«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

المنصة الصينية أعلنت مشروعاً لبناء شخصيات رقمية توظّف في أعمال درامية مولّدة

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.


مقالات ذات صلة

«يا له من سؤال غبي!»... أبرز لحظات كارولين ليفيت في مواجهة الصحافة

الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تتحدث مع الصحافيين في غرفة جيمس برادي للإحاطة الصحافية بالبيت الأبيض (أ.ب)

«يا له من سؤال غبي!»... أبرز لحظات كارولين ليفيت في مواجهة الصحافة

خلال فترة تولّيها منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض، برزت كارولين ليفيت بأسلوبها الحاد في التعامل مع الصحافيين، لتصبح واحدة من أبرز وجوه إدارة الرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية،

شوقي الريّس (روما)
إعلام تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تحدثت مؤشرات جديدة عن أن «المستخدمين قد يمضون وقتاً أطول على تطبيقات الأخبار المصممة للهاتف المحمول، ورغم ذلك فلا يزال الناشرون يفشلون في جذب انتباههم

إيمان مبروك (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان يستعرض مهام وزارته أمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع سابق (مجلس الوزراء المصري)

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

لوّحت وزارة الدولة للإعلام المصرية باللجوء إلى الجهات القضائية للتعامل مع المخالفات «التي تهدد أمن المجتمع جراء نشر معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

أحمد جمال (القاهرة)
إعلام  بريندان كار (رويترز)

معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

لم تعد معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ولايته الثانية، مع الإعلام سجالاً يومياً حول تغطية سلبية، أو سؤال مزعج، بل تحوّلت إلى نهج تتقاطع فيه صلاحيات…

إيلي يوسف (واشنطن)

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
TT

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية، شارك فيها عدد كبير من المتخصّصين في علم الاجتماع السياسي وممثّلون عن المنصات الرقمية الضخمة، وعن المؤسسات الأوروبية المعنية بشؤون الصحافة وتنظيم نشاط شبكات التواصل في بلدان «الاتحاد الأوروبي». وجاء في الدعوة إلى عقد هذه الندوة: «إن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام بات حاسماً وبالغ الأهمية في تكوين الإدراك العام وتطوّر النزاعات الاجتماعية والسياسية، وأصبح من العوامل الأساسية التي تحرك هذه النزاعات وتتطور على وقعها، وتحدّد في كثير من الأحيان مآلها وإفرازاتها».

من وسيلة نقل إلى فاعل أساسي

الكاتب والصحافي الإيطالي ماسيمو جيانيني، المدير السابق لـ«لا ستامبا» والمعلّق السياسي في «لا ريبوبليكا»، قال إن «وسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد وسيلة تقليدية أو رقمية، سمعية أو بصرية، لنقل الأخبار حول النزاعات الدائرة في العالم والمواجهات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في هذه النزاعات والمواجهات، عبرها يتم التركيز والإضاءة على جوانب معينة منها، وتوجيه الرأي العام نحو تلك التي تقرّر، وفقاً لمصالح الجهات التي تقف وراءها وتموّلها، أنها هي التي تستحق الاهتمام وتستدعي التعبئة، أو العكس».

أما الفنلندية هينا فيركونين ، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» والمكلفة حقيبة السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والديمقراطية - التي تشرف أيضاً على نشاط التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي -، فترى أن «مقاربة وسائل الإعلام للنزاعات، ومنها طريقة تناولها وعرضها للجهات المعنية بهذه النزاعات، من شأنها أن تولّد تعاطفاً مع هذه الجهات أو رفضاً لها ونفوراً منها، بغضّ النظر عن دورتها ومسؤوليتها في النزاعات».

وتنبّه فيركونين إلى أن «السردية الإعلامية السائدة يمكن أن تُضفي شرعية على بعض المواقف، أو تنزعها عن أخرى؛ ما يؤدي في واقع الحال إلى التأثير في مجرى النزاع». ومن ثم، فهي ترى «أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة ما زالت تلعب دوراً محورياً... لكن المنصّات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي أحدثت بالفعل تغييراً جذرياً في ديناميكية النزاعات، من خلال النقل المباشر للوقائع والأحداث، واتساع دائرة الانتشار، والمشاركة المباشرة للجمهور؛ ما أدّى إلى تغيير أشكال التفاوض حول النزاعات ونقلها إلى الرأي العام وتحديد مواقفه منها».

انتشار الأخبار المزيّفة

معظم المحاضرين المشاركين في الندوة، توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة جداً للتأثير في الرأي العام. ولفتوا إلى صعوبة التحقّق من صحتها قبل فوات الأوان، بعدما بلغت درجة عالية من الإتقان. وضربوا أمثلة كثيرة على حالات تسببت فيها هذه الأخبار المزيّفة بزيادة التوتّر في النزاعات ومفاقمة الأزمات الاجتماعية.

ووفق المساهمات، تجلّت «القدرة على التلاعب» بالأخبار وسرعة تداولها، بشكل خاص إبّان «الربيع العربي» والاحتجاجات الصاخبة التي عمّت الولايات المتحدة إدانةً لتعرّض السكان السود للعنف المفرط على يد الشرطة.

كذلك، عاد البعض إلى نزاعات بعضها أقدم عهداً من ظهور المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل «حرب فيتنام» و«الصراع في البقان» و«أزمة الانفصاليين في إقليم كاتالونيا (قطالونية) الإسباني»؛ للتدليل على أن التغطية الإعلامية التقليدية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الإدراك الدولي والمحلي لهذه النزاعات.

شبكات التواصل

وحقاً، في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أدوات بالغة التأثير في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية على امتداد العالم؛ إذ سهّلت تحشيد الجماهير وتنظيم الاحتجاجات، وأعادت تشكيل الأنماط التي من خلالها يتفاعل المواطنون ويعبّرون عن مطالبهم. ومن مزايا شبكات التواصل قدرتها على إتاحة الفرصة أمام أعداد كبيرة من الناس للإعراب عن آرائها، بعكس وسائل الإعلام التقليدية التي تكون عادة في خدمة الجهات التي تموّلها وتتماهى مع توجهاتها ومصالحها.

أيضاًً، تتيح هذه الشبكات الرقمية تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر؛ الأمر الذي يساعد في حالات كثيرة على تسليط الضوء على مظالم اجتماعية، ويكشف عن حالات سوء المعاملة، ويحفّز مجموعات متباعدة جغرافياً على التلاقي في الدفاع عن قضايا مشتركة.

وبالفعل، يشهد العالم منذ سنوات حالات احتجاجية تضافرت فيها مجتمعات عدّة بفضل شبكات مثل «تويتر (إكس)» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، مكّنت المحتجين من تنسيق تحركاتهم، وسرد الأحداث من زوايا بديلة، عادة ما تغضّ الوسائل الكبرى الطرف عنها أو تختار إسكاتها.

ورغم الانتقادات التي تُوجّه إلى شبكات التواصل لترويجها الأخبار المزيّفة، فإنها سهّلت للأجيال الشابة مشاركة نشطة في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعطت الحركات الناشئة منابر عالمية، وأصبحت التحدّيات المحلية تطلّ على العالم عبر الحدود الجغرافية وتستقطب التضامن الدولي والضغط من أجل التغيير.

هينا فيكونين، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» (المفوضية الأوروبية)

دور المؤثّرين

ومن المواضيع الأخرى التي ناقشتها الندوة، دور «المؤثّرين» الذين أصبحوا في هذا العصر الرقمي لاعبين أساسيين في عالم التواصل والثقافة الشعبية، ويمارسون تأثيراً واسع النطاق وعميقاً في أوساط الرأي العام. ولقد أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في انتشار الحركات الاجتماعية عبر المؤثّرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة في أوساط الرأي العام، ويحظون بثقته من خلال صحة المعلومات التي يقدمون والتفاعل الدائم. وثمة حالات كثيرة شهدت انتشاراً سريعاً، وتضامناً واسع النطاق، لمجرد أن أحد المؤثّرين تبناها أو دافع عنها.

يضاف إلى ذلك أن المؤثرين يضفون ديناميكية وابتكاراً على التواصل، كما أن لغتهم المبسطة تسمح لهم بطرح المشاكل الاجتماعية بأسلوب في متناول كثيرين، خاصة الشبّان وأولئك الذين سئموا الخطاب الأكاديمي أو السياسي.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة، هو أن ما يحفّز المؤثرين على دعم قضايا معينة أو تبنيها، قد يكون مدفوعاً بمصالح تجارية تستغل هذه القضايا وشعبية المؤثرين الذين يتحوّلون، بالتالي، عملاء أو وسطاء لأصحاب هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن الانتشار الواسع للقضايا من دون وضعها في الإطار العملي المناسب، قد يؤدي إلى مشاركة سلبية تكتفي بتأييد الفكرة على شبكات التواصل من غير التزام فعلي بالقضية.

سياسات وضوابط أوروبية

هنا، عرضت هينا فيركونين السياسات والضوابط التي وضعها «الاتحاد الأوروبي» لمراقبة وتنظيم نشاطات المنصّات الرقمية، حمايةً لحقوق المستخدمين، وتعزيزاً المنافسة وضمان الشفافية. ومن بين هذه السياسات: قانون الخدمات الرقمية الذي اعتمده «المجلس الأوروبي» عام 2022 بعد جولات من المناقشات المكثفة، والذي فتح جبهة مواجهة عريضة مع الولايات المتحدة ما زالت تحتدم من حين إلى آخر على وقع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية في حال تضييق الخناق على المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

وللعلم، تُلزِم أحكام هذا القانون المنصّات بتحمّل مسؤولية المضامين غير القانون أو المضرّة التي تنشرها في الاتحاد الأوروبي عبر خدماتها. ويلحظ هذا القانون التزام المنصات بالشفافية، وآليات للمقاضاة، وتدابير لمكافحة المعلومات والأخبار المُضلِّلة. وتنطبق أحكام هذا القانون على جميع المنصّات وشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث.

هذا، وكان «الاتحاد» قد وضع منذ سنوات مجموعة من اللوائح العامة لحماية البيانات ليست موجهة بالتحديد لمراقبة نشاط المنصات، لكنها تلعب دوراً أساسياً في ضبط وتنظيم معالجة البيانات الشخصية، وتفرض التزامات صارمة على الشركات التي تعالجها. وأبرمت «المفوضية الأوروبية» اتفاقات ثنائية طوعية مع عدد من المنصّات لمكافحة الأخبار المزيّفة والتحريض على الحقد، فضلاً عن التنسيق الدائم مع الهيئات الوطنية التي تشرف على تطبيق القوانين المرعية في الاتحاد.

شعار «إ‘نستغرام» (رويترز)

عقوبات اتحادية

ولإظهار مدى جدّية «الاتحاد» في تطبيق هذه السياسات رغم الضغوط الهائلة التي يتعرّض لها من الإدارة الأميركية، وأيضاً من الصين؛ ضرب أحد المسؤولين الأوروبيين أمثلة عن بعض العقوبات التي فرضتها «المفوضية» في السنوات الأخيرة على المنصّات الرقمية بسبب انتهاكها القواعد الناظمة لنشاطها في البلدان الأعضاء، ومنها: فرضها عام 2022 غرامة مالية مقدارها 8 مليارات يورو على «غوغل»، وتكرارها ثلاث مرات؛ بسبب سوء استخدام الوضع المهيمن تحقيقاً لمكاسب غير قانونية عبر الإعلانات ونظام التشغيل «آندرويد».

أيضاً، كانت أجهزة «المفوضية» فتحت تحقيقات واسعة منذ سنتين حول نشاطات منصة «أمازون»، وفرضت عليها عقوبات بسبب ممارسات من شأنها الترويج بشكل غير قانوني لمنتجاتها عبر المنصّة على حساب أطراف ثالثة. ومع أن الاتحاد لم يفرض رسمياً بعد أي غرامة مالية على هذه المنصة، فإنه حذّر من عواقب وخيمة في حال رفضها الامتثال للضوابط وانتهاكها.

ومن جهتها، فرضت الحكومة الآيرلندية أخيراً غرامات على «ميتا» تجاوزت 200 مليون يورو بسبب مخالفات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. وكانت هيئات أوروبية عدة ناظمة لأنشطة المنصات الرقمية قد فرضت عقوبات وتدابير قسرية على منصة «تيك توك» لقلة التزامها تدابير حماية القاصرين والتلاعب بالبيانات الشخصية.

معظم المشاركين توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة للتأثير في الرأي العام


تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات
TT

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تحدثت مؤشرات جديدة عن أن «المستخدمين قد يمضون وقتاً أطول على تطبيقات الأخبار المصممة للهاتف المحمول، ورغم ذلك فلا يزال الناشرون يفشلون في جذب انتباههم عبر الإشعارات الفورية»؛ ما يثير تساؤلات حول كيفية استغلال ميزة اهتمام الجمهور بتطبيقات الأخبار من خلال تقديم خدمات تدفعهم لمزيد من التفاعل والبقاء.

ووفقاً لتقرير أجرته «بيغ بيدج» (وهي شركة بريطانية متخصصة في بناء منصات النشر الرقمي)، نُشر في أغسطس (آب) الحالي، فإن «متوسط استخدام الجمهور لتطبيقات الأخبار قد ارتفع مقارنة بالعام الماضي، كما أن عدد الدقائق التي يقضيها المستخدمون داخل تطبيقات الأخبار قد ارتفعت أيضاً».

التقرير أرجع هذا الارتفاع إلى «تطوير تطبيقات الأخبار التي باتت أكثر ثراءً وتفاعلية؛ ما يشجع المستخدمين على البقاء مدة أطول». ووجد أن التفاعل مع تطبيقات الأخبار مدفوع بما يُعْرف بـ«المستخدمين الخارقين» وهم يمثلون نحو 20 في المائة فقط من المستخدمين النشطين شهرياً، لكنهم مسؤولون عما يعادل 3 أرباع إجمالي جلسات الاستخدام. وتمتلك معظم منصات الأخبار الكبرى نسخة تطبيق خاصة بها، حيث تتصدر صحيفتا «التايمز» و«الديلي ميل» الترتيب من حيث معدلات التفاعل، وفقاً للتقرير.

ويستند التقرير إلى بيانات تحليلية مستقاة من أكثر من 440 تطبيقاً معظمها تنشر أخباراً يومية وموجهة أساساً للموبايل، وتسعة من كل عشرة منها تعمل بنظام اشتراك مدفوع، بينما يأتي الجزء الأكبر من إيراداتها من القراء والإعلانات.

ويُعد محتوى الأخبار العاجلة والحديثة أكبر عامل جذب للتفاعل بين القراء بحسب التقرير، تليه الألغاز والألعاب، ثم النسخ الرقمية من الصحف المطبوعة. وسجلت التطبيقات التي تنشر أخباراً يومية معدلات تفاعل أعلى كثيراً من تلك التي تركز على محتوى استهلاكي أو تجاري.

وتتمتع التطبيقات التي تحتوي على ألعاب أو فيديو أو محتوى صوتي بمعدل تفاعل أعلى في المتوسط، فمستخدمو الألعاب يفتحون التطبيق بمعدل 2.7 ضعف أكثر من غيرهم ممن لا يلعبون، أما مشاهدو الفيديو فيقضون وقتاً أطول بمعدل 3.3 ضعف شهرياً داخل التطبيق، بينما يقضي مستمعو المحتوى الصوتي وقتاً أطول بمعدل 2.5 ضعف، وفق ما ذكره التقرير.

وأشار إلى أنه على الرغم من الارتفاع السنوي في معدلات التفاعل، فلا يزال الناشرون يواجهون صعوبة في جذب المستخدمين بفتح التطبيق عبر الإشعارات الفورية، فأكثر بقليل من نصف التطبيقات المشمولة في التقرير لديها مستخدمون يفعلون خدمة الإشعارات، لكن ثلث المستخدمين تقريباً فقط هم من يفتحون التطبيق شهرياً عبر إشعار فوري.

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي يرى أن كمية المحتوى المعروضة عبر منصات التواصل الاجتماعي باتت مزعجة بكل تأكيد، لا سيما بالنسبة للجمهور الباحث عن عالم الأخبار تحديداً، والتي أصبحت شبه معدومة في تدفقات «التايم لاين» خصوصاً عند غياب التغطيات الكبرى. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجمهور مع الوقت بات يشعر أن ما يبحث عنه لم يعد موجوداً في المنصات التي يستهلكها يومياً، وهو ما يدفعه لتغيير عاداته والاتجاه نحو المنصات المتخصصة أو التطبيقات المحددة».

بشأن ما إذا كان طول مدة بقاء المستخدم داخل التطبيق مؤشراً كافياً على نجاحه، يلفت الشولي إلى أن الأمر «نسبي ومتغير بحسب الأولوية»، ويقول: «إذا كان الهدف تطبيق أخبار يدخل إليه الجمهور، ويطلع على الأخبار ثم يغادر، فإن ذلك يُعد نجاحاً في حد ذاته. أما إذا كان الهدف إطالة زمن بقاء الجمهور على التطبيق، فهذا شيء مختلف، خصوصاً إذا كان يفعل شيئاً آخر غير قراءة الأخبار، وفي النهاية مهما قضى من الوقت فلن يُحسب أنه استهلك المحتوى».

كما يشير إلى «المسألة تحتاج نقاشاً أوسع حول الهدف الحقيقي من بقاء الجمهور داخل المنصة وطبيعة استهلاكه للمحتوى».

عن احتمال اتجاه الجمهور مستقبلاً نحو منصات إخبارية متخصصة، يرى الشولي أن التكهن أمر صعب، «نحتاج قراءة أرقام وتقارير أكثر من دول متعددة لبناء صورة أوسع»، ويوضح أن «عمل المنصات وتعاطيها مع الجمهور يتغير بشكل مستمر بحسب نتائج استهلاك المحتوى، وأنه من الصعب التخمين بناءً على جزئية واحدة».

ومع ذلك، لم يستبعد أن يكون هناك تيار عام يتجه نحو المنصات المتخصصة بحسب قلة المعروض من اهتمامات الجمهور في المنصات العامة.

أما خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات السوشيال ميديا في مصر والسعودية، فقد عدّ بناء الولاء بين الجمهور والتطبيقات الإخبارية ليس بالمهمة السهلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «تكراراً لحديث عام حول ضرورة تقديم التطبيق مزايا حصرية ومحتوى تفاعلياً؛ إلا أنه عند التنفيذ قد لا تبدو الأمور بهذه السهولة، لا سيما في ظل وجود منصات التواصل الاجتماعي، فمجرد توفير الأخبار عبر تطبيق خاص بكل ناشر قد لا يحقق دائماً النتائج المتوقعة».

ويضيف أن منافسة منصات التواصل الاجتماعي التي تجمع مختلف الصحف والشخصيات العامة والمؤثرين تجعل مهمة ربط الجمهور بتطبيق خاص بشكل يومي واعتيادي «أمراً يتطلب تقديم خدمات أكثر خصوصية للمستخدم، ليس أخباراً أو ألعاباً أو ترفيهاً فحسب، بل خدمات حقيقية». ويعبر عبد الراضي عن أمله في أن تظهر تطبيقات تقدم بالفعل مزايا حصرية قادرة على ربط جمهورها بها يومياً وباستمرار، ويشير إلى أن ذلك «يحتاج مجهوداً كبيراً في إعداد التطبيق ومحتواه، ومجهوداً أكبر في استمرارية هذا التطبيق ودعمه»، بحيث يظل محدثاً باستمرار وجاذباً للجمهور، بما يدفعه للبقاء وقتاً أطول عليه.


معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)
TT

معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)

لم تعد معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ولايته الثانية، مع الإعلام سجالاً يومياً حول تغطية سلبية، أو سؤال مزعج، بل تحوّلت إلى نهج تتقاطع فيه صلاحيات الوكالات الفيدرالية، وتجديد تراخيص البث، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، والدعاوى القضائية.

حتى ظهور ترمب الأول بصفته رئيساً في عشاء مراسلي البيت الأبيض، يوم 24 يوليو (تموز)، جمع الرئيس بين المزاح وإعادة ترديد اتهاماته المعتادة للصحافة، في مفارقة عكستها مناسبة مخصّصة للاحتفاء بالحرّيات التي يكفلها التعديل الأول للدستور. إذ أكد أنه يتيح للصحافيين وصولاً واسعاً إليه، لكنه واصل في الوقت نفسه مهاجمة مؤسسات إعلامية بعينها، واتهامها بقلة النزاهة.

كار يعيد تعريف الوكالة

مقابلة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار، الذي عينه ترمب لقيادتها مع صحيفة «بوليتيكو»، تكشف أن ما يجري ليس سلسلة ردود فعل عابرة، بل إعادة تعريف معلنة لدور وكالة ظلت بعيدة نسبياً عن الصدامات السياسية. ويقدّم كار نهجه بوصفه مزيجاً من اتجاهين: إلغاء واسع للقيود التنظيمية... يقول إنه أزال بموجبه أكثر من ألفي قاعدة، وتدخّل أكثر حزماً في قطاع البث الأرضي.

كار، وهو محامٍ متخصص في الاتصالات، وتدرّج في المناصب داخل الوكالة على مرّ السنين، بنى علاقة قوية مع ترمب، وانخرط بحماس في مواجهة خصوم الرئيس في وسائل الإعلام سعياً لإخضاعهم. واليوم، حجة كار الأساسية أن محطات التلفزيون والإذاعة ليست كالصحف، أو شبكات الكابل، ومنصات البث الرقمي؛ فهي تستخدم ترددات عامة بموجب تراخيص حكومية، ولذلك يتوجّب عليها العمل وفق «المصلحة العامة». وهو هنا يصر على أن اللجنة ليست «شرطة للكلام»، لكنها مسؤولة عن تطبيق «قواعد تكافؤ الفرص» بين المرشحين، و«منع التضليل المتعمد» في الأخبار، ومحاسبة المحطات عند تجديد تراخيصها.

غير أن المقابلة أظهرت أيضاً مدى التطابق السياسي بينه وبين ترمب. إذ أشاد كار بمواجهة الرئيس «الإعلام التقليدي». وقال إن على المؤسسات الإعلامية أن تجري «تصحيحاً للمسار». كذلك امتنع عن اعتبار توجيه الرئيس اللجنة للتحقيق مع محطة ما أمراً غير ملائم، ورفض الإفصاح عن اتصالاته بالبيت الأبيض. أما الكوب الموضوع على مكتبه، ويصوره على هيئة «كلب حراسة» لترمب في مواجهة الإعلام، فإنه يختصر الصورة التي لا يبدو كار منزعجاً منها.

سلطة حقيقية وحدود دستورية

يمتلك كار، في الواقع، جزءاً مهماً من السند القانوني الذي يستند إليه. فقانون الاتصالات يكلّف اللجنة التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة، والملاءمة، والضرورة»، والمحكمة العليا أقرّت تاريخياً تنظيماً أوسع للبث الأرضي بسبب ندرة التردّدات. وخلال مايو (أيار) ذكّرت اللجنة المحطات بأنها تستخدم مورداً عاماً، وأن تراخيصها لا تضعها في الموقع القانوني نفسه للصحف، أو خدمات الإنترنت.

بيد أن هذه السلطة ليست تفويضاً مفتوحاً لضبط التوجّهات السياسية. ذلك أن قانون الاتصالات نفسه يمنع اللجنة من الرقابة، أو من التدخل في حرية التعبير. وأيضاً تؤكد إرشاداتها أن الحكومة لا تستطيع حظر بث وجهة نظر معينة. وحتى قاعدة «الفرص المتساوية» تتضمّن استثناءات للبرامج الإخبارية، والمقابلات الإخبارية الحقيقية، ما يجعل تصنيف برامج مثل «ذا فيو» الذي تقدّمه مجموعة من المذيعات، من بينهن ووبي غولدبرغ وجوي بيهار، أو البرامج الليلية مسألة قانونية قابلة للنزاع، وليست حكماً سياسياً يصدره رئيس اللجنة منفرداً.

من جهة ثانية، لا يكفي اتهام محطة بالانحياز لتطبيق سياسة «تحريف الأخبار»؛ إذ يتطلب ذلك عادةً أدلة على تعمّد تشويه تقرير وقائعي بشأن حدث مهم. ومن هنا تنشأ المخاوف من أن يتحوّل مفهوم «المصلحة العامة»، إذا ما استُخدِم بانتقائية، من معيار لحماية الجمهور إلى أداة لمعاقبة خيارات تحريرية محميّة دستورياً.

ترمب يلقي كلمته في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض (رويترز)

العقوبة ليست الشرط الوحيد

أوضحُ تطبيقٍ لهذا النهج هو الأمر الذي أصدره كار بإخضاع تراخيص ثماني محطات تملكها «ديزني–إيه بي سي» لمراجعة مبكّرة، مع أن مواعيد التجديد لا تبدأ قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2028. وجاء القرار بعد يوم من مطالبة ترمب الشبكة بطرد جيمي كيميل الذي يقدّم برنامجاً ليلياً ساخراً. لكن كار يقول إن التوقيت مصادفة، وإن الإجراء نتج من تحقيق بدأ في مارس (آذار) 2025 بشأن احتمال انطواء سياسات التنوّع والتوظيف في «ديزني» على تمييز غير قانوني، ومن عدم تعاون الشركة بصورة كافية مع طلبات اللجنة.

وكالة «رويترز» ذكرت أن المراجعة المُبكرة، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، دفعت مسؤولين سابقين في اللجنة من الإدارتين الجمهورية والديمقراطية إلى وصفها بأنها تهديد لحرّية التعبير يرتدي ثوباً تنظيمياً. وتقول شبكة «إيه بي سي» إن الهدف هو جعل المؤسسات الإعلامية تخشى العقاب الرسمي، مشيرة إلى تقديم أكثر من 150 ألف تعليق إلى اللجنة، أيّد أكثر من 95 في المائة منها تجديد تراخيص محطاتها.

الخطر، بالتالي، لا يقتصر على احتمال سحب ترخيص، وهو إجراء نادر جداً، وقد لا يصمد قضائياً. فمجرد فتح تحقيق أو التلويح بمراجعة الترخيص يمكن أن يؤثر في قرارات الشركات التي لديها صفقات اندماج، أو مصالح تنظيمية معلقة. وهذا هو «الأثر الردعي» الذي حذر منه حتى جمهوريون، بينهم السيناتور تيد كروز، الذي شبّه تحذير كار لكيميل بلغة أفلام «المافيا»، محذّراً من أن السلطة نفسها قد تُستخدم مستقبلاً ضد الإعلام المحافظ.

مقاومة مفتوحة وصدارة متراجعة

الواقع أن النزاع يمتد إلى ما وراء لجنة الاتصالات. فقد فرض «البنتاغون» (وزارة الحرب) قيوداً على حركة الصحافيين، وأغلق مساحة عملهم التقليدية، واشترط مرافقتهم داخل المبنى، بعدما أبطلت محكمة سياسة سابقة كانت تسمح باعتبار من يسعى إلى معلومات غير مصرح بها «خطراً أمنياً». ودافع «البنتاغون» عن الإجراءات باعتبارات الأمن القومي، بينما أعادتها المؤسسات الصحافية إلى القضاء.

لذلك قد تنجح الإدارة في دفع بعض الشركات إلى الحذر، أو التسوية، أو الرقابة الذاتية، لكنها لا تملك حتى الآن قدرة كاملة على «تطويع» الإعلام. فالمحاكم، والمؤسسات الصحافية، والانقسام داخل «الحزب الجمهوري»، فضلاً عن خروج «الكابل» والمنصّات الرقمية من نطاق تراخيص اللجنة، كلها تشكل قيوداً جدية على هذا المشروع.

بالتوازي، قد تكون ريادة أميركا في حرية الصحافة قد تضرّرت بالفعل، إذ وضعها مؤشر «مراسلون بلا حدود» لعام 2026 في المرتبة الرابعة والستين، بتراجع سبع مراتب. لكنه مؤشر على تآكل المكانة أكثر من كونه إعلاناً عن زوال الحماية الدستورية. والخلاصة أنه لا دليل على «خطّة سرّية» أبعد مما هو معلن: استخدام أدوات الوصول والتنظيم والترخيص لدفع الإعلام إلى تغيير سلوكه. وستتحدّد النتيجة بقدرة المؤسسات على مقاومة الضغط قبل أن يتحوّل الاستثناء التنظيمي الخاص بالبث إلى سابقة سياسية دائمة.

قانون الاتصالات يكلّف «لجنة الاتصالات الفيدرالية» التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة والملاءمة والضرورة»