حين يتحدّث العَرق... جسدك يكشف عن مرضك قبل أن تشعر به

الخوارزمية تفسّر ما لا يراه الإنسان

من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
TT

حين يتحدّث العَرق... جسدك يكشف عن مرضك قبل أن تشعر به

من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد
من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد

لوقتٍ طويل، لم يكن التعرّق أكثر من استجابة طبيعية للحرارة أو الجهد... قطرات تظهر على الجلد ثم تختفي، دون أن نمنحها اهتماماً يُذكر. لكن ماذا لو لم يكن العرق مجرد استجابة فسيولوجية... بل رسالة؟

في السنوات الأخيرة، بدأ العلم ينظر إلى العرق بطريقة مختلفة تماماً؛ إذ لم يعد مجرد سائل يُفرزه الجسم للتبريد، بل أصبح يُفهم بوصفه وسيطاً بيولوجياً يحمل إشارات دقيقة عن الصحة الداخلية -إشارات قد تسبق الإحساس بالمرض نفسه.

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يكشف العرق عما لا نشعر به بَعد؟

العرق يتحول إلى بيانات- ثورة صامتة في تشخيص الأمراض

«نافذة بيولوجية متحركة»

لا يقتصر العَرق على كونه ماءً يفرزه الجسم للتبريد، بل يحمل في طيّاته مزيجاً غنياً من المواد الحيوية. فهو يحتوي على الغلوكوز، والأملاح المعدنية (الإلكتروليتات)، ومواد ناتجة من نشاط الجسم اليومي، إلى جانب هرمونات مثل الكورتيزون، وبروتينات ترتبط بحالات الالتهاب والإجهاد داخل الخلايا. ومن هذا المنظور، لم يعد العرق مجرد استجابة فسيولوجية عابرة، بل يمكن اعتباره «نافذة بيولوجية متحركة» تعكس ما يحدث داخل الجسم لحظة بلحظة، دون حاجة إلى تدخل أو إجراءات مؤلمة.

في دراسة نُشرت عام 2025، قادها الباحث علي جافي من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، بالتعاون مع باحثين من جامعة التكنولوجيا في سيدني، تبيّن أن تحليل العرق باستخدام مستشعرات حيوية دقيقة يمكن أن يوفّر وسيلة غير جراحية لرصد مؤشرات صحية مرتبطة بأمراض مثل السكري وأمراض القلب، إضافة إلى اختلالات في التمثيل الغذائي، بل وحتى بعض المؤشرات العصبية.

ولا تكمن الميزة في هذه المقاربة فقط في نوعية المعلومات، بل في طريقة الوصول إليها: قياس مستمر، لحظي، وغير تدخّلي - دون إبر، ودون الحاجة إلى مختبر، ودون انتظار يفصل بين الإشارة وقراءتها.

الخوارزمية تفسّر ما لا يُرى

غير أن الإشارات الكيميائية في العرق ليست ثابتة، بل تتبدّل باستمرار تحت تأثير التوتر، والتغذية، والبيئة، ونمط الحياة. هذه الطبيعة المتحركة تجعل تفسيرها بالوسائل التقليدية وحدها محدوداً؛ إذ يصعب التقاط معناها من خلال قراءة منفصلة لكل مؤشر.

وهنا يظهر الدور الحاسم للذكاء الاصطناعي. ففي دراسة حديثة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 في مجلة علمية متخصصة في تقنيات الاستشعار الحيوي (ضمن منصة ScienceDirect التابعة لدار النشر Elsevier)، بقيادة الباحث يي هو من معهد الهندسة الطبية الحيوية بجامعة تسينغهوا (Tsinghua University) في الصين، ظهر أن العرق لم يعد مجرد إفراز فسيولوجي بسيط، بل يمثل نظاماً كيميائياً معقّداً يحمل طيفاً واسعاً من المؤشرات الحيوية، تشمل نواتج الاستقلاب، والهرمونات، والشوارد، القادرة على عكس التغيرات الجزيئية في الجسم بشكل لحظي. كما بيّنت الدراسة أن استخدام مستشعرات كهروكيميائية مرنة وقابلة للارتداء يتيح جمع هذه البيانات بشكل مستمر وغير جراحي، وبدرجة عالية من الحساسية.

ومع دمج هذه القراءات بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحليل مقتصراً على قياس كل مؤشر على حدة، بل بات قائماً على قراءة الأنماط... أي تغيّرات صغيرة قد تبدو بلا دلالة منفردة، لكنها تكتسب معناها عندما تُفهم ضمن سياق بيولوجي متكامل؛ ما يتيح ربطها بحالات صحية معقدة، بل والتنبؤ بالتغيرات المرضية قبل ظهورها سريرياً.

هنا يتغيّر السؤال: لم يعد ماذا يحتوي العرق؟ بل: هل تستطيع الخوارزميات أن تفهم اختلافه من إنسان إلى آخر؟

وهكذا، يتحوّل هذا السائل الحيوي من إشارة مبهمة إلى لغة بيولوجية قابلة للفهم... ولكن بلغة تكتبها الخوارزميات.

هل نرى أكثر أم نفهم أقل؟

من الجِلد إلى البيانات

الأكثر إثارة أن هذه التقنيات بدأت تخرج من المختبرات إلى الحياة اليومية. فقد ظهرت أجهزة مرنة تُثبت على الجلد، قادرة على جمع العرق وتحليله بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات إلى تطبيقات ذكية تقوم بمعالجتها. وفي هذا النموذج الجديد، لا ينتظر الطب ظهور الأعراض، بل يراقب التغيرات الدقيقة التي قد تسبقها بأسابيع أو أشهر. وقد يتيح ذلك مستقبلاً التنبؤ باضطرابات في التمثيل الغذائي أو أمراض القلب قبل أن يشعر بها الإنسان.

هنا، لا يعود هذا السائل الحيوي مجرد نتيجة فسيولوجية، بل أداة استباقية - جزء من طبّ يتقدّم خطوة قبل المرض.

ورغم هذا التقدم، يبقى سؤال جوهري: هل يمكن الوثوق بما «تراه» الخوارزميات؟ الذكاء الاصطناعي بارع في التعامل مع كميات هائلة من البيانات، لكنه لا يفهم الإنسان كما يفهمه الطبيب. قد ترتبط تغيرات العرق بعوامل متعددة في الوقت نفسه، ولا يمكن فصلها دائماً بشكل قاطع أو تلقائي. وهنا تظهر مفارقة الطب الحديث:

نحن نرى أكثر من أي وقت مضى... لكننا لا نفهم دائماً أكثر. هل يتحول فائض البيانات إلى وضوح؟ أم تعقيد جديد يحتاج إلى تفسير أعمق؟

المفارقة، أن العرق، وهو أحد أبسط إفرازات الجسد، قد يصبح أحد أكثر أدوات التشخيص تعقيداً. ما كان يُنظر إليه كاستجابة عادية، أصبح اليوم محور أبحاث تجمع بين الكيمياء الحيوية والهندسة والذكاء الاصطناعي.

وهذا يعكس تحولاً أعمق في الطب المعاصر: لم نعد نبحث فقط عن المرض، بل عن إشاراته المبكرة، وعن اللغة الخفية التي يرسلها الجسد قبل أن يصرخ بالألم.

وفي زمنٍ يمكن فيه لجهاز صغير على الجلد أن يحلل العرق ويربطه بأنماط صحية معقدة، لم يعد السؤال: لماذا نتعرق؟ بل أصبح: ماذا يخبرنا هذا التعرّق... ولم نكن نعرف كيف نصغي إليه؟ فالعرق لم يعد مجرد استجابة للحرارة، بل تدفّقاً مستمراً للبيانات الحيوية.

ومع الذكاء الاصطناعي، وربما نكون قد بدأنا للتو في فهم لغةٍ ظلّت معنا طوال الوقت، ولم نُحسن الإصغاء إليها.


مقالات ذات صلة

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

علوم الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك في المنزل... يُنصح بتجنب تخزين الأدوية في الحمام بسبب الحرارة والرطوبة أو قرب النوافذ المشمسة أو فوق خزائن المطبخ القريبة من الفرن. والأفضل حفظها في مكان بارد وجاف مثل درج في غرفة النوم أو خزانة (بيكسلز)

هل تؤثر الحرارة المرتفعة في فعالية الأدوية؟

قد تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تقليل فعالية كثير من الأدوية، بل وقد تجعل بعضها غير آمن للاستخدام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك قد يكون الارتباك أو التصرف غير المعتاد من أخطر العلامات المبكرة لضربة الشمس ويستدعي تدخلاً طبياً فورياً (بكسلز)

التغيّر المفاجئ في السلوك... علامة قد تكشف عن ضربة شمس مهدِّدة للحياة

قد تكون أبرز علامة على ضربة الشمس تغيّر السلوك أو الارتباك الذهني، ما يستدعي إسعافاً فورياً وتبريد الجسم سريعاً، لأن الحالة قد تصبح مهددة للحياة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك رغم شيوع استخدام مكملات المغنسيوم لتخفيف القلق فإن الأدلة العلمية الحالية لا تؤكد بشكل قاطع فاعليتها (بيكسلز)

هل المغنسيوم يخفّف القلق؟

تشير الأدلة إلى أن مكملات المغنسيوم لم تثبت فاعليتها في تخفيف القلق، رغم أنها آمنة غالباً وقد تساعد على النوم، مع ضرورة استشارة طبيب عند استمرار الأعراض.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

اختراق جديد يكشف أسراراً جينية استعصت على العلماء لسنوات

تطوير أداة جديدة تعزز دقة التنبؤ بالمخاطر الصحية في خطوة قد تعزز قدرة العلماء على اكتشاف الأسباب الوراثية للأمراض،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية
TT

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

أدى تزايد انتشار أنظمة المراقبة العامة إلى ظهور رد فعل مضاد يتمثل في صنع أزياء صُممت خصيصاً لإرباك كاميرات المراقبة الأمنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه التصاميم إلى تضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية -مثل كاميرات «أكسون» (Axon) المثبتة على أجسام رجال الشرطة وكاميرات «فلوك» (Flock) وغيرها من أدوات المراقبة الجماعية- وذلك عبر استخدام حيل بصرية، مثل وضع أنماط ورسوم تخدع أجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي وتجعلها تصنف مرتديها خطأً على أنهم حيوانات أو جمادات، أو من خلال استخدام أقمشة عاكسة للضوء، كما كتب هانتر شوارتز (*).

التشويش على 11 نموذجاً للرؤية الحاسوبية

تظهر الآن علامة تجارية جديدة للملابس -تُنتج بإصدار محدود وتعتمد على التمويل الجماعي- لتقدم قطعاً تتميز بأنماط قادرة بفاعلية على التشويش على 11 نموذجاً مختلفاً من نماذج الرؤية الحاسوبية. تحمل هذه العلامة التجارية اسم «noRecognition».(اللاتعرّف).

مسؤول استخبارات يصمم الأزياء المشوشة

وابتكر بيل سوارينجين، وهو مسؤول استخباراتي سابق ومؤسس «SecKC»، وهي خدمة لفعالية شهرية متخصصة في الأمن السيبراني تُقام في مدينة كانساس- علامة «noRecognition» بعد إجراء 31.7 مليون اختبار رقمي لتحديد أنواع الأنماط التي تربك نماذج متعددة في آن واحد، وذلك بهدف ابتكار نمط تمويه شامل ومضاد لأنظمة الرصد. ووظّف سوارينجين الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل كافة، بدءاً من بناء النموذج وتدريبه، ومروراً باستخدامه لتوليد واختبار الأشكال الهندسية للأنماط المضادة، ووصولاً إلى تحديد الأنماط الأكثر فاعلية.

ويكمن التحدي بالنسبة لسوارينجين في أن النمط الذي ينجح في خداع نموذج واحد غالباً ما يفشل أمام نماذج أخرى مختلفة. ويقول في هذا الصدد: «لقد نجحت في التغلب على كل نموذج اختبرته، لذا فإن تجاوز نموذج واحد أصبح بالنسبة لي مسألة محسومة؛ أما التحدي الحالي فيتمثل في العثور على ذلك النمط الفريد الذي ينجح في خداع العديد من النماذج في آن واحد».

وقد كشف سوارينجين عن علامته هذه للجمهور خلال مؤتمر «ديف كون» (Def Con) للأمن السيبراني في لاس فيغاس في 7 أغسطس (آب) الحالي. كما أطلق حملة على منصة «كيك ستارتر» في الأسبوع نفسه لجمع 5000 دولار، لكن الحملة نجحت في جمع أكثر من 40 ألف دولار حتى الآن. ويوضح سوارينجين أن الأموال المجمعة ستُخصص لشراء الأقمشة والكاميرات وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة، معرباً عن امتنانه العميق وتأثره البالغ بهذا الكرم ورد الفعل الإيجابي.

وشاح «أنبوبي» للرقبة وقميص وسترة رياضية

تتضمن تشكيلة الملابس ذات الإصدار المحدود وشاحاً أنبوبياً (يمكن ارتداؤه كغطاء للرقبة)، وقميصاً (تي شيرت)، وسترة رياضية (سويت شيرت)، بالإضافة إلى ملصقات ورقع قماشية. وسيتم إنتاج 50 قطعة فقط من كل صنف، حيث سيتميز كل منها بنمط فريد تم توليده خصيصاً لشخص واحد.

ويعرض موقع «سوارينجين» الإلكتروني أمثلة على بعض الأنماط التي يولدها نموذج «noRecognition»، إلا أن أقوى أعماله تظل بعيدة عن متناول الإنترنت؛ فمن خلال إبقاء أكثر الأنماط فاعلية خارج الموقع، يحول نموذجه هذا دون قيام مشغلي كاميرات المراقبة بتدريب أنظمتهم على ما ينتجه هذا النموذج.

أنماط التضليل البصري

وكانت السفن الحربية استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى نمط «تمويه التمويه البصري» الذي يتألف من خطوط متعرجة بالأبيض والأسود- لإرباك سفن العدو. واليوم تستخدم شركات السيارات أساليب تمويه لإخفاء تفاصيل المركبات أثناء اختبارها عند القيادة. أما في مجال الأزياء المصممة لمواجهة أنظمة الرصد أو ما يسمى أزياء «الخصومة التقنية» أو (Adversarial fashion)، فيتم الاعتماد بشكل أساسي على استخدام وحدات نمطية متكررة.

نمط من وحدات متكررة

تعتمد معظم الأنماط - وإن لم تكن جميعها - على وحدات متكررة؛ إذ تضمن هذه الطريقة بقاء النمط سليماً وواضحاً حتى بعد قص القماش، ما يجعله ظاهراً في مجال رؤية أجهزة الكشف بغض النظر عن الجزء الذي يظهر من قطعة الملابس. ولا تهدف هذه الأنماط إلى تحقيق غايات جمالية، بل تعطي الأولوية للوظيفة العملية؛ حيث تُعد الأبعاد المحددة للنمط عاملاً حاسماً في مدى نجاحه وفاعليته.

وإن كان بعض الناس يختارون ملابسهم لتلائم الكاميرات، فان تصميم «noRecognition» ليفعل العكس تماماً.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».