فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

السفير الأميركي السابق في القاهرة وأنقرة قال لـ {الشرق الأوسط} إيران تستغل النظام السوري لمصالحها وللسيطرة على لبنان

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ
TT

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

أكد فرانك ريتشاردوني السفير الأميركي السابق في القاهرة وأنقرة، ونائب رئيس المجلس الأطلنطي، ورئيس مركز رفيق الحريري في المجلس، أن التحالف من 34 دولة إسلامية وعربية، الذي أعلن عنه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي يساعد العرب والمسلمين معًا لمعالجة «مرض» في إحدى زوايا عالمهما مثل «داعش»، أو ديكتاتور ظالم وفاسد مثل الأسد، مشيرا أن التحالف أمر إيجابي وضروري وتطور يشجعنا نحن الذين خارج هذين العالمين على تقديم التسهيلات والدعم.
وقال ريتشاردوني في حوار لـ{الشرق الأوسط} أنه يجب أن تتحد الدول العربية والإسلامية وتستعيد الدين من الذين حاولوا خطفه أو إعطاء صورة خاطئة عنه.
وأضاف إن قرار مجلس الأمن 2254 حول سوريا ضروري
إلا أنه غير كاف كونه يستبعد بحث مسأله خروج بشار الأسد من السلطة. وأضاف ريتشاردوني انه لا يتوقع «مصيرًا سعيدًا» للأسد، لكن إذا توقف عن قصف شعبه، فقد نأخذه بجدية، وإلا سيبقى مشكلة كبرى تمامًا مثل «داعش». لذلك رأى أن مهمة التحالف حماية المدنيين السوريين ومساعدة سوريا على استعادة تماسكها الوطني.
وفي ما يلي نص الحوار:
* يبدو أن القوى العظمى توصلت إلى وضع قرار لمجلس الأمن من أجل عملية السلام في سوريا. هل تشارك تفاؤل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف؟
- بصدق لم أطلع على فحوى البيان (أجري الحديث مساء الجمعة)، لكن بشكل عام نقول: إن التفاؤل بالنسبة إلى الدبلوماسي هو بمثابة الشجاعة للجندي. لا أتمنى سوى النجاح للوزير كيري. نحن بحاجة إلى حل سياسي ودبلوماسي لوضع حد للرعب في سوريا. الكثير من الأسباب تدفعنا إلى التروي حول هذه المسألة، لأن التفاؤل يجب أن يكون قائمًا على تقييم حقيقي.
* لكن بعد زيارة الوزير كيري إلى موسكو حيث أعلن من هناك الاتفاق مع روسيا على قرار دولي لاحظنا خطوات مشجعة؟
- أعتقد أن قرار مجلس الأمن ضروري إنما غير كاف. وربما الوزير كيري والرئيس بوتين أول من يقولان إنه ليس كافيًا.
* نلاحظ أن الرئيس بشار الأسد مستمر في إعطاء النصائح للعالم الخارجي، وما يجب أن يفعله لإنهاء الحرب في سوريا، لكنه لا يقترح أبدًا ما على نظامه القيام به لإنهاء هذه الحرب. هل من تفسير لحالته النفسية هذه؟
- من الصعب أن نستمع لنصائحه بجدية إذا لم يتوقف عن قتل شعبه، وهذا أهم إسهام يمكنه القيام به. لا نتكلم عن مغادرته السلطة، لا نسأله إيماءات سياسية، أهم ما يمكنه عمله، إذا أراد أن نأخذه بجدية، ونصغي إليه هو إيقاف قتل شعبه. عندما يفعل هذا، ويوقف قصف شعبه، عندها أظن أن الناس في الولايات المتحدة وفي العالم يمكن أن يكونوا مستعدين للإصغاء إليه، لكن طالما استمر بقتل شعبه، فإننا نظل نعتبره مشكلة كبرى تمامًا مثل «داعش».
* هل تقترح عليه أن يوافق على التفاوض مع المعارضة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وبعدها تبدأ مفاوضات التفاصيل؟
- لا أتوقع منه أن يبحث مسألة تخليه عن السلطة، بالنسبة إلي هذا توقع غير واقعي، لكن ما علينا أن نتوقعه من الروس والإيرانيين أن يدفعوه ويبلغوه إذا شاء أن يكون جزءًا من العملية السياسية، أو أن يبقى مؤقتًا، أن يوقف قصف شعبه، عندها يمكن للأشياء الأخرى أن تصبح ممكنة.
* أي إنك غير مقتنع بما يطلبه الغرب من الأسد أن يتفاوض على تفاصيل خروجه في الفترة الانتقالية؟
- لا أراه سيسهل عملية انتقاله. أشعر أنه سيتمسك أكثر بالسلطة، وإذا لم يكن هناك خرق من الناحية الروسية، فإن كل ما أقرأه عن بوتين والروس وإيران أنهم ينوون الاستمرار في دعمه.
* في مقابلة مع قناة تلفزيونية هولندية، استهزأ الأسد من الغرب الذي يطالب برحيله، قال: إن الغرب يردد الشيء نفسه منذ 4 سنوات، وهو بالتالي لن يغادر. هل تعتقد أن الرئيس باراك أوباما أخطأ بتردده؟
- يمكن للأسد أن يتكلم بهذه الطريقة «الشجاعة» كما يشاء. لكن لا أعتقد أن مصيرًا سعيدًا ينتظره. من الواضح أنه مع قصفه لشعبه يعرف أنه، ربما أغلبية شعبه، تتمنى لو أنه يرحل. وعندما يرحل سيكون ذلك نتيجة ما يريده الشعب السوري. لذلك يمكنه أن يقول ما يشاء، لكنني أعتقد أنه يعيش في عالم خيالي.
* هل تعتقد أن أحد أهداف تحالف 34 دولة إسلامية وعربية هو التأسيس لقوة سلام مسلمة، يطالب بها الدبلوماسيون أن تكون هناك حاجة لها كجزء من اتفاق سلام شامل، وعملية سياسية انتقالية في سوريا، كما لمح إلى ذلك الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي، في مؤتمره الصحافي أخيرًا؟
- أظن أن كل ما يجلب العرب والعالم الإسلامي معًا لمعالجة مرض في إحدى زوايا عالمهما، مثل «داعش»، أو ديكتاتور ظالم وفاسد مثل بشار الأسد،.. وكل ما يجذب أغلبية من المسلمين كي يكونوا معًا، هو أمر إيجابي وضروري. هذا نوع من الإنجازات المشجعة التي تدعو إلى القيادة والدعم.
* هل يمكننا اعتبار هذا التحالف دليلا جيدا، على أن السعوديين واللاعبين الخليجيين بدأوا الآن يواجهون بأنفسهم المسائل الأمنية التي تهمهم في المنطقة؟
- هذا أمر إيجابي جدًا، وهو تطور مشجع لنا نحن الذين خارج العالمين العربي والإسلامي على تقديم التسهيلات والدعم.
* هل سيكون هذا التحالف قادرًا على ملء، ومنع في الوقت نفسه النظام السوري وحلفائه الإيرانيين من تعبئة، أي فراغ لاحقًا؟
- بالتحديد المهم في هذا التحالف أن الخطوة الأولى له ستكون بالطبع حماية المدنيين، وربما يساعد على إطاحة الأسد كهدف إنما الخطوة الثانية ستكون عملية طويلة الأمد وهي إعادة بناء دولة مدمرة، ومجتمع ممزق، ويساعد سوريا على استعادة تماسكها الوطني، وتضميد الجروح. هذه ستكون المساهمة الكبرى للتحالف على المدى الطويل. ليس فقط توفير مجموعة من الجيوش، للدخول والتخلص من الأسد وتنتهي المهمة. على العكس، وكما رأينا في العراق، فإن المهمة تبدأ عندما يرحل الديكتاتور ونظامه الفاسد. إذا نجحت مجموعة الدول العربية بالتحالف، ليس فقط كقوة عسكرية بل كقوة لإعادة البناء، فإن هذا تطور مهم.
* هل تعتقد أن هذا التحالف سيساعد في أن يشرح للعالم ما هو الإسلام الحقيقي؟
- بالتأكيد آمل ذلك. كأجنبي وكأميركي كان لي امتياز أن أخدم في عدة دول إسلامية، لا أفكر بأصدقائي هناك كمسلمين بل كأصدقاء. أنا أعرف ما هي العائلة المسلمة الطبيعية، والمجتمع الإسلامي، كالمسلمين الذين نفخر بوجودهم في أميركا. هذا يجعلنا أقوياء. أنا أحب أن تتحد الدول العربية وغير العربية التي فيها مجتمعات إسلامية، وتستعيد الدين من أولئك الذين حاولوا خطفه، وإعطاء صورة قبيحة وخاطئة عنه.
* مع مجلس الأمن وإصداره قرارًا عن عملية السلام في سوريا، ومع استعدادات المعارضة للتفاوض مع النظام، لاحظنا أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يصرح لـ(أسوشييتد برس) أن إيران غير متأكدة من أي تقدم في محادثات السلام لإنهاء الحرب في سوريا. ماذا تريد إيران من سوريا؟
- كمراقب خارجي، لا أرى أن إيران ساهمت بأي شيء للتوصل إلى حل سلمي في سوريا. على العكس هي أرسلت قوات للمشاركة في التدمير والقتل، ونفهم من عملياتهم إبعاد النيات الإيرانية، وهي الحفاظ على قبضة إيران على النظام السوري «الدمية» واستغلاله كوسيلة للتقدم نحو ما تصممه مع حزب الله في لبنان.
* لاحظنا بعد الاتفاق النووي مع إيران، أن الكونغرس كثف من إجراءات المقاطعة ضد حزب الله، هل نستطيع أن نقرأ من خلال ذلك، أنه ليس كل شيء ممهدًا في العلاقات الإيرانية – الأميركية؟
- أكون متجرئاً إذا ما وصفت العلاقات الإيرانية – الأميركية بالهادئة، فليس هناك من توجه حتى نحو علاقات طبيعية عادية بين البلدين، إذ لا وجود للسفارات بين البلدين، ولا تزال العقوبات الأميركية على إيران قائمة، إضافة إلى تلك المفروضة بسبب البرنامج النووي، من هنا فإن العلاقات أبعد بكثير من وصفها بـ«السلسة»، ثم إن الأزمة السورية واحدة من العناصر الأساسية التي تقف حجر عثرة في وجه العلاقات الأميركية – الإيرانية.
* لكن ماذا عن حزب الله والكونغرس؟
- إنه ليس فقط الكونغرس، بل إن الإدارة الأميركية وضعت الحزب على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية، والإدارة والكونغرس متحدان حول هذه الجبهة، ولا أعتقد أن أحدًا في أميركا خصوصًا فروع العلاقات الخارجية، يتعاطف مع حزب الله.
* كشفت الصحيفة الألمانية «بيلد» أن جهاز الاستخبارات الألمانية بدأ ينسق مع جهاز الاستخبارات السورية وأن العملاء الألمان يسافرون بشكل منتظم للقاء أقرانهم في دمشق. هل هذه خطوة صحية مع العلم أن الجهاز السوري يشارك النظام في العمليات ضد الشعب، ثم إن المستشارة أنجيلا ميركل أبلغت «البوندستاغ» يوم الأربعاء الماضي أن كل الجهود منصبة للتوصل إلى حل لا يشمل الأسد؟
- من المؤكد أن الاستخبارات تفعل ما تريد، ولكن أي اتصال مع الأشخاص حول الأسد، يكون حول ضرورة أن يأخذوا قرارات تتعلق بمستقبلهم ومستقبل بلادهم. لا أستطيع أن أعلق على نشاط الألمان.
* لكن ما يمكن أن تكون أهدافهم، إقناع الأسد أو العمل ضد «داعش» والإرهاب؟
- ما أستطيع أن أقول إنني لو كنت أقدم الاستشارة للحكومة الألمانية أو لغيرها لاقترحت اللجوء إلى كل الأساليب الممكنة من أجل الوصول إلى كل فرد في القيادة السورية وإقناعهم بأنه لا يوجد مستقبل زاهر لهم مع بقاء الأسد، وأنه إذا كان أي منهم يرغب في العمل ضد الأسد أو نحو مستقبل مختلف، فعلينا أن نبدأ اتصالات سرية معه. هذا عمل ناضج يجب القيام به، لكنني لا أعرف ما ينويه الألمان.
* في مؤتمره الصحافي لآخر السنة، أثنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على جهود الوزير كيري لإيجاد حل سياسي للحرب في سوريا، وقال: إنه مستعد للعمل مع أي إدارة أميركية في المستقبل، وكأنه يفصل ما بين كيري وإدارة الرئيس باراك أوباما، ويكشف بالتالي أن علاقته مع هذه الإدارة ليست جيدة. ما رأيك؟
- أنا لم أقرأ نص المؤتمر الصحافي ولا أعرف كيف أفسره.
* أنا قرأته...
- أنا معجب جدًا بجون كيري، وهو يبذل أقصى ما يستطيع، لكن ما قصده بوتين (ضحك) بالنسبة إلى لفتته لإدارة أوباما، ربما تحتاجين إلى خبراء «أشطر» مني في تفسير بوتين.
* لكن، هل تدعم الإدارة الوزير كيري في كل جهوده؟
- بكل تأكيد. لا يوجد وزير خارجية أميركي «يعمل بالقطعة»، ولا يمكنه أن يتحرك من دون دعم الرئيس أوباما بكل تأكيد.
* أيضا في مؤتمره الصحافي، انتقد الرئيس بوتين تدخل قوى خارجية في سوريا، مع العلم أن موسكو هي لاعب أساسي هناك. وقال أيضا، نحن غير مهتمين بمصير الأسد، لكن بمن سيليه، ثم قال عن الحملة العسكرية الروسية هناك، من الصعب أن نتخيل مكانًا أفضل للتدريب... الكثير من التناقضات، ما هو رد فعلك، وأريد أن أسألك عن التكاليف، إلى أي مدى يمكن لروسيا وإيران ماليًا حماية الأسد؟
- إنه لأمر مثير للسخرية، أن واحدة من القوتين الخارجيتين اللتين تدعمان نظام الأسد، تحذر قوى أخرى بمعنى: افعلوا كما أقول وليس كما أفعل... أما بالنسبة لقدرتهما على دفع التكاليف، فهذا سؤال ممتاز، فالدولتان تعانيان من مشاكل في الميزانية، وجعلتا من أولوياتهما دعم هذا القاتل الجماعي الشرس... في حين كان بإمكانهما، كما تتطلب الميزانية استعمال المال لبناء دولتيهما ودعم شعبيهما. لكنهما فضلتا دعم الأسد. أظن أنه قرار سياسي من قبل القيادتين الروسية والإيرانية من دون الأخذ بعين الاعتبار رأي شعبيهما.
* لكن ماذا عن قوله: نحن غير مهتمين بمصير نظام الأسد إنما بمن سيليه، يبدو أنه ليس حريصًا كل الحرص على بقاء الأسد في الحكم؟
- رمى مثل هذه التلميحات سابقًا، ويبدو هذا يناقض تصريحات سابقة له.
* يبدو أن إيران بعدما فقدت عددًا من كبار ضباطها في سوريا، بدأت بسحب عدد كبير من الحرس الثوري. مع هذا التطور الإيراني الأخير هل أن روسيا تفقد حليفًا مهمًا مثل إيران أو أنها تدفع إيران خارج سوريا؟
- إذا كان هذا التقرير صحيحًا، أعتقد أنه تطور كبير، وليس إشارة جيدة للأسد بل أمر جيد لسوريا إذا بدأت قوات الحرس الثوري بالانسحاب، لكنها «إذا» كبيرة، لأنني لا أملك تأكيدًا على ذلك.
* اليوم أشارت وكالة «نوفوستي» الروسية إلى أن الأسد سيزور طهران في نهاية هذا الشهر أو بداية الشهر المقبل. هل يعطي هذا أي إشارة؟
- يا إلهي، لديكتاتور محاصر وفي حالة سيئة جدًا، أن يغادر بلاده في مثل هذا الوقت، يدفع الكل إلى التساؤل عما يعني هذا وعما إذا كان سيعود من هذه الرحلة. صحيح أنه زار روسيا وعاد منها، لذلك إذا سافر إلى إيران فالكل سيتساءل عما إذا كان سيمدد إقامته. هذا سيكون مثيرًا للاهتمام.
* لنتكلم عن تركيا وأنت كنت سفيرًا في أنقرة. فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان لا يمكن التنبؤ بالخطوات التي سيقدم عليها. أخيرًا اعتبرت واشنطن وبكين أن وجوده العسكري في العراق غير شرعي واستفزازي. كيف تقرأ عقل إردوغان، وهل تعرفه؟
- نعم تشرفت بلقائه عندما كنت سفيرًا لأميركا لدى تركيا، لكن بكل تأكيد لم أحاول أن أقرأ عقله، كنت أصغي تمامًا لما يقول: إن كان في اجتماعاتنا الكبيرة أو الصغيرة، وأيضا أقرأ بياناته بتمعن. إنه رجل لديه أفكار قوية، وارتباطه قوي بمصالح بلاده. لن أتوقف عند التنبؤ أو عدم التنبؤ بما سيفعل، لكن موقفه مثلاً من سوريا منذ عام 2011 لم يتغير. كان مقربًا من الأسد وفي سنة «الربيع العربي»، حاول أن يغير تصرفات الأسد. كنت أنا هناك عام 2011 عندما بدأ الأسد يقمع بالقوة المظاهرات السلمية السياسية، وعرفت آنذاك أن رئيس الوزراء إردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو حاولا بقوة إقناع الأسد بأن يوقف القتل ويعتمد الوسائل السياسية لحل المسائل العالقة بينه وبين شعبه، وبأن يدعو إلى انتخابات، ويطلق سراح السجناء السياسيين ويسمح بدخول الصحافيين الأجانب لتغطية الأحداث، وأن يسمح بقيام أحزاب سياسية. كانت هذه ردود فعل إردوغان وأوغلو على الأحداث، وهي ردود فعل مسؤولة، لكن الأسد رفض كل هذه الاقتراحات وصعّد القتال في صيف 2011، عندها انضم إردوغان إلى الكثير من الدول وصار يعرف أن الأسد لن يغير من تصرفاته وبالتالي لا مستقبل له في سوريا.
أعتقد أنه منذ ذلك الحين كان إردوغان ثابتًا في الدعوة إلى رحيل نظام الأسد، واعتباره الأسد سبب المشاكل في سوريا.
* لكن حتى الأميركيين أصروا عليه بإغلاق حدوده أمام مقاتلي «داعش» الذين يعبرون إلى سوريا، ورفضوا اقتراح إردوغان لمناطق آمنة في سوريا، وكأن الأميركيين شككوا بنياته؟
- المسألة، حسب اعتقادي، بين الولايات المتحدة وتركيا هي عدم القدرة على التوصل إلى نهج استراتيجي واضح ومفصل ومماثل فيما يتعلق بسوريا، الأتراك كانوا على استعداد لدعم مجموعات، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لدعمها في مقاتلة الأسد على سبيل المثال، ثم إن الأميركيين لا يزالون على استعداد للعمل والتنسيق مع الأكراد السوريين للقتال ضد «داعش»، في حين أن الأتراك، وهذا طبيعي، قلقون من علاقة هؤلاء الأكراد بـ«حزب العمال الكردستاني» وهو حزب إرهابي يحارب الجمهورية التركية. إنها قضايا معقدة وتنتظر إيجاد حل لها.
* وكأن الأتراك اعترفوا بأن سياساتهم الخارجية فشلت، إذ ها هو إردوغان يتجه نحو إسرائيل. هل تعتقد أن الغاز عامل أساسي هنا، ويعد اعترافا منه أن سياسته الخارجية لم توصله إلى أي مكان؟
- أظن هذه مبالغة. بالنسبة لتركيا وإسرائيل فمنذ الوقت الذي كنت فيه هناك عام 2011، أعرف أن الدولتين كانتا تحاولان أولاً منع مغادرة سفيريهما بعد حادثة «مرمرة» عام 2010. فأبقتا السفراء حتى سبتمبر (أيلول) 2011. وخلال تلك الفترة حاول دبلوماسيو الدولتين منع تدهور العلاقات، وبعد تدهورها إثر طرد السفيرين من البلدين، ظل الطرفان يحاولان إعادة تطبيع العلاقات، وشاركت الولايات المتحدة في هذه الجهود، أولاً عبر الوزيرة هيلاري كلينتون ثم عبر جون كيري وأيضا تدخل الرئيس أوباما شخصيًا في مارس (آذار) 2013 وبذل جهدًا ليقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإردوغان للموافقة على تطبيع العلاقات، وأن يعيدا السفراء.
كل هذا كان يحدث قبل أن يسمع أحد عن «داعش». أظن أن تطبيع العلاقات من مصلحة الدولتين وعملت عليه الدولتان قبل أن يصبح الوضع في سوريا على هذا السوء.
* وقبل الأزمة التركية – الروسية؟
- نعم، لا أعتقد أن هذا التقارب هو رد فعل على الأزمة التركية مع روسيا.
* في تقرير عن الأخطار الرئيسية التي تهدد أميركا عام 2016. جاء: تصاعد القتال بين المجموعات الكردية والقوات التركية، الفوضى السياسية في مصر وليبيا، وتفتت أكثر للعراق. أعطني وجهة نظرك حول هذه الأمور خصوصًا فيما يتعلق بالأكراد والأتراك، ثم أنت كنت سفيرًا لدى مصر؟
- لدي ولع خاص بمصر وتركيا. بالنسبة إلى تركيا، فهي دولة قانون، ديمقراطية، لديها برلمان ودستور، رأينا تركيا تعبر طريقًا طويلاً كامتحان لديمقراطيتها وجمهوريتها خلال السنة العابرة في دورتي انتخابات برلمانية، الأولى في 7 يونيو (حزيران) والثانية في 1 نوفمبر (تشرين الثاني). والجمهورية مع نظامها الديمقراطي عاشت حملات انتخابية استقطابية. في الحالتين، فإن الحزب المعروف بتعاطفه الواضح مع الأقلية الكردية في تركيا، تجاوز حد الـ10 في المائة في الدورتين. هناك البرلمان حيث الصوت الكردي ممثل ليس فقط في هذا الحزب الصغير، إنما في الحزب الحاكم، هناك نواب أكراد وحتى هناك وزير في الحكومة الجديدة. إذن تركيا مجهزة بشكل جيد لحل المشكلة، ثم إن السياسيين الأتراك في الحزب الحاكم أبلغوني أنهم لا يفكرون بالقضية كمشكلة كردية إنما كمشكلة في الديمقراطية التركية حيث إن المواطنين الأكراد في تركيا يطالبون بحقوقهم كاملة كمواطنين أتراك، وعلى الدولة أن تتجاوب مع هذا.
عندما كنت في تركيا، كانت هناك عملية سياسية لتحقيق ذلك، ومع قراءتي عن تركيا الآن فهم مصرون من جهة على محاربة «حزب العمال الكردستاني» بقوة، ومن جهة أخرى على أن يتعاطوا مع المشكلة السياسية عبر البرلمان وفي مناقشات مباشرة. أنا متفائل بأن تركيا ستجد حلاً لذلك.
* وعن الفوضى في مصر وليبيا أنت المولع بمصر؟
- رغم كل الأزمات التي تواجهها مصر، تبقى الوزن الثقيل في لعالم العربي مع 90 مليون نسمة، تتمتع بنفوذ قوي بما في ذلك في ليبيا. أعتقد أن ثقل مصر ونفوذها سيكونان مهمين جدًا حين تحاول الأطراف الليبية أن تجد طريقها. إن مارتن كوبلر المكلف من الأمم المتحدة ملف ليبيا، هو دبلوماسي ناجح وقد عملت معه في عدة حقول، في هذا المجال آمل أن يؤخذ بالاعتبار الثقل المصري وتكون جزءًا من الحل في ليبيا.
* إذن، إذا وجد الحل في ليبيا فإن مصر ستكون في سلام وإلا فإنها ستظل تعاني من «داعش» وهجمات الإرهابيين في صحراء سيناء؟
- هذا واضح. في أي مكان هناك دولة ضعيفة أو دولة فاشلة يعشش فيها متطرفون مثل «داعش»، فهذا يهدد استقرار دول أخرى. إن عدم الاستقرار في سوريا يترك آثارًا مرعبة في تركيا، ولبنان، والعراق والأردن. فشل الدولة الليبية أمر سيئ لمصر وتونس.
إن مصر دولة مستقرة، وآمل أن يساهم نفوذها في إعادة الاستقرار إلى ليبيا وتساعد الليبيين على تجديد دولة مستقرة.
* بالتأكيد أنت تعتقد أن مصر ستلعب دورًا كبيرًا في تحالف الدول الإسلامية الجديد؟
- إن تحالفًا من الدول الإسلامية أو العربية من دون مصر سيعاني من فجوة كبيرة في وسطه. لهذا آمل أن تكون مصر جزءًا مركزيًا في هذا التطور، ثم إن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان دعا إلى مثل هذا التحالف. ويجب أن تكون مصر جزءًا من التحالف إذا كان سيكتب له النجاح.
* هل من نبذة عن مشروعك المتعلق بالاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط الذي تعمل عليه؟
- بعد مغادرتي الحكومة منذ سنة، فإن «المجلس الأطلنطي» معروف بعمله الاستراتيجي، لهذا، وكما قال الرئيس أوباما شخصيًا إنه ليست لدينا استراتيجية تجاه سوريا، رأيت ضرورة أن تكون لدينا رؤية استراتيجية نطورها مع شركائنا في المنطقة لإعادة توفير نظام إقليمي قائم على الدول، الدول الحقيقية وليس الدول المدعية كـ«داعش». الدول القائمة، وليس بالضرورة الديمقراطية، بل الشرعية، لأنها موجودة لخدمة شعوبها، لا يهم إن كانت ملكية، أو إمارة أو جمهورية، إنما دولة لديها قوانين منشورة تدعمها بالقضاء والوزارات وحكم القانون. هذا ما رأيناه يفشل في ليبيا ويفشل في سوريا وفي اليمن وتحت الضغط في العراق. لدينا جميعًا مصالح حيوية مشتركة في رؤية المنطقة تجدد تقوية الدول الشرعية وتخدم شعوبها وتحكم بحكمة.
أشعر أننا في حاجة إلى استراتيجية ليس لدحر «داعش»، بالتأكيد يجب دحره، إنما لديها رؤية أوسع، حيث إن الولايات المتحدة وأوروبا حتى روسيا تشترك بها مع السعودية ومع الجمهورية المصرية والأردن وتركيا، وأفترض حتى مع إيران من أجل إعادة الاستقرار إلى المنطقة، بحيث لا تبقى مساحات تديرها «شركات إجرامية» مثل «داعش»، حيث تنشر العبودية الجنسية، وتسرق النفط، وتهدد وتخطف وتقتل. هذه هي الرؤية التي يجب أن نطورها. ولتجاوز السياسة التي نعاني منها في أميركا، كالاستقطاب الذي يتابعه العالم ما بين الديمقراطيين والجمهوريين، لجأنا إلى رجلي دولة بارزين: الأولى: مادلين أولبرايت (ديمقراطية) وكانت وزيرة للخارجية وسفيرة لدى الأمم المتحدة وهي محترمة من قبل حزبها ومن خارجه. والثاني: ستيفن هادلي (جمهوري) وخدم في ثلاث إدارات جمهورية بما فيها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش. الاثنان وافقا على ترؤس فريق العمل هذا، بمثابرة وبمعرفة عميقة عن المنطقة.
الرؤية الاستراتيجية التي نضعها تتضمن 5 فصول: الأول: الأمن، وهنا يأتي دحر «داعش». الثاني: ما دور الدين في شرعية الدولة أو في الهجوم على شرعية الدولة. «داعش»، يريد أن يخطف الدين ويستغله لتحدي شرعية آل سعود، أو الدولة العراقية أو تركيا أو شرعية عدد واسع من الدول الإسلامية. الثالث: البعد الإنساني. فالاستراتيجية لدحر «داعش» لا تعني شيئا إذا تجاهلت الملايين الذين شردوا من منازلهم ومن دولهم. هناك 5 ملايين سوري مشرد داخل سوريا، و4 ملايين لاجئ خارجها، هناك الملايين من الليبيين واليمنيين والعراقيين ويجب ألا ننسى الفلسطينيين، والصومال، ومالي والسودان.. لا أحد يستطيع إدارة ظهره لهذه المشكلة الإنسانية التي ستبقى معنا لأجيال. الرابع: حول الحكم. إذا كنا نتحدث عن إعادة تجديد الدول من رماد الدول الفاشلة أو الدول المعرضة للخطر. ماذا يمكننا أن نفعل لمساعدة هذه الدول. ما هي عناصر الحكم التي تطالب بها الشعوب وكيف تلبي الدول هذا. هذه مهمة معقدة.
الخامس: البعد الاقتصادي، وما يعانيه الشرق الأوسط من مشاكل المياه أو الأزمة الهيدروكربونية.
في 15 من الشهر المقبل، سنقدم عدة مستثمرين ورجال أعمال من المنطقة سيحكون عن تجاربهم، وعما ينجح وما يمكننا أن نفعل معًا لنشر الفرص والوظائف في المنطقة. سيجري هذا في «المجلس الأطلنطي» في واشنطن.
* أشرت إلى احتمال انضمام إيران إلى هذه الاستراتيجية. لكن كيف يتم إقناع إيران بما يتخوف منه العرب وهو تدخلها في الشؤون الداخلية لهذه الدول؟
- هذا أمر مروع، لهذا قلت ربما. إذا أرادت إيران أن تكون جزءًا من منطقة مزدهرة، هناك أمور كثيرة عليها عملها، كعضو مسؤول في مجموعة الدول الشرعية في المنطقة. الاتفاق النووي مهم وإيجابي، وإذا طبقته كما نأمل سيكون ذلك خطوة مهمة وضرورية إنما غير كافية. إذا استمرت بدعم المجموعات التي تريد زعزعة الدول الأخرى، كالحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان، أو تستمر في التدخل في العراق أو دعم ديكتاتور مجرم في سوريا، لن تكون مقبولة ولن نقبلها، وجيرانها العرب لن يقبلوا. هناك خيارات أمام إيران، وإذا انتقت الخيارات الصحيحة فلماذا لا تكون جزءًا في عائلة الأمم. عشت في إيران في ظل الشاه لمدة سنتين، أعرف غنى الثقافة هناك، والحضارة التي تعود إلى القرون القديمة. لا شيء يمنعها من استرداد تلك الثقافة والحضارة. عليها أن تفعل الكثير.
* يقول بعض الأميركيين، كون الرئيس أوباما بعيدا جدًا عن الأغلبية في أميركا، تزداد شعبية دونالد ترامب؟
- لقد فاز الرئيس أوباما مرتين بالرئاسة بأغلبية الأصوات، وحتى الآن لم يفز ترامب بأي انتخابات. لن أتسرع بالحكم، وعلينا أن نرى ما إذا كان ترامب سيفوز بترشيح حزبه. لا زلنا في بداية الأيام، والإثبات في الانتخابات.
* هل تعتقد... أنه سيتلاشى مع الأيام؟
- لا أعرف. آمل ذلك. أشعر أنه يشكل إحراجا لنا والكثير في حزبه يشاركني ذلك.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.