تحركات نشطاء نحو غزة تضع ليبيا أمام اختبار جديد

الإصرار على تكرار محاولة عبور الأراضي الليبية باتجاه الحدود المصرية يثير تساؤلات سياسية وأمنية

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
TT

تحركات نشطاء نحو غزة تضع ليبيا أمام اختبار جديد

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

دخلت ليبيا اختباراً جديداً مع إطلاق نشطاء «قافلة الصمود 2» المغاربية، التي يقول منظموها إنها تهدف «لكسر الحصار على قطاع غزة»، مثيرين بإصرارهم على تكرار محاولة عبور الأراضي الليبية باتجاه الحدود المصرية تساؤلات سياسية وأمنية، في ظل مشهد لا يزال عالقاً في ذاكرة المشهد الليبي، عقب تعثر القافلة الأولى العام الماضي عند مدينة سرت، وما صاحب ذلك من ضجة واسعة.

وفي وقت يستمر فيه الانقسام السياسي والأمني بين شرق ليبيا وغربها، واصلت «القافلة الإنسانية الإغاثية التخصصية»، السبت، تحركها السلس بين مدن غرب البلاد، انطلاقاً من غابة «جود دائم» بمدينة الزاوية بمشاركة نحو 300 متضامن، يمثلون 28 جنسية، وسط مرافقة آلية عسكرية تابعة لسلطات غرب ليبيا.

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في مدينة الزاوية غرب ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

وتداولت وسائل إعلام محلية ليبية تسجيلاً مصوراً لعناصر من «اللواء 111»، التابع لحكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهم يقدمون وجبات عشاء للمشاركين عقب وصول القافلة إلى منطقة كعام غرب مصراتة.

ورغم حديث منظمي القافلة، من بينهم «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، أن التحرك يحمل طابعاً إنسانياً لإيصال مساعدات إلى قطاع غزة، مع نفي وجود أي توجهات سياسية أو فكرية، فإن نشطاء وإعلاميين ليبيين واصلوا التشكيك في أهداف القافلة ودوافعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وذهب الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، إلى التساؤل عن جدوى عبور القافلة لمسافة تقارب 1800 كيلومتر عبر الساحل الليبي، رغم أن ليبيا لا ترتبط بحدود مباشرة مع فلسطين.

أما الناشط الليبي، أسامة الشحومي، فقد عدّ أن «أهداف القافلة قد تتجاوز دعم غزة إلى احتمال إثارة قلاقل داخل ليبيا، التي تعاني انقساماً سياسياً وأمنياً»، مستغرباً مما أسماه «تحالف الإسلاميين واليساريين في هذه القافلة».

ويظل التساؤل الأبرز مطروحاً بشأن إمكانية عبور «القافلة» إلى مناطق نفوذ «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق البلاد، في ظل ما واجهته «قافلة الصمود» الأولى في يونيو (حزيران) من العام الماضي من توقف عند مدخل مدينة سرت، بدعوى «انتظار موافقات أمنية، واستكمال إجراءات قانونية تخص بعض المشاركين ووثائق سفرهم، قبل أن يقرروا إنهاء رحلتهم إلى معبر رفح، التي بدا أنها فشلت على أبواب سرت».

ووفق مراقبين، فإن منظمي «القافلة» تجاهلوا تحذيرات صدرت عن سلطات شرق ليبيا، الخميس، بشأن ضرورة الالتزام بالضوابط المنظمة لعبور الحدود المصرية، التي تقتصر بحسب ما أعلنته الحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد على حاملي الجنسية الليبية عبر المنافذ البرية، وهو أمر أكدته السلطات المصرية.

«قافلة الصمود» الأولى خلال تخييمها أمام بوابات سرت بعدما أوقفتها السلطات الليبية في يونيو (حزيران) الماضي (تنسيقية العمل من أجل فلسطين)

يشار إلى أن حكومة الشرق الليبي أكدت في بيانها ضرورة استخدام الراغبين في دخول الأراضي المصرية للمنافذ الجوية، واستيفاء التأشيرات المطلوبة، مع إبداء استعدادها للتنسيق مع الهيئات الإنسانية الليبية، في مقدمتها الهلال الأحمر الليبي، لتسلّم المساعدات والعمل على إيصالها إلى قطاع غزة، بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري.

وبالنسبة لجمعية «الهلال الأحمر» الليبي في بنغازي (شرق) فقد أبدت استعدادها الكامل لتسلّم مساعدات «الصمود 2»، مؤكدة أن أي عمليات إغاثية عابرة للحدود تخضع لإجراءات قانونية وإنسانية، تستوجب التنسيق مع السلطات المختصة في ليبيا ومصر.

القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، يرى أن «تكرار مشهد القافلة يعد اختباراً جديداً للمشهد الليبي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موقف الحكومة في الشرق الليبي يعكس محاولة للموازنة بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات السيادة، من خلال الترحيب بالقافلة، مقروناً بشروط تنظيمية صارمة تتماشى مع التنسيق الأمني القائم مع مصر»، مشيراً إلى أن «تمرير أي تحرك بري جماعي إلى مصر خارج الأطر الرسمية أمر بالغ الصعوبة».

فيما قال وكيل «جهاز الاستخبارات» المصرية الأسبق، اللواء محمد رشاد لـ«الشرق الأوسط»، إن دعم القضية الفلسطينية «التزام قومي تقوم به مختلف مؤسسات الدولة المصرية، بما يشمل إيصال المساعدات الإنسانية».

ويعتقد رشاد أن أي إجراءات مصرية لتأمين الحدود «تخضع لحسابات الأمن القومي والتطورات الإقليمية»، وأشار في الوقت ذاته إلى أن هذه القوافل «تثير شكوكاً واسعة بشأن أهدافها الحقيقية، واحتمال تجاوزها البعد الإنساني إلى الاستعراض، وإثارة توترات بين مصر وإسرائيل عند معبر رفح الحدودي».

أسامة حماد والمشير خليفة حفتر في فعالية بمدينة درنة الشهر الحالي (حكومة الاستقرار)

وبحسب رشاد، فإن «الاحتفاء المبالغ فيه من بعض وسائل الإعلام المحسوبة على جماعة (الإخوان) بهذه القوافل يدعو إلى التدقيق، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتأمين الحدود بالتنسيق مع سلطات شرق ليبيا».

ولا يتوقف الحديث عن «القافلة» عند ما تمثله من اختبار على الصعيد الأمني، إذ يرى مراقبون أنها قد تكتسب أبعاداً سياسية داخلية، في ظل الانقسام القائم بين حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا برئاسة الدبيبة، وحكومة حماد المدعومة من «الجيش الوطني».

وقال حسام فنيش إن تحركات القوافل المتجهة إلى غزة تأتي في توقيت حساس، يتقاطع مع التوازنات الداخلية الليبية وجهود التسوية المدعومة دولياً، بما في ذلك المقاربة الأميركية المعروفة بـ«خطة بولس»، معتبراً أن ذلك «يمنح هذه التحركات أبعاداً قد تتجاوز طابعها الإغاثي».

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إلى بناء تفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي، من خلال تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

وأشار فنيش إلى أن تأثير هذه التحركات سيظل في إطار «الضغط الرمزي والسياسي»، من دون توقعات بإحداث تغيير مباشر في مسارات التفاوض القائمة، لكنه رجح أن تضيف مزيداً من التعقيد إلى بيئة الثقة الهشة بين أطراف الأزمة الليبية. وأوضح أن مسار القافلة، سواء نجحت في بلوغ أهدافها أو واجهت عراقيل، قد يتحول إلى «ورقة إضافية في التنافس السياسي بين حكومتي الدبيبة وحماد، خصوصاً في ما يتعلق بإظهار القدرة على إدارة الملفات الإقليمية الحساسة، والتفاعل مع القضية الفلسطينية».


مقالات ذات صلة

لجنة أممية تدعو للإفراج عن طبيب من غزة تحتجزه إسرائيل

المشرق العربي يتلقَّى حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان العلاج من قبل زملائه من جراء إصابته في غارة إسرائيلية استهدفت المجمع الطبي في بيت لاهيا 23 نوفمبر2024 (أ.ف.ب)

لجنة أممية تدعو للإفراج عن طبيب من غزة تحتجزه إسرائيل

أبدت لجنة تحقيق أممية اليوم قلقها إزاء تقارير تفيد بوقوع انتهاكات بحق الطبيب حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان الذي اعتقله الجيش الإسرائيلي في ديسمبر 2024.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مجلس السلام» يخطط لإقامة منطقة إنسانية تجريبية في جنوب غزة

أكد مسؤول في مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب نية إقامة منطقة إنسانية تجريبية في جنوب غزة تهدف إلى استيعاب عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتيلاً سقط بهجوم إسرائيلي في منطقة المواصي بخان يونس يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

قتلى وجرحى غزّيون بنيران إسرائيلية

تواصل قوات الجيش الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر قصف مدفعي واستهدافات برية وغارات جوية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)

رسائل حسام حسن المستمرة لدعم فلسطين... تثير الغضب في إسرائيل

رسالة جديدة من مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، أثارت ضجة واسعة من التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، عقب دعم جديد لـ«غزة»

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية فتاة فلسطينية تملأ أوعيةً بالماء المستخرج من بقايا أنابيب تحت الأرض بمخيم للنازحين جراء الحرب في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ثُلث البالغين الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة

هل تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل بعد حربها في غزة؟... استطلاع رأي جديد يكشف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

جنود من الجيش السوداني (متداولة)
جنود من الجيش السوداني (متداولة)
TT

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

جنود من الجيش السوداني (متداولة)
جنود من الجيش السوداني (متداولة)

استعاد الجيش السوداني، الأربعاء، سيطرته على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا، والتي كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.

وقال المتحدث باسم الجيش، عاصم عوض، في بيان صحافي نُشر في صفحته الرسمية على «فيسبوك»، «تمكنت القوات المساحة والقوات المساندة من تحرير مدينة الكرمك عنوة واقتدراً، بعد معارك شرسة، خاضتها ضد (قوات الدعم السريع)». وأضاف أن «الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها «تكبدت خسائر فادحة في الأرواح، والعتاد».

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأكد البيان «أن حماية المدنيين، والعمل على استعادة الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة الحياة، تمثل أولوية قصوى للجيش في المرحلة المقبلة».

وجدد المتحدث باسم الجيش التأكيد على «استمرار معركة الكرامة حتى القضاء على (قوات الدعم السريع) وأعوانها، وتأمين كامل تراب الوطن».

وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تؤكد سيطرتها على مدينة الكرمك.

من جانبه قال حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، إنه «في ملحمة بطولية تم اليوم تحرير مدينة الكرمك من دنس (قوات الدعم السريع) ومتمردي جوزيف توكا».

وأضاف في منشور على موقع «فيسبوك» «أن هذا الانتصار العظيم يُعد خطوة نحو استعادة الأمن والاستقرار في الإقليم، وجميع أنحاء السودان».

وخلال الأيام الماضية حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي، ومقجة، وسركم، الواقعة على الطريق الرئيس الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك.

في المقابل، لم تصدر «قوات الدعم السريع» أي تعليق رسمي بشأن المعارك الدائرة في المنطقة، بينما بثت عناصرها مقاطع مصورة تنفي بشدة دخول الجيش المدينة.

جنود تابعون للجيش السوداني خلال دورية في شوارع مدينة القضارف (أرشيفية-أ.ف.ب)

وكان الجيش السوداني عبر «الفرقة الرابعة مشاة» نفّذ في الأيام القليلة الماضية ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة، والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«الدعم السريع» في محيط المدينة.

وتكتسب الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس» الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

وشهد الإقليم خلال الشهرين الماضيين تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلالها الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد اتهامات وجهها الجيش السوداني إلى دولة إثيوبيا بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها للسيطرة على المدينة، وكامل إقليم النيل الأزرق.

وفي السياق ذاته، أعلنت «شبكة أطباء السودان» الأربعاء مقتل 10 أشخاص -بينهم خمس نساء- جراء استهدافهم من قبل «الدعم السريع» بمسيرة بطريق الصادرات غربي أم درمان.

وقالت الشبكة، في بيان صحافي، «إن القتلى جميعهم من أسرة واحدة، وقضوا إثر استهداف سيارتهم بمسيرة تتبع لـ(الدعم السريع) على طريق الصادرات غربي أم درمان أثناء توجههم لحضور مناسبة زواج، ما أدى إلى احتراقها بالكامل، ومقتل جميع من كانوا على متنها».

فتاة سودانية مصابة في قصف تجلس على كرسي متحرك بفناء منزلها في الخرطوم في أبريل الماضي (أ.ب)

وأكدت الشبكة أن «استهداف المدنيين ووسائل النقل المدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني علماً بأن الاستهداف تم بطريقة متعمدة عبر مسيرة موجهة القيادة، وغير عشوائية، مما يعكس حجم الاستهداف الممنهج للمدنيين بالمنطقة».

وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» أفادت أيضاً بأن «طائرة مسيرة استهدفت الاثنين الماضي عربة مدنية كانت تقل مواطنين في طريقهم إلى مناسبة زواج ببلدة الشعطوط، شرق محلية جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل 13 مدنياً، بينهم 5 نساء»، كما أن طائرة مسيرة استهدفت، صباح الثلاثاء، مركبة مدنية كانت تنقل المياه بالقرب من مورد للمياه في منطقة حمرة الشيخ، ما أدى إلى مقتل شخصين.

الاتحاد الأفريقي

وفي سياق متصل، التقى رئيس «مجلس السيادة»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بالخرطوم، مبعوث الاتحاد الأفريقي، محمد بلعيش.

وقال بلعيش في تصريحات صحافية إن اللقاء يأتي في «إطار حرص مفوضية الاتحاد الأفريقي على مواصلة التشاور مع القيادة السودانية حول مستجدات الأوضاع السياسية، والميدانية»، وفقاً لإعلام «مجلس السيادة».

لقاء البرهان مع سفير الاتحاد الأفريقي بالخرطوم (إعلام السيادة)

وأضاف أن اللقاء «ناقش التحديات الراهنة التي تعترض تحقيق السلام»، مشدداً على «أهمية تكثيف الجهود في المرحلة المقبلة لتجاوز هذه العقبات».

وأكد «حرص المفوضية والتزامها بمواصلة المساعي الرامية لخفض التصعيد، باعتباره خطوة أساسية نحو التوصل إلى وقف إطلاق النار، مع الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تقوم على إشراك جميع الأطراف السودانية».

وجدد بلعيش تأكيد مفوضية الاتحاد الأفريقي على «أولوية الحل السياسي، وإطلاق حوار وطني جامع، يقوم على المصالحة الوطنية».

وقال: «ستظل المفوضية ملتزمة بدعم وحدة السودان وسيادته الوطنية، ومواكبة التطورات السياسية، والأمنية، والإنسانية إلى أن يتحقق الأمن والاستقرار في السودان». وكشف عن أن الفترة المقبلة «ستشهد زيارة رفيعة المستوى لقيادة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم».


واشنطن تُكثف حراكها في العاصمة الليبية لدفع مبادرة بولس

المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
TT

واشنطن تُكثف حراكها في العاصمة الليبية لدفع مبادرة بولس

المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)
المنفي والكوني مع بولس في طرابلس الأربعاء (المجلس الرئاسي)

كثّفت الولايات المتحدة تحركاتها السياسية في العاصمة الليبية طرابلس، عبر سلسلة لقاءات أجراها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مع كبار المسؤولين الليبيين، في مسعى لحل الأزمة في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً.

وجاء هذا الحراك في وقت يُحيط فيه الغموض بموقف رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، من المبادرة التي يقودها بولس، والتي تتحدث تسريبات بشأنها عن صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز الفاعلين في شرق البلاد وغربها، تقوم على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة تقود المرحلة الانتقالية إلى الانتخابات.

الدبيبة مع بولس في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

ولليوم الثاني على التوالي، واصل بولس لقاءاته في طرابلس؛ حيث اجتمع الأربعاء مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بحضور نائبه عبد الله اللافي، والفريق السياسي بالسفارة الأميركية.

وشدد المنفي من جانبه على أن «نجاح أي تسوية سياسية يتطلب أن تكون شاملة، وأن تتم عبر حوار مباشر بين المؤسسات الرسمية الوطنية، بما يمنع العودة إلى الترتيبات المؤقتة، أو التفاهمات المحدودة التي قد تُعيد إنتاج الانقسام». كما أكد انفتاح المجلس على جميع المبادرات الدولية «شريطة أن تستند إلى توافق وطني واسع، وتُحافظ على التوازن بين المؤسسات والمكونات الليبية، بعيداً عن فرض حلول جزئية».

تقوم المبادة الأميركية على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي (أ.ف.ب)

وفي لقاء منفصل، بحث اللافي مع بولس آليات الدفع نحو توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، مؤكداً أن تجاوز حالة الانسداد السياسي «يتطلب مقاربة وطنية تضمن ملكية الليبيين لمسارهم السياسي، وصولاً إلى الانتخابات على أسس دستورية وقانونية متوافق عليها».

ونقل اللافي عن بولس تأكيده «دعم الولايات المتحدة لمسار سياسي شامل يقود إلى تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات»، مع حرص واشنطن على استثمار «الزخم الحالي» لتعزيز توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار.

وكان عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، قد أعلن عقب اجتماعه مع بولس، مساء الثلاثاء، أن الجانبين شددا على أهمية مواصلة التنسيق لدعم المبادرات الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها، وصولاً إلى تسوية سياسية شاملة.

وفي إطار انفتاحه على مختلف الأطراف، التقى بولس قيادات بلدية مدينة مصراتة، في أول اجتماع من نوعه، مشيداً بما وصفه بـ«الوعي السياسي للمدينة، وإدراك قادتها المنتخبين لمتطلبات إنجاح الانتخابات».

في المقابل، اكتفى الدبيبة، في بيان أصدره عقب اجتماعه مع بولس بحضور وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، الثلاثاء، بالإشارة إلى أن المحادثات تناولت «مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك»، مع تأكيد أهمية مواصلة التنسيق بين الجانبين، بما يدعم الاستقرار ويُعزز العلاقات الثنائية.

ورغم هذا البيان، لا يزال موقف الدبيبة من مبادرة بولس غير واضح، في وقت سبق أن أعلنت فيه القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في شرق البلاد ترحيبها بالمبادرة نهاية الشهر الماضي.

كما التزمت حكومة «الوحدة» الصمت حيال تصريحات الناطق باسم ميليشيات ما تُعرف بـ«كتيبة صلاح بادي»، حميدة الجرو، الذي قال إن الدبيبة عقد اجتماعات في مدينة مصراتة، طالب فيها شخصيات محلية بالتحرك لرفض مبادرة بولس. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة على هذه التصريحات.

وفي موازاة الحراك السياسي، استحوذ الملف الاقتصادي على جانب مهم من لقاءات بولس، إذ أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، أنه بحث مع الوفد الأميركي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية، وسبل دعم الاستقرار النقدي والمالي.

ناجي عيسى (متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي)

وقال المصرف المركزي إن المشاركين أكدوا «دعمهم الكامل لاستقلالية المصرف ومحافظه والمؤسسات السيادية»، كما شددوا على أهمية تنفيذ اتفاق الميزانية الموحدة، والالتزام بأحكامه لتعزيز الانضباط المالي والشفافية وكفاءة الإنفاق العام.

وأضاف «المصرف» موضحاً أن الاجتماع شهد أيضاً تجديد الدعم الأميركي، إلى جانب ديوان المحاسبة، للمؤسسة الوطنية للنفط، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على استقرار إنتاج النفط واستدامته، باعتباره «الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني»، فضلاً عن دعم جهود تعزيز الحوكمة والشفافية وصون المال العام.

فيما أوضح بولس عبر حسابه على منصة «إكس» أنه شارك، الاثنين، في اجتماع ضم مسؤولين كباراً من شرق ليبيا وغربها في مالطا، مبرزاً أن اللقاء استهدف «دعم الجهود الليبية الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة»، وأن المناقشات كانت «بنّاءة»، مؤكداً أن «ليبيا الموحدة ستكون أكثر استقراراً وازدهاراً، كما ستكون شريكاً اقتصادياً وأمنياً أقوى للولايات المتحدة وللمجتمع الدولي».


العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
TT

العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)

عادت أزمة المياه إلى واجهة المشهد في غرب ليبيا، بعد تحذيرات رسمية من تفاقم العجز المائي نتيجة انتشار التوصيلات غير الشرعية على مسار منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، في وقت توعد فيه جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي بإطلاق «حملة أمنية» لإزالة هذه التعديات، وحماية إمدادات المياه المتجهة إلى العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية.

ويُعد «النهر الصناعي العظيم» المصدر الرئيسي لمياه الشرب في معظم المدن الليبية منذ عقود، ويُعرف محلياً بـ«شريان الحياة»، إذ ينقل هذا المشروع المياه الجوفية من الأحواض الصحراوية في جنوب البلاد إلى المناطق الساحلية في الشمال، عبر شبكة من الأنابيب تمتد مئات الكيلومترات.

رئيس اللجنة الإدارية لجهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي المهندس أحمد الذيب (صفحة الجهاز)

وتفجرت هذه المخاوف والتحذيرات عقب جولة ميدانية أجراها رئيس اللجنة الإدارية للجهاز في غرب البلاد، أحمد الديب، على امتداد المسار الأوسط للمنظومة، شملت ترهونة وبني وليد ومحطة التحكم بالشويرف، وصولاً إلى حقول آبار الحساونة، للوقوف على حجم التعديات المقامة على خطوط نقل المياه، بحسب بيان للجنة فجر الأربعاء.

يشار إلى أن منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، التي تعرضت للاعتداءات هي المرحلة الثانية من المشروع، وقد صُممت لنقل نحو 2.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً من حقول آبار جبل الحساونة إلى الشريط الساحلي حتى العاصمة طرابلس.

وكشفت جولة المسؤول الليبي عن انتشار توصيلات غير قانونية تُستخدم لري مزارع عشوائية بطريقة الغمر، وهو ما اعتبره الجهاز سبباً في «نقص الإمداد المائي» إلى العاصمة طرابلس وبلديات المنطقة الغربية، ونتج عنه «عجز مائي خطير» بسبب «الاستنزاف غير القانوني للمياه».

مزرعة غير شرعية جرى ريها بتوصيلات مخالفة من النهر الصناعي في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لإدارة النهر)

وحمّل الجهاز المزارعين الذين يمدون هذه التوصيلات «المسؤولية المباشرة عن الأزمة المائية الحالية»، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات «سيؤدي إلى زيادة العجز المائي»، وقد يفضي إلى «إيقاف الإمداد المائي عن العاصمة والبلديات الغربية بالكامل».

وفي مؤشر على تصعيد الإجراءات، أعلن الجهاز الشروع «فوراً» في «حملة أمنية» بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لإزالة التوصيلات غير الشرعية، مؤكداً أنه «لن يسمح باستمرار هذه الأعمال العبثية»، التي قال إنها «أتلفت المكونات الميكانيكية للمسار»، و«زادت معاناة المواطنين». وشدد الجهاز على أن «الأمن المائي للدولة خط أحمر»، مؤكداً أنه «لن يُسمح لأي طرف بتهديده أو العبث به».

وبرزت مؤشرات الأزمة منذ يوم الجمعة الماضي، مع تعرض منظومة آبار النهر الصناعي لتذبذبات متتالية في الجهد الكهربائي، أسفرت عن فقدان أكثر من 120 ألف متر مكعب من المياه، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما صاحب ذلك من زيادة في الاستهلاك، واتساع نطاق التوصيلات غير الشرعية على مسارات النهر.

ودفعت هذه التطورات الجهاز إلى تسيير دوريات تابعة لـ«كتيبة حماية النهر» لإزالة التجاوزات، بالتوازي مع أعمال تركيب مضخات بديلة للمضخات، التي تعرضت للأعطال، في محاولة لضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن المستفيدة وتقليص آثار الأزمة.

مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم الذي أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (رويترز)

ويُعد مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم، وقد أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في ثمانينات القرن الماضي لنقل المياه الجوفية من أحواض الجنوب إلى المدن الساحلية في الشمال، بتكلفة قُدرت آنذاك بنحو 35 مليار دولار، ليصبح المصدر الرئيسي لمياه الشرب لملايين الليبيين.

ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على المشروع، سواء عبر إغلاق الآبار، أو تعطيل محطات الضخ عبر مجموعات مسلحة، أو تنفيذ توصيلات غير قانونية تستخدم في ري الأراضي الزراعية، أو تزويد تجمعات سكانية بالمياه خارج الشبكة الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تكرار أزمات الإمدادات، لا سيما خلال أشهر الصيف، إلى جانب انقسام إدارته بين طرابلس وبنغازي.

ورغم الحديث عن حملة أمنية لكبح الاعتداءات على مشروع النهر الصناعي، فإنها «تبقى أزمة مفتوحة»، بحسب رؤية الدكتور سيف الله الحطاب، الأكاديمي الليبي والباحث المتخصص في التنمية المستدامة، في ظل ما عدّه «استمراراً لغياب سلطة الدولة على كامل مواردها ضمن سياق عام من العدالة الاجتماعية».

وقال الحطاب لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القبضة الأمنية سمح باستمرار التعديات على مسارات النهر، ويضع مناطق غرب ليبيا على حافة عطش حقيقي»، لكنه اعتبر أن «المشكلة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل ترتبط أيضاً باختلالات متجذرة في توزيع الثروة والتنمية بين المناطق الليبية، ما يدفع بعض الفئات إلى محاولة انتزاع ما تعتبره حقوقاً لها عبر التعدي على هذا المورد».

وانتهى الحطاب إلى أن معالجة الأزمة «لا يمكن أن تقتصر على إزالة التوصيلات غير الشرعية أو تنفيذ حملات أمنية»، مؤكداً أن الحل يتطلب «معالجة جذرية في إطار دولة مستقرة تقوم على قواعد جديدة للحكم والإدارة وتوزيع عادل للثروة، بما يضمن حماية الموارد الاستراتيجية، ويحد من اللجوء إلى فرض الأمر الواقع».