«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

تعطل تنفيذها منذ 2011 رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة»

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
TT

«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)

أعاد حكم قضائي بالإعدام صدر في ليبيا على أحد المُدانين بقتل متظاهرين عام 2013، فيما عُرف وقتها بـ«مجزرة غرغور»، إلى الواجهة، ملف الأحكام المشابهة التي تصدرها محاكم محلية منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011؛ لكنها لم تنفَّذ.

وقوبل الحكم الصادر عن محكمة جنايات طرابلس، في 11 مايو (أيار) الجاري، بالإعدام رمياً بالرصاص على عبد المجيد الضراط، لتورطه بقتل متظاهرين خلال احتجاجات طالبت بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة، باهتمام شعبي وقانوني واسع، باعتبار أن الحكم يُعد «استعادة لهيبة القانون، وتأكيداً على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم».

أحكام معطلة

يتعطل في ليبيا -حسب قانونيين ومتابعين- تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2011، رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة». وكان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور قد أشار إلى وجود عشرات الأحكام النهائية بالإعدام التي لم تنفَّذ، وهو ما نقلته عنه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، في تقرير لها صدر العام الماضي.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ووسط تخوفات من إفلات الجناة من العقاب، طالبت فتحية البخبخي، شقيقة إحدى ضحايا «مجزرة غرغور»، ورئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام»، بضرورة تنفيذ الحكم وملاحقة بقية المتورطين في الجريمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ الحكم وتحقيق العدالة يمثلان «رسالة ردع قوية» تعيد الاعتبار لهيبة القانون ولدماء المغدورين.

وشهدت طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 واحدة من أعنف محطات الفوضى المسلحة بعد سقوط النظام السابق، حين قُتل أكثر من 60 شخصاً، وأصيب نحو 500 آخرين خلال مظاهرة طالبت بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة.

ويعكس التقاعس عن تنفيذ أحكام الإعدامات في ليبيا حجم التعقيدات التي تواجه القضاء المحلي. فقد نقلت «هيومن رايتس ووتش» عن النائب العام تأكيده -العام الماضي- وجود نحو 250 شخصاً محكومين بالإعدام حتى سبتمبر (أيلول) 2024، بينهم مدانون في قضايا تعود إلى ما قبل 2011.

وحسب المنظمة الدولية، استنفد 105 متهمين منهم «جميع درجات التقاضي»، بينما لم يكن محتجزاً سوى 19 شخصاً، بينما خُففت أحكام 3 مدانين إلى السجن المؤبد بعد تنازل أولياء الدم.

إجراءات مطولة

إجرائياً، وعلى وقع صدور الحكم الأخير في «مجزرة غرغور»، قال الدكتور مبروك الفاخري، المستشار السابق بالمحكمة العليا الليبية، إن «أحكام الإعدام تمر بسلسلة من الإجراءات القضائية المطوَّلة، بعد صدورها من محاكم الجنايات»، موضحاً أنها «تُحال وجوباً إلى المحكمة العليا لمراجعتها، سواء طعن المحكوم عليه في الحكم أم لم يطعن، وذلك للتحقق من سلامتها القانونية».

أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وأوضح الفاخري لـ«الشرق الأوسط» أن «المحكمة العليا قد تُقر الحكم أو تنقضه، وتعيد القضية إلى محكمة الجنايات في حال رصد أخطاء قانونية»، مبرزاً أن «القانون الليبي يتيح، قبل تنفيذ الحكم، تنازل أولياء الدم عن حقهم، بما يؤدي إلى استبدال السجن المؤبد مع الدية بعقوبة الإعدام، باعتبار ذلك أحد المسارات القانونية المعمول بها قبل التنفيذ».

وبين عامَي 2023 و2026، واصلت المحاكم الليبية إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مرتبطة بـ«الإرهاب والقتل والانتهاكات المسلحة»، من دون إعلان رسمي عن تنفيذ أي منها، كان أبرزها حكم محكمة جنايات مصراتة في مايو 2023 بإعدام 23 متهماً في قضية مرتبطة بتنظيم «داعش».

كما صدرت أحكام مماثلة عن محاكم في طرابلس والزاوية بحق متهمين في قضايا اغتيال وقتل عمد، وانتهاكات نُسبت إلى جماعات مسلحة، بينهم أحد عناصر «الكانيات» المتهمين بارتكاب انتهاكات في ترهونة خلال الحرب على العاصمة بين عامي 2018 و2020.

ويُرجع الدكتور شعبان عكاش، عضو «المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية» بمكتب النائب العام، تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام في ليبيا، إلى «الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية، وتغوُّل الميليشيات، وتعدد مراكز السلطة منذ عام 2011». ويرى أن هذه الأجواء «تحُول دون تنفيذ الأحكام بصورة متساوية على كامل الأراضي الليبية، الأمر الذي وضع النائب العام أمام معضلة قانونية، تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين».

دائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس (صفحة المحكمة على فيسبوك)

وأشار عكاش لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تنفيذ الأحكام في بعض المناطق مقابل تعذُّر تنفيذها في مناطق أخرى، قد يثير إشكاليات ازدواجية تطبيق العدالة؛ وهو ما دفع السلطات القضائية إلى إرجاء تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين تهيؤ ظروف تسمح بتطبيقها بشكل موحَّد في جميع المحاكم الليبية».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، مدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر. وهو انقسام امتد إلى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء.

وإذ عدَّ عكاش أن «هذا الوضع يظل استثنائياً ومرتبطاً بخصوصية المرحلة التي تمر بها ليبيا»، فإنه رأى أيضاً أن استمرار تعليق تنفيذ أحكام الإعدام يترك آثاراً سلبية على منظومة العدالة الجنائية. واعتبر أن غياب تنفيذ العقوبات يمثل إخلالاً بمبدأ الردع، ويفتح المجال أمام الإفلات من العقاب، كما ينعكس سلباً على فاعلية المواجهة الجنائية في البلاد.

ويعود آخر تنفيذ موثق لعقوبة الإعدام في ليبيا إلى يونيو (حزيران) 2010، حين تحدثت منظمة العفو الدولية عن إعدام 18 شخصاً رمياً بالرصاص، بينهم مواطنون من تشاد ومصر ونيجيريا، عقب إدانتهم بالقتل العمد.


مقالات ذات صلة

ليبيا: «تعيينات المخابرات» تشعل صراع الصلاحيات بين الكوني والدبيبة

شمال افريقيا الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ليبيا: «تعيينات المخابرات» تشعل صراع الصلاحيات بين الكوني والدبيبة

تحول ملف رئاسة جهاز المخابرات الليبية إلى ساحة جديدة للصراع بين مؤسسات السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الاثنين (البعثة الأممية)

دعوة أممية لإصلاح قطاع النفط الليبي وتعزيز الشفافية

في مواجهة استمرار «شبكات تهريب الوقود المدعوم» في ليبيا، دعت البعثة الأممية إلى إصلاح قطاع النفط وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة متداولة لتسلم مليقطة ونائبه مقراً لجهاز المخابرات فى العاصمة طرابلس

أزمة إعفاء رئيس الاستخبارات تتصاعد داخل «الرئاسي» الليبي

تسلّم الليبي عبد المجيد مليقطة رئاسة جهاز المخابرات في العاصمة طرابلس، خلفاً لحسين العايب، وسط رفض عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر يتوسط روبيو ومسعد بولس في واشنطن في 29 يونيو (القيادة العامة)

بعد لقاء روبيو وصدام... «المبادرة الأميركية» بشأن ليبيا تدخل «مرحلة الحسم»

أكد ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، أن الولايات المتحدة «ستواصل العمل مع القادة الليبيين والشركاء الدوليين لتصبح ليبيا أكثر سلماً، ووحدة، وازدهاراً».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) والكوني في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

خلافات «الرئاسي» الليبي تتصاعد بشأن تعيين قيادتي «المخابرات» و«الأركان»

وسط حالة من التوتر الأمني في العاصمة الليبية طرابلس، تصاعدت الخلافات داخل المجلس الرئاسي بسبب تسمية شاغلي مناصب «المخابرات» و«الأركان».

خالد محمود (القاهرة)

«مبيدات مسرطنة» تهدد الأمن الغذائي لليبيين

النائب العام الليبي الصديق صور خلال اجتماع مع قيادات أمنية وتنفيذية لبحث مشكلة المبيدات المسرطنة في طرابلس الثلاثاء (مكتب النائب العام)
النائب العام الليبي الصديق صور خلال اجتماع مع قيادات أمنية وتنفيذية لبحث مشكلة المبيدات المسرطنة في طرابلس الثلاثاء (مكتب النائب العام)
TT

«مبيدات مسرطنة» تهدد الأمن الغذائي لليبيين

النائب العام الليبي الصديق صور خلال اجتماع مع قيادات أمنية وتنفيذية لبحث مشكلة المبيدات المسرطنة في طرابلس الثلاثاء (مكتب النائب العام)
النائب العام الليبي الصديق صور خلال اجتماع مع قيادات أمنية وتنفيذية لبحث مشكلة المبيدات المسرطنة في طرابلس الثلاثاء (مكتب النائب العام)

استفاق الليبيون على واحدة من أخطر الصدمات المرتبطة بالأمن الغذائي، بعدما أعلنت النيابة العامة أن 65 في المائة من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة في الأسواق ثبت احتواؤها على متبقيات مبيدات زراعية محظورة، ومواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة، بالتزامن مع ضبط كميات من هذه المبيدات، وبدء تحقيقات موسعة بشأنها.

استفاق الليبيون على أخطر صدمة مرتبطة بأمنهم الغذائي بعد إعلان أن 65 % من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة في الأسواق تحتوي على متبقيات مبيدات محظورة (أ.ف.ب)

وبدت القضية، حسب مراقبين، أبعد من مجرد مخالفات زراعية، لأنها مست على نحو مباشر ملف الأمن الغذائي، وأثارت تساؤلات مشروعة حول كيفية وصول هذه المبيدات إلى الأسواق رغم حظرها، والجهات التي تقف وراء استيرادها وتداولها، في ظل تنامي مخاوف المواطنين على الصحة العامة.

وبدأت خيوط القضية تتكشف بفضل تحقيقات موسعة، باشرتها النيابة العامة منذ فبراير (شباط) الماضي، أزاحت الستار عن ثغرات رقابية سمحت بدخول مبيدات إلى البلاد من دون بيانات تعريفية، توضح مكوناتها أو المواد الفعالة التي تدخل في تصنيعها. وفي إطار التحقيق، جمعت فرق الخبرة الفنية عينات من محاصيل معروضة في أسواق طرابلس وبنغازي ومصراتة لتحليل متبقيات المبيدات المستخدمة، وقياس مستوياتها وفق المعايير العلمية المعتمدة.

من عملية مداهمة لأحد مخازن المبيدات في ليبيا (مكتب النائب العام)

وأظهرت نتائج التحاليل، التي كشفها بيان النيابة العامة مساء الثلاثاء، احتواء 65 في المائة من العينات على آثار سبعة مبيدات محظورة، بموجب التشريعات الوطنية، أو مواد تصنفها الهيئات الدولية بأنها مسرطنة أو مطفِّرة، كما تجاوزت بعض العينات الحدود القصوى المسموح بها من متبقيات المبيدات.

وعلى خلفية هذه النتائج، سارع النائب العام، المستشار الصديق الصور، إلى عقد اجتماع مساء الثلاثاء، ضم وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة، إلى جانب قيادات جهاز الحرس البلدي، والشرطة الزراعية، والشرطة البيئية، ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، لبحث سبل تعزيز الأمن الغذائي وتشديد الرقابة على المبيدات.

واستعرض الصور نتائج التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة، التي كشفت عن «خلل رقابي سهل مرور مبيدات لا تتوافر على بيانات المواد الداخلة في صناعتها»، حسب تعبيره، منبها إلى ضرورة «تحديث قوائم المبيدات المحظورة، وإضافة أسمائها التجارية لمنع التحايل، وتشديد الرقابة على عمليات الاستيراد».

وبالتوازي مع التحقيقات، جاء إعلان النيابة العامة عن ضبط كميات من مواد مصنفة «مسرطنة» و«مسببة لأمراض مزمنة»، وذلك ضمن حملات تفتيش استهدفت مستودعات وقنوات توزيع يشتبه في تخزينها مبيدات محظورة، حسب بيان النائب العام.

رسم توضيحي لنتائج فحص عينات المبيدات الزراعية (مكتب النائب العام)

ولم تكشف النيابة العامة عن حجم المضبوطات، أو المواقع التي ضُبطت فيها هذه المواد المسرطنة، واكتفت بالإعلان عن التحفظ عليها وضبط حائزيها، مع استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات الجنائية عن استيراد هذه المبيدات وإدخالها إلى السوق الليبية، تمهيداً لتحريك الدعوى الجنائية بحق المتورطين في استيرادها أو الاتجار بها.

وفي خضم اهتمام إعلامي واسع بالقضية، سعت منال أبو عميد، عضوة الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة، إلى الرد على ما تداوله مدونون وصفحات تواصل اجتماعي محلية بشأن مداهمة مزرعة تابعة لها، وضبط كميات من هذه المبيدات.

وأدرجت أبو عميد ما جرى ضمن «حملة رقابية شاملة استهدفت جميع المناطق والقطاع الزراعي على مستوى ليبيا، وشملت سحب عينات من الأدوية والمبيدات الزراعية لفحصها مخبرياً»، مضيفة أن «هذه العينات سيتم الإفراج عنها وفقاً للقانون حال ثبوت مطابقتها للمواصفات، وخلوها من المواد المحظورة أو المسرطنة».

وعدّت أبو عميد أن الزج باسمها في هذه القضية، عبر بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يأتي في إطار «توظيف الحملة الرقابية لأغراض سياسية»، وأضافت أبو عميد، في منشور عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، أنها تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية تجاه «كل من نشر أو روّج أو أسهم في تداول هذه المعلومات الكاذبة».

وفي ظل هذه التطورات المتسارعة في قضية «المبيدات المسرطنة»، عدّ الدكتور أسامة سليك، الباحث بمركز البحوث الزراعية في وزارة الزراعة بحكومة الوحدة الوطنية، أن تشديد الرقابة على المنافذ وضبط الحدود يمثلان المدخل الأكثر فاعلية للحد من تهريب المبيدات المحظورة والسامة إلى البلاد، لكنه شدّد على أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب إصلاحاً داخلياً لسوق تداول المبيدات والأسمدة.

وأوضح سليك لـ«الشرق الأوسط» أن بيع هذه المنتجات ينبغي أن يقتصر على مراكز متخصصة يعمل بها مهندسون زراعيون ومختصون مؤهلون، لضمان الاستخدام الآمن والإشراف العلمي عليها. مشيراً إلى أن دراسة ميدانية أجراها على عينة من منافذ بيع المبيدات والأسمدة قبل عامين كشفت أن عدداً كبيراً منها يدار بواسطة أشخاص غير مؤهلين أو غير متخصصين، وهو ما يزيد من مخاطر تداول المبيدات واستخدامها بصورة خاطئة، ويهدد الصحة العامة والبيئة والإنتاج الزراعي.

ويرى محللون أن القضية تمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصحة العامة. وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الليبي محمد الأمين إن وصول هذه المواد إلى الأسواق يكشف عن خلل هيكلي في منظومة الرقابة، مضيفاً أن مواجهة الأزمة «لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة المزارعين أو تجار التجزئة، بل يجب أن تمتد إلى شبكات الاستيراد والتخزين والتوزيع»، عادّاً أن القضية أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على حماية غذاء المواطنين.

ويبدو أن تداعيات هذه القضية لن تتوقف عند ما كشفته التحقيقات حتى الآن، إذ تؤكد النيابة العامة أن إجراءاتها ستشمل كل من يثبت تورطه في تعريض الأمن الغذائي للخطر، سواء باستيراد المبيدات المحظورة أو الاتجار بها، أو حتى بإساءة استخدام المبيدات المسموح بها وتجاوز الحدود الآمنة لتطبيقها.


ليبيا: «تعيينات المخابرات» تشعل صراع الصلاحيات بين الكوني والدبيبة

الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: «تعيينات المخابرات» تشعل صراع الصلاحيات بين الكوني والدبيبة

الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة مع مليقطة داخل مقر وزارة الدفاع الثلاثاء (حكومة الوحدة)

تحول ملف رئاسة جهاز المخابرات الليبية إلى ساحة جديدة للصراع بين مؤسسات السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس، بعدما أظهرت تحركات متزامنة لرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، تمسك كل طرف بدوره في الإشراف على أحد أكثر الأجهزة السيادية حساسية في البلاد.

ووسط تصاعد الجدل السياسي والقبلي بشأن التغييرات الأخيرة في قيادة الجهاز، استقبل الدبيبة، مساء الثلاثاء، المكلف رئاسة جهاز المخابرات عبد المجيد مليقطة في مقر وزارة الدفاع بالعاصمة طرابلس، بينما أجرى الكوني في التوقيت نفسه تقريباً، زيارة إلى مقر الجهاز، التقى خلالها مديري الإدارات والمكاتب وعدداً من الضباط، في تحرك عكس استمرار التباين والاختلاف حول إدارة المؤسسة الأمنية.

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة خلال استقباله رئيس المخابرات المكلف عبد المجيد مليقطة في طرابلس الأربعاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

وأدرجت حكومة «الوحدة» لقاء الدبيبة مع مليقطة ضمن ما سمته «متابعة مستجدات عمل الجهاز وتعزيز جاهزيته، وبحث سبل تطوير أدائه، بما يعزز قدرته على تنفيذ مهامه الأمنية»، وذلك في أول ظهور رسمي للمسؤول الجديد بعد تكليفه.

في المقابل، شدد الكوني خلال لقائه بقيادات الجهاز على ضرورة الحفاظ على وحدة جهاز المخابرات، ورفض أي محاولات قد تؤدي إلى تقسيمه أو إضعافه، مؤكداً أنه يمثل إحدى المؤسسات السيادية الموحدة في ليبيا، وأن الحفاظ على تماسكه يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي واستقرار البلاد.

وأوضح المجلس الرئاسي أن الكوني تلقى إحاطة حول سير عمل الجهاز وآليات مواجهة التحديات الأمنية، مشيداً بجهود منتسبيه، ومؤكداً أن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تزداد أهمية في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

وفي مؤشر آخر على الدعم السياسي للقيادة الجديدة، استقبل رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، برفقة عدد من أعضاء المجلس، الأربعاء، رئيس جهاز المخابرات المكلف عبد المجيد مليقطة، حيث ناقش الجانبان آخر المستجدات السياسية والأمنية، وسبل تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ودعم جهود ترسيخ الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف الملائمة لدفع العملية السياسية.

ويأتي هذا الحراك بعد أيام من الجدل الذي أثاره إنهاء مهام رئيس جهاز المخابرات السابق حسين العائب، وهي الخطوة التي أعادت إلى الواجهة الخلافات القديمة بشأن الجهة المخولة بإدارة المؤسسات السيادية، وحدود الاختصاص بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وعدم حسم الإطار القانوني الناظم لهذه الصلاحيات.

الكونى خلال زيارته مقر جهاز المخابرات بطرابلس الثلاثاء (المجلس الرئاسي)

وفي موازاة السجال السياسي، أخذت القضية بعداً اجتماعياً وقبلياً، بعدما عبر المجلس الأعلى لقبائل الصيعان عن قلقه، مما وصفه بسياسة الإقصاء والتهميش في إدارة مؤسسات الدولة، معتبراً أن إعفاء العائب، المنتمي إلى القبيلة، يمثل ذروة هذا النهج.

ودعا المجلس إلى اعتماد ما وصفها بأنها «معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص في شغل المناصب العليا، بدلاً من المحاصصة»، محذراً من أنه «سيدرس جميع الوسائل المشروعة للدفاع عن حقوق أبناء القبيلة، وضمان تمثيلهم داخل مؤسسات الدولة».

وفي هذا السياق، رأى الإعلامي الليبي خليل الحاسي أن تحركات أعيان من الزنتان والصيعان، دعماً لشخصيات مرتبطة بملف رئاسة جهاز المخابرات، تعكس انتقال الخلاف من نطاقه المؤسسي إلى دائرة التجاذبات القبلية، معتبراً أن استمرار هذا النهج يهدد بإخضاع المؤسسات السيادية لمنطق المحاصصة والولاءات الاجتماعية، بدلاً من معايير الكفاءة والمهنية، بحسب منشور عبر صفحته بموقع «فيسبوك».

ويرى مراقبون أن التطورات المتسارعة في جهاز المخابرات تعد انعكاساً لجانب من صراع أوسع على مراكز النفوذ في العاصمة طرابلس، حيث أصبحت المؤسسات السيادية إحدى ساحات التنافس بين مراكز القوة السياسية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تحييد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية عن الخلافات السياسية، لضمان استمرارها في أداء مهامها بعيداً عن الاستقطاب.


«سد النهضة»: مصر تضع «محددات وثوابت» قبل العودة للمفاوضات

مصر تضع «ثوابت» قبل العودة للمفاوضات مع إثيوبيا بشأن نزاع «سد النهضة» (رويترز)
مصر تضع «ثوابت» قبل العودة للمفاوضات مع إثيوبيا بشأن نزاع «سد النهضة» (رويترز)
TT

«سد النهضة»: مصر تضع «محددات وثوابت» قبل العودة للمفاوضات

مصر تضع «ثوابت» قبل العودة للمفاوضات مع إثيوبيا بشأن نزاع «سد النهضة» (رويترز)
مصر تضع «ثوابت» قبل العودة للمفاوضات مع إثيوبيا بشأن نزاع «سد النهضة» (رويترز)

تقول مصر إنها اتخذت قراراً «غير قابل للمساومة» بشأن المسار التفاوضي مع إثيوبيا بشأن «سد النهضة»، الذي شيّدته أديس أبابا في عام 2011، وإنها تضع «محددات وثوابت» قبل العودة للمفاوضات.

وتشهد العلاقات بين البلدين توتراً متصاعداً بسبب «سد النهضة»، وتطالب دولتا المصبّ - مصر والسودان - باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيله بما لا يضرّ بمصالحهما المائية.

وأعلن وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، في تصريحات تلفزيونية مساء الاثنين، «عدم وجود أي مفاوضات في الوقت الحالي»، وقال: «بناءً على تجربة مصر السابقة مع إثيوبيا في جوانب التفاوض، فإن لديها محددات وثوابت قبل البدء في أي مفاوضات».

وأضاف، في تصريحاته، أن بلاده «اتخذت قرار دولة غير قابل للمساومة بشأن المسار التفاوضي، حيث أوقفت المفاوضات رسمياً منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023». وتابع: «قرار إيقاف المفاوضات جاء بسبب مراوغة إثيوبيا، والتراجع عن كل ما يتم الاتفاق عليه، وعدم الالتزام بالقانون الدولي».

وعن هذه الثوابت المصرية، قال نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، صلاح حليمة، إنه «لا بد أن تكون هناك نية واضحة من إثيوبيا في الالتزام بالقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة، وخاصة القانون الدولي بشأن مياه الأنهار، والتخلي عن التصرفات الأحادية كنهج في التعامل فيما يتعلق بالسد، وأن يكون هناك اتفاق قانوني ملزم وعادل لعمليات الملء والتشغيل».

ومضى قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه ينبغي أن يكون هناك وسيط له قدرة على التأثير على إثيوبيا، مضيفاً: «يمكن هنا الإشارة إلى الدور الأميركي والرئيس دونالد ترمب الذي أطلق أكثر من تصريح في هذا الإطار، فضلاً عن تحرك لكبير مستشاريه مسعد بولس في هذا الصدد».

الرئيس المصري يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» الشهر الحالي في فرنسا (الرئاسة المصرية)

وخلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، في 17 يونيو (حزيران)، أكد ترمب أنه سوف يولي ملف «سد النهضة» أولوية قصوى من أجل التوصل لتسوية عادلة.

وذكر وزير الري المصري، مساء الاثنين، أن الجانب الأميركي لديه «حسن نية» ويحاول تحقيق توافق بين الجانبين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «السد»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية؛ وذلك بعد 3 أحاديث في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2025، أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حل سريع لتلك الأزمة».

كما أجرى بولس اتصالات ولقاءات منفصلة مع مسؤولين بالجانبين المصري والإثيوبي، حيث تصدرت قضية «سد النهضة» والأمن المائي المناقشات.

وقال حليمة: «خلال الفترة الأولى من ولاية ترمب، قامت واشنطن بدور الوساطة مع البنك الدولي، وتم التوصل إلى اتفاق حظي بموافقة مصر والسودان وإثيوبيا، لكن أديس أبابا تراجعت وعدَّلت من موقفها».

«سد النهضة» الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وواصل حديثه قائلاً: «المفاوضات إذا تمت، سيتعين على إثيوبيا أن تُغير من طريقة تفكيرها وتعاملها، وأن تعترف بأن السيادة على نهر النيل الأزرق مشتركة وليست أحادية وأنه ليس نهراً داخلياً بل دولي».

وتابع: «إذا لم يحدث هذا، فلا بد من اللجوء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن باعتبار أنه في حالات الجفاف والجفاف الممتد خلال السنوات الشحيحة يكون هناك خطر جسيم يهدد الحياة بدولتي المصب (مصر والسودان)، وهذا يعتبر نوعاً من أنواع الاعتداء».

وعقب افتتاح الحكومة الإثيوبية مشروع «السد» في سبتمبر (أيلول) الماضي، نددت القاهرة بتلك الخطوة، وأرسلت خطاباً إلى مجلس الأمن الدولي أكدت فيه أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس السيسي أن مصر «لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا»، مشدداً حينها على أن القاهرة ستتخذ كل التدابير لحماية مصالحها وأمنها المائي.

وزارة الري تؤكد أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل لا تزال ثابتة رغم النمو السكاني (الشرق الأوسط)

وكان وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون تيموثيوس، قد عدّ في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء الإثيوبية السد «تجسيداً أساسياً لحق إثيوبيا في التنمية والاعتماد على الذات».

في سياق ذلك، استعرض وزير الري المصري سويلم، مساء الاثنين، تحديات المياه التي تواجه بلاده، وقال: «حصة مصر التاريخية من مياه النيل لا تزال ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، في وقت قفز فيه عدد السكان إلى نحو 120 مليون نسمة، ما هبط بنصيب الفرد من ألفي متر مكعب في ستينات القرن الماضي إلى أقل من 500 متر مكعب حالياً».

وأضاف أن ذلك يضع البلاد تحت خط الفقر المائي العالمي المقدر بنحو 1000 متر مكعب للفرد.