روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

شكوك حول مستقبل الشراكة بعد ضربات «القاعدة» والمتمردين

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
TT

روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)

تحت جنحِ الظلام وقبيل صلاة فجر السبت 25 أبريل (نيسان) الماضي، تسللَ مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» على متون دراجات نارية، مرتدين الزي العسكري للجيش المالي، تتقدمهم سيارة مفخخة بعشرات الأطنان من المتفجرات يقودها انتحاري. كان الهدف هو قاعدة كاتي العسكرية، القاعدة الأكثر تحصيناً وأهمية استراتيجية في جمهورية مالي، حيث يقيم قادة مجلس عسكري يحكمُ البلد الأفريقي المنهك بالحروب. هناك انفجرت السيارة المفخّخة لتدمر بيت وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي قتل هو وزوجته وأولاده على الفور، ثم اندلعت اشتباكات عنيفة أثارت الرعب في أوساط السكان، وكان من أوائل الضحايا عشرات المصلّين في مسجد قريب من بيت وزير الدفاع. ومع شروق الشمس تبين أن مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» يسيطرون على القاعدة العسكرية التي لا تبعد سوى 15 كيلومتراً عن العاصمة المالية باماكو، ويتحرّكون فيها بكل حرية، قبل أن ينسحبوا من دون معرفة ماذا حملوا معهم، وهم الذين سيطروا لساعات على واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، ومركز اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية.

لم يقتصر الهجوم على العاصمة باماكو، ذلك أنه بالتزامن كان المتمردون يتحركون في الشمال لاستعادة المدن واحدة تلو أخرى، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سقطت في قبضة «جبهة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شرقي مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر، وعلى بعد 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مع المتمردين لكي يسمحوا بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال.

ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وسيغنو وموبتي... وبدا أن كل شيء ينهار وبسرعة.

على حافة الانهيار

مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ 2012 من تمرد مسلح تتصدره جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحركات مسلحة انفصالية تناضل منذ عقود لاستقلال إقليم أزواد في شمال البلاد.

وحقاً، كادت مالي تنهار عام 2012 حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانفصالية على شمال البلاد، ولكن السلطات آنذاك لجأت إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، التي تدخلت عسكرياً مطلع 2013، ونجحت في استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مركز الحرب العالمية على الإرهاب إلى مالي ليتوسع لاحقاً نحو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يقود هذه الحرب، بدعم من الأوروبيين والولايات المتحدة، وقوة أممية لحفظ السلام.

ولكن بعد مرور 10 سنوات، أنفق فيها الفرنسيون أكثر من 10 مليارات يورو على مواجهة الإرهاب في مالي والساحل، وقع انقلاب عسكري في مالي عام 2020 قاده ضباط شباب، اتهموا فرنسا بالفشل في مواجهة الإرهاب، بل اتخاذه ذريعة لاحتلال مالي وتكريس نموذج استعماري جديد.

وتبنى حكام مالي الجدد خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة، فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس وطردوا القوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مع روسيا، وجلبوا مئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمواجهة المتمردين الطوارق ومقاتلي «القاعدة». ومنذ العام الماضي حُلّت مجموعة «فاغنر» وعوّضتها موسكو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية.نجاح مؤقت

التحالف المالي - الروسي نجح في تحقيق مكاسب على الأرض، وأصبح الجيش المالي أكثر تسليحاً، وكبّد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حصوله على أسلحة متطورة. إلا أن العامل الحاسم كان تكوين منظمة سلاح الجو ودعمها بمسيّرات تركية، وفي ذروة صعود الجيش المالي استعاد عام 2023 السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين الطوارق.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تتأقلم مع الوضع الجديد، فاستعادت قوتها تدريجياً، وتوسّعت في مناطق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فرضت حصاراً على العاصمة باماكو، وشنّت هجوماً قوياً على مطار باماكو الدولي، وكانت كل المؤشرات تشير إلى قدرة التنظيم الإرهابي على دخول العاصمة والسيطرة على الحكم.

لوصف ما يحدث في مالي منذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» والأستاذ بجامعة نواكشوط، أن ما حدث هو «تحصيل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات». وأردف مبارك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في مالي مقلق جداً، وهو نتيجة تراكمات تدريجية لواقع دولة فقدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها».

المأزق الروسي

من جهة ثانية، منذ هجمات السبت الماضي، وما سبقها من فقدان الجيش المالي للمبادرة الميدانية، وتركز نفوذه في العاصمة ومحيطها، وردت تقارير عن «انهيار» النموذج الروسي في مالي، إذ نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي.

ورأى المعهد المتخصص في تحليل التهديدات العالمية أن الوضع الحالي «يعكس انهيار بنية مكافحة الإرهاب الدولية، التي استمرت عقداً من الزمن، وفشل القوات المدعومة من روسيا في أن تكون بديلاً فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نفعي: تحصلُ مالي على حماية النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى الموارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل».

وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغم ذلك، كانت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمرداً واحداً، بل منظومة متداخلة من الجماعات المسلحة، وقد نسقت هذه الجماعات عملياتها بشكل متزايد، وجمعت بين الآيديولوجية الجهادية والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية».

خروج كامارا

واليوم، بينما تزداد قوة «القاعدة»، وترتفع معنويات المتمردين الطوارق، يعيش المجلس العسكري حالة من الإحباط، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس، و«مهندس» الشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا.

ووفق محمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديداً لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغتياله يعدّ اختراقاً أمنياً في قلب منظومة الحكم».

وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الباب أمام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزير الدفاع، ستزيد الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس في مجال الدعم العسكري فقط، وإنما أيضاً كضامن لأمن وسلامة النخبة العسكرية الحاكمة، وهذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا».

ولكن حسين لنصاري، وهو كاتب متخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، له رأي آخر، إذ شدّد لـ«الشرق الأوسط» على أن «كامارا كان المهندس الرئيس للتحالف مع روسيا، وبالتالي فإن اغتياله يخلخل الاستقرار الداخلي للمجلس العسكري، ويهدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو».

تبنى حكام مالي خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة

فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس

انهيار أم انتكاسة!

بناء عليه، كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح الآن حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات السبت، وانسحاب «الفيلق الأفريقي» الروسي، حتى ذهب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي.

ولد الداه يرى أن «وصف ما حدث بالانهيار فيه مبالغة، إذ يمكن القول إنها انتكاسة كبرى، وليست انهياراً كاملاً. صحيح أن الانتكاسة خطيرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمن الموعود. وأن الهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة والمؤسسات، وقد تردّ روسيا بتعزيز وجودها أو تغيير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمسّ هيبتها في القارة».

أما لنصاري فيؤكد أن الوجود العسكري الروسي في مالي «يمرّ بتحول كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف 2025 وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يواجه هزّات عنيفة لأسباب عديدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال بعدما كانت قد استعادتها عام 2023. بالتالي، أعتقد أن موسكو هي الخاسر الأكبر، بعدما أثبتت الأحداث الأخيرة هشاشة نموذج الحماية الروسي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً».

من جهته، يقول أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي، إن كل الكلام الدائر عن انسحاب روسي من مالي «مجرد شائعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الشائعات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مالي وروسيا، وعن إمكانية انسحاب فيلق أفريقيا من مالي، أخبار مغرضة مصدرها الإعلام الغربي، الهدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا».

وأردف: «جوهر العلاقة بين مالي وروسيا التعاون في مجال التدريب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلى أن «الجنود والضباط الروس الذين يقاتلون مع الجيش المالي في الميدان، ليسوا في مقدمة العمليات لأن دورهم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات».

أي مستقبل؟

روسيا رفضت بلا تردد طلب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. وهذا موقف يعتقد محمد الأمين ولد الداه أنه نابع من قناعة موسكو بأن «مالي هي نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا». وأضاف أنه رغم ذلك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل من نمط الانتشار الكثيف في المنطقة، إلى نمط أكثر انتقائية، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجودها في مالي، لأن أي تراجع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهو ما قد يقود إلى نسف المشروع الروسي في أفريقيا».

مع هذا، رأى ولد الداه أن على موسكو استيعاب الدرس «فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجتماعية تبقى المكاسب العسكرية هشّة». وحول مستقبل مالي في المرحلة المقبلة، قال إنه يتوقعُ 3 سيناريوهات، في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحده، بدعم من روسيا ودول الساحل، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، ستقود في النهاية إلى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً».

أما السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعاً هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تنازلات، كما تتطلب حكومة شرعية، وأعتقد أن المجلس العسكري الحاكم يفتقد إلى ذلك».

أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها، وهو ما قد يضعنا أمام خيار تفكك الدولة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها».

في غضون ذلك، يطرحُ عبد الصمد مبارك احتمال حدوث سيناريو رابع يتمثل في «تصدع النظام من الداخلي وحدوث انقلاب عسكري يفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية جديدة ومدروسة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الوحيد المتاح هو سيطرة الجماعات المسلحة على الدولة».أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري في الحكم، بدعم من روسيا، مع شنّ هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزوادية مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هو العامل الحاسم لاستمرار المجلس العسكري في الحكم». ويضيف أنه إذا فشل المجلس العسكري في استعادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس العسكري، ما قد يؤدي إلى تغيير سياسي وتراجع في النفوذ الروسي».

 

 

ساديو كامارا (آ ب)

 

 

حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة»

هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قادت إلى طرح أسئلة كثيرة حول مستقبل المجلس العسكري والوجود العسكري الروسي، فهي أيضاً حملت معها معطيات لافتة، من أهمها: التحالف بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المرة الأولى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ إذ إن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أسّست عام 2017 حين تحالفت أربعة تشكيلات مسلحة هي: «حركة أنصار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» عام 2024، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد الجيش المالي عام 2023، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة. وهنا يقول محمد الأمين ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزاً فكرياً بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان والمعارك الدائرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: 1 - العدو المشترك المتمثل في السلطات العسكرية في باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديداً وجودياً للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). 2 - سقوط (اتفاق الجزائر للسلام) أزال آخر مظلة كانت تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمتمردين، هو «التحول الكبير خلال السنوات الأخيرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيماً عقائدياً صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلاً متمرداً ذكياً، يبني تحالفات محلية مع القوى الموجودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكلما طال أمد الحرب واشتد الضغط زادت الحاجة إلى التنسيق المشترك بين الطرفين، حتى يصبح هذا التحالف استراتيجياً قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تحرير أزواد) مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيراً إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولة أزواد، بينما (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) هدفها السيطرة على جنوب مالي، وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.