئيسية بين المجلسين.

ليبي يُدلي بصوته في مركز اقتراع بالانتخابات البلدية في أغسطس الماضي (المفوضية الوطنية للانتخابات)

ورغم هذا الزخم السياسي، يرى المسماري أن الحديث عن إمكانية إجراء الانتخابات هذا العام «لا يزال محل اختبار»، مستحضراً تجربة انتخابات 2021 التي تعطلت تحت ذريعة «القوة القاهرة».

وأكد أن «الكرة ما زالت في ملعب القوى الفاعلة على الأرض، وما إذا كانت تريد فعلاً انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أم الاكتفاء بانتخابات برلمانية تحت حكومة موحدة ورئاسي جديد».

ويعتقد المسماري أن نجاح أي مسار انتخابي يبقى مرتبطاً باستكمال جميع بنود المبادرة، بما في ذلك ترتيبات تقاسم السلطة بين حكومة تنفيذية ومجلس رئاسي يُمثل السلطة السياسية، لافتاً إلى أن المشهد الليبي ما زال محكوماً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة، تجعل أي حل مرهوناً أولاً بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة.

ومع تعدد المسارات تتباين أيضاً دوافع التفاؤل والحذر. فعضو مجلس النواب عائشة الطبلقي رأت في تصريح صحافي سابق أن المبادرة الأميركية تُمثل «خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، وصولاً إلى الانتخابات». كما عدّ المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، أن استعادة التوافق بين مجلسي «النواب» و«الدولة» تُمثل فرصة مهمة لكسر الانسداد السياسي، والوصول إلى انتخابات.

في المقابل، لا تبدو جميع الأطراف مرتاحة للمسارات السياسية القائمة، وهو ما كشفته مطالبة مكونات ليبية تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو بتمثيل مباشر وعادل في أي مسار انتخابي، ودعت بعثة الأمم المتحدة إلى وقف مخرجات لجنة (4+4) المتعلقة بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، مع التحذير من مقاطعة أي عملية انتخابية لا تضمن تمثيلاً كاملاً لهذه المكونات.

وفي هذا الإطار، يرى عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة، أن أي حديث عن انتخابات من دون حسم المسار الدستوري «سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الأزمة والانقسام السياسي». وقال إن فشل الليبيين حتى الآن في تنظيم استفتاء على مشروع الدستور وإقرار دستور دائم يجعل كثيراً من المحاولات السياسية الراهنة «أقرب إلى العبث»، وقد يُسهم في تعميق الخلافات بدلاً من حلها.

اجتماع ممثلين للجيش الوطني الليبي وحكومة الوحدة «4+4» في تونس 12 مايو (البعثة الأممية)

وأكد بوحمرة لـ«الشرق الأوسط» أن «إجراء انتخابات ذات مصداقية وقادرة على تحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي لا يمكن أن يتم من دون أساس دستوري واضح يُحدد شكل الدولة وصلاحيات المؤسسات، وتُبنى عليه قوانين انتخابية ذات شرعية دستورية»، مشدداً على أن «الدستور أولاً» يبقى الطريق الأقرب لتجنب تكرار الانقسام والصراع حول الشرعية.

ولا يغيب دور دول الجوار عن حسابات التسوية السياسية، خصوصاً بعد بيان اجتماع دول الجوار الليبي في القاهرة يوم 21 مايو (أيار)، بمشاركة مصر والجزائر وتونس، والذي شدد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

ويرى الباحث السياسي محمد الأمين أن طرح دول الجوار يعكس «حقيقة أن الأزمة الليبية تتعلق بشرعية السلطة كاملة، لا بمؤسسة واحدة فقط»، محذراً من أن أي تسوية جزئية قد تعيد إنتاج الانقسام بصيغة جديدة، فيما يبقى المطلوب مساراً شاملاً يضع جميع مؤسسات السلطة أمام التفويض الشعبي والمحاسبة، حتى لا تتحول الانتخابات إلى غطاء لاستمرار الأزمة بدلاً من إنهائها.


مقالات ذات صلة

ظهور ميليشياوي في احتفالية يثير انتقادات حقوقية بليبيا

شمال افريقيا «المضغوطة» بزيه العسكري فى حفل تخريج عناصر جهاز «دعم الاستقرار» (الجهاز)

ظهور ميليشياوي في احتفالية يثير انتقادات حقوقية بليبيا

لم تهدأ ردود الفعل المستهجنة لظهور «المضغوطة» ضمن احتفال فرع الميليشيا في طرابلس بتخريج دورة تدريبية لعدد من منتسبيها.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقع ممثلو شرق البلاد وغربها، هذا الأسبوع الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً السفير الفرنسي لدى ليبيا تيري فالات (المجلس الرئاسي)

المنفي يبحث عن دعم فرنسي لـ«المبادرة الثلاثية» بشأن ليبيا

جدد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، تمسكه بـ"المبادرة الثلاثية" التي سبق أن أطلقها مع رئيسي مجلسي النواب، عقيلة صالح، و"الأعلى للدولة"، محمد تكالة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بولس والطرابلسي يتوسطان الصورة والقائم بالأعمال الأميركي إلى اليسار (حساب بولس على «إكس»)

هل تجمع سرت أفرقاء ليبيا لوضع خريطة «توحيد الجيش»؟

بدا لكثير من الليبيين أن سرت، المطلة على البحر المتوسط، مقبلة على احتضان اجتماعات عسكرية وأمنية خلال الأيام المقبلة، تستهدف بحث آليات إنهاء الانقسام المؤسسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من عملية إنقاذ مهاجرين من 4 دول أفريقية (الإدارة العامة لأمن السواحل)

إنقاذ 43 مهاجراً أفريقياً من الغرق في «المتوسط» قبالة ليبيا

تتّهم الأجهزة الليبية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة عصابات «الاتجار بالبشر» بالدفع بمئات المهاجرين إلى البحر في قوارب متهالكة بعد تلقّي الأموال منهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً


مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً


مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)

أثار تسريب وثيقة أميركية، تتضمن عدة نقاط، لوقف الحرب في السودان، جدلاً واسعاً بشأن فرص التوصل إلى هدنة إنسانية تنهي أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.

وبحسب «رويترز»، فإن الولايات المتحدة، اقترحت إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهد الطريق لمفاوضات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية وصولاً إلى إجراء انتخابات، وذلك في مقترح قدم للطرفين الشهر الماضي.

وتوضح وثائق مسربة أن الخلاف انحصر في بند واحد، حول انسحابات مقترحة لضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وأظهرت وثيقة منسوبة إلى الحكومة السودانية، مؤرخة في 25 من يونيو (حزيران)، توافقاً مع المبادرة الأميركية في عدد من المبادئ الأساسية، من بينها الإقرار بعدم وجود حل عسكري للصراع، وإعلان هدنة، وتشكيل لجنة تنسيق برئاسة الولايات المتحدة، وعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إضافة إلى إنشاء آلية أممية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، ومراقبته، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.


وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين، إلا أن هذه الوثائق أثارت في الوقت نفسه جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت البلاد قد اقتربت بالفعل من إنهاء الحرب، أم أن المبادرة الجديدة ستلقى المصير نفسه الذي انتهت إليه محاولات السلام السابقة.

وذكرت وكالة «رويترز»، نقلاً عن مسؤولين سودانيين كبار، أنهم أكدوا صحة مضمون الوثائق المسربة، والتي أظهرت وجود توافق واسع بين الجانبين بشأن المبادئ العامة للمبادرة، مقابل خلاف جوهري يتعلق بمصير «قوات الدعم السريع» المنتشرة داخل المدن. وتباينت المواقف عقب تسريب الوثائق بين قبول مشروط من جانب الحكومة السودانية لفكرة الهدنة، وتصريحات أميركية بدت متضاربة؛ إذ أشارت في البداية إلى رفض الخرطوم للمقترح، قبل أن تؤكد لاحقاً قبولها له، في حين لا يزال التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الهدنة بعيد المنال.

وحسب «رويترز»، اقترحت الولايات المتحدة إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة تسعين يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهد الطريق لمفاوضات تُفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية وصولاً إلى إجراء انتخابات.

قائد الجيش السوداني رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

غير أن الحكومة السودانية، التي يقودها الجيش، ربطت موافقتها على المقترح، وفقاً للوثيقة المسربة، بانسحاب «قوات الدعم السريع» من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ الحادي عشر من مايو (أيار) 2023، بدلاً من الانسحابات المحدودة التي نص عليها المقترح الأميركي.

وأظهرت الوثيقة المنسوبة إلى الحكومة السودانية، والمؤرخة في 25 من يونيو (حزيران) الماضي، توافقاً مع المبادرة الأميركية في عدد من المبادئ الأساسية، من بينها الإقرار بعدم وجود حل عسكري للصراع، وإعلان هدنة تشمل جميع أنحاء البلاد، وتشكيل لجنة تنسيق برئاسة الولايات المتحدة، وعضوية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إضافةً إلى إنشاء آلية أممية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، ومراقبته، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.

لكن الرد السوداني تضمَّن شرطاً أساسياً يتمثل في انسحاب «قوات الدعم السريع» من جميع المدن التي سيطرت عليها، على أن تشمل الترتيبات الأمنية اللاحقة سحب هذه القوات، وتسريحها، ونزع سلاحها، وإعادة دمج عناصرها تحت إشراف الأمم المتحدة، مع الإبقاء على القوات المسلحة بوصفها الجيش الوطني الموحد، ودمج بقية التشكيلات العسكرية ضمنها.

وتوضح الوثائق المسربة أن الخلاف بين الطرفين يبدو ظاهرياً محصوراً في بند واحد، إلا أنه يمس جوهر المبادرة. فالمقترح الأميركي ينص على وقف فوري لإطلاق النار، يتبعه تنفيذ انسحابات محدودة وإعادة انتشار للقوات بما يضمن وصول المساعدات الإنسانية، خصوصاً في ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، على أن يجري التفاوض لاحقاً حول الترتيبات العسكرية ضمن اتفاق دائم لوقف إطلاق النار. أما الرد السوداني فيجعل الانسحاب الكامل لـ«قوات الدعم السريع» من المدن، وتغيير خريطة السيطرة العسكرية، شرطاً أساسياً لتنفيذ الهدنة.

أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان أخيراً (إكس)

ولا يقتصر التباين على ملف الانسحابات العسكرية؛ إذ تنص المبادرة الأميركية على تأسيس جيش وطني موحد يخضع للمساءلة أمام حكومة مدنية مستقلة ومنتخبة، في حين يربط الرد السوداني القوات المسلحة بالحكومة السودانية.

كما أشارت «رويترز» إلى أن المقترح الأميركي دعا إلى استبعاد جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب عناصر الميليشيات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بينما استخدمت الوثيقة السودانية مصطلحاً أشمل هو «جماعات التطرف العنيف»، من دون الإشارة إلى جماعات أو تنظيمات بعينها.

وخلال جلسة مجلس الأمن الدولي التي عُقدت في 26 يونيو الماضي، أعلن كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن مجلس السيادة السوداني رفض أحدث نسخة من مقترح الهدنة. إلا أنه عاد لاحقاً، وبعد مداخلة ممثل السودان الذي أوضح أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أرسل رداً يتضمن جدولاً زمنياً للانسحابات وخطة لإحلال السلام، ليعرب عن ترحيبه بما وصفه بقبول البرهان للمبادرة. وقال بولس: «يسعدني أن أسمع أن البرهان قبل، على ما يبدو، أحدث مقترح للسلام بدلاً من رفضه»، مضيفاً أن المبادرة أُعدت بالتشاور مع وزير الخارجية السوداني وأعضاء في مجلس السيادة، وبالتنسيق مع مصر، وحظيت بترحيب من المملكة العربية السعودية، حسب المسؤول الأميركي.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في تفسير معنى القبول أكثر مما يعكس رفضاً كاملاً للمبادرة. فالخرطوم ترى أن موافقتها على الإطار العام، مع اشتراط انسحاب «قوات الدعم السريع» تمثل قبولاً مشروطاً للمقترح، في حين ترى واشنطن أن هذا الشرط يغيّر جوهر مبادرتها القائمة على وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار من دون شروط مسبقة. وفي ظل هذا الاختلاف، لا يزال الطرفان بعيدين عن التوافق على صيغة نهائية موحدة.

وفي أحدث ظهور إعلامي له، الجمعة، في مدينة أم درمان، لم يحسم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، موقفه من المبادرة، سواء بالقبول أو الرفض، كما لم يكشف عن طبيعة الرد الذي قدمته حكومته. وقال، خلال مخاطبته مصلين، إن القوات المسلحة لن تقبل بأي ترتيبات تُفرض عليها أو لا تحقق الأمن والسلام للسودانيين، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية حتى القضاء على من وصفهم بـ«المعتدين والمتمردين».

وتزامن تسريب الوثائق مع جدل واسع بشأن لقاء غير معلن قيل إنه جمع عضو مجلس السيادة شمس الدين كباشي، بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في العاصمة المصرية القاهرة. وتداولت الأوساط السياسية روايتين متباينتين بشأن الاجتماع؛ إذ ذهبت الأولى إلى أن كباشي عقد اللقاء من دون علم البرهان، ولم يُطلعه على تفاصيله، بينما نقلت قناة «العربية» عن مصادر مقربة من كباشي أن الاجتماع تم بطلب من بولس، وبعلم البرهان، وأن الأخير أُحيط علماً بما دار فيه. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجانبين السوداني أو الأميركي يحسم صحة أي من الروايتين.

ويرى القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، خالد عمر يوسف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن خريطة الطريق التي طرحتها المجموعة الرباعية تمثل «المبادرة الأهم والأكثر شمولاً وإحكاماً». واستبعد يوسف تحقيق اختراق قريب في مسار الهدنة ما لم تزداد الضغوط على الطرف الذي يعطلها.

شروط «الدعم السريع»

وفي المقابل، لم تصدر «قوات الدعم السريع» أي بيان رسمي بشأن المبادرة الأميركية أو الرد المنسوب إلى الجيش. إلا أن مسؤولاً بارزاً في القوات، طلب عدم الكشف عن هويته، قال لوكالة «رويترز» إن قواته تسلمت المقترح الأميركي، ورحبت به، وقدمت رداً مكتوباً، من دون الإفصاح عن تفاصيله أو توضيح موقفها من شرط الانسحاب.

لكنّ مصدراً رفيع المستوى في «قوات الدعم السريع»، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، قال لـ«الشرق الأوسط» إن انسحاب قواته من المدن التي تسيطر عليها «ليس مطروحاً للنقاش»، مضيفاً أن أي هدنة ينبغي أن تقوم على تثبيت مواقع قوات الطرفين، على أن تُناقش قضايا إعادة الانتشار ونزع السلاح ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم.

ويرى المحلل السياسي محمد لطيف أن الضغوط الأميركية والإقليمية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، واقتناع الداعمين الإقليميين للطرفين بصعوبة تحقيق حسم عسكري، إلى جانب تصاعد مطالب القوى المدنية، وازدياد المخاوف من تقسيم السودان وانهيار مؤسسات الدولة، تمثل عوامل قد تعزز فرص التوصل إلى هدنة.

لكنه حذَّر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من أن استمرار المعارك في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، التي يسعى كل طرف إلى السيطرة عليها لتحسين موقعه التفاوضي، إضافةً إلى الخلاف حول آليات الرقابة وضمان عدم استغلال الهدنة في إعادة التجنيد أو التسليح أو إعادة التموضع العسكري، قد يعرقل فرص نجاح المبادرة.

وأشار لطيف إلى أن اتساع رقعة انتشار القوات يجعل من الصعب على القيادتين السيطرة الكاملة على جميع التشكيلات المقاتلة، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار أي اتفاق نتيجة خرق محدود أو إطلاق نار من مجموعة صغيرة. كما لفت إلى أن القوى الداخلية والخارجية المستفيدة من استمرار الحرب قد تمتلك القدرة على إفشال أي هدنة إذا تعارضت مع مصالحها.

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» علي كرتي ومطالب أميركية بحظر حركته (فيسبوك)

ويخلص المشهد، وفق المعطيات المتوافرة، إلى أن السودان دخل بالفعل مرحلة تفاوض تتضمن مقترحات مكتوبة، وردوداً رسمية، واتصالات سياسية متواصلة، وضغوطاً دولية متزايدة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن وقف الحرب بات وشيكاً. فالجيش يتمسك بجعل انسحاب «قوات الدعم السريع» من المدن شرطاً أساسياً للهدنة، بينما لم تعلن «قوات الدعم السريع» موقفاً رسمياً من هذا الشرط، رغم أن المؤشرات غير الرسمية توحي برفضه.

وبناءً على ذلك، تبدو البلاد أقرب إلى جولة تفاوض أكثر جدية من سابقاتها، لا إلى اتفاق نهائي على وقف إطلاق النار. وسيعتمد نجاح هذه الجولة على قدرة الوسطاء على التوصل إلى صيغة مرحلية بشأن الانسحابات، ووضع آليات رقابة وضمانات قابلة للتنفيذ، وإقناع الطرفين بقبول هدنة لا تمنح أياً منهما مكاسب عسكرية أو سياسية مسبقة.


مصر تجدد رفضها الاعتراف بـ«أرض الصومال»

مؤتمر صحافي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال فبراير الماضي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
مؤتمر صحافي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال فبراير الماضي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها الاعتراف بـ«أرض الصومال»

مؤتمر صحافي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال فبراير الماضي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
مؤتمر صحافي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال فبراير الماضي في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جدَّدت مصر رفضها الاعتراف بـ«أرض الصومال»، وشدَّدت على «رفضها الكامل لأي محاولات أو إجراءات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك أي اعتراف بما تُسمى (أرض الصومال) بوصف ذلك انتهاكاً لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية».

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، السبت، تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث تمَّ تبادل الرؤى بشأن تطورات الأوضاع الداخلية في الصومال، إلى جانب مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي.

وأكد عبد العاطي خلال الاتصال دعم مصر الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية، مشدداً على «الحرص على أمن واستقرار الصومال»، مُجدِّداً موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

ومنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه الرئيس الصومالي على هامش «منتدى أنطاليا» الدبلوماسي في أبريل الماضي (الخارجية المصرية)

وبحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، أعرب وزير الخارجية الصومالي عن تقدير بلاده للدعم المصري المتواصل على المستويات السياسية والتنموية والأمنية، مثمناً المواقف المصرية الثابتة الداعمة لوحدة وسيادة الصومال، وسلامة أراضيه.

كما أكد الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر بشأن مختلف القضايا الثنائية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

وتشيد مصر بالزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية مع الصومال على مختلف المستويات، حيث تمَّ افتتاح خط مصر للطيران بين البلدين، والتوقيع على بروتوكول التعاون العسكري في أغسطس (آب) 2024، والانتقال الكامل للسفارة المصرية إلى مقديشو، فضلاً عن التوقيع على الإعلان السياسي، الخاص بترفيع العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» في يناير (كانون الثاني) 2025.

وأعربت مصر، منتصف الشهر الماضي، عن إدانتها الشديدة لإعلان افتتاح ما تُسمى «سفارة أرض الصومال» في مدينة القدس المحتلة، وعدَّت أنَّ هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقدس.

وأكدت «الخارجية المصرية» حينها رفضها الكامل لأي إجراءات أحادية تهدف إلى تكريس واقع غير قانوني في القدس، أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.