سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

9 قتلى وسط مخاوف من اتساع حجم الكارثة

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.


مقالات ذات صلة

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

العالم العربي الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين يستقبلون عيد الأضحى بأوضاع معيشية قاسية وغلاء متصاعد وسط تحذيرات أممية من تفاقم الجوع وسوء التغذية بين الأطفال

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي الحرب في إيران ستؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في اليمن (إعلام محلي)

البنك الدولي: الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد اليمني

البنك الدولي يحذر من أن الحرب في إيران وتراجع التمويل الإنساني وتوقف صادرات النفط تدفع الاقتصاد اليمني نحو مزيد من الانكماش والتضخم والفقر

محمد ناصر (عدن)
الخليج وزير الأوقاف والإرشاد اليمني خلال تفقده مخيمات حجاج بلاده في المشاعر المقدسة (الأوقاف اليمني) p-circle 01:33

وزير الأوقاف اليمني: تسجيل 21 ألف حاج بعيداً عن أي تسييس أو طائفية

شدد وزير الأوقاف والإرشاد اليمني على أن جميع التسهيلات تُقدَّم للحجاج القادمين من مختلف المناطق، في إطار العدالة والمساواة، بعيداً عن أي شعارات، أو تسييس

إبراهيم القرشي (مكة المكرمة)
العالم العربي انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

الحكومة اليمنية تكثف الرقابة على الأسواق مع بدء تحرير سعر الدولار الجمركي، وسط مخاوف شعبية من استغلال القرار لرفع أسعار السلع قبيل عيد الأضحى.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي يمنية في محافظة حجة تجني العسل بعد أن تلقت تدريباً ودعماً لتربية النحل (الأمم المتحدة)

العسل اليمني يقاوم الحرب وتقلبات المناخ

ألقت الحرب والتغيرات المناخية بتأثيراتها الثقيلة على قطاع العسل اليمني، ودفعت النحالين إلى مواجهة صعوبات ومخاطر كبيرة من أجل الحفاظ على السمعة العالمية لمنتجهم.

وضاح الجليل (عدن)

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.


أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.