توقعات عراقية متشائمة حول إمكانية العودة إلى تصدير النفط

غداة حصوله من إيران على «استثناء» لعبور مضيق هرمز

ناقلة منتجات نفطية عراقية (وكالة الأنباء العراقية)
ناقلة منتجات نفطية عراقية (وكالة الأنباء العراقية)
TT

توقعات عراقية متشائمة حول إمكانية العودة إلى تصدير النفط

ناقلة منتجات نفطية عراقية (وكالة الأنباء العراقية)
ناقلة منتجات نفطية عراقية (وكالة الأنباء العراقية)

يُبدي عدد غير قليل من الخبراء والمختصين في المجالين النفطي والاقتصادي توقعات متشائمة حيال قدرة العراق على استئناف تصدير نفطه عبر الخليج ومضيق هرمز، وذلك عقب إعلان إيران منح «استثناء» لعبور العراق بوصفه «دولة صديقة».

وتكبّد العراق، جرّاء الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، خسارة تُقدر بنحو ثلاثة أرباع صادراته النفطية، التي كانت تعتمد أساساً على موانئ البصرة الجنوبية. إذ كان معدل الإنتاج النفطي يبلغ نحو 3.5 مليون برميل يومياً، في حين لا يتجاوز حجم التصدير الحالي مليون برميل يومياً، يذهب معظمه للاستهلاك المحلي. كما يُصدَّر أكثر من 300 ألف برميل يومياً عبر إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي، إضافة إلى كميات صغيرة أخرى تُنقل براً بواسطة الصهاريج إلى الأردن وسوريا.

هيئة تسويق النفط العراقية «سومو» (الشرق الأوسط)

وجرّاء خسارته معظم صادراته، يتوقع أن يبلغ العجز المالي الشهري نحو 5-6 مليارات دولار، ما يضع الحكومة أمام صعوبات مالية معقدة للغاية، حسب خبراء الاقتصاد.

وفي مقابل حالة التفاؤل التي يروّج لها حلفاء إيران والمتعاطفون معها عقب قرارها، الذي يُفترض أن يصب في مصلحة العراق، يستند المتشائمون والمشككون في قدرة العراق على استئناف التصدير إلى جملة واسعة من الأسباب الفنية والتقنية والأمنية. ويرون أن العائق الحقيقي أمام تصدير النفط العراقي لا يتمثل في «قرار إداري أو تسويقي»، بل في معادلة معقدة تتداخل فيها عوامل الأمن والتأمين، وسلوك شركات الشحن العالمية، وطبيعة العقود.

وحتى مع الاستثناء الإيراني، تعرضت 4 مواقع نفطية في البصرة خلال اليومين الأخيرين إلى هجمات بطائرات مسيّرة يعتقد أن الفصائل المسلحة التابعة لإيران قامت بشنّها في مسعى لإرغام الشركات الأجنبية على مغادرة العراق، ما يضع كثيراً من علامات الاستفهام حول «السماح الإيراني»، وما تقوم به جماعاتها في الداخل العراقي.

صورة من حساب وزارة النفط العراقية في «إكس» لناقلات تصدير نفط

ويرى المتحدث السابق باسم وزارة النفط، عاصم جهاد، أن مسألة تصدير النفط العراقي تستند إلى «الحقائق الأساسية» التي تحكم آلية التصدير؛ وبناءً على ذلك، لا يتوقع عودة سريعة للعراق إلى مسار التصدير.

ومن بين الحقائق التي ذكرها جهاد في منشور على صفحته بمنصة «فيسبوك»، أن «العراق لا يعتمد في الأساس على امتلاك ناقلات نفط عملاقة لنقل النفط الخام، إذ إن شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تُبرم عقود بيع مع شركات عالمية، وفق آلية التحميل من المنفذ؛ حيث تتولى الشركات المتعاقدة مع (سومو) مسؤولية توفير الناقلات وشحن النفط من الموانئ العراقية إلى وجهاته النهائية».

وتكمن الحقيقة أو المشكلة الثانية، في رأي جهاد «لا في عدم تعاقد (سومو) مع ناقلات جديدة، بل في عزوف شركات الشحن العالمية ومالكي الناقلات عن الدخول إلى منطقة تُصنف حالياً عالية المخاطر. فحتى مع وجود مشترين للنفط العراقي، تبقى معضلة توفير ناقلات مستعدة للرسو في الموانئ الجنوبية أو الاقتراب من منطقة العمليات قائمة».

ويشير إلى أن «الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على الناقلات يُمثل عاملاً حاسماً، إذ تفرض شركات التأمين أقساطاً مرتفعة جداً على السفن التي تعبر مناطق النزاع أو التوتر العسكري، ما يدفع عدداً من الشركات إلى التردد أو الانسحاب من هذه العمليات».

فنيون يشرفون على عملية استخراج النفط من حقل عراقي (وزارة النفط العراقية)

وحتى مع توفر «تصريحات» بالسماح بالمرور، فإن ذلك «لا يعني بالضرورة توفر بيئة آمنة ومضمونة للشحن، فشركات النقل والتأمين تعتمد على تقييم المخاطر الفعلية، وليس فقط على المواقف السياسية المعلنة»، حسب جهاد.

ويعتقد أن عودة استئناف التصدير «مرهونة بعودة الثقة إلى سوق الشحن البحرية، وانخفاض مستوى المخاطر، وتراجع تكلفة التأمين، وليس مجرد إعلان السماح بالعبور».

بدوره، يستعرض الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي، مجموعة عوامل من شأنها حرمان العراق من الاستفادة من القرار الإيراني بعبور نفطه عبر مضيق هرمز.

ويرى الهاشمي عبر تدوينة على منصة «إكس»، أن إنتاج النفط العراقي وشركات الخدمة ومنصات التحميل الجنوبية تخضع حالياً لبند «القوة القاهرة»، وهذا قد يتطلب بعض الوقت للعودة إلى إلغائه، ذلك أن «إلغاء حالة الظروف القاهرة ليست إجراءً سريعاً، فمن يضمن أن تستمر صادرات النفط العراقي بعد رفع هذا البند دون استهداف، وهناك مجازفة حقيقية في الموضوع».

وأعلن العراق في 20 مارس (آذار) الماضي حالة «⁠القوة القاهرة» في جميع حقول النفط التي ‌تعمل بها شركات نفط أجنبية.

ويشير الهاشمي إلى سبب آخر يحول دون الاستفادة العراقية، ويتمثل في أن حقول النفط العراقي «لا تزال تتعرض لهجمات... وشركات الخدمة أجّلت وسفّرت كثيراً من طواقمها في الحقول، ولن يعود العمل لسابق عهده ما دامت الحرب مشتعلة».

وأضاف أن «السماح الإيراني هو لصادرات النفط العراقي، أي للسفن التي قامت بالتحميل من العراق وتتجه للخروج من المضيق، لكن كيف ستدخل السفن الفارغة عبر المضيق للوصول للعراق وهي لا تحمل نفطاً عراقياً، ومن سيضمن سلامتها؟».

ويعتقد الهاشمي أن «عقبات كثيرة» تواجه استئناف تصدير النفط العراقي، ويجب أن «تبادر الحكومة العراقية للتفكير في معالجتها وترجمة الموافقة الإيرانية لفرصة يمكن الاستفادة، هذا إن كانت الموافقة الإيرانية حقيقية والنوايا سليمة».

إحدى مصافي النفط العراقي (مواقع التواصل)

وتواجه الحكومة العراقية ووزارة النفط هذه الأيام انتقادات واسعة لعدم اتخاذها إجراءات احترازية لديمومة إنتاج نفطها، وهو المصدر الوحيد للدخل القومي في العراق، سواء عبر توسيع منافذ التصدير، أو عبر الاحتفاظ بخزين بناقلات النفط، على غرار ما تقوم به معظم الدول المنتجة للنفط.

وحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل بمحافظة البصرة، نبيل المرسومي، فإن شركة ناقلات النفط العراقية التي تأسست عام 1972، لا تمتلك حالياً سوى 6 ناقلات لمنتجات نفطية، بطاقة استيعابية مقدارها 117 ألف طن، والعمر التشغيلي لـ4 من هذه الناقلات أكثر من 15 عاماً، ما يعني كبر سنها وزيادة موعد صيانتها كل سنتين ونصف السنة بدلاً عن 5 سنوات.

وذكر المرسومي أن الشركة حالياً لا تمتلك أي ناقلة متخصصة لنقل النفط الخام، في حين أنها كانت تمتلك 25 ناقلة بطاقة 1.485 مليون طن عام 1983.

شكر...

إلى ذلك، أعرب وزير الخارجية، فؤاد حسين، الأحد، «عن شكره لإيران للسماح بمرور ناقلات النفط عبر هرمز». وذكر بيان لوزارة الخارجية تلقته «وكالة الأنباء العراقية (واع)»، أن «نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، فؤاد حسين، استقبل السفير الإيراني لدى العراق، محمد كاظم آل صادق»، معرباً عن «شكره للسماح بمرور ناقلات تحمل النفط العراقي عبر مضيق هرمز»، مشيراً إلى «أهمية استمرار هذا التعاون في المستقبل القريب».

وتابع البيان أنه «جرى خلال اللقاء بحث آليات التعاون المشترك بين الجانبين لضمان تنفيذ هذا الالتزام بما يخدم المصالح المتبادلة، كما تناول اللقاء أيضاً الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها».

وأكد حسين على «سياسة العراق الثابتة القائمة على نبذ الحرب وضرورة إنهائها»، مشدداً على «أهمية حل النزاعات عبر الحوار والمفاوضات السلمية».

وترافق ذلك مع إظهار بيانات صادرة عن مجموعة بورصات لندن و«شركة كبلر»، بأن ناقلة نفط محملة بالخام العراقي شوهدت وهي تمر عبر مضيق هرمز، بالقرب من ساحل إيران. وذكرت ​«كبلر» أن ⁠السفينة «أوشن ثاندر» جرى تحميلها بنحو مليون برميل من خام البصرة الثقيل في الثاني من مارس (آذار)، ومن المتوقَّع أن تفرغ حمولتها ⁠في ماليزيا، منتصف ‌أبريل ‌(نيسان).


مقالات ذات صلة

العراق يترقب اتفاقاً وشيكاً بين واشنطن وطهران لمعالجة أوضاعه الاقتصادية

المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

العراق يترقب اتفاقاً وشيكاً بين واشنطن وطهران لمعالجة أوضاعه الاقتصادية

ينتظر العراقيون، خصوصاً الجهات الحكومية، بفارغ الصبر نجاح مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار المحتمل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني مستقبلاً الزيدي في أربيل (أرشيفية - حكومة إقليم كردستان)

وفد أمني عراقي إلى طهران لبحث ملف الهجمات على كردستان

لم يحدد الأعرجي موعداً لزيارة الوفد العراقي المشترك إلى طهران، لكن الأمر يمثل من وجهة نظر المراقبين السياسيين في بغداد تحولاً في موقف الحكومة العراقية الجديدة.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية فوز يونس محمود برئاسة اتحاد الكرة (وكالة الأنباء العراقية)

زلزال انتخابي يهز الكرة العراقية... يونس محمود يُسقط درجال وتهديدات بـ«كاس»

لم تكن نهاية الانتخابات هادئة؛ إذ شهدت القاعة أجواء مشحونة بعد إعلان النتائج، خصوصاً مع تداول تقارير عراقية عن توجه درجال إلى محكمة التحكيم الرياضية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية يونس محمود بقميص منتخب العراق لكرة القدم خلال مسيرته الدولية مع «أسود الرافدين» (الاتحاد الآسيوي لكرة القدم)

محمود أيقونة كرة القدم العراقية يقصي درجال من رئاسة الاتحاد المحلي قبل كأس العالم

اختارت كرة القدم العراقية أحد أبرز رموزها التاريخية لقيادة المرحلة المقبلة، بعدما انتُخب يونس محمود رئيساً للاتحاد العراقي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ورئيس فصيل «النجباء» أكرم الكعبي في طهران خلال ديسمبر 2018 (موقع المرشد)

«النجباء» تحذر من «مخطط أميركي» لدمج «الحشد» العراقي

حذرت حركة «النجباء»، وهي فصيل حليف لإيران في العراق، مما وصفته بـ«مخطط أميركي» يهدف إلى دمج «الحشد الشعبي» ضمن المؤسسات الرسمية.

حمزة مصطفى (بغداد)

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.


لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
TT

لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

بدَّد مصرف لبنان المركزي الهواجس المتداولة في الأسواق بشأن وقف العمل بدفع حصص شهرية بالدولار النقدي لصالح المودعين في البنوك، عبر التحضير لتمديد المهلة الزمنية لتطبيق مفعول التعميمين 158 و166، قبل آخر شهر يونيو (حزيران) المقبل، وريثما يتم اعتماد آليات جديدة بموجب مشروع قانون «الفجوة» المحال من الحكومة إلى مجلس النواب.

وأكد مسؤول كبير في البنك المركزي -في اتصال مع «الشرق الأوسط»- اتخاذ القرار لإصدار تعميم يقضي بتمديد العمل بالتعميمين لمدة 6 أشهر على الأقل، واستطراداً استمرار صرف الحصص وفق الآلية السارية، نقداً وعبر بطاقات الدفع الإلكتروني، بما يؤمِّن سيولة فعلية بقيمة ألف دولار شهرياً للتعميم الأول، وبمبلغ 500 دولار للمستفيدين من التعميم الثاني.

وليس ممكناً -وفق المسؤول المعني- التخلي عن ضخ الحصص الشهرية، ريثما يحدد مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع -بعد إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب- الآليات النهائية لضخ شرائح الودائع المضمونة بحد أقصى يبلغ 100 ألف دولار لكل مودع، مهما تعددت حساباته، خلال 4 سنوات، ولإصدار شهادات مالية بضمانة أصول لدى البنك المركزي للشرائح الأعلى من السقف المضمون، وموزعة حسب المبالغ، على آجال 10 و15 و20 سنة.

ويجري التداول في المجلس المركزي لمصرف لبنان، باحتمال الاضطرار إلى رفع السقوف المجمعة لمبالغ التعميمين، بما يضمن عدم الانقطاع عن صرف الحصص الشهرية في حال استمرار التأخير بتشريع خطة متكاملة لإعادة الاستقرار المالي، والقوانين اللازمة لإصلاح وضع المصارف وتنظيمها، والانتظام المالي واسترداد الودائع.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يُطلع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على آخر التطورات النقدية (الرئاسة اللبنانية)

ويلفت المسؤول المعني إلى إشهار مصرف لبنان تأكيده على متابعة دفع المتوجبات ضمن التعاميم: «لما في ذلك من أهمية لدعم المودعين وقدرتهم المالية بشكل خاص والاقتصاد المحلي بشكل عام، لما في ذلك من مسؤولية قانونية واجتماعية تجاه المودعين؛ خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

وقد تسببت الهواجس من تداعيات تراجع التدفقات النقدية وانكماش واردات الموازنة العامة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، جرَّاء الحرب في لبنان والمنطقة، وتأثيراتها المستمرة على مصادر مهمة لدخول العملات الصعبة وفي مقدمها السياحة والتحويلات من الخارج، في شيوع مخاوف مشروعة من تناقص مخزون الاحتياطيات بالدولار لدى البنك المركزي، واستتباعاً الاضطرار إلى تقنين الصرف النقدي من قبله، والذي يتعدَّى 500 مليون دولار شهرياً، بالمناصفة تقريباً بين سداد مخصصات القطاع العام وصرف الحصص الشهرية للمودعين المستفيدين من التعميمين.

لكن تجربة الحرب السابقة كرَّست -حسب المسؤول الرفيع المستوى- نجاعة السياسة النقدية التي يعتمدها البنك المركزي في إدارة السيولة، وسد منافذ أي مضاربات محتملة تصيب العملة الوطنية من خلال التحكم الصارم بسيولة الليرة؛ بل ساهمت بفاعلية في طمأنة عامة المواطنين والأسواق من خلال ديمومة صرف المستحقات للقطاع العام، ومبادرة الحاكم السابق بالإنابة، وسيم منصوري، مرتين متتاليتين، إلى مضاعفة حصص المودعين، بهدف تعزيز الثقة، ومعاونتهم على مواجهة أعباء الإنفاق المستجدة.

مصرف لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

وفي انتظار الخطة المتكاملة، شكَّلت هذه السياسة المعتمدة من حاكمية البنك المركزي: «استجابة للحاجة الملحَّة والإنسانية لمئات آلاف المودعين الذين لا تزال أموالهم محجوزة في النظام المالي والمصرفي منذ سنوات عدة، وساهمت في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وضمن صلاحياته الحصرية بموجب قانون النقد والتسليف، وباستخدام الأداة القانونية الوحيدة المتاحة»، والمترجمة عملياً بتطبيق التعميم 158 منذ منتصف عام 2021، وإلحاقه بالتعميم 166 بدءاً من فبراير (شباط) من عام 2024.

ووفق رصد إحصائي، يتبيَّن أنَّ صافي الرصيد للحساب المتفرع الأعلى، والمتبقي لدى المستفيدين من التعميم الأساسي، سيبلغ نحو 10 آلاف دولار بنهاية الشهر المقبل، مما يستلزم فترة 10 أشهر لصرفه، طبقاً للحصص المعتمدة بواقع 800 دولار نقداً و200 دولار عبر بطاقات الدفع. في حين أن جميع المستفيدين من التعميم عينه، والذين كانت ودائعهم تساوي أو تقل عن 40.2 ألف دولار قد استردوا كامل مدَّخراتهم حتى نهاية شهر أبريل (نيسان) 2026.

وبموجب الجداول الإحصائية المنجزة لدى البنك المركزي؛ بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للاستفادة من التعميمين 158 و166، نحو 611 ألف طلب، وبلغ العدد الإجمالي للمستفيدين نحو 578 ألف مودع حتى نهاية مارس (آذار) الماضي، من بينهم نحو 266 ألف مودع، أي ما نسبته 46 في المائة من الإجمالي، استعادوا كامل ودائعهم في الحساب الخاص المتفرع، ما أفضى إلى انخفاض بنحو مليوني دولار في مبالغ الدفعات الشهرية للتعميمين، لتصل إلى نحو 240 مليون دولار.

وبلغت الحصيلة المجمعة لعمليات السداد من بدء تطبيقها للتعميمين، نحو 6.1 مليار دولار حتى نهاية الفصل الأول من العام الحالي، موزعة بنحو 4.18 مليار دولار، أي بنسبة 68.4 في المائة، تكفل البنك المركزي بضخها من الاحتياطي الإلزامي، بينما غطت المصارف التجارية نحو 1.92 مليار دولار، أي ما نسبته 31.5 في المائة من مجموع المدفوعات الخاصة بالتعميمين.