«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

TT

«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

إسرائيليون يهود يؤدون طقوساً في البلدة القديمة بالقدس في 5 أبريل الحالي (رويترز)
إسرائيليون يهود يؤدون طقوساً في البلدة القديمة بالقدس في 5 أبريل الحالي (رويترز)

ينطلق المستوطنون الإسرائيليون لقتل وحرق وضرب الفلسطينيين في الضفة الغربية وتخريب ممتلكاتهم ودفعهم إلى النزوح، من ذرائع يروجون أنها «معتقدات دينية» أحقية في أراضي يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية)». وجاء أحدث تعبير عن ذلك المسار الاستيطاني، الاثنين، بعدما أدى متطرفون إسرائيليون طقوساً تلمودية في منطقة «حمامات المالح» في أغوار الضفة الغربية المحتلة.

وبدا لافتاً أن منطقة «حمامات المالح» ذات الطبيعة الأثرية والبيئية الخاصة، لم ترد سابقاً في سياق السردية الإسرائيلية عن الارتباطات الدينية المزعومة بمواقع في الضفة على غرار مناطق مثل: المسجد الأقصى، والحرم الإبراهيمي، وقبر يوسف، وقبر راحيل، وجبال جرزيم وعيبال.

واقحم مستوطنون «حمامات المالح» بعد السيطرة على أجزاء منها في هجمات سابقة، وقالت منظمة «البيدر» الحقوقية، إن المستوطنين «أدوا صلوات تلمودية بطريقة مستفزة تعكس استمرار محاولات السيطرة على الأراضي الحساسة في الأغوار الشمالية».

 

«رسالة دموية تعقبها هجمات»

لم تكن هذه المرة الأولى التي يؤدي فيها المستوطنون ممارسات تلمودية في مناطق بالأغوار، وقد فعلوا ذلك في مناطق أخرى قبل شن هجمات واسعة عليها. وقال المشرف العام على منظمة «البيدر»، المعنية بالدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، إن «الصلوات والرقصات الدينية تمثل رسالة دموية للفلسطينيين بأن عليهم الرحيل فوراً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه ممارسة سياسية استعمارية للزعم بأحقية المستوطنين في المكان لكن عبر توظيف الدين وإعلان أن المنطقة المستهدفة (أصبحت من وجهة نظرهم يهودية مطهرة)، وأن على العرب الرحيل منها».

وبحسب مليحات، فقد أدى مستوطنون في مرات سابقة رقصات تلمودية، وأدوا سجوداً ملحمياً في مناطق مثل المعرجات، وفي راس العين، وأعقبتها «هجمات دامية أجبرت العائلات على الرحيل».

وأضاف: «رصدنا هجمات دامية بعد هذه الصلوات. لقد هرب الناس بأولادهم»، متابعاً: «الطقوس الاستيطانية رسالة دموية غير معلنة». وأكد مليحات أن هذه الرقصات يسبقها أو يتبعها فتوى دينية «تحرم على العرب الاقتراب من المكان».

ماذا نعرف عن «حمامات المالح»؟

«حمامات المالح» تقع في وادي المالح الذي يضم 15 تجمعاً بدوياً، رحل بعضهم لكن الأغلبية لا تزال تسكن المكان. واستهداف وادي المالح لم يأت عبثياً، بل ضمن خطة واضحة وقديمة للسيطرة على منطقة الأغوار التي يعدّ الوادي من أجمل مناطقها.

ويقع وادي المالح على مسافة 13 كم إلى الشرق من مدينة طوباس، وهو بالنسبة للفلسطينيين منطقة سياحية منذ الزمن العثماني القديم، ويوجد فيها فندق سياحي معروف باسم الفندق العثماني، ويعدّ أقدم فندق في فلسطين.

فندق المالح المعروف بالفندق العثماني الأقدم في فلسطين في الأغوار (وزارة السياحة الفلسطينية)

وبحسب تقارير رسمية فلسطينية، كان السلطان العثماني يرتاح فيه في أثناء سفره، إضافة إلى طاحونة أثرية قديمة، وكانت مزاراً للسائحين الذين ينشدون التنزه أو العلاج عبر الينابيع الدافئة هناك.

ويقول «مركز المعلومات الوطني الفلسطيني» إن وادي المالح في الأغوار الشمالية يتميز بالمناخ الدافئ والينابيع ذات المياه المعدنية الساخنة، وتسكنه 450 عائلة فلسطينية. ويحتوي وادي المالح، بالإضافة إلى الينابيع الساخنة، على 7000 دونم من الأشجار الحرجية والغابات الطبيعية.

ويتدفق الماء الساخن المشبع بالأملاح المعدنية من سفوح الجبال الصخرية من نبعي «عياد»، و«أيوب»، عبر سلسلة من الصخور، نحو وادي حمامات المالح، ليلتقي مع نبع «أم طيون» البارد، مخترقاً أراضي الفارسية، متجهاً شرقاً حتى جسر أم عشيش، قبل أن تمضي مياهه إلى نهر الأردن.

«تخريب لينابيع المياه»

شكلت «حمامات المالح» في الماضي منتجعاً سياحياً طبيعياً يرتاده المتنزهون الفلسطينيون والسائحون الأجانب بهدف التنزه والعلاج.

وكانت المنطقة تحتوي على فنادق وطواحين مياه ما زالت آثارها ماثلة للعيان؛ لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ومنذ عام 1967، سارعت إلى فرض سيطرتها على المنطقة وثرواتها؛ فبنت المعسكرات والمستوطنات وحفرت الآبار العميقة للاستيلاء على المياه وتجفيف الكثير من الينابيع، وإفراغ المنطقة من سكانها.

ووفق منظمات حقوقية وبيئة فلسطينية، فإنه «في عام 1973، صبت سلطات الاحتلال الأسمنت المسلح حول ينابيع المياه المعدنية الساخنة بعمق 20 متراً؛ في محاولة لتخريبها والحد من تدفقها». وتحول الوادي الذي كانت تجري فيه المياه المعدنية إلى وادٍ من المياه الشحيحة، وأصبحت تلك المنطقة ذات المناظر الأخاذة منطقة شبه مهجورة لا يرتادها سوى الرعاة.

ينابيع في منطقة وادي المالح (مركز المعلومات الوطني)

وأكدت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية، أهمية المكان، وقالت إن إسرائيل بعد احتلال الضفة الغربيّة في عام 1967 أنشأت معسكر تدريب يبعد عن الحمّامات شمالاً مسافة كيلومتر واحد تقريباً، وأغلقت مساحات واسعة في وجه سكّان المنطقة.

وبحسب «بتسيلم» فإنه منذ «السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ازداد الوضع تدهوراً في المنطقة، وتصاعدت هجمات المستوطنين، وأقيمت حول التجمّعات بؤرتان استيطانيّتان هُما بؤرة (تفتس «حفات يد هشومير») التي أقيمت في أغسطس (آب) 2024 على بُعد نحو كيلومتر واحد شرقيّ الحمّامات، وبؤرة (حاجز تياسير «حفات تسفي هعوفريم») التي أقيمت في فبراير (شباط) 2025 على بُعد نحو 4 كيلومترات غربيّ المنطقة.

ويأتي مستوطنون من هاتين البؤرتين بشكل شبه يومي ليضيّقوا على سكان المنطقة والتجمّعات المحيطة ويعتدوا عليهم.

طرد التجمعات البدوية

يعد الهجوم على الأغوار جزءاً من تصعيد أوسع مكثف بعد حرب السابع من أكتوبر، وأخذ يطول البدو الفلسطينيين على نحو خاص. يقول مليحات: «ما يحدث ليس عبثياً، بل يهدف لفرض سيطرة كاملة على مناطق محددة في الضفة الغربية».

وأضاف مليحات: «إنهم يستهدفون منطقتي وسط الضفة والأغوار على نحو خاص لسببين؛ الأول: إنشاء مشروع «إيه - واحد» الخطير، والذي يهدف إلى خلق تواصل جغرافي استيطاني، ويقسم الضفة إلى شمال وجنوب، ويمنع إقامة دولة فلسطينية»، والثاني: فرض سيطرة أمنية على الحدود مع الأردن وعزل الضفة عن العالم الخارجي، وسيطرة اقتصادية من خلال السيطرة على مصادر المياه وتنمية المزارع، وتغيير الواقع الديمغرافي في المنطقة».

مستوطنون ينشؤون بؤرة استيطانية على أراضي سكان منطقة الأغوار في أريحا (وفا)

ويواجه البدو في 212 تجمعاً في الضفة مضايقات منذ عام 2019، لكن بعد السابع من أكتوبر، تحول الأمر إلى هجمات منظمة وسلسلة من القرارات القضائية. وحتى الآن تم طرد عشرات العائلات من تجمعات في الأغوار، فيما يواجه 18 تجمعاً بدوياً كاملاً قرب مستوطنة معالي أدوميم في وسط الضفة، خطر التهجير الفوري.

وشوهد مستوطنون على مدار الوقت خلال الأسابيع القليلة الماضية ينفذون هجمات ضد التجمعات البدوية، وأيضاً في بقية الضفة الغربية، وشمل ذلك محاولات قتل وإحراق منازل ومركبات وممتلكات وتهديد ووعيد بالانتقام وترحيل الفلسطينيين.


مقالات ذات صلة

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

خاص مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز) p-circle 11:15

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

يخوض «الخان الأحمر» وحيداً معركة أكبر منه مقاوماً المشروع الاستيطاني الأوسع القائم على إنشاء القدس الكبرى وتفتيت الضفة ودفن الدولة الفلسطينية مرة وإلى الأبد.

كفاح زبون (الخان الأحمر (الضفة الغربية):)
المشرق العربي قوات إسرائيلية ومستوطنون مسلحون يقفون قبالة احتجاج لفلسطينيين على مصادرة أراضيهم قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

عقوبات ضد المستوطنين... واتهامات أممية بـ«دعم رسمي» لهجماتهم في الضفة

أعلنت بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا والنرويج عقوبات ضد لمستوطنين ‌إسرائيليين متطرفين، بينما اتهمت لجنة أممية السلطات بتقديم «دعم مالي وعسكري» لمنفذي الهجمات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يتحدث في مؤتمر صحافي بالقدس 8 يناير 2023 (رويترز)

فرنسا تمنع وزير المال الإسرائيلي وقادة مستوطنات من دخول أراضيها

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، منع وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول الأراضي الفرنسية، بينما وصفت إسرائيل إجراءات باريس ﺑ«المخزية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعلام إسرائيلية ترفرف في مستوطنة إسرائيلية جديدة خلف أخرى فلسطينية قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

بريطانيا وحلفاء ينددون بعنف المستوطنين في الضفة الغربية

قالت بريطانيا ​ووزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والنرويج، اليوم (الثلاثاء)، إنهم اتخذوا بالتنسيق ‌إجراءات ‌لمحاسبة ​المستوطنين ‌الإسرائيليين ⁠المتطرفين.

«الشرق الأوسط» (لندن ‌)
المشرق العربي فريال أبو هيكل تودع حفيدها الرضيع سام (7 أشهر) الذي قُتل برصاص جنود الاحتلال في الخليل (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يقتل رضيعاً فلسطينياً في الخليل

الجيش الإسرائيلي والمستوطنون يصعّدون في الضفة. قتلوا رضيعاً، وهاجموا مناطق عدة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

منظمة حقوقية تدحض رواية الجيش الإسرائيلي عن مقتل رضيع فلسطيني

فهد أبو هيكل يحمل جثمان ابنه الرضيع سام بعد مقتله على يد جنود إسرائيليين الجمعة الماضي (أ.ب)
فهد أبو هيكل يحمل جثمان ابنه الرضيع سام بعد مقتله على يد جنود إسرائيليين الجمعة الماضي (أ.ب)
TT

منظمة حقوقية تدحض رواية الجيش الإسرائيلي عن مقتل رضيع فلسطيني

فهد أبو هيكل يحمل جثمان ابنه الرضيع سام بعد مقتله على يد جنود إسرائيليين الجمعة الماضي (أ.ب)
فهد أبو هيكل يحمل جثمان ابنه الرضيع سام بعد مقتله على يد جنود إسرائيليين الجمعة الماضي (أ.ب)

وثّق فيديو جديد نشره مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، مساء الثلاثاء، لحظة إطلاق جنود إسرائيليين النار على سيارة مدنية كان يستقلها فلسطينيون في الخليل قبل أيام قليلة، ما أدى إلى قتل الرضيع سام أبو هيكل (7 أشهر) بين ذراعي والدته، ومن دون أن يقدم الجنود أي مساعدة بعد إطلاق النار.

ويدحض الفيديو، الذي رصد جانباً من واقعة القتل التي حدثت، الجمعة، مزاعم الجيش الإسرائيلي بشأن الحادثة التي قدمها أولاً باعتبار أن جنوده «أطلقوا النار بعدما رصدوا سيارة متّجهة بسرعة نحوهم». لكن المقطع الذي نشره مركز «بتسيلم» يُظهر أن السيارة خفّفت سرعتها وتوقفت بينما كانت تقترب من جنديين إسرائيليين.

وقال «بتسيلم» إنه حصل على فيديو يكشف لحظات إطلاق النار على عائلة أبو هيكل، التي كانت عائدة من زيارة عائلية بينما كانت في سيارتها في حي تل رميدة، في الخليل.

وحسب «بتسليم» فقد وقع إطلاق النار «بعد أن لاحظ ربّ العائلة، الذي كان يقود السيارة، وجود الجنود الواقفين على الشارع فأبطأ سرعتها استعداداً للتوقف. وأصيب طفله الرضيع الذي كان في تلك اللحظة بين ذراعي والدته في المقعد الخلفي برصاصة في رأسه وتم إقرار وفاته بعد ذلك بوقت قصير. كما أصيب جرّاء النيران والد سام ووالدته، التي لا تزال ترقد في المستشفى للعلاج. بعد إطلاق النار، بينما غادر الجندي الذي أطلق النار وجندي آخر كان برفقته المكان دون تفتيش السيارة أو تقديم أي إسعاف للطفل الرضيع الذي أصيب إصابة حرجة أو لوالدته».

فهد أبو هيكل يعرض على هاتفه صورة طفله الرضيع سام (7 أشهر) الذي قُتل برصاص جنود الاحتلال في الخليل (أ.ب)

ويظهر الفيديو أن إطلاق النار الذي قام به جندي إسرائيلي نحو السيارة تم في الوقت الذي أبطأ فيه سائقها من سرعته، استعداداً للتوقف، بينما كان على مسافة من الجنود ولم يشكل أي خطر عليهم. وفي لقطات لاحقة كما يظهر الأب وهو يحمل الطفل ويحاول بيديه إيقاف النزيف من رأسه.

كما يمكن رؤية والدة الطفل، التي أصيبت هي الأخرى جراء إطلاق النار أثناء حملها ابنها، وهي جالسة على الطريق بجانب سيارة العائلة. وقتل الجيش الإسرائيلي الرضيع أبو هيكل يوم الجمعة عندما أطلق جندي الرصاص على سيارة العائلة في منطقة تل الرميدة، جنوب مدينة الخليل، فاصابوا الأب وزوجته فيما قضى طفلهم الرضيع.

«لقد قتلوا أخي»

وفي شهادتها بعد إطلاق النار، قالت فريال أبو هيكل، جدة الرضيع التي كانت معهم في المركبة: «لقد أطلقوا الرصاص علينا مباشرة، ولم يكن هناك أي خطر أو مبرر». وأضافت: «سمعت زوجة ابني تصرخ: ابني، ابني! وكان الطفل غارقاً في دمائه».

وأوضحت: «كنا نسير على الطريق مثل المعتاد، ولم نكن قلقين كنا نقود ببطء، ورأيت جنوداً على بُعد نحو عشرة أمتار منا. كنت أجلس في المقعد الأمامي، ورأيت كل شيء. وفجأة، دوّى صوت طلقة نارية، فظننتها تحذيراً يطلب منا التوقف».

الطفل سام فهد أبو هيكل البالغ من العمر سبعة أشهر محمولاً بين ذراعي والده بعد لحظات من إطلاق جندي إسرائيلي النار على السيارة التي كانا يستقلانها في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (من فيديو بتسيلم - رويترز)

وشرحت كيف رفع ابنها، الذي كان يجلس في مقعد السائق، يديه ليؤكد أنه لا يشكل أي خطر، «لكن الرصاصة أصابت يده، واخترقتها، ودخلت السيارة. حينها سمعت صراخ الزوجة. كنا في حالة صدمة شديدة، فخرجت من السيارة وبدأت بالصراخ. غادر الجنود ولم يقدموا لنا أي مساعدة. بقينا هناك وحدنا حتى وصلت القوات وأجلتنا إلى المستشفى».

وأضافت أن حفيدها البالغ من العمر 11 عاماً أخبرها لاحقاً: «جدتي، لقد قتلوا أخي الصغير».

فريال أبو هيكل تودع حفيدها الرضيع سام (7 أشهر) الذي قُتل برصاص جنود الاحتلال في الخليل (أ.ب)

ولاحقاً، بعد الحادث، صرح مكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن تحقيقاً أولياً خلص «إلى أن المصابين كانوا مدنيين غير متورطين، ويجري التحقيق في الحادث، وسيتم إحالة نتائجه إلى السلطات المختصة للمراجعة. ويأسف الجيش الإسرائيلي لأي أذى لحق بالأفراد الأبرياء».

وقالت المديرة العامة لـ«بتسيلم»، يولي نوفاك: «خلال السنتين ونصف السنة الأخيرة، قتلت إسرائيل أكثر من 20 ألفاً من الأطفال في قطاع غزة والضفة الغربية».

وأضافت: «الحصانة التي يوفرها المجتمع الدولي لإسرائيل والحصانة التي يمنحها النظام الإسرائيلي للجنود والمستوطنين أدت إلى واقع يومي يتم فيه دعم وتأييد قتل الفلسطينيين، وقادت إلى وضع أصبحت فيه حياة الفلسطينيين تحت السيطرة الإسرائيلية مستباحة تماماً، حتى حين يكون هذا طفلاً ابن 7 أشهر فقط».


تقرير: فرار مشتبه بالتجسس يسلّط الضوء على حرب الظل بين إسرائيل و«حزب الله»

لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فرار مشتبه بالتجسس يسلّط الضوء على حرب الظل بين إسرائيل و«حزب الله»

لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في خضمّ التصعيد العسكري الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مارس (آذار) الماضي، وبينما كان السكان يفرّون في حالة من الذعر، وجد رجل واحد فرصة للهرب من مسارٍ بدا مرسوماً بدقة داخل واحدة من أكثر القضايا الأمنية حساسية في لبنان.

فوسط حالة الفوضى، تمكّن المشتبه به من الفرار من مكان احتجازه داخل خلية تابعة لـ«حزب الله»، قبل أن يشق طريقه نحو التلال المطلة على العاصمة، وصولاً إلى حيّ بعبدا الدبلوماسي، حيث تشير الروايات إلى أنه دخل إلى مبنى السفارة الأوكرانية، ليختفي بعدها تماماً من المشهد. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

ومنذ ذلك الحين، لا يزال مكان وجوده مجهولاً، في قضية باتت تُوصف داخل الأوساط الأمنية اللبنانية بأنها جزء من لعبة استخباراتية مفتوحة، تتداخل فيها خيوط محلية وإقليمية ودولية، وسط تصاعد جهود «حزب الله» لتعقّب ما يصفه بشبكات تجسس يُعتقد أنها مرتبطة بإسرائيل.

ويُعرَف الرجل لدى السلطات اللبنانية باسم خالد العايدي، ويُقال إنه لاجئ فلسطيني من سوريا ويحمل الجنسية الأوكرانية أيضاً. وكانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قد أوقفته سابقاً بتهم تتعلق بالانخراط في مخطط استخباراتي يُشتبه في ارتباطه بإسرائيل، قيل إنه كان يستهدف تنفيذ عمليات تفجير واغتيال داخل البلاد.

وبحسب مصادر قضائية وأمنية لبنانية رفيعة، فإن تفاصيل هروبه ومسار القضية أمام المحكمة العسكرية جرى تداولها ضمن دوائر ضيقة، مع الإشارة إلى أن مسؤولين سياسيين في «حزب الله» قد أوردوا بعض المعطيات المرتبطة بالقضية، في حين التزمت جهات رسمية أخرى الصمت.

ويكتسب اختفاء العايدي حساسية سياسية إضافية، إذ قد يفتح الباب أمام تداعيات داخلية على الحكومة اللبنانية، في حال ثبوت أي تسهيل أو تواطؤ في خروجه من البلاد، وهو ما قد ينعكس توتراً مع القاعدة الشعبية لـ«حزب الله»، في وقت تشهد فيه البلاد أصلاً مناخاً سياسياً بالغ التعقيد.

وفي موازاة ذلك، أشارت وثيقة رسمية لبنانية إلى أن السفارة الأوكرانية طلبت في مارس تسهيل مغادرته بعد فراره، إلا أن الأمن العام اللبناني رفض الطلب، مستنداً إلى مذكرة توقيف قضائية صادرة بحقه لاحقاً. ولم يصدر أي تعليق من الجانب الأوكراني أو جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) بشأن القضية.

وفي سياق متصل، نقل مسؤول أوكراني مطّلع أن العايدي لا يوجد داخل السفارة في بيروت، دون أن يؤكد أو ينفي ما إذا كانت كييف قد تدخلت في مسار خروجه، أو ما إذا كانت قد قدمت له أي دعم مباشر.

شبكات استخباراتية معقدة

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الحديث عن شبكات تجسس واسعة يعتقد أنها تعمل داخل لبنان لصالح إسرائيل، مستفيدة من وسائل بشرية وتقنيات مراقبة متطورة مكّنتها، وفق خبراء، من التغلغل في بيئات أمنية حساسة.

وتشير تقارير أمنية إلى أن إسرائيل نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ عمليات نوعية ضد «حزب الله»، من أبرزها اختراق سلسلة الإمداد الخاصة به، وإدخال أجهزة اتصال مفخخة جرى تفجيرها عن بُعد في سبتمبر (أيلول) 2024، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى. كما سبقت ذلك ضربات جوية استهدفت قيادات بارزة في الحزب.

ويرى خبراء أن تراكم هذه العمليات يعكس مستوى اختراق استخباراتي عميقاً داخل بنية الحزب، وهو ما أكده باحثون متخصصون في شؤون الجماعة، مشيرين إلى أن هذا الاختراق مكّن إسرائيل من استهداف شخصيات قيادية بقدر كبير من الدقة.

حملة مضادة داخل لبنان

في المقابل، كثّف «حزب الله» والسلطات اللبنانية خلال الفترة الأخيرة من حملات ملاحقة شبكات التجسس المشتبه بها، حيث أُدين العشرات في قضايا مرتبطة بالتعاون مع إسرائيل، فيما لا تزال ملفات أخرى قيد التحقيق أمام القضاء العسكري.

وتشير المعطيات القضائية إلى أن بعض المتهمين تلقوا مبالغ مالية متفاوتة مقابل تقديم معلومات حساسة عن مواقع ومرافق تابعة للحزب، في حين جرى تجنيد عدد منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتبرز من بين القضايا المعروضة أمام القضاء ملف متهمين بارزين يُشتبه في تزويدهم جهات إسرائيلية بإحداثيات لمواقع تم استهدافها لاحقاً، ما زاد من حدة الجدل الداخلي حول حجم الاختراق الأمني.

اختفاء يزيد المشهد تعقيداً

وبينما تتضارب الروايات بشأن مصير العايدي، ترجّح مصادر أمنية لبنانية أنه غادر البلاد بالفعل، من دون تأكيد وجهته النهائية أو ما إذا كان قد انتقل إلى سوريا أو أي دولة أخرى.

ويأتي هذا التطور في وقت بالغ الحساسية، إذ تتقاطع فيه الخلافات السياسية بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله» حول ملفات الحرب والتفاوض مع إسرائيل، ما يجعل من القضية مرشحاً إضافياً لتوسيع فجوة الانقسام الداخلي.

ويرى مراقبون أن أي كشف جديد في مسار القضية، سواء بتأكيد هروبه بمساعدة خارجية أو داخلياً، قد ينعكس مباشرة على المشهد السياسي والأمني في لبنان، ويزيد من تعقيد العلاقة بين الدولة والحزب في مرحلة شديدة التوتر.


معالم جنوب لبنان الأثرية مهدَّدة بالقصف والنسف الإسرائيليين

قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
TT

معالم جنوب لبنان الأثرية مهدَّدة بالقصف والنسف الإسرائيليين

قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)
قلعة صور من أبرز المواقع الأثرية في جنوب لبنان (يونيسكو)

يتشابه مئات آلاف النازحين اللبنانيين من أبناء قرى ومدن الجنوب مع الرسميين اللبنانيين، لجهة متابعة مصير المنازل والأحياء والمواقع التراثية من خلال مقاطع الفيديو المحدودة التي ينشرها الجيش الإسرائيلي أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي... فقد باتت إمكانية رصد أحوال المواقع الأثرية والتراثية الواقعة في المناطق المحتلة أو تلك التي تشهد مواجهات عسكرية عنيفة، كما تقييم حجم الأضرار التي لحقت بها، محدودة للغاية، في ظل تعذر الوصول الميداني إليها، في حين تراجعت أيضاً فاعلية المتابعة عبر الأقمار الاصطناعية بسبب القيود المفروضة على الحصول على الصور الحديثة للمناطق الحدودية ومناطق النزاع؛ ما يجعل عملية التوثيق الدقيقة للأضرار مهمة شديدة التعقيد بانتظار توافر ظروف تسمح بإجراء مسوحات ميدانية شاملة.

وزير الثقافة غسان سلامة يتفقد الأضرار بموقع قلعة شمع في جنوب لبنان يناير 2026 (أرشيفية - وزارة الثقافة)

استنفار لمنع تدمير قلعة الشقيف

ولعل آخر وأبرز المواقع الأثرية التي باتت في قبضة الاحتلال جنوباً قلعة الشقيف الاستراتيجية؛ ما دفع وزير الثقافة غسان سلامة مؤخراً إلى إرسال كتاب إلى المدير العام لمنظمة «يونيسكو» الدكتور خالد العناني، يطالب فيه بـ«التدخل الفوري والعاجل من قِبل المنظمة، للتحرك لدى الجهات المعنية وتفعيل جميع الآليات الدولية المناسبة لمنع تدمير موقع قلعة الشقيف - بوفور، على أثر التهديد البالغ الخطورة الذي يستهدف هذا المعلم الأثري»، عادَّاً أنّ «الصمت أو عدم التحرك إزاء مثل هذا التهديد من شأنه أن يفتح الباب أمام انتهاكات لا يمكن تدارك آثارها بحق التراث الثقافي المحمي بموجب القانون الدولي».

جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

ويعدّ الوزير سلامة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «إسرائيل لا تبالي بنوعية المنشآت التي تستهدفها أكانت ثقافية أو صحية أو تربوية، وبالتالي هي لا تستثني المواقع الأثرية، كما يفرض عليها القانون الدولي»، لافتاً إلى أن «توثيق الضرر اللاحق بهذه المواقع ليس مهمة سهلة على الإطلاق باعتبار أن لا إمكانية للوجود المباشر على الأرض نتيجة الاحتلال والعمليات العسكرية المتواصلة؛ لذلك نعتمد على بعض صور الأقمار الاصطناعية، وعلى الأخبار التي ينقلها بالتواتر النازحون؛ ما يجعل الصورة غير كاملة وشاملة، إنما لا شك أن الصورة سلبية».

ما المواقع المتضررة؟

ويشير سلامة إلى أن «أبرز ما تم توثيقه، الدمار اللاحق بموقع شمع الذي يبعد 10 كلم عن الحدود، وهو موقع أثري وديني مهم تم تفجير 3 من القباب الـ4 التي تعلوه، علماً أننا كنّا رممناه مع الإيطاليين»، مشيراً إلى أن «تفجيره أخيراً يعني أنها عملية تمت عن قصد»، لافتاً إلى قذائف وقعت بمحيط المنطقة الأثرية في مدينة صور وإلى تضرر متحف صور ومدخله»، مضيفاً: «ننتظر وقف النار لتبيان حجم الأضرار في المباني الأثرية في مدينة صور التي قُصفت بشراسة، وعلينا أن نرى كيف أثَّرت الارتجاجات على هذه المواقع».

ويوضح سلامة أن التراث لا يعني فقط المواقع الأثرية «إنما الحارات والأسواق القديمة التي اعتاد الناس على العيش فيها من جيل لجيل»، متحدثاً في هذا المجال عن «تضرر سوقَي بنت جبيل والنبطية وأبنية تراثية تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إضافة إلى السراي القديم في مدينة بنت جبيل والذي بُني في عهد العثمانيين وحولناه مكتبةً عامة، وتم تدميره بالكامل كما مكتبة الطيبة التي دُمّرت أيضاً، علماً أننا أعدنا ترميمها منذ فترة».

صورة تُظهر حُطاماً في أعقاب غارات جوية إسرائيلية بالقرب من الموقع الأثري لميدان سباق الخيل الروماني بمدينة صور جنوب لبنان 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ويوضح سلامة أنه كان في «يونيسكو» مؤخراً، حيث التقى المدير العام للمنظمة، ولمس منه كامل التعاون والاهتمام بما هو حاصل في لبنان، وأضاف: «لقد طلبنا توثيق ما يحصل، علماً أن بعثتنا في (يونيسكو) تقوم بعمل متواصل للإبلاغ بكل المستجدات». ويضيف: «صحيح أنه قد صدر بيان شديد اللهجة من (يونيسكو)، لكن ذلك لا يكفي ونسعى لإرسال لجنة تحقيق خاصة تأتي إلى لبنان لتوثيق ما يحصل عندما تسمح الظروف العسكرية بذلك. أما نحن فسنقدم تقريراً شاملاً لاجتماع لجنة التراث العالمي في كوريا الجنوبية منتصف يوليو (تموز)، وقد أسهمنا في تقرير الحكومة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف بإضافة فصل عن تدمير المواقع الأثرية الذي يُعدّ مساساً بحقوق الإنسان، كما سنعمل على إعداد شكوى نتقدم بها إلى مجلس الأمن بعد توثيق دقيق لما يحصل».

مواقع أُزيلت بالكامل!

ويتابع علماء الآثار والمسؤولون المعنيون أحوالها بكثير من القلق التطورات العسكرية وما يرافقها من استهدافات للمواقع التراثية. ويرى الدكتور علي بدوي، مدير المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني، أن «مواقع التراث الثقافي في الجنوب وفي البقاع تمر اليوم بحالة من الخطر بسبب الصراع المسلح والاعتداءات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي»، لافتاً إلى أن «بعض هذه المواقع أُزيلت بالكامل وهي صغيرة، وبعضها تعرَّض لضرر كبير كقلعة شمع وبعضها لضرر جزئي كقلعة تبنين. أما الضرر في قلعة الشقيف التي دخلت تحت الاحتلال مؤخراً، فهو محدود حتى الآن، ولكن ما نخشاه أن يعاد تحويلها من قِبل الإسرائيليين موقعاً عسكرياً».

وزير الثقافة غسان سلامة في موقع قلعة شمع المعزز بجنوب لبنان يناير 2026 (وزارة الثقافة)

ويضيف بدوي لـ«الشرق الأوسط»: «الكثير دُمّر... هناك 60 قرية دُمّرت أو تعرضت لضرر جزئي أو كلي، وكل هذه القرى تمتلك وسطاً تاريخياً يعود للعصر الفينيقي وحتى قبله. كالوسط التاريخي لعيتا والقوزح ومروحين وبليدا»، مشيراً إلى دمار «مبانٍ دينية كمسجدَي بنت جبيل وبليدا وكنيسة يارون والدير الملحق بها». وأضاف: «قلعة شمع تعرضت للاعتداء للمرة الثالثة بعد اعتداءات في حروب سابقة. وكان اللافت مقتل عالم آثار إسرائيلي كان يرافق جيش الاحتلال بمحاولة واضحة لتحوير بعض الحقائق التاريخية وربطها بالتراث الإسرائيلي».

ويوضح بدوي أن «المواقع الأثرية في مدينة صور تأثرت ونحن في حاجة إلى التدقيق بمدى الضرر إضافة إلى مبانٍ تاريخية في المدينة».

صور الأقمار الاصطناعية محجوبة!

ويواجه علماء الآثار والمسؤولون المعنيون بمتابعة أحوالها صعوبات كبيرة في تحديد وضعيتها. وعن هذا يقول بدوي: «لا نملك الكثير من وسائل المراقبة والتحقق. حتى الوسيلة المتاحة بالأقمار الاصطناعية هي محجوبة وممنوعة؛ لأن المؤسسات الأميركية التي تسيطر على هذه الأقمار منعت بيع أي صور لأسباب مرتبطة بالحرب».

ويوضح بدوي، أنه وبإطار الخطوات الاستباقية التي اتُخذت لحماية المواقع الأثرية، تم العمل في السنوات القليلة الماضية على «توثيق القلاع القائمة في جنوب لبنان، وقد فعّلنا خطط الطوارئ لحماية القطع الأثرية الموجودة في بعض المناطق وحتى نقلنا بعضها ذات الأهمية العالية إلى مخازننا في بيروت»، مشيراً إلى «إدراج 73 موقعاً على لائحة الحماية المعززة؛ ما يعطيها حصانة عالية، إضافة إلى أن الاتصالات الدولية التي يقوم بها وزير الثقافة قادرة إلى حد كبير على تحييد الكثير من هذه المواقع».