في القاعة الأولى من معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم» في لندن، الذي يستكشف تجارب الشيخوخة وتصوراتها، تُعرَض سلسلة من 13 لوحة تُصوِّر أشخاصاً مُسنين إلى حدٍّ لا يُصدَّق. تُظهر لوحة محفورة من عام 1635، بعنوان «الرجل العجوز جداً»، توماس بار، وهو رجل ذو مظهرٍ ماكر، ادّعى أنه كان يبلغ من العمر 152 عاماً عند وفاته، ولا يزال يُستشهد بطول عمره غير المعقول في إعلانات حبوب مكافحة الشيخوخة في تسعينات القرن الـ19. وتُصوِّر لوحة محفورة أخرى زوجين من القرن الـ19، جون وسارة روفين، اللذين يبدوان رائعَين بالنسبة لعُمْريهما المزعومَين (172 و164 عاماً). ورغم ظهور بعض التجاعيد وانحناء ظهريهما، فإنهما لا يزالان نشيطَين ويرتديان تعبير بار الماكر والمتفاخر نفسه. جميع الشخصيات التي يُزعم أنها مُسنة في اللوحات كانت تحمل هذه الهالة.
لم يوضِّح النصُّ المعروض على الحائط ما إذا كانوا يكذبون عن عمد أم أنهم يعتقدون حقاً أنهم تغلبوا على الزمن. لكنه كان واضحاً في أمر واحد: «بالتأكيد، لم يعش أحد حتى يبلغ 164 أو 172 عاماً».

ينبوع الشباب
لا مفر من هذا، لكن ذلك لم يمنع الناس قط من المحاولة. من بين أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» - وهو متحف في لندن يربط بين العلوم والطب والفنون - أمثلة متنوعة على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه: زجاجة مملوءة بماء من «ينبوع الشباب» في فلوريدا؛ إعلان من ثلاثينات القرن الماضي عن خصائص رقائق النخالة المضادة للشيخوخة؛ جهاز «الأشعة فوق البنفسجية». (وهو عبارة عن مجموعة من الأدوات الزجاجية الدقيقة تُوضع على الوجه، تحمل تيارات عالية التردد تُنتج توهجاً أرجوانياً خافتاً، ووعد صانعوها بإعادة الشباب مقابل مبلغ زهيد).

حلم تحقيق الخلود
لم يتقبل الناس فكرة أننا لا نبقى شباباً إلى الأبد، لكن يبدو أنَّ هناك قناعةً متناميةً بأننا قد نتمكَّن قريباً من شراء حلٍّ لهذه المشكلة برمتها. أبرز المتحدثين باسم هذا الاعتقاد هو برايان جونسون، المليونير التقني الذي يبدو أنه ينظر إلى عملية الشيخوخة على أنَّها انتهاك لحقه في التحكم بجسده. جونسون، مؤسِّس حركة «لا تموت»، كرَّس نفسه علناً لتحقيق الخلود، أو على الأقل، السعي إلى «إبطاء وتيرة شيخوخته إلى أدنى حد ممكن»، كما يقول في فيلم وثائقي حديث على «نتفليكس»، وذلك من خلال نظام غذائي صارم وبرنامج تمارين رياضية مكثف، ومراقبة دقيقة، وتدخلات طبية تجريبية، والتركيز التام على وقت النوم.

صرح في مقابلات صحافية بأنه بنى حياته بأكملها حول النوم، ونصح متابعيه بأن يعدُّوا أنفسهم «محترفين في النوم». عُرض مقتطف من الفيلم الوثائقي بشكل متكرر في متحف «ويلكوم»، يُفصّل نظامه الذي يُكلّفه مليوني دولار سنوياً: يتناول عشرات الحبوب، ويأكل الخضراوات بكميات كبيرة في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، ويستشير طبيبه، ويسأل أعضاءه الداخلية عمّا تحتاج إليه، ثم يخلد إلى النوم في الساعة 8:30 مساءً، وحيداً، دون استثناء. لا يبدو جونسون مُسناً - حتى إن منتقديه لا بد أنهم يلاحظون ذلك - لكنه لا يُشعّ شباباً أيضاً. أكثر من أي شيء آخر، بجسده المُشوّه وعينيه الجاحظتين الزجاجيتين، يبدو شخصيةً من لوحات الفنان الإيطالي من عصر النهضة برونزينو. صوّر برونزينو، رسام البلاط لدى آل ميديشي، رعاته الأثرياء بأسلوب مثالي مصطنع، جامد كالثلج، ببشرة كالرخام، حتى بدوا أقرب إلى أشكال خالدة منهم إلى بشر حقيقيين. يعيش الناس اليوم أعماراً أطول، لكن حياتهم لا تشبه الصورة التي تُروِّج لها حركة «لا تموت». فـ«الشيخوخة الصحية» لا تعتمد فقط على الخيارات الفردية، بل أيضاً على عوامل هيكلية كالطبقة الاجتماعية، والبيئة، وتوفُّر الرعاية الصحية، والتي تحدد طول العمر وكيفية قضاء هذه السنوات.

حتى لو رغب معظم الناس في ذلك، لما استطاعوا تحمّل قضاء أيامهم في الاستعداد للنوم بجدّ. فالحياة الأطول قد تعني سنواتٍ أطول في مواجهة المرض أو الشعور بالوحدة. ليس هذا ما نرغب بالتفكير فيه. ففي وسائل الإعلام، غالباً ما تهيمن على النقاشات حول الشيخوخة شخصياتٌ مثل جونسون أو تحليلاتٌ ساخطة لما أجرته نساءٌ مشهوراتٌ على وجوههن. نفضّل عدم الخوض في الجوانب الطبيعية والصعبة للشيخوخة، أو التفكير فيما ستكون عليه حالنا عندما يحين ذلك الوقت.

يُكشف هذا التجنّب في لوحة «الرعاية» التي رسمتها الفنانة باولا ريغو بعد فترةٍ وجيزةٍ من إيداع والدتها دار رعاية المسنين. تنظر امرأةٌ مكتوفة الذراعين إلى المشاهد بنظرةٍ حزينةٍ متعبة، وربما لمحةٍ من العداء. تجلس على كرسيٍّ مع والدة الفنانة النائمة، نحيلةً وهزيلةً، تعتمد على ابنتها البالغة المحبة، التي تشعر بالذنب. ينتهي العرض بمشهد أشبه بمكتب سريالي للمفقودات، مليء بأشياء تُثير نقاشات حول واقع الشيخوخة اليوم، وما قد تكون عليه في المستقبل. تُعرَض سلسلة من المقابلات بشكل متكرِّر، وفي إحداها، يتحدَّث طبيب عن مرضاه. يقول: «من المثير للاهتمام أننا لا نستعد نفسياً بشكل كافٍ للشيخوخة. يبدو أننا نحمل تحيزاً كامناً ضد أنفسنا في المستقبل».
* خدمة «نيويورك تايمز»



