ظلّ الطب، عبر تاريخه الطويل، قائماً على معادلة إنسانية بسيطة: الطبيب لا يكتفي بالتشخيص... بل يطمئن المريض أيضاً.

ولهذا كان ابن سينا يرى أن «العلاج يبدأ بالكلام قبل الدواء»، لأن الكلمة داخل العيادة ليست مجاملة عابرة؛ بل جزء أساسي من عملية الشفاء نفسها.
من التشخيص إلى «المواساة الرقمية»
لكن ما يحدث اليوم داخل بعض أنظمة الرعاية الصحية الرقمية يفتح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية حتى قبل سنوات قليلة: هل تستطيع الأنظمة الذكية أن تتعلّم كيف تُطمئن الإنسان؟
الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على قراءة الأشعة وتحليل النتائج واقتراح التشخيصات؛ بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى واحدة من أكثر مناطق الطب حساسية: العلاقة النفسية بين المريض ومن يعتني به. والأنظمة الذكية تجيب عن أسئلة المرضى، وتشرح الفحوصات بلغة مبسطة، وتتابع مؤشرات القلق النفسي، وتحاول أحياناً إنتاج ردود تبدو متعاطفة وداعمة بصورة تقترب بشكل لافت من أسلوب البشر أنفسهم.
دراسات حديثة ونتائج غير متوقعة
* الردود الاصطناعية أكثر اهتماماً من البشرية. في دراسة نُشرت هذا العام بمجلة «الطب الباطني العام» (Journal of General Internal Medicine)، قادتها الباحثة الأميركية مولي روبن (Mollie Ruben) وفريقها من جامعة رود آيلاند (University of Rhode Island) الأميركية، قارن الباحثون بين ردود أطباء حقيقيين وردود أنظمة ذكاء اصطناعي على أسئلة مرضى داخل منصات طبية رقمية. والمفاجأة أن عدداً كبيراً من المشاركين قيّموا ردود الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفاً واهتماماً بالمريض من بعض الردود البشرية.
* قياس «التعاطف الاصطناعي». في مايو (أيار) الحالي، نُشرت مراجعة بحثية جديدة في منصة «بروتوكولات أبحاث الإنترنت الطبية» (JMIR Research Protocols) التابعة لجامعة نوتنغهام (University of Nottingham) البريطانية، ناقشت كيف بدأت المؤسسات الطبية حول العالم فعلياً دراسة مفهوم «التعاطف الاصطناعي» وطرق قياسه داخل أنظمة الرعاية الصحية الرقمية.

* تعاطف الروبوتات. خلصت دراسة تحليلية أوسع نُشرت هذا العام أيضاً، وراجعت 15 دراسة مختلفة قارنت بين تعاطف الأطباء وتعاطف روبوتات المحادثة الطبية، إلى أن كثيراً من المستخدمين اعتبروا ردود الذكاء الاصطناعي أكثر «تعاطفاً نصّياً» من ردود البشر في بعض السيناريوهات المكتوبة.
لماذا تبدو الخوارزمية «ألطف» أحياناً؟
قد يبدو هذا الاستنتاج صادماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن الآلة أصبحت أكثر رحمة من الإنسان. بل ربما يكشف أزمة أعمق يعيشها الطب الحديث نفسه. فالطبيب اليوم يعمل تحت ضغط هائل من الوقت، والملفات الإلكترونية، والإجراءات الإدارية، ونقص الكوادر في كثير من الأنظمة الصحية. وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنح المريض وقتاً أطول للإجابة، وإعادة الشرح، والتفاعل المستمر، من دون إرهاق أو استعجال أو توتر بشري.
وفي تقرير بريطاني حديث نُشر هذا الشهر، أظهرت دراسة من جامعة كينغز كوليدج في لندن (King’s College London) أن واحداً من كل سبعة بريطانيين أصبحوا يفضّلون استشارة روبوتات المحادثة الطبية في بعض الحالات بدل مراجعة الطبيب، خصوصاً مع صعوبة الوصول السريع إلى الخدمات الصحية التقليدية.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية: فكثير من المرضى لا يبحثون دائماً عن «العاطفة الحقيقية» بقدر ما يبحثون عن الشعور بأن هناك من يُنصت إليهم بهدوء، ويمنحهم الإحساس النادر بأن أحداً لا يزال يملك الوقت للاستماع إليهم.
رحمة حقيقية أم مصطنعة؟
لكن... هل هذه رحمة حقيقية فعلاً؟ رغم هذا التقدّم، يؤكد كثير من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي لا «يشعر» بالرحمة بالمعنى الإنساني الحقيقي. فهو لا يعرف الحزن، ولا القلق على المريض، ولا التجربة العاطفية التي ترافق المعاناة البشرية؛ بل يعتمد أساساً على تحليل اللغة والتنبؤ بالكلمات الأكثر قدرة على التهدئة والتعاطف.
ولهذا بدأ عدد متزايد من خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التمييز بين «الرحمة الإنسانية» و«محاكاة الرحمة». فروبوتات المحادثة الطبية تستطيع إنتاج ردود تبدو دافئة ومتفهمة، لكنها في النهاية لا تعيش التجربة البشرية نفسها، وإنما تعالج أنماطاً لغوية وإحصائية معقدة.
وتزداد الحساسية الأخلاقية عندما تتحول المشاعر الإنسانية ذاتها إلى بيانات قابلة للتحليل والتوجيه. فإذا أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على قراءة القلق والخوف والوحدة بدقة متزايدة، يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن ضمان ألا تُستخدم هذه القدرة مستقبلاً في التأثير النفسي أو التجاري أو السلوكي على المرضى؟

الطب المقبل... هل يصبح أكثر إنسانية أم أكثر برودة؟
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم فعلاً في إعادة البعد الإنساني إلى الطب، إذا استُخدم بوصفه أداة تُخفف العبء عن الطبيب، لا بديلاً عنه.
فعندما تختصر الخوارزميات الأعمال الروتينية والتوثيق الإداري والتحليل المتكرر، قد يستعيد الطبيب أثمن ما فقده الطب الحديث تدريجياً: الوقت... وقتٌ للاستماع، ولفهم المريض، ولإعادة العلاقة الإنسانية إلى قلب العيادة بدل أن تضيع خلف الشاشات والأنظمة الرقمية.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة الطبية نفسها إلى تفاعل بارد بين مريض وخوارزمية، مهما بدت لغتها متعاطفة أو مطمئنة. فالطب لم يكن يوماً مجرد معلومات وتشخيصات؛ بل علاقة ثقة ومسؤولية وخبرة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في معادلات رقمية.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الآلة أن تُقنع الإنسان بأنها ترحمه؟ بل: هل يستطيع الطب أن يحتفظ بإنسانيته عندما تبدأ الآلة في تقليد أكثر الصفات البشرية حساسية؟



