فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

اختبار مبكر للتوازنات بين القوى المتنافسة قبل الاقتراع الرئاسي

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
TT

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي. وجاءت هذه الانتخابات في سياق استثنائي بامتياز؛ إذ إنها تسبق بسنة واحدة الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، وهو ما يجعلها في نظر كثرة من المحللين، اختباراً سياسياً مبكراً لصحة التوازنات بين القوى المتنافسة. نسبة الاقتراع النهائية في الدورة الثانية بلغت نحو 57 في المائة، وفق تقديرات مؤسسات الرصد، في حين لم تتجاوز 41.6 في المائة، في اقتراع 2020. وإذا كانت جائحة «كوفيد - 19» قد أثرت سلباً على نتائج 2020، فالمقارنة الأعمق تبقى مع عام 2014 حين ناهزت المشاركة نسبة 62 في المائة. ويرى الباحث مارسيال فوكو، أستاذ العلوم السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس (سيانس بو) والمدير المشارك لمركز الدراسات السياسية (سيفيبوف) أن هذا الارتداد لا يعني تجاوز الأزمة الديمقراطية، بل يكشف عن توظيف مكثف للمشاركة حين يستشعر الناخبون وجود رهانات حقيقية.

خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي، إجمالاً من هذا الاستحقاق معززاً بقوة أكبر بعد نجاحه في الحفاظ على أهم مراكزه الحضرية الكبرى. ففي العاصمة باريس – التي هي التتويج الأكثر رمزية - حقق إيمانويل غريغوار، المرشح الاشتراكي فوزاً مؤثراً بنسبة 50.52 متغلباً على المرشحة المحافظة وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي التي لم تُحصّل إلا 41.52 في المائة، وعلى مرشحة حزب «فرنسا الأبية» اليساري صوفيا شيكيرو. ولم تكن هذه النتيجة حاسمة فحسب، بل لافتة في دلالتها. إذ أعدت داتي حملتها الانتخابية على امتداد سنتين ونالت دعم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون شخصياً، فضلاً عن الوسط السياسي بمجمله. وعلّق على ذلك الباحث السياسي بول باكو، الأستاذ الفخري في معهد العلوم السياسية في ليون قائلاً: «إن الهزيمة الأشد مفاجأة في هذه الانتخابات هي هزيمة داتي في باريس؛ إذ كانت كل الأسباب الموضوعية تصبّ في مصلحتها، غير أن المشكلة كانت شخصية بامتياز».

إلى جانب باريس، أحكم الاشتراكيون قبضتهم على مدن ليل، ورين، ونانت، وتولوز وستراسبورغ، في حين حافظ عمدة مرسيليا الاشتراكي بونوا بايان على مقعده بنسبة مريحة، بيد أن الاستراتيجيات التحالفية مع حزب «فرنسا الأبية»، تسببت في هزائم مؤلمة للحزب الاشتراكي. ولقد كتبت صحيفة «ليبيراسيون» معلّقة: «الإنجاز الثلاثي في أكبر مدن فرنسا يمثل خبراً بالغ الأهمية للاشتراكيين والخضر، غير أن الميزان الإجمالي لليسار بالغ التشتت؛ إذ خسر كثيرون من الاشتراكيين مدنهم بسبب تحالفهم مع فرنسا الأبية».

وفعلاً، تجلت هذه المعضلة بأجلى صورها في مدينة كليرمون فيران، التي ظلت معقلاً للاشتراكيين لأكثر من ثمانين سنة متواصلة، قبل أن تنتقل إلى حزب الجمهوريين المحافظ. كذلك سقطت مدن بيزانسون، وليموج، وتول وشيربور في أيدي اليمين.

عودة معزّزة للاشتراكيين في المدن الكبرى وتوسيع اليمين المتطرف قاعدته المحلية جنوباً

هزائم القوائم المشتركة بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية» أثارت في الواقع جدلاً داخلياً حاداً، لا سيما أن عمدتَي باريس ومرسيليا، اللذين رفضا تلك التحالفات أحرزا انتصارين مريحين، في حين أخفقت القوائم المدمجة.

من جانبه، انتقد رئيس الوزراء السابق فرنسوا هولاند هذه الاتحادات علناً، معتبراً إياها من بين العوامل الرئيسة التي أسهمت في الهزائم المتكررة.

الجمهوريون: انتعاش في الأقاليم وإخفاق في المدن الكبرى

في هذه الأثناء، رسم حزب الجمهوريين، ذو التوجه المحافظ الليبرالي، معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة. إذ قدّم أداءً متميزاً في المدن المتوسطة والعواصم الإقليمية مقابل خيبات مؤلمة في المدن الثلاث الكبرى. فقد استعاد الحزب مدناً متوسطة، مثل كليرمون فيران بعد الهيمنة اليسارية الطويلة عليها، وكذا مدن بيزانسون، وليموج وشيربورغ، فضلاً عن مدينة بوردو التي فاز فيها المرشح تومَا كازناف المنتمي إلى اليسار الوسطي. وبالنسبة للوسط، أُعيد انتخاب رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب عمدةً لمدينة لوهافر. وبالتالي، بدا رئيس الحزب الجمهوري برونو ريتاييو راضياً عن النتائج؛ إذ أعلن من مقر الحزب بباريس أننا الأولون، والأوفر عدداً في مجالس البلديات في كل فرنسا، هذه هي فرنسا التي لم تعد تُرى، فرنسا ذات المدن المتوسطة والأرياف». لكنه أضاف في اليوم التالي على قناة «فرنس 2» العمومية: «الفائزون الحقيقيون عام 2027 هم اليمين وحلفاؤه عندما نتوحد خلف مرشح واحد».

اليمين المتطرف:اختراق جديد مع سقف راسخ...

أما فيما يخص اليمين المتطرف، فقد تمسّك رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا بوصفه ليلة الإعلان عن النتائج بأنها «أكبر اختراق في تاريخ الحزب». وبالفعل، أكدت الأرقام التي نُشرت بعد ظهور النتائج اتساع الدائرة، فقد بات الحزب يتمثل بـ3121 عضواً بلدياً مقابل 827 عضواً فقط في 2020، كما أصبح يُدير نحو 63 بلدية مقارنةً بـ17 سابقاً، ويضاف إلى ذلك أُعيد انتخاب عمدة مدينة بيربينيان (جنوب فرنسا) لويس أليو بنسبة 51.4 في المائة من الدور الأول. كذلك، حافظ الحزب على معاقله التاريخية في أنان بومون، وفريجوس وبوكير. وكانت السمة الأبرز لهذا التمدد تتجلى في انتزاع الحزب مدناً جديدة خارج قلاعه التقليدية في الجنوب وشمال فرنسا. منها مدينة مونتارجي في منطقة لوارييه، التي كانت بيد اليمين المعتدل منذ عام 2001. كذلك في ليفان، وسان أفولد، وأمنيفيل، وكاستر، وبرنتارسون، وكارباَنترا وميَنتون والعديد من البلديات المتوسطة الأخرى. غير أن النتيجة الأكثر دلالة بالنسبة لليمين المتطرف، جاءت من مدينة نيس، خامس كبرى مدن فرنسا بـ355 ألف نسمة، حيث انتزع إيريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين للجمهورية» المتحالف مع «التجمع الوطني» الفوز بنسبة 48.54 في المائة، منهياً حكم كريستيان إيستروسي الذي امتد 18 سنة متواصلة.

مع هذا، فإن هذه الانتصارات لا تُخفي عن الناظر المدقّق سقفاً زجاجياً صلباً في المدن الكبرى. ففي تولون، خسر اليمين المتطرف بفارق لافت، وكذلك في مرسيليا، بل وأخفق في مدينة نيم أمام مرشح شيوعي!

الباحث الأكاديمي إيمانويل نيغرييه، من معهد سيانس بو- غرونوبل لخّص هذه المعادلة بقوله: «إن الأحياء الشعبية في المدن الكبرى لا تصوّت للتجمع الوطني إلا في حالات استثنائية قليلة؛ فسكان هذه الأحياء المهمّشون اجتماعياً واقتصادياً يلجأون إما إلى الامتناع أو إلى التصويت لصالح اليسار، وهذا يُفسّر الفجوة البنيوية بين أداء الحزب في الانتخابات الوطنية وأدائه في الحواضر الكبرى. ومع ذلك، يبقى الأثر الأبعد لهذه الانتخابات في تمكين الحزب من شبكة انتخابية واسعة تُؤهله للحصول على آلاف الموقّعين الضروريين للترشح في انتخابات الرئاسية 2027، وهي عقبة إجرائية لطالما أثقلت كاهله، فضلاً عن تقوية وجوده في مجلس الشيوخ الذي ستجدد عضويته في سبتمبر (أيلول) 2027».

«فرنسا الأبية»: اختراق الضواحي

في المقابل، سجلت كتلة اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية» اختراقاً لافتاً في هذه الانتخابات، حيث انتزع الحزب بلدية سان-دوني (بضواحي باريس) في الدور الأول بنسبة 50.77 في المائة، متخطياً العمدة الاشتراكي الحالي ماتيو هانوتان الذي حصل على 33 في المائة، لتصبح أكبر بلدية تديرها «فرنسا الأبية» في منطقة الإيل-دو-فرانس بـ150 ألف نسمة.

الحزب اليساري انتزع أيضاً مدينة روبيه، الشمالية قرب الحدود مع بلجيكا، في الدور الثاني على يد دافيد غيرار، فضلاً عن مدن مثل فينيسيو وكريي وبلديات عدة، وتأهّل للدور الثاني في 96 بلدية على امتداد فرنسا. بيد أن هذا الأداء يستوجب قراءةً نقدية. فكما أشار الباحثان نوي فريدمان وفرنسوا كروس في تقرير مؤسسة «جان جوريس»، فإن الخطاب الإعلامي حول «صعود فرنسا الأبية» يحتاج إلى تنسيب دقيق. ذلك أن الحزب الذي حصد أكثر من سبعة ملايين صوت في رئاسيات 2022 لم يُحصّل في هذه البلديات إلا نحو 650 ألف صوت. ثم أن تمدده كان مركّزاًً جغرافياً في الضواحي الشعبية لمدن باريس الكبرى وضواحيها ولا يعكس بالضرورة الجغرافيا الفرنسية الشاملة، لكن السياسي رومي ليفيفر يرى أن زعيم الحزب ميلانشون يبقى أفضل مرشح يساري في الدور الأول للرئاسية المقبلة بفضل استراتيجية القاعدة الاجتماعية المتجانسة.

أجيال الهجرة: قوة انتخابية في طور البناء

انتخابات 2026 المحلية أيضاً كشفت عن تحوّل ناعم، لكنه عميق في بنية الناخبين الفرنسيين المنحدرين من الهجرة. ولعل السمّة الأبرز لهذا التقدم هي الإطار البشري، حيث تقدمت الأحزاب وبالأخص «فرنسا الأبية» بلوائح تزخر بوجوه من أصول مهاجرة، مُجسِّدة ما يسمّيه جان-لوك ميلانشون بـ«فرنسا الجديدة».

ففي بلدية سان-دوني، قاد بالي باغاياكو، المنحدر من عائلة أفريقية مسلمة، قائمة الفوز الأولى. وفي ضاحية لا كورنوف، الواقعة شمال باريس، انتزع علي ديواره الجزائري الأصل مقعد الفوز، وفي اللائحة الإجمالية حققت أجيال الهجرة الفوز في تسع بلديات.

هذه الوجوه لم تعد مجرد استثناء رمزي، بل صارت بمثابة قناة تمثيل سياسي لشرائح كانت محصورة طويلاً بين دور «الناخب» الغاضب أو الممتنع عن التصويت، ودور «المستهدف» بخطاب أمني أو ثقافوي.

وإذا كان الحضور الميداني اللافت لأسماء ذات أصول مغاربية وأفريقية يمثّل خطوة رمزية في اتجاه الانتماء المدني، فإن التحدي الأعمق يبقى في تحوّل هذا التمثيل إلى مشاركة انتخابية موسّعة تتجاوز الأسماء، علماً أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالمفارقات؛ إذ إن إدماج هذه الأجيال في الاستحقاقات البلدية يجري في سياق وطني مطبوع بخطابات قوية ضد الهجرة وضد الأحياء الشعبية؛ ما يجعل المكاسب المحققة هشّة وقابلة للارتداد.

تراجع «الخضر»...

ولكن، إذا كانت انتخابات 2020 قد شكّلت لحظة انتشار «خضراء» استثنائية في التاريخ السياسي الفرنسي، حين استعاد البيئيون مدناً كبرى مثل ليون وبوردو وستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، فإن موجة 2026 جاءت لتكسر هذا الزخم بشكل صريح.

إذ خسر «الخضر» مدينة بوردو المهمة، وتراجعوا في ستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، ولم يُبقوا من انتصارات 2020 الكبرى إلا مدينة ليون. وتفسير هذه النكسة قد يعود للبرامج البيئية التي باتت تُدرَج في خطابات كل الأحزاب الرئيسة، سواء من اليمين أو الوسط أو اليسار التقليدي؛ ما أفقد «الخضر» ميزتهم الخاصة. وفضلاً عن ذلك، أبدت شرائح واسعة من الناخبين قلقاً متصاعداً من تكاليف التحولات البيئية، التي غالباً ما تترجم بارتفاع في نسبة الضرائب. إذ جاء في تحليل لصحيفة «لوبينيون» قبل أيام ما يليك «الخلاصة التي يجب استيعابها قبل 2027 هي أن الوعود بمجتمع يحترم البيئة لم تعد تثير أحلام الفرنسيين...».

الوسط والماكرونيون... أداء متباينوأخيراً، فيما يتعلق بالحزبين حاملي المشروع الرئاسي، «رينيسانس» (البعث) و«أوريزون» (الأفق) فإنهما حققا أداءً متبايناً يصعب تصنيفه بدقة. فمن جهة، احتفظت الكتلة الوسطية بست مدن كبرى مقارنةً بخمس في 2020، بما فيها انتزاع بوردو من «الخضر»... ومن جهة أخرى، خسرت في نيس، حيث هزم العمدة كريستيان إيستروسي المنتمي إلى «أوريزون» في صّد تحالف اليمين المتطرف. وطبعاً، ارتدت رياح باريس، حيث لم تُفضِِ المراهنة الرئاسية الكبيرة على رشيدة داتي إلى نتيجة إيجابية. وهكذا، في خطابه المُوجَّه إلى العمداء الجدد، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: «صناديق الاقتراع لم تُتوج أحداً»، في دلالة سياسية واضحة مفادها أن الانتخابات لم تسفر عن فائز واضح ومهيمن على الساحة السياسية. ومن جانبها، عبّرت الوزيرة والناطقة باسم الحكومة مود بريجون عن قلقٍ مُضمَر، مشيرةً إلى أن «ثمة مساراً من الإعادة اليومية» يُخيّم على السياسة الفرنسية.

دروس وعِبر من الانتخابات المحلية الفرنسية

> على صعيد الدروس والعبر المستقاة من الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، يتمثل الدرس الأول والأبرز في تعمّق الشق بين فرنسا الحضرية الكبرى وفرنسا الإقليمية والمدن المتوسطة. إذ إن المدن الكبرى بقيت في معظمها تحت سيطرة اليسار و«الخضر» في حين دبّت الروح من جديد في عروق اليمين الجمهوري وتوطّد الحضور الشعبوي في فرنسا الداخلية. وحقاً، رصد الباحثان يوسف سويدي وتومَا فوندرشير في الكتاب الصادر حديثاً «جغرافيا انتخابية جديدة لفرنسا» (دار تيكستيل) هذه الانقسامات الدقيقة في نحو سبعين ألف مكتب اقتراع، مستنتجَين أن المعادلة التي تُقابل بين المدن الحضرية والأرياف الشعبوية أصبحت هي نفسها في حاجة إلى مراجعة. أما الدرس الثاني فيتمحور حول وجود شكّ حقيقي في فاعلية الائتلافات اليسارية. ذلك أنه في عدد من المدن، خسرت القوائم اليسارية الموحّدة التي ضمّت الاشتراكيين وراديكاليي «فرنسا الأبية»، بينما انتصرت في باريس ومرسيليا القوى الاشتراكية التي رفضت الاندماج مع الراديكاليين. وهذا التناقض يُغذّي نقاشاً شائكاً حول جدوى «التحالف الأقصى» في مواجهة يمين وسطي وشعبوي متنامٍ، ويضع الحزب الاشتراكي أمام خيار استراتيجي حادّ خلال الأشهر المقبلة. وأمّا الدرس الثالث، فهو ما يمكن تسميته «التطبيع المحلي لليمين المتطرف». إذ بفضل أكثر من ثلاثة آلاف عضو مجلس بلدي، بات لليمين المتطرف، ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، بنية تحتية انتخابية حقيقية، تتيح له ممارسة ضغط على مسار انتخابات الشيوخ، وتسهل الحصول على التزكيات الضرورية للرئاسيات. ويرى الباحث جيل إيفالدي، المتخصص في اليمين الأوروبي، أن «التجمع الوطني» يمتلك الآن من القوى الحية ما يُتيح له تشكيل مجموعة برلمانية في مجلس الشيوخ. ومقابل ذلك، عكس تراجع «الخضر» تحولاً في سُلّم أولويات الناخبين الفرنسيين. فبعد سنوات الوباء والتضخم وأزمات الطاقة والإحساس بالتراجع في معايير المعيشة، يبدو أن خطاب التحوّل البيئي الطويل الأمد بات أقل إلحاحاً لدى شرائح واسعة من الناخبين، أو على الأقل لم يعد حكراً على حزب بعينه.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

حصاد الأسبوع قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لقوات "اليونيفيل" في دورية بجنوب لبنان (آ ف ب)

لبنان وإسرائيل... مسار الاتفاقيات الأمنية منذ 1949

منذ عام 1949، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات ذات الطابع الأمني والعسكري، من دون أن تنجح في تحقيق سلام دائم أو إنهاء النزاع بين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع من دمار الحرب الأوكرانية (آ ب)

هل اقتربت بالفعل نهاية الحرب الأوكرانية؟

بدا خلال الأسبوع الفائت أن الحرب الأوكرانية كانت على بعد خطوة واحدة صغيرة من الانزلاق نحو مرحلة جديدة وخطرة؛ إذ استعد الطرفان الروسي والأوكراني لتصعيد غير مسبوق

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع 
سيرغي شويغو (رويترز)

التحسب لكل السيناريوهات... وسط تعقيدات الحوار مع أوروبا

مقابل اللهجة المتفائلة بقرب نهاية الصراع، حملت عبارات شخصيات مقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات واضحة إلى أن موسكو تضع يدها على الزناد وتستعد

«الشرق الأوسط» (موسكو)

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».