وزير الزراعة اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: تدهور الإنتاج يرفع نسبة المحتاجين إلى الغذاء لـ24 %

22.5 % من الأراضي الزراعية خارج الخدمة... وخطة طارئة لاحتواء الانهيار

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
TT

وزير الزراعة اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: تدهور الإنتاج يرفع نسبة المحتاجين إلى الغذاء لـ24 %

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع جنوب لبنان (رويترز)

لم تعد الأضرار التي أصابت القطاع الزراعي اللبناني نتيجة الحرب الإسرائيلية مجرّد خسائر ميدانية، بل تحوّلت تدريجياً إلى أزمة تمتدّ من الحقول إلى موائد اللبنانيين. ومع كل معطى جديد تتضح صورة أكثر قتامة، حيث يتقاطع تراجع الإنتاج مع ارتفاع الحاجة، في معادلة تضغط على الأمن الغذائي وتضعه أمام اختبار غير مسبوق.

وتكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الزراعة اللبنانية عن حجم التدهور المتسارع، وتفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول قدرة البلاد على احتواء التداعيات.

وحذّر وزير الزراعة اللبناني، نزار هاني، عبر «الشرق الأوسط»، من التداعيات المتفاقمة للأضرار، كاشفاً عن أن «نحو 22.5 في المائة من الأراضي الزراعية في لبنان باتت متأثرة بشكل مباشر».

الأمن الغذائي

ولا يقف الأمر عند حدود الأرقام الزراعية، إذ يربط هاني هذه الخسائر مباشرةً بالأمن الغذائي، موضحاً أن «هذا الواقع ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي في البلاد».

وهذا ما أكّده أيضاً تقرير مؤشر الأمن الغذائي الذي صدر الأسبوع الماضي بالتعاون بين وزارة الزراعة وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو).

ويضيف هاني أن «نسبة السكان المحتاجين إلى مساعدات غذائية طارئة ارتفعت من 18 في المائة إلى 24 في المائة»، في مؤشر واضح على تسارع التدهور.

انفجار قذيفة يُعتقد أنها من الفوسفور الأبيض أطلقها الجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود (رويترز)

ومن هنا، يكتسب هذا الارتفاع بعداً أشمل، إذ يشير وزير الزراعة إلى أن «هذه الأرقام تشمل جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية، من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، ما يعكس حجم الضغوط المتزايدة على النظام الغذائي ككل»، لافتاً إلى أن «التقرير يُفصّل بدقة حجم الأضرار التي لحقت بالمزارعين، ويُظهر الترابط المباشر بين تراجع الإنتاج الزراعي وتدهور الأمن الغذائي».

عوامل متداخلة

ولعلّ ما يزيد الصورة تعقيداً، حسب هاني، هو تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إذ يقول إن «تدهور الأمن الغذائي يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها تراجع إنتاج الغذاء كما حصل خلال الحرب، إلى جانب تقلص فرص العمل وانخفاض مداخيل الأسر»، مشدداً على أن «هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع عدد المحتاجين إلى مساعدات غذائية، وعجز شريحة أوسع من السكان عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء».

ويخلص إلى تحذير صريح مفاده أن «استمرار هذا المسار من دون تدخلات عاجلة سيُفاقم الأزمة، سواء على مستوى المزارعين أو على مستوى الأمن الغذائي الوطني».

56 ألف هكتار متضرر

وبالتوازي مع هذه التحذيرات، تأتي المعطيات التفصيلية التي أوردتها وزارة الزراعة اللبنانية لتؤكد حجم الكارثة. فقد أعلن التقرير الأسبوعي الصادر في 5 مايو (أيار) 2026 أن الاعتداءات الأخيرة أدت إلى تضرر 56,264 هكتاراً من الأراضي الزراعية في مختلف المناطق اللبنانية، بينها 4,308 هكتارات خلال الأسبوعين الأخيرين فقط، ما يعادل نحو 22.5 في المائة من إجمالي المساحات المتضررة.

وإذا كانت هذه الأرقام تعكس الصورة العامة، فإن التمحيص فيها يُظهر بوضوح أن الجنوب يتحمّل العبء الأكبر. فحسب الوزارة، لا تزال 64 بلدة تتعرض للقصف والتدمير رغم إعلان وقف إطلاق النار، فيما بلغت المساحات المتضررة هناك نحو 18,559 هكتاراً، أي ما نسبته 6.4 في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان، ما يجعل هذه المنطقة بؤرة الخسائر الأساسية.

ضربة قاسية للركائز الإنتاجية

وما يضاعف خطورة المشهد أن الأضرار لم تطل مساحات عشوائية، بل استهدفت ركائز الإنتاج الزراعي الأساسية. إذ تشير بيانات الوزارة إلى أن الموز تضرر بنسبة 95 في المائة، والحمضيات بنسبة 97 في المائة، والزيتون بنسبة 91 في المائة، وهي محاصيل تشكّل عماد الأمن الغذائي والدخل الزراعي في الجنوب.

وفي سياق متصل، تكبّدت الحيازات الزراعية الصغيرة، التي تمثل نحو 80 في المائة من المساحات الزراعية، خسائر واسعة، ما يهدد بشكل مباشر صغار المزارعين. وعلى مستوى لبنان، تصدّرت أشجار الفاكهة (11,075 هكتاراً) والزيتون (6,600 هكتار) قائمة المحاصيل الأكثر تضرراً، في دلالة إضافية على عمق الضربة التي تلقّاها القطاع.

نزوح المزارعين

ولا تنفصل الخسائر الزراعية عن تداعياتها الاجتماعية، إذ تكشف الأرقام عن نزوح واسع للمزارعين، ما يفاقم الأزمة من زاوية أخرى. فقد نزح 77.9 في المائة من المزارعين في الجنوب من بلداتهم، مقابل 22.1 في المائة فقط ما زالوا في مناطقهم، وهو ما يعني عملياً فقدان اليد العاملة الزراعية في أكثر المناطق إنتاجاً.

وفي هذا الإطار، سجّلت منصة الوزارة 23611 مزارعاً متضرراً، بينهم 5803 خلال الأسبوعين الماضيين، ما يعكس تسارعاً واضحاً في وتيرة التدهور، ويؤشر إلى أن الأزمة لا تزال في طور التصاعد.

الدخان يتصاعد نتيجة تفجيرات نفّذتها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

وإذا كانت الأرض قد أصيبت في عمقها، فإن البنية التحتية الزراعية لم تكن بمنأى عن الأضرار. فقد تضرر نحو 4,265 هكتاراً بشكل مباشر، إضافة إلى 1,617 مزرعة و793 خيمة زراعية، ما يهدد استمرارية الإنتاج حتى في حال توقف الاعتداءات.

ويمتد هذا التدهور إلى الثروة الحيوانية، حيث سُجّل نفوق نحو 1.84 مليون رأس من الحيوانات والدواجن، إضافة إلى 29,121 قفير نحل ونحو 2,030 طناً من الأسماك، في خسارة تضرب أحد أهم مصادر البروتين الغذائي في البلاد.

محاولات احتواء

أمام هذا الواقع الضاغط، تحاول وزارة الزراعة اللبنانية احتواء التداعيات عبر خطة طارئة، إلا أن حجم الأزمة يفرض تحديات كبيرة. وتشمل هذه الخطة تقديم مساعدات نقدية لنحو 4840 مزارعاً بقيمة تقارب 1.65 مليون دولار، إلى جانب مساعدات عينية لنحو 1850 مزارعاً، تتضمن مدخلات زراعية وأعلافاً وتجهيزات ري بالطاقة الشمسية.

وفي موازاة ذلك، تعمل الوزارة على إجراءات أوسع لضبط الأمن الغذائي، من خلال مراقبة سلاسل الإمداد، وتسريع استيراد المنتجات الزراعية، والتنسيق مع وزارة الاقتصاد لضبط الأسواق والأسعار، فضلاً عن تأمين الدعم الطارئ للمزارعين في المناطق المتضررة.

كما تؤكد الوزارة استمرار التنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين لتأمين الموارد اللازمة، عبر منصة مخصصة لتحديد الاحتياجات ومتابعة الدعم، في محاولة لضمان الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يحذّر من عرقلة «اتفاق الإطار»... وزوطر الغربية تختصر معاناة العودة

المشرق العربي سيدة تجلس إلى جانب جرّة غاز عند باب منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش اللبناني يحذّر من عرقلة «اتفاق الإطار»... وزوطر الغربية تختصر معاناة العودة

حذّر الجيش اللبناني من أن الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان تعرقل تنفيذ «اتفاق الإطار» وتمنع عودة الأهالي إلى قراهم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تقف فاطمة مقداد وسط أنقاض منزلها الذي دُمِّر في الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بقرية فرون حيث تواصل العيش مع عائلتها داخل الغرفة الوحيدة التي بقيت (أ.ب)

أهالي جنوب لبنان يعيشون على وقع الارتباك وانتظار المجهول

لم يعد هاجس أبناء قرى جنوب لبنان يقتصر على إعادة إعمار منازلهم التي دمرتها الحرب، بل بات أكثر ما يقلقهم هو مستقبلهم ومستقبل أولادهم المجهول...

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي نعوش عناصر «حزب الله» الذين قُتلوا خلال اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي إلى جانب نعش رمزي للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي... وذلك في أثناء جنازة جماعية بقرية مجدل سلم بجنوب لبنان يوم 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

إحكام القبضة اللبنانية على المرافئ يجفف مصادر تمويل «حزب الله»

لم تعد المواجهة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله» محصورة في ملف السلاح وتنفيذ الالتزامات الدولية في الجنوب فقط، بل انتقلت إلى تجفيف مصادر تمويل الحزب...

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جندي في الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

الجيش اللبناني يتهم اسرائيل بعرقلة انتشاره في الجنوب عبر مواصلة «اعتداءاتها»

ندّد الجيش اللبناني اليوم الأحد بمواصلة القوات الإسرائيلية «اعتداءاتها وخروقاتها» في جنوب لبنان، متهماً إياها بإعاقة استكمال انتشاره بموجب الاتفاق الإطار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في إحدى بلدات جنوب لبنان (رويترز)

إسرائيل تنسف المنشآت الحيوية في بلدات جنوب لبنان

نفّذ الجيش الإسرائيلي توغلين داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع تفجيرات لمنشآت حيوية في المنطقة الحدودية، بالتوازي مع دخول أهالي بلدة زوطر الغربية إلى بلدتهم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)