«عامة النحل» تنتخب الملكات بطريقة «ديمقراطية»

دراسة أميركية كشفت أنّ الشغالات تتحكّم في مصير اليرقات عبر «هرمون الشباب»

ليست كلّ الملكات تولد ملكات... هكذا يقول النحل (أ.ف.ب)
ليست كلّ الملكات تولد ملكات... هكذا يقول النحل (أ.ف.ب)
TT

«عامة النحل» تنتخب الملكات بطريقة «ديمقراطية»

ليست كلّ الملكات تولد ملكات... هكذا يقول النحل (أ.ف.ب)
ليست كلّ الملكات تولد ملكات... هكذا يقول النحل (أ.ف.ب)

رغم أنّ لكلّ خلية نحل ملكتها الخاصة، فإنّ آلية الوصول إلى العرش تبدو كأنها تعمل بشكل ديمقراطي، وليس وفق قواعد ملكية تقليدية. فقد توصلت دراسة أُجريت في الولايات المتحدة، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن نشرتِها الدورية العلمية المختصة في علوم الحشرات «الكيمياء الحيوية والجزيئية للحشرات»، إلى أنّ شغالات النحل هي التي تختار اليرقات التي ستصبح ملكات في المستقبل.

وتجري عملية الاختيار عن طريق مادة طبيعية تُعرف باسم «هرمون الشباب»، وهي المسؤولة عن نمو الحشرة وانسلاخها عن قشرتها الصلبة الخارجية وإكسابها القدرة على التكاثر. وعندما أعطى فريق بحثي من جامعة ولاية بنسلفانيا كميات من هذا الهرمون إلى الشغالات، فقد نقلتها تلك النحلات، التي تمثل عامة الشعب، إلى اليرقات من خلال عملية التغذية. وكلما زادت كمية الهرمون التي تحصل عليها اليرقة، ازدادت احتمالات نموّها وتحوّلها ملكةَ نحل.

داخل الخلية... تُصنع السلطة بطريقة مدهشة (إ.ب.أ)

وأكد الفريق البحثي أنّ هذه أول دراسة من نوعها تُظهر أنّ التنظيم الطبقي في خلية النحل الطنّان يتحدَّد عبر اختيارات الشغالات؛ مما يساعد في تغيير طريقة فهم ديناميكيات الحياة في عالم النحل، إذ يبدو أنّ الخلية لا تخضع لتسلسل هرمي من أعلى إلى أسفل كما كان يُعتقد من قبل، بل إن الحياة داخلها تخضع لمنظومة غير مركزية، تستطيع فيها الشغالات التحكم في مسار حياة اليرقات وتحديد أيها ستتولّى الحُكم في المستقبل.

ويقول الباحث إيتا أمسالم، المختص في علم الحشرات بجامعة بنسلفانيا: «نظراً إلى أنّ جميع الإناث تشترك في الحمض النووي نفسه، فإنّ عملية تحول اليرقة ملكةَ نحل تُعدّ نموذجاً واضحاً لكيفية تحول النمط الجيني نفسه أشكالاً مختلفة جداً». وأضاف، في بيان أورده الموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المختص في البحوث العلمية، أنّ هذه الدراسة تنطوي على فوائد عملية في ضوء أهمية النحل الطنان في عملية تلقيح النباتات، وبالتالي، فإنّ معرفة طريقة إنتاج ملكات النحل قد تساعد في تحسين أساليب إدارة الخلايا للأغراض التجارية.

وعلاوة على اختلاف الأدوار الاجتماعية التي تضطلع بها ملكات النحل والشغالات داخل الخلية، فإنّ الفئتين تختلفان بشكل كبير من الناحية الشكلية، فالملكات عادة أكبرُ حجماً، وتعيش أطولَ، وقادرةٌ على التكاثُر، في حين أنّ الشغالات أصغر حجماً، ولا تعيش طويلاً، ولا تستطيع التكاثر.

ورغم أنّ العلم الحديث استطاع تحديد الهرمون المسؤول عن تحول اليرقات ملكاتٍ، فإنّ آلية تحقيق ذلك على وجه التحديد لا تزال غامضة إلى حدّ ما.

خلف هدوء الخلية... تدور لعبة اختيار معقَّدة (إ.ب.أ)

ويقول الباحث المختص في علم الحشرات وأحد المشاركين في الدراسة، سيد علي حساني، إنّ «كلّ بيضة من بيض النحل تحمل شفرة لنمطين مختلفين تماماً من أنماط الحياة؛ ما بين الملكة الكبيرة القادرة على الإنجاب، والنحلة الشغالة صغيرة الحجم العقيم»، مضيفاً أنّ هذه الدراسة كانت تهدف إلى «فهم محفزات التغيير في رحلة حياة الأنثى بعالم النحل، فضلاً عن توقيت هذا التغيير، والضوابط التي تتحكّم في هذه العملية».

وفي إطار التجربة، استخدم الفريق البحثي 3 نحلات شغالات ومجموعة من اليرقات؛ إذ غذَّى أعضاء الفريق اليرقات بهرمون الشباب بجرعات مختلفة وفي توقيتات متباينة، سواء أَعَن طريق تغذية اليرقة بشكل مباشر، أم من خلال النحل الشغال. وتابع الباحثون تأثير الهرمون عن طريق قياس حجم اليرقة وتحديد اليرقات التي تتحوّل ملكاتٍ في وقت لاحق.

ويقول أمسالم: «كلّ خلية تنتج عدداً كبيراً من الملكات في نهاية كلّ موسم، ثم تغادر هذه الملكات الخلية وتتزاوج، ثم تدخل في مرحلة السبات الشتوي، ومع حلول الربيع تُنشئ كل ملكة خلية جديدة خاصة بها. وفي هذا السياق، يُعدّ إنتاج أكبر عدد ممكن من الملكات والذكور الهدف النهائي لحياة خلية النحل».

وتبيَّن من التجربة أنه عند إعطاء هرمون الشباب إلى اليرقات بشكل مباشر، فإنها تتحوّل ملكاتٍ بالفعل، لكن النحل الشغال يقضي عليها في نهاية المطاف. أما عند إعطاء الهرمون للنحل الشغال، فإنه يخلطه مع الغذاء الذي يقدّمه لليرقات، ومع الوقت تصبح اليرقات أكبر حجماً وأثقل وزناً، وتزداد فرص تحوّلها ملكاتٍ بالفعل؛ مما يدل على الدور الكبير الذي تضطلع به الشغالات في اختيار ملكات المستقبل.

ويقول الباحث حساني لموقع «بوبيولار ساينس»: «استطعنا التأكد من أن اليرقات تتجاوب مع الهرمون في اليومين الـ7 والـ8 من عملية النمو، وعن طريق متابعة مسار هذا الهرمون تبيَّن لنا أنّ الشغالات تمرّره إلى اليرقات من خلال خلطه بالغذاء المكوَّن من العسل وحبوب اللقاح»؛ مما يدل على أنّ عملية إنتاج الملكات ترتبط بمسار الخلية خلال أشهر الصيف الساخنة وحتى حلول فصل الخريف.

ويؤكد الباحثون أنّ هذه الدراسة يمكن أن تساعد في تحسين آليات إدارة خلايا النحل على المستوى الهرموني، كما تفسّر طريقة تطور مجتمعات النحل المركَّبة وتأثير البصمات الهرمونية في تحديد شكل الخلايا بالمستقبل.


مقالات ذات صلة

كيف تضبط أزهار أنف العجل ألوانها لخداع عين النحل؟

يوميات الشرق الطبيعة لا تترك لوناً للمصادفة (أنابيل ويبلي - مركز جون إينز )

كيف تضبط أزهار أنف العجل ألوانها لخداع عين النحل؟

أظهرت دراسة حديثة أنّ أزهار أنف العجل البرّية تبذل جهداً كبيراً لضبط ألوانها بدقّة في إطار المنافسة على جذب النحل...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق كلّ اكتشاف يبدأ بسؤال لم يطرحه أحد من قبل (إنستغرام)

لغز شجيرة حيَّر العلماء لأكثر من قرن يُحلُّ أخيراً

تبيَّن بعد فحص دقيق أنّ شجيرة كانت مختبئة على مرأى من الجميع في شمال شرقي نيوساوث ويلز بأستراليا لأكثر من 100 عام، تُمثّل نوعاً جديداً.

يوميات الشرق الرحمة قد تكون بحجم نحلة (رويترز)

سنغافوري أنقذ 6 ملايين نحلة... وتلقّى 100 لسعة في نصف دقيقة

بعصابةٍ ملتفة حول رأسه ويديه العاريتين، ينقذ مربّي النحل كلارنس تشوا (42 عاماً) النحل، إذ يجمعه من أعشاشه وينقله في صناديق خشبية إلى مواقع أخرى.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
يوميات الشرق حتى الأمل قد يُسرَق (أ.ف.ب)

سرقة شتلة من أشهَر شجرة في بريطانيا بعد أشهُر من زراعتها

سُرقت شتلة مأخوذة من شجرة «سيكامور غاب» الشهيرة من أراضي قلعة بريطانية، بعد أشهر من زراعتها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لا يُقاس الافتراس بالحجم (متحف أستراليا)

باحثون يكتشفون أحد «ألطف وأشرس» الثدييات في العالم

اكتشف باحثون في أستراليا نوعاً جديداً من الجرابيات ينتمي إلى ما يصفه العلماء بأنه «ألطف وأشرس» مجموعة من الثدييات في العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)