روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

شكوك حول مستقبل الشراكة بعد ضربات «القاعدة» والمتمردين

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
TT

روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)

تحت جنحِ الظلام وقبيل صلاة فجر السبت 25 أبريل (نيسان) الماضي، تسللَ مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» على متون دراجات نارية، مرتدين الزي العسكري للجيش المالي، تتقدمهم سيارة مفخخة بعشرات الأطنان من المتفجرات يقودها انتحاري. كان الهدف هو قاعدة كاتي العسكرية، القاعدة الأكثر تحصيناً وأهمية استراتيجية في جمهورية مالي، حيث يقيم قادة مجلس عسكري يحكمُ البلد الأفريقي المنهك بالحروب. هناك انفجرت السيارة المفخّخة لتدمر بيت وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي قتل هو وزوجته وأولاده على الفور، ثم اندلعت اشتباكات عنيفة أثارت الرعب في أوساط السكان، وكان من أوائل الضحايا عشرات المصلّين في مسجد قريب من بيت وزير الدفاع. ومع شروق الشمس تبين أن مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» يسيطرون على القاعدة العسكرية التي لا تبعد سوى 15 كيلومتراً عن العاصمة المالية باماكو، ويتحرّكون فيها بكل حرية، قبل أن ينسحبوا من دون معرفة ماذا حملوا معهم، وهم الذين سيطروا لساعات على واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، ومركز اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية.

لم يقتصر الهجوم على العاصمة باماكو، ذلك أنه بالتزامن كان المتمردون يتحركون في الشمال لاستعادة المدن واحدة تلو أخرى، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سقطت في قبضة «جبهة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شرقي مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر، وعلى بعد 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مع المتمردين لكي يسمحوا بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال.

ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وسيغنو وموبتي... وبدا أن كل شيء ينهار وبسرعة.

على حافة الانهيار

مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ 2012 من تمرد مسلح تتصدره جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحركات مسلحة انفصالية تناضل منذ عقود لاستقلال إقليم أزواد في شمال البلاد.

وحقاً، كادت مالي تنهار عام 2012 حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانفصالية على شمال البلاد، ولكن السلطات آنذاك لجأت إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، التي تدخلت عسكرياً مطلع 2013، ونجحت في استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مركز الحرب العالمية على الإرهاب إلى مالي ليتوسع لاحقاً نحو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يقود هذه الحرب، بدعم من الأوروبيين والولايات المتحدة، وقوة أممية لحفظ السلام.

ولكن بعد مرور 10 سنوات، أنفق فيها الفرنسيون أكثر من 10 مليارات يورو على مواجهة الإرهاب في مالي والساحل، وقع انقلاب عسكري في مالي عام 2020 قاده ضباط شباب، اتهموا فرنسا بالفشل في مواجهة الإرهاب، بل اتخاذه ذريعة لاحتلال مالي وتكريس نموذج استعماري جديد.

وتبنى حكام مالي الجدد خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة، فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس وطردوا القوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مع روسيا، وجلبوا مئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمواجهة المتمردين الطوارق ومقاتلي «القاعدة». ومنذ العام الماضي حُلّت مجموعة «فاغنر» وعوّضتها موسكو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية.نجاح مؤقت

التحالف المالي - الروسي نجح في تحقيق مكاسب على الأرض، وأصبح الجيش المالي أكثر تسليحاً، وكبّد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حصوله على أسلحة متطورة. إلا أن العامل الحاسم كان تكوين منظمة سلاح الجو ودعمها بمسيّرات تركية، وفي ذروة صعود الجيش المالي استعاد عام 2023 السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين الطوارق.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تتأقلم مع الوضع الجديد، فاستعادت قوتها تدريجياً، وتوسّعت في مناطق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فرضت حصاراً على العاصمة باماكو، وشنّت هجوماً قوياً على مطار باماكو الدولي، وكانت كل المؤشرات تشير إلى قدرة التنظيم الإرهابي على دخول العاصمة والسيطرة على الحكم.

لوصف ما يحدث في مالي منذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» والأستاذ بجامعة نواكشوط، أن ما حدث هو «تحصيل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات». وأردف مبارك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في مالي مقلق جداً، وهو نتيجة تراكمات تدريجية لواقع دولة فقدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها».

المأزق الروسي

من جهة ثانية، منذ هجمات السبت الماضي، وما سبقها من فقدان الجيش المالي للمبادرة الميدانية، وتركز نفوذه في العاصمة ومحيطها، وردت تقارير عن «انهيار» النموذج الروسي في مالي، إذ نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي.

ورأى المعهد المتخصص في تحليل التهديدات العالمية أن الوضع الحالي «يعكس انهيار بنية مكافحة الإرهاب الدولية، التي استمرت عقداً من الزمن، وفشل القوات المدعومة من روسيا في أن تكون بديلاً فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نفعي: تحصلُ مالي على حماية النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى الموارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل».

وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغم ذلك، كانت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمرداً واحداً، بل منظومة متداخلة من الجماعات المسلحة، وقد نسقت هذه الجماعات عملياتها بشكل متزايد، وجمعت بين الآيديولوجية الجهادية والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية».

خروج كامارا

واليوم، بينما تزداد قوة «القاعدة»، وترتفع معنويات المتمردين الطوارق، يعيش المجلس العسكري حالة من الإحباط، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس، و«مهندس» الشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا.

ووفق محمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديداً لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغتياله يعدّ اختراقاً أمنياً في قلب منظومة الحكم».

وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الباب أمام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزير الدفاع، ستزيد الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس في مجال الدعم العسكري فقط، وإنما أيضاً كضامن لأمن وسلامة النخبة العسكرية الحاكمة، وهذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا».

ولكن حسين لنصاري، وهو كاتب متخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، له رأي آخر، إذ شدّد لـ«الشرق الأوسط» على أن «كامارا كان المهندس الرئيس للتحالف مع روسيا، وبالتالي فإن اغتياله يخلخل الاستقرار الداخلي للمجلس العسكري، ويهدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو».

تبنى حكام مالي خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة

فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس

انهيار أم انتكاسة!

بناء عليه، كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح الآن حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات السبت، وانسحاب «الفيلق الأفريقي» الروسي، حتى ذهب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي.

ولد الداه يرى أن «وصف ما حدث بالانهيار فيه مبالغة، إذ يمكن القول إنها انتكاسة كبرى، وليست انهياراً كاملاً. صحيح أن الانتكاسة خطيرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمن الموعود. وأن الهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة والمؤسسات، وقد تردّ روسيا بتعزيز وجودها أو تغيير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمسّ هيبتها في القارة».

أما لنصاري فيؤكد أن الوجود العسكري الروسي في مالي «يمرّ بتحول كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف 2025 وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يواجه هزّات عنيفة لأسباب عديدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال بعدما كانت قد استعادتها عام 2023. بالتالي، أعتقد أن موسكو هي الخاسر الأكبر، بعدما أثبتت الأحداث الأخيرة هشاشة نموذج الحماية الروسي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً».

من جهته، يقول أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي، إن كل الكلام الدائر عن انسحاب روسي من مالي «مجرد شائعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الشائعات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مالي وروسيا، وعن إمكانية انسحاب فيلق أفريقيا من مالي، أخبار مغرضة مصدرها الإعلام الغربي، الهدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا».

وأردف: «جوهر العلاقة بين مالي وروسيا التعاون في مجال التدريب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلى أن «الجنود والضباط الروس الذين يقاتلون مع الجيش المالي في الميدان، ليسوا في مقدمة العمليات لأن دورهم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات».

أي مستقبل؟

روسيا رفضت بلا تردد طلب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. وهذا موقف يعتقد محمد الأمين ولد الداه أنه نابع من قناعة موسكو بأن «مالي هي نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا». وأضاف أنه رغم ذلك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل من نمط الانتشار الكثيف في المنطقة، إلى نمط أكثر انتقائية، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجودها في مالي، لأن أي تراجع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهو ما قد يقود إلى نسف المشروع الروسي في أفريقيا».

مع هذا، رأى ولد الداه أن على موسكو استيعاب الدرس «فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجتماعية تبقى المكاسب العسكرية هشّة». وحول مستقبل مالي في المرحلة المقبلة، قال إنه يتوقعُ 3 سيناريوهات، في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحده، بدعم من روسيا ودول الساحل، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، ستقود في النهاية إلى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً».

أما السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعاً هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تنازلات، كما تتطلب حكومة شرعية، وأعتقد أن المجلس العسكري الحاكم يفتقد إلى ذلك».

أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها، وهو ما قد يضعنا أمام خيار تفكك الدولة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها».

في غضون ذلك، يطرحُ عبد الصمد مبارك احتمال حدوث سيناريو رابع يتمثل في «تصدع النظام من الداخلي وحدوث انقلاب عسكري يفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية جديدة ومدروسة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الوحيد المتاح هو سيطرة الجماعات المسلحة على الدولة».أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري في الحكم، بدعم من روسيا، مع شنّ هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزوادية مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هو العامل الحاسم لاستمرار المجلس العسكري في الحكم». ويضيف أنه إذا فشل المجلس العسكري في استعادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس العسكري، ما قد يؤدي إلى تغيير سياسي وتراجع في النفوذ الروسي».

 

 

ساديو كامارا (آ ب)

 

 

حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة»

هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قادت إلى طرح أسئلة كثيرة حول مستقبل المجلس العسكري والوجود العسكري الروسي، فهي أيضاً حملت معها معطيات لافتة، من أهمها: التحالف بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المرة الأولى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ إذ إن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أسّست عام 2017 حين تحالفت أربعة تشكيلات مسلحة هي: «حركة أنصار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» عام 2024، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد الجيش المالي عام 2023، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة. وهنا يقول محمد الأمين ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزاً فكرياً بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان والمعارك الدائرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: 1 - العدو المشترك المتمثل في السلطات العسكرية في باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديداً وجودياً للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). 2 - سقوط (اتفاق الجزائر للسلام) أزال آخر مظلة كانت تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمتمردين، هو «التحول الكبير خلال السنوات الأخيرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيماً عقائدياً صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلاً متمرداً ذكياً، يبني تحالفات محلية مع القوى الموجودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكلما طال أمد الحرب واشتد الضغط زادت الحاجة إلى التنسيق المشترك بين الطرفين، حتى يصبح هذا التحالف استراتيجياً قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تحرير أزواد) مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيراً إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولة أزواد، بينما (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) هدفها السيطرة على جنوب مالي، وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم».



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.