قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

مسؤولون ومحللون يرون أن بوتين تصرف تحت شعور عميق بالخيانة والظلم من قبل أميركا وأوروبا

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة
TT

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

قرار التحرك الروسي في أوكرانيا اتخذته سرا دائرة مسؤولين محدودة

بعد عودته من الألعاب الأولمبية الشتوية، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماع أزمة مع أعضاء مجلس الأمن القومي الـ12 لإدارة المأزق السياسي في أوكرانيا، الذي أثار دهشة النخبة العسكرية والسياسية، وفق كل الروايات، وأثار، علاوة على ذلك، غضب بوتين ذاته.
عقب الاجتماع أعلنت فالنتينا ماتفينكو، أبرز أعضاء المجلس ورئيسة مجلس الدوما الروسي، استحالة إقدام روسيا على غزو شبه جزيرة القرم، بيد أنه لم تمضِ سوى بضعة أيام حتى كانت القوات الروسية تتدفق على شبه الجزيرة.
وعندما أدلى بوتين بأول تصريح علني له حول الأزمة، يوم الثلاثاء، قال إن روسيا لن تدعم مساعي شبه جزيرة القرم في الانفصال. لكن الكرملين سمح يوم الجمعة للجبهة المؤيدة للانفصال بالتظاهر في الساحة الحمراء، في الوقت الذي استقبل فيه كبار أعضاء مجلس الدوما الموالون لبوتين وفدا من شبه جزيرة القرم، وتعهدوا بتقديم الدعم لجعلها إقليما جديدا ضمن الاتحاد الروسي.
النظر عن كثب للأحداث الزلزالية التي تسببت في اندلاع المواجهة الأكثر تهديدا بين الشرق والغرب، منذ عهد الحرب الباردة، استنادا إلى تصريحات ومقابلات مع مسؤولين دبلوماسيين ومحللين هنا، تشير إلى أن استراتيجية الكرملين بدت عشوائية، بعد أسبوع متوتر ومصيري، كان تصرف بوتين فيه بدافع مما وصفه مسؤولون ردا على شعور عميق بالخيانة والظلم، وخاصة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا.
وأشار محللون إلى أن بعض تلك القرارات، لا سيما الخاص بغزو شبه جزيرة القرم، جاء عفويا، وأطلق موجة من الحماسة القومية لإعادة توحيد شبه الجزيرة مع روسيا إلى حد أن الكرملين بدا حتى الآن غير راغب، أو ربما غير قادر، على إخماد هذه الحماسة.
وقال مسؤولون ومحللون إن قرار غزو شبه جزيرة القرم، لم يُتخذ من قبل مجلس الأمن القومي، لكنه اتخذ في الخفاء من دائرة أصغر حجما من المساعدين المقربين والأكثر ثقة لدى بوتين، بينما استبعدت المجموعة كبار المسؤولين من وزارة الشؤون الخارجية، أو عددا من المستشارين الليبراليين نسبيا الذين قد يتحدثون عن الأثر الاقتصادي والعواقب المحتملة للعقوبات الأميركية والأوروبية.
وقال فيودور لوكيانوف المحلل الروسي ورئيس تحرير مجلة «العلاقات الدولية الفصلية»، التي تصدر باللغة الروسية: «يبدو المنطق الكلي هنا ناتجا عن عقلية واحدة».
وكانت بعض خطط روسيا في طور الإعداد منذ سنوات، بما في ذلك الخطط الخاصة بفصل شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا، من خلال دعم موسكو السياسي لسيادتها الوطنية، بل وحتى إعادة ضمها إلى روسيا. لكن استراتيجية بوتين في الأسبوعين الأخيرين بدت مرتجلة، وتأثرت بالأحداث التي لا تقع في الأغلب تحت سيطرته.
وقال مارك غاليوتي الخبير في شؤون القوات الأمنية الروسية بجامعة نيويورك الذي يوجد في موسكو ويجري لقاءات منتظمة مع مسؤولي الأمن: «ينبغي أن لا نعتقد بوجود خطة كبيرة، الواضح أنهم يتصرفون حسب مجريات الأحداث».
كانت قرارات بوتين منذ اندلاع الأزمة تعكس الغرائز، والمهارات السياسية والعواطف التي ميزته خلال الـ14 عاما التي قاد فيها روسيا، بما في ذلك حبه للسرية، والولاء والاحترام، له ولروسيا. كما أنها تشير إلى إحباط عميق تجاه قادة العالم الذين تركوه عرضه للتهديد بالعقوبات أو العزلة الدولية، حتى إنه لم يبالِ بتهديدات مجموعة دول الثماني بمقاطعة اجتماع القمة هذا العام الذي كان من المفترض عقده في سوتشي.
ونتيجة لسلطة بوتين المركزية، تبدو سياسات وتصرفات روسيا في أوقات الأزمة مشوشة أو مرتبكة حتى يقرر بوتين نفسه مسار العمل. كان هذا الحال خلال الأيام التي اندلعت فيها أعمال العنف في كييف، مما دفع الأوروبيين إلى بذل جهود محمومة للتوسط من أجل التوصل إلى تسوية. فلم يرسل بوتين، الذي كان منشغلا بدورة الألعاب الأولمبية، ممثلا إلى تلك المحادثات، إلا بعد أن جرى توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى.
وقال ديمتري ترينين مدير مركز كارنيغي في موسكو، إن دور روسيا في اضطرابات أوكرانيا كان «سلبيا للغاية»، حتى اللحظة التي انهارت فيها حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش. كان هذا صحيحا، على الرغم من قلق الكرملين بشأن اتفاق التجارة الأوكرانية الجديدة مع الاتحاد الأوروبي، وتعهدها في ديسمبر (كانون الأول) بتقديم حزمة مساعدات لدعم المالية تقدر بنحو 15 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني المتعثر. وأشار ترينين إلى أن ارتباك الكرملين نتيجة سقوط الحكومة في أوكرانيا دفع الكرملين إلى «التحرك على الفور».
وقال هو وغيره من المسؤولين والمحللين إن رد فعل بوتين جاء ردا على انهيار الاتفاق الذي عقده في ليلة الـ21 من فبراير (شباط). وقد حذر بوتين، بحسب تصريحاته في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الثلاثاء، يانوكوفيتش من سحب قوات الأمن والحكومة من كييف، التي كانت أحد مطالب الاتفاق الذي جري التفاوض بشأنه.
وقال بوتين: «قلت له: ستعم البلاد الفوضى. وستكون هناك حالة من الفوضى في العاصمة. أشفق على شعبك. لكنه فعل ذلك على أي حال، وبمجرد أن فعل ذلك، استولى الثوار على القصر الرئاسي، ومقر رئاسة الوزراء، واندلعت الفوضى التي حذرت منها، والتي لا تزال حتى يومنا هذا».
بيد أن يانوكوفيتش كان قد فقد في ذلك الوقت دعم حزبه، الذي انضم أعضاؤه إلى آخرين في البرلمان في توجيه أمر إلى الأجهزة الأمنية برفع المتاريس التي كانت قد وضعتها حول المباني الحكومية في كييف. وجمع يانوكوفيتش (الذي كان يخشي من التقارير بتوجه محتجين مسلحين إلى كييف من غرب أوكرانيا) الوثائق من مقر إقامته، وفرّ في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي.
في تلك الليلة، كان بوتين لا يزال يطمئن الرئيس أوباما في مكالمة هاتفية على أنه سيعمل على حل الأزمة.
وفي اليوم التالي، جرد البرلمان الأوكراني يانوكوفيتش من صلاحياته، وصوّت لإطلاق سراح زعيمة المعارضة يوليا تيموشينكو من السجن، وتقرر إجراء انتخابات رئاسية جديدة. في البداية، صمتت روسيا، لكن مسؤولين قالوا إن بوتين بدا غاضبا بشدة من القادة الأوروبيين الذين توسطوا في الاتفاق، ولم يفعلوا شيئا لتنفيذه. وبدأ بوتين وغيره من المسؤولين في وصف القادة الجدد في أوكرانيا بالرجعيين والفاشيين، وأن روسيا لا يمكن أن تقبل بهم في السلطة.
وقال ألكسي تشسناكوف الاستراتيجي السياسي والمساعد السابق في الكرملين، عن تحرك بوتين في شبه جزيرة القرم: «ربما لم يكن الأمر وليد اليوم، ولكنه جاء عندما اتضح (بما لا يدع مجالا للشك) أن السلطات في أوكرانيا لم تعد قادرة على العودة إلى الاتفاق الذي وُقّع».
بعد يومين، حضر بوتين الحفل الختامي لدورة الألعاب الأولمبية التي كان يأمل في أن تصبح نموذجا لعودة روسيا كأمة قوية حديثة. ثم أمر بغزو سريع وخلسة لمنطقة تبدو مؤثرة في تاريخ روسيا منذ غزو كاترين العظمى. ويبدو أن قرار أمر القوات الروسية قد وقع في وقت متأخر من مساء يوم الثلاثاء أو فجر الأربعاء، بين دائرة صغيرة من مستشاري بوتين.
شملت المجموعة التي اتخذت القرار، حسب مسؤولين ومحللين، سيرجي إيفانوف مدير ديوان الرئيس بوتين، ونيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي، وألكسندر بورتنيكوف مدير جهاز الأمن الاتحادي. وجميعهم من قدامى المحاربين في الـ«كي جي بي»، وتحديدا زملاء بوتين خلال عمله في المنظمة في لينينغراد، والآن في سانت بطرسبورغ، خلال السبعينات والثمانينات. وقال محللون ومسؤولون إن استثناء مستشارين آخرين يؤكد أن تشدده المتزايد منذ عودته للرئاسة في عام 2012، بعد أن قضى فترة كرئيس للوزراء ولم يواجه احتجاجات شعبية فحسب، بل واجه أيضا انتقادات متزايدة من الولايات المتحدة وأوروبا لسجل البلاد في شؤون الحقوق السياسية وحقوق الإنسان. وأضاف غاليوتي: «إنه يحاول شيئا فشيئا التخلص من الأفراد الذين عارضوا نظرته للعالم». ولم يعترف بوتين أو أي مسؤول آخر بإصدار أمر بغزو عسكري للقرم، على الرغم من تصريح بوتين في مؤتمره الصحافي، حيث قال إنه عزز الأمن في قواعد الأسطول في البحر الأسود، التي توجد مقراتها في سيفاستوبول.
وأشار مسؤولون ومحللون إلى أن نشر القوات الروسية (التي قالت الحكومة الأوكرانية إنها تتراوح ما بين ستة آلاف إلى 15 ألف جندي) لا يزال عملية سرية، لتجنب القانون الدولي، والحاجة للحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو أمر أصر بوتين مرارا على أنه كان ضروريا لأي عمليات عسكرية ضد دولة أخرى.
وقال أندري سولداتوف الذي شارك مع إيرينا بوروغان في تأليف كتاب عن الاستخبارات الروسية تحت عنوان «ذا نيو نوبيليتي»: «إنه أمر تقليدي أن تنكر الحقيقة الساطعة». كان بوتين قد حذر خلال لقاء قادة حلف شمال الأطلسي في بوخارست عام 2008، لدراسة دعوة أوكرانيا للانضمام إلى الحلف، من أن هذه العضوية لن تكون مقبولة لروسيا، وأنذر بالاستراتيجية التي بدأت تتكشف الآن وفقا لبرقية دبلوماسية نشرها موقع «ويكيليكس»، شكك بوتين حتى في شرعية نقل الاتحاد السوفياتي من المنطقة لسلطة ما كان يعرف آنذاك بجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، في عام 1954. فقال بوتين بحسب البرقية التي كتبها كيرت فولكر، السفير الأميركي لدى «الناتو» في ذلك الوقت: «إذا أضفنا شكوك (الناتو) والمشكلات الأخرى، فستجد الدولة نفسها عرضة للتهديد».
والسؤال الآن هو إلى أي مدى ينوي بوتين المضي قدما؟ يرى سيرغي ماركوف، مستشار الكرملين، إن ذلك لم يتضح بعد، لأن بوتين يرتجل حسب مجريات الأحداث.
* خدمة «نيويورك تايمز»



زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».


زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
TT

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات، مضيفاً أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين للوفاء به.

وقال زيلينسكي في حديثه إلى الصحافيين: «يقترح الأميركيون أن ينهي الطرفان الحرب بحلول بداية هذا الصيف، ومن المحتمل أن يمارسوا ضغوطاً على الطرفين وفقاً لهذا الجدول الزمني تحديداً». وأضاف زيلينسكي أن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتم حظر نشر تصريحات زيلينسكي حتى صباح السبت. وأضاف: «ويقولون إنهم يريدون القيام بكل شيء بحلول يونيو. وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولاً زمنياً واضحاً لجميع الأحداث».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وتابع أن «الولايات المتحدة اقترحت عقد الجولة التالية من المحادثات الثلاثية، الأسبوع المقبل، بها للمرة الأولى. على الأرجح في ميامي. لقد أكدنا مشاركتنا».

يأتي الموعد النهائي في أعقاب محادثات ثلاثية بوساطة أميركية عقدت في أبوظبي ولم تسفر عن أي تقدم، حيث يتمسك الجانبان المتصارعان بمطالب حصرية. وتضغط روسيا على أوكرانيا للانسحاب من دونباس، حيث لا يزال القتال محتدماً، وهو شرط تقول كييف إنها لن تقبله على الإطلاق. وأقرَّ الطرفان بأن المحادثات كانت صعبة.

وأعرب زيلينسكي مراراً عن استيائه لمطالبة بلاده بتقديم تنازلات غير متناسبة بالمقارنة مع ما يُطلب من روسيا. واقترحت أوكرانيا تجميد النزاع على خطوط الجبهة الحالية، لكن روسيا رفضت ذلك.

قال زيلينسكي السبت، كما نقلت عنه وكالات دولية عدة، إن ممثلي الولايات المتحدة في أبوظبي اقترحوا مجدداً هدنة في مجال الطاقة، وافقت أوكرانيا عليها، لكن روسيا لم تقدم موافقتها بعد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم). وأضاف زيلينسكي: «اقترحت الولايات المتحدة أن يدعم الجانبان مجدداً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض التصعيد فيما يتعلق بمجال الطاقة، حيث أكدت أوكرانيا دعمها للاقتراح، ولكن روسيا لم ترد بعد». وأشار زيلينسكي إلى أن الروس عادة ما يردون على مثل هذه المبادرات بعد العودة إلى روسيا. وأضاف عارضاً نتائج المحادثات التي جرت الأربعاء والخميس في أبوظبي أن «أوكرانيا أعطت موافقتها على هذا اللقاء الجديد».

كثَّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الأسابيع الأخيرة، مساعيها لوضع حد للحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات، غير أن هذه المساعي لا تزال تتعثر عند مسألة المناطق التي تطالب بها موسكو.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف (رويترز)

وتطالب روسيا التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية بالسيطرة على كامل منطقة دونيتسك الشرقية ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب، ما يعني انسحاب القوات الأوكرانية من المساحات التي لا تزال تسيطر عليها في المنطقة. وتهدد موسكو باحتلالها بالقوة في حال فشل المفاوضات.

في المقابل، ترفض أوكرانيا هذا المطلب، وتطالب من أجل توقيع أي اتفاق أن ينصَّ على ضمانات أمنية بعدم التعرُّض لغزو روسي جديد في المستقبل.

مفاوضات أبوظبي الثلاثية أفضت إلى عملية تبادل أسرى وجثامين جنود قتلى من دون إحراز تقدم بشأن مسألة الأراضي الشائكة.

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على موسكو وكييف لوضع حد للحرب المستمرة بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي سيدخل عامه الخامس مع نهاية الشهر الحالي. وأكد زيلينسكي مرة جديدة أن بلاده لن تقبل باتفاقات تبرمها الولايات المتحدة مع روسيا ولا تشارك كييف في المحادثات بشأنها. وقال زيلينسكي: «إن أي اتفاق بشأن أوكرانيا لا يمكن أن يتعارض مع الدستور والقوانين الأوكرانية».

شنَّت روسيا هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، بحسب ما أفادت شركة تشغيل الكهرباء، السبت. وبدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف صواريخها مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات وقصف البنية التحتية، خصوصاً مرافق الطاقة. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وأضافت، في بيان على تطبيق «تلغرام»، أن القوات قصفت أيضاً مراكز عدة للتحكم في الطائرات المسيّرة موجودة في الأراضي التي تحتلها روسيا.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشور على «إكس»، السبت، إن محطات الطاقة النووية الأوكرانية خفَّضت إنتاجها؛ بسبب تأثير تجدد الأنشطة العسكرية على محطات الكهرباء الفرعية، وفصل بعض خطوط الكهرباء.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا استهدفت أوكرانيا ليلاً بأكثر من 400 طائرة مسيّرة، ونحو 40 صاروخاً من أنواع مختلفة. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الغارات الليلية الروسية استهدفت بشكل رئيسي شبكة الطاقة ومحطات التوليد والتوزيع، وتم الإبلاغ عن وقوع أضرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وانتقد الرئيس الأوكراني روسيا قائلاً إنها تختار شن مزيد من الهجمات كل يوم عن الدبلوماسية الحقيقية. وطالب دول العالم التي تدعم المفاوضات الثلاثية بين بلاده والولايات المتحدة وروسيا بالرد على تلك الهجمات. وأردف: «يجب حرمان موسكو من قدرتها على استخدام الطقس البارد سلاحاً ضد أوكرانيا».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الهجمات الروسية أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن المدن والمجتمعات، خصوصاً في غرب أوكرانيا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، فرض حظر كامل على الخدمات البحرية المتعلقة بالنفط الخام الروسي ضمن الحزمة العشرين من العقوبات على روسيا.

موظف بشركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

من جانب آخر أعادت السلطات البولندية فتح مطارَي لوبلين وجيشوف، اليوم (السبت)، بعد إعلانها انتهاء عمليات ​جوية عسكرية شملت تحليق طائرات لحلف شمال الأطلسي في المجال الجوي للبلاد، وذلك بسبب القصف الروسي في أوكرانيا. وذكرت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية أنه لم تقع أي انتهاكات للمجال الجوي للبلاد. وفي منشور على منصة ‌«إكس»، شكرت القيادة ‌حلف شمال الأطلسي ‌والقوات ⁠الجوية ​الألمانية «التي ‌ساعدت طائراتُها في ضمان السلامة في الأجواء البولندية اليوم». وقالت: «انتهت عمليات الطيران العسكري في مجالنا الجوي، المتعلقة بالضربات التي شنتها روسيا الاتحادية على أوكرانيا».