منذ أشهر يلمع نجم رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، على الساحة الأوروبية، والدولية، فيما تتعاقب عليه الانتكاسات في الداخل، ويمنى بالهزيمة الانتخابية المحلية بعد الأخرى، كانت آخرها وأقساها تلك التي لحقت بـ«الحزب الاشتراكي العمالي» هذا الأحد في إقليم الأندلس الذي يعتبر خزّانه الانتخابي التقليدي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة سانشيز على الصمود في الحكم حتى الموعد المقرر للانتخابات العامة في الربيع المقبل.
هزيمة الاشتراكيين في حصنهم التاريخي المنيع هي الثانية في أربع سنوات، والأشدّ وطأة كونها الهزيمة الرابعة المتعاقبة التي يتعرّض لها الحزب الحاكم في الانتخابات الإقليمية، وتأتي لتؤكد بوضوح جنوح المجتمع الإسباني نحو اليمين الذي يتناحر المعتدلون والمتطرفون على قيادته، لكنهم ما زالوا عاجزين عن معادلة الائتلاف الذي يدعم سانشيز في رئاسة الحكومة الثالثة التي يشكلها منذ العام 2018 بفضل دعم القوى الإقليمية الكاتالونية، والباسكية.

«الحزب الشعبي» المحافظ، الذي جدّد فوزه في الانتخابات الأندلسية، خسر الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها، وبات مضطراً للتحالف مع الحزب اليميني المتطرف (فوكس)، أو الاعتماد على امتناعه في التصويت على منح الثقة للحكومة الإقليمية المقبلة، أي مقايضة موقفه بتنازلات طالما كرّر أنه ليس في وارد إعطائها لمنافسه على تزعّم المشهد اليميني. لكن اللافت في نتائج هذه الانتخابات هو أن تراجع الحزب الشعبي وخسارته خمسة مقاعد في البرلمان الإقليمي صبّ في جعبة تنظيم جديد على يسار الحزب الاشتراكي (إلى الأمام يا أندلس) ما يؤشر على احتمال نهوض في الأفق للقوى اليسارية التي تنحسر قاعدتها الشعبية في المقاطعات الأندلسية منذ سنوات.
خارج القراءات الإقليمية لنتائج الانتخابات الأندلسية، ما يقلق في المشهد السياسي الإسباني العام هو أن اليمين المتطرف، رغم أنه يراوح في مكانه منذ ثلاث سنوات، يواصل ترسيخ دوره مفتاحاً لتشكيل الحكومات المحلية، والوطنية، وينجح في فرض العديد من التدابير، والسياسات العنصرية والتمييزية التي يتضمنها برنامجه.

هذا المشهد الجديد يفرض على الحزبين الرئيسين اللذين تعاقبا على الحكم في إسبانيا منذ عودة الديمقراطية، «الاشتراكي» و«الشعبي»، خيارات مفصلية لم يعد من الممكن تأجيلها: أن يبرهن «الحزب الشعبي» صدقية خطابه الرافض لمغريات التحالف مع اليمين المتطرف للوصول إلى الحكم، كما فعل في الفترة الأخيرة بتقديمه تنازلات غير مقبولة بالنسبة لحزب يطمح لقيادة البلاد؛ وأن يبدي الاشتراكيون استعدادهم للدخول في اتفاقات تحول دون وصول «فوكس» إلى حكومة إقليمية أخرى.
العبرة الأساسية بالنسبة لليمين المحافظ في الانتخابات الأندلسية هي أن سياسة النأي عن الخطاب التحريضي، وتدابير التمييز المؤسسي ضد الأجانب التي فرضها «فوكس» في الائتلافات الإقليمية الحاكمة لم تثمر النتائج المنشودة، وأفقدت «الحزب الشعبي» الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها في إقليم الأندلس.
أما بالنسبة لـ«الحزب الاشتراكي»، فقد بات ملزماً على أبواب الانتخابات الاشتراعية المقبلة إعادة النظر بصورة جذرية في استراتيجيته التحالفية، والرهان على القيادات المحلية عوضاً عن محاولة استثمار رموزه في الحكومة المركزية لاستعادة المساحات التي فقدها في الأقاليم. ولا ينقص أولئك الذين يناشدون سانشيز عدم إيلاء المشهد الخارجي كل الاهتمام على حساب الوضع الداخلي الهش الذي يعانيه «الحزب الاشتراكي» منذ سنوات، لأنه ماذا ينفع رئيس الوزراء أن يربح العالم، ويخسر إسبانيا!

