حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

مشروع «نيورالينك» يفتح سؤالاً أعمق من استعادة البصر

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل
TT

حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل

قد لا يكون فقدان البصر هو نهاية الرؤية... بل بداية إعادة تعريفها؛ إذ إن ما كان يُعدّ لعقود حقيقة بديهية في الطب - أن الرؤية تبدأ من العين - أصبح اليوم موضع مراجعة.

ولم يعد السؤال كيف نعالج العين، بل ما إذا كانت العين شرطاً للرؤية أصلاً.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تطور تقنيات قادرة على التواصل المباشر مع الدماغ... ومع تقدم أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب، يقترب الطب من مرحلة قد لا تكون فيها العين أكثر من وسيط، يمكن تجاوزه.

الدماغ بوابة للرؤية

• هل يصبح الدماغ بوابة للرؤية؟ في الطب التقليدي، يُنظر إلى العين بوصفها مركز الرؤية. لكن علوم الأعصاب تُظهر أن دورها يقتصر على نقل الإشارات، بينما تتم عملية الرؤية الحقيقية داخل الدماغ. فالقشرة البصرية لا تكتفي باستقبال الضوء، بل تفسّره وتربطه بالذاكرة والسياق، لتشكّل صورة ذات معنى. ومن هنا يبرز سؤال مختلف: إذا كانت الرؤية تبدأ وتنتهي في الدماغ، فهل يمكن استعادتها دون المرور عبر العين؟

لم يعد هذا السؤال افتراضاً نظرياً، بل أصبح محور أبحاث متقدمة. فالتقنيات الحديثة لم تعد تركز على إصلاح العين، بل على تجاوزها. أو لفكرة تقوم على إرسال إشارات مباشرة إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين.

• مشروع يتجاوز الطب التقليدي. في هذا السياق، يبرز مشروع «نيورالينك» Neuralink بوصفه نموذجاً لاتجاه جديد في الطب لا يكتفي بعلاج الأعضاء، بل يسعى إلى تجاوزها.

وبدلاً من التركيز على إصلاح العين، يعمل المشروع على تطوير شرائح دماغية تُزرع داخل الدماغ، وتستطيع التواصل مباشرة مع الخلايا العصبية. وتقوم هذه المقاربة على إرسال إشارات كهربائية إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين، حتى في حال غيابها أو تعطلها.

وبذلك، لا تعود الرؤية مرتبطة بوظيفة عضو محدد، بل تصبح عملية يمكن - من حيث المبدأ - توليدها داخل الدماغ نفسه.

أبحاث حديثة

• ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟ تشير أبحاث حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر لعلم الأعصاب» Nature Neuroscience إلى إمكانية توليد أنماط بصرية أولية عبر تحفيز القشرة البصرية باستخدام إشارات كهربائية دقيقة. غير أن هذه النتائج لا تزال محدودة؛ إذ تقتصر على إشارات أو أشكال بسيطة، ولا ترقى إلى مستوى الرؤية المكتملة.

وفي هذا السياق، يرى باحثون في كلية لندن الجامعية (University College London) أن التحدي لا يتمثل في إيصال الإشارة فحسب، بل في قدرتها على أن تتحول إلى تجربة بصرية مفهومة، يستطيع الدماغ تفسيرها وربطها بالسياق الطبيعي.

هل سنرى، أم سنستقبل بيانات؟ الرؤية ليست مجرد استقبال صورة، بل عملية تفسير معقدة. لكن عندما تصل الإشارات مباشرة إلى الدماغ، يبرز تساؤل أساسي: هل تبقى هذه العملية رؤية، أم تتحول إلى شكل من أشكال استقبال البيانات؟

• خطر الرؤية المصنّعة. مع تطور هذه التقنيات، لم يعد الهدف مقتصراً على استعادة البصر، بل أصبح من الممكن - نظرياً - التأثير فيما يراه الإنسان. فالإشارات التي تُرسل إلى الدماغ لا تنقل الواقع بشكل مباشر، بل تعيد بناءه داخل الدماغ، وهو ما يفتح المجال أمام تشكيل الإدراك البصري نفسه. وهنا يتحول السؤال من تقني إلى علمي وأخلاقي: هل نعيد ما فُقد... أم نعيد صياغته؟

وتمثل هذه التقنيات أملاً كبيراً لفاقدي البصر، لكنها في الوقت نفسه تضع الطب أمام مسؤولية جديدة. فلم يعد التحدي في إمكانية استعادة الرؤية فقط، بل في ضمان دقتها وحدودها. فالإشارة التي تُرسل إلى الدماغ قد تُعيد الإبصار، لكنها قد تُعيد أيضاً تفسيراً غير دقيق للواقع، وهو ما يجعل الخطأ هنا ليس تقنياً فقط، بل إدراكياً.

ما الذي نراه حقاً؟ قد لا يكون السؤال هو: هل يمكن إعادة البصر؟

بل: ما الذي نعيده فعلاً؟ فهل الرؤية مجرد إشارات كهربائية يمكن نقلها إلى الدماغ؟ أم أنها تجربة إنسانية تتشكل من الذاكرة والسياق والفهم؟

وهنا، لا يصبح التحدي الحقيقي في نقل الصورة، بل في استعادة معناها.

وقد يتمكن الإنسان مستقبلاً من إدراك الصور دون الاعتماد على العين، لكن التحدي الحقيقي لن يكون في تحقيق ذلك تقنياً، بل في فهم ما يعنيه هذا التحول للإنسان نفسه. فحين تتغير طريقة الإدراك، لا يتغير ما نراه فقط، بل تتغير الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على المعنى الإنساني للرؤية، في زمن يمكن فيه توليدها صناعياً؟



هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».


من «لن تكون أباً» إلى الأمل... الذكاء الاصطناعي يعثر على حيوانات منوية خفية

تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
TT

من «لن تكون أباً» إلى الأمل... الذكاء الاصطناعي يعثر على حيوانات منوية خفية

تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)
تصوير رمزي لحركة الحيوانات المنوية (بكساباي)

هذه الفكرة تقف وراء تقنية جديدة طوَّرها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، تستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن الحيوانات المنوية النادرة داخل عينات السائل المنوي، حتى عندما تعجز الطرق التقليدية والعين البشرية عن العثور عليها، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

ويقول الدكتور زيف ويليامز، متخصص علاج الخصوبة ومدير مركز الخصوبة في جامعة كولومبيا، إنَّ من أصعب اللحظات في عمله إخبار رجل بأنه «لن يكون أباً». لكن بعض هؤلاء الرجال قد لا يكونون، في الواقع، خالين تماماً من الحيوانات المنوية؛ فقد تكون هناك خلايا قليلة جداً تختبئ وسط مليارات من بقايا الخلايا.

ويعاني بعض الرجال حالةً تُعرَف باسم «انعدام الحيوانات المنوية»، حيث لا تظهر الحيوانات المنوية في عينة السائل المنوي عند الفحص. وقد يكون السبب انسداداً يمكن علاجه، أو خللاً شديداً في عملية إنتاج الحيوانات المنوية داخل الخصيتين.

وفي الحالات التي توجد فيها أعداد ضئيلة للغاية من الحيوانات المنوية، يصبح العثور عليها مهمة بالغة الصعوبة.

وهنا يأتي دور نظام «STAR»، وهو اختصار لـ«تتبع الحيوانات المنوية واستعادتها». وتعمل التقنية بطريقة تشبه التلسكوب الذي يكشف للعين البشرية أجساماً لا تستطيع رؤيتها في السماء.

تمرُّ عينة السائل المنوي عبر شريحة ميكروفلويدية صغيرة، بينما تلتقط كاميرا فائقة السرعة نحو 300 صورة في الثانية. ويحلل الذكاء الاصطناعي هذه الصور بحثاً عن أي حيوان منوي. وعندما يكتشف النظام خليةً منويةً، يرسل إشارةً إلى صمام صغير يسمح بعزلها واستعادتها لاستخدامها في علاج الخصوبة.

وتكمن أهمية التقنية في أنَّها تتعامل مع مشكلة يصعب على الإنسان حلها. فالبحث التقليدي عن الحيوانات المنوية النادرة يتم يدوياً تحت المجهر، وقد يستغرق فحص العينة الواحدة نحو 8 ساعات. وعندما لا تحتوي العينة إلا على حيوانين أو 3 يصبح العثور عليها وسط بقايا الخلايا أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

وفي بعض الحالات، يلجأ الأطباء إلى إجراء جراحي يُعرَف باسم «micro-TESE»، يتم خلاله فحص أنسجة الخصية؛ بحثاً عن حيوانات منوية يمكن استخدامها في عملية الإخصاب، إلا أنَّ هذا الإجراء لا يضمن العثور عليها.

واستغرق تطوير نظام «STAR» نحو 7 سنوات، وأصبح متاحاً في مركز الخصوبة بجامعة كولومبيا في أواخر عام 2025.

وفي إحدى الحالات، عثر النظام على حيوانات منوية لدى رجل يبلغ 39 عاماً عانى وزوجته 19 عاماً من العقم. وتمكَّن الزوجان بعد ذلك من إنجاب طفلة.

وفي حالة أخرى، لم يتمكَّن الأطباء من العثور على أي حيوان منوي خلال يومين من البحث في عينة مأخوذة خلال إجراء «micro-TESE». لكن نظام «STAR» عثر على 44 حيواناً منوياً في العينة نفسها خلال ساعة واحدة.

وفي دراسة شملت 175 حالة، تمكَّن النظام من العثور على الحيوانات المنوية واستعادتها في نحو 26 في المائة من الحالات. ويقول ويليامز إن هناك حالياً حالة حمل قائمة تحقَّقت بعد العثور على حيوانَين منويَّين فقط.

لكن التقنية لا تستطيع مساعدة الرجال الذين لا ينتجون أي حيوانات منوية على الإطلاق. ولهذا يتجه الباحثون إلى خطوة أكثر طموحاً: إنتاج الحيوانات المنوية في المختبر.

وأعلنت شركة أميركية أنَّها تمكَّنت من إنماء حيوانات منوية بشرية باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من أنسجة الخصية. إلا أنَّ النتائج لم تُكرَّر حتى الآن من جانب جهات مستقلة، كما لم تُنشر في مجلة علمية تخضع لمراجعة الأقران.

وإلى أن يصبح إنتاج الحيوانات المنوية في المختبر خياراً متاحاً وآمناً، تمنح تقنيات مثل «STAR» بعض الرجال فرصةً لم تكن متاحةً لهم من قبل.

وبالنسبة إلى ويليامز، فإنَّ أهمية العثور على حيوان منوي واحد تتجاوز بكثير حجمه المتناهي في الصغر. ويقول: «عندما لا توجد أي حيوانات منوية، تتخلى عملياً عن الأمل في إنجاب طفل بيولوجي. أما عندما تجد حيواناً منوياً واحداً، فيمكنك أن تتخيَّل الطفل، والأحفاد، وأحفاد الأحفاد».

ففي عالم علاج العقم، قد يكون حيوان منوي واحد غير مرئي تقريباً للعين، لكنه بالنسبة إلى رجل انتظر سنوات ليصبح أباً، بداية عائلة كاملة.