أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

تحرسه شركة تركية... وأنباء عن وجوده في قاعدة عسكرية قرب باماكو

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».


مقالات ذات صلة

مصر والكونغو الديمقراطية لتعزيز التعاون العسكري على وقع الاضطرابات  

العالم العربي مصر والكونغو لمزيد من التنسيق والتعاون العسكري وسط أوضاع إقليمية مضطربة (الجيش المصري)

مصر والكونغو الديمقراطية لتعزيز التعاون العسكري على وقع الاضطرابات  

تتنامى العلاقات بين مصر والكونغو الديمقراطية في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية التي تشهدها منطقة البحيرات العظمى، وسط مساعٍ لاحتواء الاضطرابات في كينشاسا.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري عناصر من جيش مالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

تحليل إخباري إلى أين تتجه خريطة الصراع في مالي؟

فرضت هجمات منسقة من المتمردين تحديات جديدة على مالي التي خرجت من الطوق الفرنسي الغربي مذ سنوات ووثقت علاقاتها مع موسكو

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد عامل في حقل نفط في ببولاية روينج في جنوب السودان (رويترز)

تخفيف حكم بشأن نفط جنوب السودان بعد حصول «بي. بي» على 3 شحنات

أفادت «بي. بي»، بأنها وافقت أمام المحكمة العليا في لندن على تخفيف أمر قضائي كانت قد استصدرته لمنع الدفع المسبق مقابل النفط الذي يبيعه جنوب السودان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني مجتمعاً مع رئيس بنين روموالد واداغني في نواكشوط صباح الاثنين (الرئاسة الموريتانية)

رئيسا موريتانيا وبنين يناقشان الوضع الأمني في الساحل

أجرى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الاثنين، مباحثات مغلقة مع رئيس دولة بنين روموالد واداغني، الذي أجرى زيارة عمل قصيرة للعاصمة الموريتانية نواكشوط.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات الشهر الماضي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الجيش الإثيوبي يدعم الوصول لمنفذ بحري... خطاب للداخل أم تصعيد؟

تواصل إثيوبيا التأكيد على حقها في منفذ على البحر الأحمر، ودخل الجيش على الخط بتشديده على «أهمية الحفاظ على الجاهزية العالية لتأمين الوصول لهذا الحق».

محمد محمود (القاهرة )

تحت وطأة الخوف والحرارة... طواقم تتدرّب لمواجهة «إيبولا»

أحد العاملين بالمجال الصحي يتابع مراسم دفن شخص تُوفي بعد إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
أحد العاملين بالمجال الصحي يتابع مراسم دفن شخص تُوفي بعد إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

تحت وطأة الخوف والحرارة... طواقم تتدرّب لمواجهة «إيبولا»

أحد العاملين بالمجال الصحي يتابع مراسم دفن شخص تُوفي بعد إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)
أحد العاملين بالمجال الصحي يتابع مراسم دفن شخص تُوفي بعد إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

مع اتّساع رقعة انتشار فيروس «إيبولا» شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تُكثّف منظمة «أطباء بلا حدود» جهود تدريب فرق قد تضطر إلى مواجهة الوباء.

ومنذ رصد تفشي الفيروس في 15 مايو (أيار)، انتشر «إيبولا» بوتيرة أسرع من أي تفشٍّ سابق، وتسبب حتى الآن في وفاة 600 شخص في منطقة فقيرة تنشط فيها جماعات مسلحة وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». وتحت خيمة في مركز تدريب تابع لـ«أطباء بلا حدود» في نيروبي، يتلقى عشرة من العاملين في القطاع الصحي، قد يُنشرون في بؤرة للوباء أو يعملون في دول مجاورة، تدريباً على كيفية أداء مهامهم مع حماية أنفسهم من الفيروس الذي يشكّل خطراً حقيقياً على الطواقم الطبية.

وتسبب «إيبولا» في وفاة أكثر من 15 ألف شخص في أفريقيا خلال السنوات الخمسين الماضية، وهو يؤدي إلى حمّى نزفية شديدة العدوى تنتقل عبر سوائل أجسام المصابين، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً. ومن بين أكثر من 1700 إصابة مؤكدة في الكونغو الديمقراطية منذ بدء الوباء، سُجلت 112 إصابة بين العاملين في الرعاية الصحية، تُوفي منهم 35.

ودرّب المركز حتى الآن نحو مائة من موظفي «أطباء بلا حدود»، ويستعد لاستقبال موظفين من وزارة الصحة الكينية ومنظمات غير حكومية أخرى. وقالت ديانا كوربن، وهي منسقة طبية مساعدة في بعثة «أطباء بلا حدود» في جمهورية أفريقيا الوسطى: «يقع أحد مشاريعنا قرب الحدود مع الكونغو الديمقراطية، ولذلك نريد أن نكون مستعدين، وأن نضمن استعداد فرقنا». ولم يسبق للطبيبة المكسيكية البالغة 37 عاماً أن تعاملت مع فيروس «إيبولا».

بروتوكولات صارمة

تتمثل الصعوبة الأولى في ارتداء معدات الوقاية بطريقة صحيحة: بذلة صفراء، وحذاء مطاطي، ومئزر، وغطاء رأس واسع مزود بياقة، وقناع، ونظارات واقية، وزوجان من القفازات؛ أحدهما مطاطي والآخر للاستعمال مرة واحدة.

تدريبات على تطهير جثة مصاب بفيروس «إيبولا» قبل مراسم الدفن في كينيا يوم 10 يوليو (أ.ف.ب)

ويُدوّن توقيت ارتداء المعدات على الياقة. وبعد تجهيزهم بهذه الطريقة، يفقد العاملون في الرعاية الصحية كميات كبيرة من السوائل بسبب التعرق، ولا يستطيعون العمل لأكثر من ساعة واحدة وسط حرارة الكونغو ورطوبتها. والمشاركون جميعهم من أصحاب الخبرة، إلا أن خطورة الفيروس، وعدم الراحة الناجم عن معدات الوقاية، والبروتوكولات الصارمة، وضرورة العمل دائماً ضمن ثنائي، فضلاً عن الضغط النفسي والظروف المناخية؛ كلها أمور تخلق تحديات خاصة.

وقال سيسيه بابا ندياغا، المسؤول عن التوعية الصحية ميدانياً: «لدينا معرفة، ونعتقد أننا قادرون على التعامل مع هذا النوع من الأوبئة، لكن عندما نرتدي معدات الوقاية الشخصية، نصبح أمام واقع مختلف تماماً». وأضاف: «تجب السيطرة على الضغط النفسي»، سواء الضغط الشخصي أو ذلك الذي يعانيه «الزملاء» و«المريض».

وسبق لندياغا، البالغ 43 عاماً، أن عمل خلال أشد موجات «إيبولا» فتكاً، والتي أسفرت عن وفاة 28 ألف شخص في غرب أفريقيا بين عامَي 2013 و2016، ويستعد حالياً للانتشار في إحدى مناطق الوباء الحالي.

ويذكّر المدرّب المشاركين بمختلف المناطق، سواء المنخفضة أو المرتفعة الخطورة، وفق وجود حالات مؤكدة أو جثامين أو حالات مشتبه فيها، وبالبروتوكولات، وضرورة مراقبة زميل العمل، والخروج فوراً عند الشعور باقتراب الإعياء، وهو أمر محتمل بسبب الحرارة داخل معدات الوقاية.

لا مجال للخطأ

قالت ديانا كوربن: «لا أرى أن التعامل مع مرضى (إيبولا) أمر مخيف إذا كان الشخص مدركاً للإجراءات الواجب اتخاذها». وأضافت: «يصبح الأمر أكثر إثارة للخوف عندما لا تكون هناك ثقة بأعضاء الفريق... الثقة أساسية».

تدريبات طبية على مكافحة فيروس «إيبولا» في كينيا يوم 10 يوليو (أ.ف.ب)

وبعد ارتداء المُعدّات يحاكي المشاركون فحص امرأة تقول إنها تعاني الحمّى والقيء، أو نقل جثمان مريض تُوفي، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، ثم تأتي عملية نزع طبقات الحماية من دون التعرض للعدوى، وهي عملية دقيقة تُنفذ أيضاً ضمن ثنائي، في حين يرش الزميل باستمرار محلولاً مطهراً.

ولا يقتصر التدريب على إجراءات السلامة، بل يُشدّد أيضاً على أهمية التواصل مع المجتمعات المحلية. ويحاول المشاركون، على سبيل المثال، إقناع مريضة افتراضية بالخضوع للعزل والفحص للكشف عن «إيبولا»، في حين تصر على أنها مصابة بـ«الملاريا».

وقالت أنجيلا ثيونغو، المسؤولة في مركز «أطباء بلا حدود»، إن التواصل الجيد «يساعد على بناء الثقة». وأضافت: «عندما يفهم السكان ضرورة الإجراءات الصحية، يصبحون أكثر استعداداً للتعاون». كما يصبح السكان قادرين على «التعرف على أعراض (إيبولا)، والتوجه مبكراً لتلقي العلاج».

ويسهم ذلك أيضاً في دحض الخرافات والمعلومات المغلوطة بشأن الفيروس، وتعليم السكان إجراءات مثل التعامل السليم مع الجثامين «شديدة العدوى»، وتنظيم مراسم دفن آمنة.

وفي نهاية التدريب، قالت الدكتورة كوربن إن ما يجب تذكُّره هو أنه «ستكون هناك عوامل ضغط كثيرة» في الميدان. وأضافت: «هذه مجرد محاكاة، ولذلك سيكون الواقع أكثر حدة بكثير».

وقال سيسيه بابا ندياغا: «هنا كان بإمكاننا ارتكاب أخطاء، لكن في بونيا (بؤرة الوباء في الكونغو الديمقراطية) لا مجال للخطأ».


نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
TT

نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

أعلن الجيش النيجيري، السبت، أنه تكبد خسائر بشرية خلال عملية معقدة لإنقاذ 44 معلماً وتلميذاً كانوا مختطفين لدى مجموعة إرهابية منذ مايو (أيار) الماضي، في ولاية (أويو) الواقعة جنوب غربي نيجيريا. وقالت رئاسة أركان الدفاع النيجيرية في بيان موقّع من طرف القائم بأعمال نائب مدير العلاقات العامة للفرقة الثانية بالجيش، المقدم دانجوما جوناه دانجوما، إن إنقاذ المختطفين كان «نتيجة عمليات دقيقة التخطيط والتنفيذ وقائمة على الجهد الاستخباراتي». وأشار إلى أن العمليات شاركت فيها مختلف أجهزة الدفاع والأمن والاستخبارات في الدولة.

جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ووفقاً لما أوردته صحيفة «ديلي بوست» فقد جرى بنجاح، الجمعة، إنقاذ ما مجموعه 44 تلميذاً ومعلماً، كانوا قد اختُطفوا على يد إرهابيين من منطقة الحكم المحلي «أوريير» بولاية (أويو) في 15 مايو الماضي. وكان الجيش النيجيري قد اتهم مسلحين ينتمون إلى جماعة «بوكو حرام» الإرهابية بتنفيذ عملية الاختطاف، بينما اتهم الرئيس النيجيري بولا تينوبو مسلحي جماعة «أنصار»، وهي فصيل منشق عن «بوكو حرام» يُعرف بنشاطه في وسط نيجيريا، ويمتد نطاق عملياته حتى الجنوب الغربي؛ ما أثار مخاوف من تمدد العنف الجهادي إلى جنوب غربي نيجيريا.

الرئيس بولا أحمد تينوبو يزور ولاية بلاتو حيث التقى عائلات ضحايا (رويترز)

عملية معقدة

أفاد الجيش في روايته أن عملية الإنقاذ استمرت أكثر من شهر، وركزت على تحديد هويات زعماء التنظيم الإرهابي المسؤولين عن الاختطاف، وتفكيك شبكاتهم وروابطهم اللوجستية، بما في ذلك مخبروهم ومخابئهم الواقعة في غابات محمية «أولد أويو» الوطنية في ولاية أويو. وأشار بيان الجيش إلى أنه نفذ اعتقالات عديدة في مختلف أنحاء البلاد؛ ما أدى إلى تشتيت التنظيم الإرهابي بشكل كبير، وشكّل ضغطاً هائلاً عليه، وأجبر المنظمة الإرهابية في نهاية المطاف على إطلاق سراح التلاميذ والمعلمين دون قيد أو شرط. واختتم الجيش بيانه بالقول: «من المهم التأكيد على أن العمليات خُطط لها، ونُفِّذت بدقة متناهية لتقليل الخسائر الجانبية، وضمان الإنقاذ الآمن للأطفال والمعلمين. ومع ذلك، وقّعت بعض الخسائر البشرية في صفوف قوات الأمن». وأضاف: «يتلقى التلاميذ والمعلمون حالياً الرعاية الطبية في مستشفى لم يُكشف عن موقعه، وسيتم تسليمهم إلى حكومة ولاية أويو في الوقت المناسب لجمع شملهم مع عائلاتهم».

جندي في قرية وورو بولاية كوارا بعد هجوم إرهابي (أ.ب)

الضغط بالأقارب

من جهة أخرى، أجرت قناة تلفزيونية محلية واسعة الانتشار في نيجيريا مقابلة مع مسؤول سابق في جهاز أمن الدولة، كشف فيها الآلية التي اعتمدها الجيش النيجيري لتحرير الرهائن، وقال إن «الجهد الاستخباراتي كان هو الحاسم، عبر الضغط على شبكة الدعم والتموين التابعة للخاطفين». وأضاف المصدر أن «أجهزة الأمن النيجيرية حددت هويات أمهات الخاطفين، وزوجاتهم، وأطفالهم، وغيرهم من المقربين منهم، وذلك كجزء من جهود الضغط على المختطفين لإجبارهم على إطلاق سراح الضحايا». وقال المسؤول الأمني السابق: «لقد حددت أجهزة الأمن هويات أمهات الخاطفين، وزوجاتهم، وأطفالهم، والمقربين منهم؛ حيث قاموا باعتقالهم وتصوير مقاطع فيديو وإرسالها إلى الخاطفين»، وأضاف أن «قوات الأمن قطعت كذلك طرق إمداد الخاطفين ومنافذ هروبهم، بالتوازي مع الدمج بين التكتيكات الاستخباراتية والمفاوضات طوال فترة العملية».

انتشار أمني في شوارع أبوجا يوم 12 يونيو 2026 (رويترز)

وخلص إلى أن «هذه الجهود المنسقة أدت في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح التلاميذ والمعلمين المختطفين بسلام بعد 56 يوماً في الأسر، دون دفع أي فدية مالية أو إجراء عملية تبادل سجناء». وكان وزير الدفاع النيجيري، كريستوفر موسى، قد اتهم الخاطفين، الأسبوع الماضي، بمحاولة استخدام الطلاب المختطفين كـ«أداة ضغط» ضد الحكومة النيجيرية، التي تحتجز بعض قادة التنظيم الإرهابي. وأوضح موسى أن الخاطفين هددوا بقتل الرهائن في حال تدخلت قوات الأمن. ويُعد جنوب غربي نيجيريا، حيث تقع العاصمة الاقتصادية لاغوس، واحداً من أكثر المناطق أماناً في بلد يعاني من أزمات أمنية متعددة ومتزامنة في أقاليم أخرى. وتعد ولاية أويو واحدة من كبريات الولايات النيجيرية من حيث الكثافة السكانية، كما تُعد عاصمتها «إيبادان» مركزاً تعليمياً رئيسياً.

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

وتشكل عمليات الاختطاف مقابل فدية تحدياً مستمراً للسلطات في مناطق شمال نيجيريا المضطربة، إلا أن عمليات الاختطاف الجماعي كانت نادرة الحدوث في جنوب البلاد. وأكدت السلطات من جانبها عدم تقديم «أي مقابل أو فدية» لإتمام عملية الإنقاذ. وفي اليوم نفسه الذي وقعت فيه حادثة اختطاف «أويو»، اختُطِف أكثر من 40 تلميذاً آخرين، بعضهم لا يتجاوز السنتين من العمر، من منشآتهم التعليمية في ولاية «بورنو» شمال شرقي البلاد، ولا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن.

الطاقم الأميركي في «مجموعة العمل المشتركة» بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

ودأبت جماعة «بوكو حرام» منذ فترة طويلة على استخدام الاختطاف الجماعي من المؤسسات التعليمية كأداة لإثارة الرعب، ولعل أبرزها ما حدث في أبريل (نيسان) 2014، حين اختطفت الجماعة الإرهابية 276 طالبة من مدرسة ثانوية في بلدة «شيبوك» بشمال شرق ولاية بورنو. وقد أعادت سلسلة من عمليات الاختطاف الجماعي التي وقعت أواخر عام 2025، لا سيما اختطاف نحو 20 تلميذة في ولاية «كيبي» واختطاف نحو 300 طالب وعدة معلمين في ولاية «النيجر»، توجيه الأنظار والاهتمام الدولي مجدداً نحو معضلة انعدام الأمن في نيجيريا.


القوات المالية والروسية تستعيد «أنفيس»


لقطة من فيديو نشره الجيش المالي للمعارك التي جرت في بلدة أنفيس
لقطة من فيديو نشره الجيش المالي للمعارك التي جرت في بلدة أنفيس
TT

القوات المالية والروسية تستعيد «أنفيس»


لقطة من فيديو نشره الجيش المالي للمعارك التي جرت في بلدة أنفيس
لقطة من فيديو نشره الجيش المالي للمعارك التي جرت في بلدة أنفيس

استعاد الجيش المالي بدعم روسي، أمس (الجمعة)، بلدة أنفيس شمال البلاد، بعد أسبوع من المعارك العنيفة ضد «جبهة تحرير أزواد»، المتحالفة مع «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة)، وهذا ما أكدته القوات المتمردة.

وقال مصدر عسكري مالي: «يمكنني أن أؤكد لكم أن القوات المالية وشركاءهم من (الفيلق الأفريقي) الروسي قد كسروا الحصار ووصلوا إلى أنفيس ليشكلوا تعزيزاً لقواتنا التي كانت موجودة في الموقع».

ورغم أن المتمردين سيطروا في البداية على البلدة الصغيرة، فإن القاعدة العسكرية ظلت تحت سيطرة القوات الروسية والجيش المالي، في حين فرض المتمردون عليها حصاراً استمر نحو أسبوع، قبل أن تصل تعزيزات عسكرية مساء الخميس وتفك الحصار، وتستعيد السيطرة على البلدة.

وقال المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد»، محمد المولود رمضان: «لقد قررنا مغادرة أنفيس بناءً على استراتيجية محددة، ولتجنب وقوع خسائر في صفوف المدنيين».