فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

السفير الأميركي السابق في القاهرة وأنقرة قال لـ {الشرق الأوسط} إيران تستغل النظام السوري لمصالحها وللسيطرة على لبنان

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ
TT

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

فرانك ريتشاردوني: التحالف الإسلامي أمر إيجابي وقرار مجلس الأمن غير كافٍ

أكد فرانك ريتشاردوني السفير الأميركي السابق في القاهرة وأنقرة، ونائب رئيس المجلس الأطلنطي، ورئيس مركز رفيق الحريري في المجلس، أن التحالف من 34 دولة إسلامية وعربية، الذي أعلن عنه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي يساعد العرب والمسلمين معًا لمعالجة «مرض» في إحدى زوايا عالمهما مثل «داعش»، أو ديكتاتور ظالم وفاسد مثل الأسد، مشيرا أن التحالف أمر إيجابي وضروري وتطور يشجعنا نحن الذين خارج هذين العالمين على تقديم التسهيلات والدعم.
وقال ريتشاردوني في حوار لـ{الشرق الأوسط} أنه يجب أن تتحد الدول العربية والإسلامية وتستعيد الدين من الذين حاولوا خطفه أو إعطاء صورة خاطئة عنه.
وأضاف إن قرار مجلس الأمن 2254 حول سوريا ضروري
إلا أنه غير كاف كونه يستبعد بحث مسأله خروج بشار الأسد من السلطة. وأضاف ريتشاردوني انه لا يتوقع «مصيرًا سعيدًا» للأسد، لكن إذا توقف عن قصف شعبه، فقد نأخذه بجدية، وإلا سيبقى مشكلة كبرى تمامًا مثل «داعش». لذلك رأى أن مهمة التحالف حماية المدنيين السوريين ومساعدة سوريا على استعادة تماسكها الوطني.
وفي ما يلي نص الحوار:
* يبدو أن القوى العظمى توصلت إلى وضع قرار لمجلس الأمن من أجل عملية السلام في سوريا. هل تشارك تفاؤل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف؟
- بصدق لم أطلع على فحوى البيان (أجري الحديث مساء الجمعة)، لكن بشكل عام نقول: إن التفاؤل بالنسبة إلى الدبلوماسي هو بمثابة الشجاعة للجندي. لا أتمنى سوى النجاح للوزير كيري. نحن بحاجة إلى حل سياسي ودبلوماسي لوضع حد للرعب في سوريا. الكثير من الأسباب تدفعنا إلى التروي حول هذه المسألة، لأن التفاؤل يجب أن يكون قائمًا على تقييم حقيقي.
* لكن بعد زيارة الوزير كيري إلى موسكو حيث أعلن من هناك الاتفاق مع روسيا على قرار دولي لاحظنا خطوات مشجعة؟
- أعتقد أن قرار مجلس الأمن ضروري إنما غير كاف. وربما الوزير كيري والرئيس بوتين أول من يقولان إنه ليس كافيًا.
* نلاحظ أن الرئيس بشار الأسد مستمر في إعطاء النصائح للعالم الخارجي، وما يجب أن يفعله لإنهاء الحرب في سوريا، لكنه لا يقترح أبدًا ما على نظامه القيام به لإنهاء هذه الحرب. هل من تفسير لحالته النفسية هذه؟
- من الصعب أن نستمع لنصائحه بجدية إذا لم يتوقف عن قتل شعبه، وهذا أهم إسهام يمكنه القيام به. لا نتكلم عن مغادرته السلطة، لا نسأله إيماءات سياسية، أهم ما يمكنه عمله، إذا أراد أن نأخذه بجدية، ونصغي إليه هو إيقاف قتل شعبه. عندما يفعل هذا، ويوقف قصف شعبه، عندها أظن أن الناس في الولايات المتحدة وفي العالم يمكن أن يكونوا مستعدين للإصغاء إليه، لكن طالما استمر بقتل شعبه، فإننا نظل نعتبره مشكلة كبرى تمامًا مثل «داعش».
* هل تقترح عليه أن يوافق على التفاوض مع المعارضة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وبعدها تبدأ مفاوضات التفاصيل؟
- لا أتوقع منه أن يبحث مسألة تخليه عن السلطة، بالنسبة إلي هذا توقع غير واقعي، لكن ما علينا أن نتوقعه من الروس والإيرانيين أن يدفعوه ويبلغوه إذا شاء أن يكون جزءًا من العملية السياسية، أو أن يبقى مؤقتًا، أن يوقف قصف شعبه، عندها يمكن للأشياء الأخرى أن تصبح ممكنة.
* أي إنك غير مقتنع بما يطلبه الغرب من الأسد أن يتفاوض على تفاصيل خروجه في الفترة الانتقالية؟
- لا أراه سيسهل عملية انتقاله. أشعر أنه سيتمسك أكثر بالسلطة، وإذا لم يكن هناك خرق من الناحية الروسية، فإن كل ما أقرأه عن بوتين والروس وإيران أنهم ينوون الاستمرار في دعمه.
* في مقابلة مع قناة تلفزيونية هولندية، استهزأ الأسد من الغرب الذي يطالب برحيله، قال: إن الغرب يردد الشيء نفسه منذ 4 سنوات، وهو بالتالي لن يغادر. هل تعتقد أن الرئيس باراك أوباما أخطأ بتردده؟
- يمكن للأسد أن يتكلم بهذه الطريقة «الشجاعة» كما يشاء. لكن لا أعتقد أن مصيرًا سعيدًا ينتظره. من الواضح أنه مع قصفه لشعبه يعرف أنه، ربما أغلبية شعبه، تتمنى لو أنه يرحل. وعندما يرحل سيكون ذلك نتيجة ما يريده الشعب السوري. لذلك يمكنه أن يقول ما يشاء، لكنني أعتقد أنه يعيش في عالم خيالي.
* هل تعتقد أن أحد أهداف تحالف 34 دولة إسلامية وعربية هو التأسيس لقوة سلام مسلمة، يطالب بها الدبلوماسيون أن تكون هناك حاجة لها كجزء من اتفاق سلام شامل، وعملية سياسية انتقالية في سوريا، كما لمح إلى ذلك الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي، في مؤتمره الصحافي أخيرًا؟
- أظن أن كل ما يجلب العرب والعالم الإسلامي معًا لمعالجة مرض في إحدى زوايا عالمهما، مثل «داعش»، أو ديكتاتور ظالم وفاسد مثل بشار الأسد،.. وكل ما يجذب أغلبية من المسلمين كي يكونوا معًا، هو أمر إيجابي وضروري. هذا نوع من الإنجازات المشجعة التي تدعو إلى القيادة والدعم.
* هل يمكننا اعتبار هذا التحالف دليلا جيدا، على أن السعوديين واللاعبين الخليجيين بدأوا الآن يواجهون بأنفسهم المسائل الأمنية التي تهمهم في المنطقة؟
- هذا أمر إيجابي جدًا، وهو تطور مشجع لنا نحن الذين خارج العالمين العربي والإسلامي على تقديم التسهيلات والدعم.
* هل سيكون هذا التحالف قادرًا على ملء، ومنع في الوقت نفسه النظام السوري وحلفائه الإيرانيين من تعبئة، أي فراغ لاحقًا؟
- بالتحديد المهم في هذا التحالف أن الخطوة الأولى له ستكون بالطبع حماية المدنيين، وربما يساعد على إطاحة الأسد كهدف إنما الخطوة الثانية ستكون عملية طويلة الأمد وهي إعادة بناء دولة مدمرة، ومجتمع ممزق، ويساعد سوريا على استعادة تماسكها الوطني، وتضميد الجروح. هذه ستكون المساهمة الكبرى للتحالف على المدى الطويل. ليس فقط توفير مجموعة من الجيوش، للدخول والتخلص من الأسد وتنتهي المهمة. على العكس، وكما رأينا في العراق، فإن المهمة تبدأ عندما يرحل الديكتاتور ونظامه الفاسد. إذا نجحت مجموعة الدول العربية بالتحالف، ليس فقط كقوة عسكرية بل كقوة لإعادة البناء، فإن هذا تطور مهم.
* هل تعتقد أن هذا التحالف سيساعد في أن يشرح للعالم ما هو الإسلام الحقيقي؟
- بالتأكيد آمل ذلك. كأجنبي وكأميركي كان لي امتياز أن أخدم في عدة دول إسلامية، لا أفكر بأصدقائي هناك كمسلمين بل كأصدقاء. أنا أعرف ما هي العائلة المسلمة الطبيعية، والمجتمع الإسلامي، كالمسلمين الذين نفخر بوجودهم في أميركا. هذا يجعلنا أقوياء. أنا أحب أن تتحد الدول العربية وغير العربية التي فيها مجتمعات إسلامية، وتستعيد الدين من أولئك الذين حاولوا خطفه، وإعطاء صورة قبيحة وخاطئة عنه.
* مع مجلس الأمن وإصداره قرارًا عن عملية السلام في سوريا، ومع استعدادات المعارضة للتفاوض مع النظام، لاحظنا أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يصرح لـ(أسوشييتد برس) أن إيران غير متأكدة من أي تقدم في محادثات السلام لإنهاء الحرب في سوريا. ماذا تريد إيران من سوريا؟
- كمراقب خارجي، لا أرى أن إيران ساهمت بأي شيء للتوصل إلى حل سلمي في سوريا. على العكس هي أرسلت قوات للمشاركة في التدمير والقتل، ونفهم من عملياتهم إبعاد النيات الإيرانية، وهي الحفاظ على قبضة إيران على النظام السوري «الدمية» واستغلاله كوسيلة للتقدم نحو ما تصممه مع حزب الله في لبنان.
* لاحظنا بعد الاتفاق النووي مع إيران، أن الكونغرس كثف من إجراءات المقاطعة ضد حزب الله، هل نستطيع أن نقرأ من خلال ذلك، أنه ليس كل شيء ممهدًا في العلاقات الإيرانية – الأميركية؟
- أكون متجرئاً إذا ما وصفت العلاقات الإيرانية – الأميركية بالهادئة، فليس هناك من توجه حتى نحو علاقات طبيعية عادية بين البلدين، إذ لا وجود للسفارات بين البلدين، ولا تزال العقوبات الأميركية على إيران قائمة، إضافة إلى تلك المفروضة بسبب البرنامج النووي، من هنا فإن العلاقات أبعد بكثير من وصفها بـ«السلسة»، ثم إن الأزمة السورية واحدة من العناصر الأساسية التي تقف حجر عثرة في وجه العلاقات الأميركية – الإيرانية.
* لكن ماذا عن حزب الله والكونغرس؟
- إنه ليس فقط الكونغرس، بل إن الإدارة الأميركية وضعت الحزب على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية، والإدارة والكونغرس متحدان حول هذه الجبهة، ولا أعتقد أن أحدًا في أميركا خصوصًا فروع العلاقات الخارجية، يتعاطف مع حزب الله.
* كشفت الصحيفة الألمانية «بيلد» أن جهاز الاستخبارات الألمانية بدأ ينسق مع جهاز الاستخبارات السورية وأن العملاء الألمان يسافرون بشكل منتظم للقاء أقرانهم في دمشق. هل هذه خطوة صحية مع العلم أن الجهاز السوري يشارك النظام في العمليات ضد الشعب، ثم إن المستشارة أنجيلا ميركل أبلغت «البوندستاغ» يوم الأربعاء الماضي أن كل الجهود منصبة للتوصل إلى حل لا يشمل الأسد؟
- من المؤكد أن الاستخبارات تفعل ما تريد، ولكن أي اتصال مع الأشخاص حول الأسد، يكون حول ضرورة أن يأخذوا قرارات تتعلق بمستقبلهم ومستقبل بلادهم. لا أستطيع أن أعلق على نشاط الألمان.
* لكن ما يمكن أن تكون أهدافهم، إقناع الأسد أو العمل ضد «داعش» والإرهاب؟
- ما أستطيع أن أقول إنني لو كنت أقدم الاستشارة للحكومة الألمانية أو لغيرها لاقترحت اللجوء إلى كل الأساليب الممكنة من أجل الوصول إلى كل فرد في القيادة السورية وإقناعهم بأنه لا يوجد مستقبل زاهر لهم مع بقاء الأسد، وأنه إذا كان أي منهم يرغب في العمل ضد الأسد أو نحو مستقبل مختلف، فعلينا أن نبدأ اتصالات سرية معه. هذا عمل ناضج يجب القيام به، لكنني لا أعرف ما ينويه الألمان.
* في مؤتمره الصحافي لآخر السنة، أثنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على جهود الوزير كيري لإيجاد حل سياسي للحرب في سوريا، وقال: إنه مستعد للعمل مع أي إدارة أميركية في المستقبل، وكأنه يفصل ما بين كيري وإدارة الرئيس باراك أوباما، ويكشف بالتالي أن علاقته مع هذه الإدارة ليست جيدة. ما رأيك؟
- أنا لم أقرأ نص المؤتمر الصحافي ولا أعرف كيف أفسره.
* أنا قرأته...
- أنا معجب جدًا بجون كيري، وهو يبذل أقصى ما يستطيع، لكن ما قصده بوتين (ضحك) بالنسبة إلى لفتته لإدارة أوباما، ربما تحتاجين إلى خبراء «أشطر» مني في تفسير بوتين.
* لكن، هل تدعم الإدارة الوزير كيري في كل جهوده؟
- بكل تأكيد. لا يوجد وزير خارجية أميركي «يعمل بالقطعة»، ولا يمكنه أن يتحرك من دون دعم الرئيس أوباما بكل تأكيد.
* أيضا في مؤتمره الصحافي، انتقد الرئيس بوتين تدخل قوى خارجية في سوريا، مع العلم أن موسكو هي لاعب أساسي هناك. وقال أيضا، نحن غير مهتمين بمصير الأسد، لكن بمن سيليه، ثم قال عن الحملة العسكرية الروسية هناك، من الصعب أن نتخيل مكانًا أفضل للتدريب... الكثير من التناقضات، ما هو رد فعلك، وأريد أن أسألك عن التكاليف، إلى أي مدى يمكن لروسيا وإيران ماليًا حماية الأسد؟
- إنه لأمر مثير للسخرية، أن واحدة من القوتين الخارجيتين اللتين تدعمان نظام الأسد، تحذر قوى أخرى بمعنى: افعلوا كما أقول وليس كما أفعل... أما بالنسبة لقدرتهما على دفع التكاليف، فهذا سؤال ممتاز، فالدولتان تعانيان من مشاكل في الميزانية، وجعلتا من أولوياتهما دعم هذا القاتل الجماعي الشرس... في حين كان بإمكانهما، كما تتطلب الميزانية استعمال المال لبناء دولتيهما ودعم شعبيهما. لكنهما فضلتا دعم الأسد. أظن أنه قرار سياسي من قبل القيادتين الروسية والإيرانية من دون الأخذ بعين الاعتبار رأي شعبيهما.
* لكن ماذا عن قوله: نحن غير مهتمين بمصير نظام الأسد إنما بمن سيليه، يبدو أنه ليس حريصًا كل الحرص على بقاء الأسد في الحكم؟
- رمى مثل هذه التلميحات سابقًا، ويبدو هذا يناقض تصريحات سابقة له.
* يبدو أن إيران بعدما فقدت عددًا من كبار ضباطها في سوريا، بدأت بسحب عدد كبير من الحرس الثوري. مع هذا التطور الإيراني الأخير هل أن روسيا تفقد حليفًا مهمًا مثل إيران أو أنها تدفع إيران خارج سوريا؟
- إذا كان هذا التقرير صحيحًا، أعتقد أنه تطور كبير، وليس إشارة جيدة للأسد بل أمر جيد لسوريا إذا بدأت قوات الحرس الثوري بالانسحاب، لكنها «إذا» كبيرة، لأنني لا أملك تأكيدًا على ذلك.
* اليوم أشارت وكالة «نوفوستي» الروسية إلى أن الأسد سيزور طهران في نهاية هذا الشهر أو بداية الشهر المقبل. هل يعطي هذا أي إشارة؟
- يا إلهي، لديكتاتور محاصر وفي حالة سيئة جدًا، أن يغادر بلاده في مثل هذا الوقت، يدفع الكل إلى التساؤل عما يعني هذا وعما إذا كان سيعود من هذه الرحلة. صحيح أنه زار روسيا وعاد منها، لذلك إذا سافر إلى إيران فالكل سيتساءل عما إذا كان سيمدد إقامته. هذا سيكون مثيرًا للاهتمام.
* لنتكلم عن تركيا وأنت كنت سفيرًا في أنقرة. فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان لا يمكن التنبؤ بالخطوات التي سيقدم عليها. أخيرًا اعتبرت واشنطن وبكين أن وجوده العسكري في العراق غير شرعي واستفزازي. كيف تقرأ عقل إردوغان، وهل تعرفه؟
- نعم تشرفت بلقائه عندما كنت سفيرًا لأميركا لدى تركيا، لكن بكل تأكيد لم أحاول أن أقرأ عقله، كنت أصغي تمامًا لما يقول: إن كان في اجتماعاتنا الكبيرة أو الصغيرة، وأيضا أقرأ بياناته بتمعن. إنه رجل لديه أفكار قوية، وارتباطه قوي بمصالح بلاده. لن أتوقف عند التنبؤ أو عدم التنبؤ بما سيفعل، لكن موقفه مثلاً من سوريا منذ عام 2011 لم يتغير. كان مقربًا من الأسد وفي سنة «الربيع العربي»، حاول أن يغير تصرفات الأسد. كنت أنا هناك عام 2011 عندما بدأ الأسد يقمع بالقوة المظاهرات السلمية السياسية، وعرفت آنذاك أن رئيس الوزراء إردوغان ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو حاولا بقوة إقناع الأسد بأن يوقف القتل ويعتمد الوسائل السياسية لحل المسائل العالقة بينه وبين شعبه، وبأن يدعو إلى انتخابات، ويطلق سراح السجناء السياسيين ويسمح بدخول الصحافيين الأجانب لتغطية الأحداث، وأن يسمح بقيام أحزاب سياسية. كانت هذه ردود فعل إردوغان وأوغلو على الأحداث، وهي ردود فعل مسؤولة، لكن الأسد رفض كل هذه الاقتراحات وصعّد القتال في صيف 2011، عندها انضم إردوغان إلى الكثير من الدول وصار يعرف أن الأسد لن يغير من تصرفاته وبالتالي لا مستقبل له في سوريا.
أعتقد أنه منذ ذلك الحين كان إردوغان ثابتًا في الدعوة إلى رحيل نظام الأسد، واعتباره الأسد سبب المشاكل في سوريا.
* لكن حتى الأميركيين أصروا عليه بإغلاق حدوده أمام مقاتلي «داعش» الذين يعبرون إلى سوريا، ورفضوا اقتراح إردوغان لمناطق آمنة في سوريا، وكأن الأميركيين شككوا بنياته؟
- المسألة، حسب اعتقادي، بين الولايات المتحدة وتركيا هي عدم القدرة على التوصل إلى نهج استراتيجي واضح ومفصل ومماثل فيما يتعلق بسوريا، الأتراك كانوا على استعداد لدعم مجموعات، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لدعمها في مقاتلة الأسد على سبيل المثال، ثم إن الأميركيين لا يزالون على استعداد للعمل والتنسيق مع الأكراد السوريين للقتال ضد «داعش»، في حين أن الأتراك، وهذا طبيعي، قلقون من علاقة هؤلاء الأكراد بـ«حزب العمال الكردستاني» وهو حزب إرهابي يحارب الجمهورية التركية. إنها قضايا معقدة وتنتظر إيجاد حل لها.
* وكأن الأتراك اعترفوا بأن سياساتهم الخارجية فشلت، إذ ها هو إردوغان يتجه نحو إسرائيل. هل تعتقد أن الغاز عامل أساسي هنا، ويعد اعترافا منه أن سياسته الخارجية لم توصله إلى أي مكان؟
- أظن هذه مبالغة. بالنسبة لتركيا وإسرائيل فمنذ الوقت الذي كنت فيه هناك عام 2011، أعرف أن الدولتين كانتا تحاولان أولاً منع مغادرة سفيريهما بعد حادثة «مرمرة» عام 2010. فأبقتا السفراء حتى سبتمبر (أيلول) 2011. وخلال تلك الفترة حاول دبلوماسيو الدولتين منع تدهور العلاقات، وبعد تدهورها إثر طرد السفيرين من البلدين، ظل الطرفان يحاولان إعادة تطبيع العلاقات، وشاركت الولايات المتحدة في هذه الجهود، أولاً عبر الوزيرة هيلاري كلينتون ثم عبر جون كيري وأيضا تدخل الرئيس أوباما شخصيًا في مارس (آذار) 2013 وبذل جهدًا ليقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإردوغان للموافقة على تطبيع العلاقات، وأن يعيدا السفراء.
كل هذا كان يحدث قبل أن يسمع أحد عن «داعش». أظن أن تطبيع العلاقات من مصلحة الدولتين وعملت عليه الدولتان قبل أن يصبح الوضع في سوريا على هذا السوء.
* وقبل الأزمة التركية – الروسية؟
- نعم، لا أعتقد أن هذا التقارب هو رد فعل على الأزمة التركية مع روسيا.
* في تقرير عن الأخطار الرئيسية التي تهدد أميركا عام 2016. جاء: تصاعد القتال بين المجموعات الكردية والقوات التركية، الفوضى السياسية في مصر وليبيا، وتفتت أكثر للعراق. أعطني وجهة نظرك حول هذه الأمور خصوصًا فيما يتعلق بالأكراد والأتراك، ثم أنت كنت سفيرًا لدى مصر؟
- لدي ولع خاص بمصر وتركيا. بالنسبة إلى تركيا، فهي دولة قانون، ديمقراطية، لديها برلمان ودستور، رأينا تركيا تعبر طريقًا طويلاً كامتحان لديمقراطيتها وجمهوريتها خلال السنة العابرة في دورتي انتخابات برلمانية، الأولى في 7 يونيو (حزيران) والثانية في 1 نوفمبر (تشرين الثاني). والجمهورية مع نظامها الديمقراطي عاشت حملات انتخابية استقطابية. في الحالتين، فإن الحزب المعروف بتعاطفه الواضح مع الأقلية الكردية في تركيا، تجاوز حد الـ10 في المائة في الدورتين. هناك البرلمان حيث الصوت الكردي ممثل ليس فقط في هذا الحزب الصغير، إنما في الحزب الحاكم، هناك نواب أكراد وحتى هناك وزير في الحكومة الجديدة. إذن تركيا مجهزة بشكل جيد لحل المشكلة، ثم إن السياسيين الأتراك في الحزب الحاكم أبلغوني أنهم لا يفكرون بالقضية كمشكلة كردية إنما كمشكلة في الديمقراطية التركية حيث إن المواطنين الأكراد في تركيا يطالبون بحقوقهم كاملة كمواطنين أتراك، وعلى الدولة أن تتجاوب مع هذا.
عندما كنت في تركيا، كانت هناك عملية سياسية لتحقيق ذلك، ومع قراءتي عن تركيا الآن فهم مصرون من جهة على محاربة «حزب العمال الكردستاني» بقوة، ومن جهة أخرى على أن يتعاطوا مع المشكلة السياسية عبر البرلمان وفي مناقشات مباشرة. أنا متفائل بأن تركيا ستجد حلاً لذلك.
* وعن الفوضى في مصر وليبيا أنت المولع بمصر؟
- رغم كل الأزمات التي تواجهها مصر، تبقى الوزن الثقيل في لعالم العربي مع 90 مليون نسمة، تتمتع بنفوذ قوي بما في ذلك في ليبيا. أعتقد أن ثقل مصر ونفوذها سيكونان مهمين جدًا حين تحاول الأطراف الليبية أن تجد طريقها. إن مارتن كوبلر المكلف من الأمم المتحدة ملف ليبيا، هو دبلوماسي ناجح وقد عملت معه في عدة حقول، في هذا المجال آمل أن يؤخذ بالاعتبار الثقل المصري وتكون جزءًا من الحل في ليبيا.
* إذن، إذا وجد الحل في ليبيا فإن مصر ستكون في سلام وإلا فإنها ستظل تعاني من «داعش» وهجمات الإرهابيين في صحراء سيناء؟
- هذا واضح. في أي مكان هناك دولة ضعيفة أو دولة فاشلة يعشش فيها متطرفون مثل «داعش»، فهذا يهدد استقرار دول أخرى. إن عدم الاستقرار في سوريا يترك آثارًا مرعبة في تركيا، ولبنان، والعراق والأردن. فشل الدولة الليبية أمر سيئ لمصر وتونس.
إن مصر دولة مستقرة، وآمل أن يساهم نفوذها في إعادة الاستقرار إلى ليبيا وتساعد الليبيين على تجديد دولة مستقرة.
* بالتأكيد أنت تعتقد أن مصر ستلعب دورًا كبيرًا في تحالف الدول الإسلامية الجديد؟
- إن تحالفًا من الدول الإسلامية أو العربية من دون مصر سيعاني من فجوة كبيرة في وسطه. لهذا آمل أن تكون مصر جزءًا مركزيًا في هذا التطور، ثم إن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان دعا إلى مثل هذا التحالف. ويجب أن تكون مصر جزءًا من التحالف إذا كان سيكتب له النجاح.
* هل من نبذة عن مشروعك المتعلق بالاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط الذي تعمل عليه؟
- بعد مغادرتي الحكومة منذ سنة، فإن «المجلس الأطلنطي» معروف بعمله الاستراتيجي، لهذا، وكما قال الرئيس أوباما شخصيًا إنه ليست لدينا استراتيجية تجاه سوريا، رأيت ضرورة أن تكون لدينا رؤية استراتيجية نطورها مع شركائنا في المنطقة لإعادة توفير نظام إقليمي قائم على الدول، الدول الحقيقية وليس الدول المدعية كـ«داعش». الدول القائمة، وليس بالضرورة الديمقراطية، بل الشرعية، لأنها موجودة لخدمة شعوبها، لا يهم إن كانت ملكية، أو إمارة أو جمهورية، إنما دولة لديها قوانين منشورة تدعمها بالقضاء والوزارات وحكم القانون. هذا ما رأيناه يفشل في ليبيا ويفشل في سوريا وفي اليمن وتحت الضغط في العراق. لدينا جميعًا مصالح حيوية مشتركة في رؤية المنطقة تجدد تقوية الدول الشرعية وتخدم شعوبها وتحكم بحكمة.
أشعر أننا في حاجة إلى استراتيجية ليس لدحر «داعش»، بالتأكيد يجب دحره، إنما لديها رؤية أوسع، حيث إن الولايات المتحدة وأوروبا حتى روسيا تشترك بها مع السعودية ومع الجمهورية المصرية والأردن وتركيا، وأفترض حتى مع إيران من أجل إعادة الاستقرار إلى المنطقة، بحيث لا تبقى مساحات تديرها «شركات إجرامية» مثل «داعش»، حيث تنشر العبودية الجنسية، وتسرق النفط، وتهدد وتخطف وتقتل. هذه هي الرؤية التي يجب أن نطورها. ولتجاوز السياسة التي نعاني منها في أميركا، كالاستقطاب الذي يتابعه العالم ما بين الديمقراطيين والجمهوريين، لجأنا إلى رجلي دولة بارزين: الأولى: مادلين أولبرايت (ديمقراطية) وكانت وزيرة للخارجية وسفيرة لدى الأمم المتحدة وهي محترمة من قبل حزبها ومن خارجه. والثاني: ستيفن هادلي (جمهوري) وخدم في ثلاث إدارات جمهورية بما فيها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش. الاثنان وافقا على ترؤس فريق العمل هذا، بمثابرة وبمعرفة عميقة عن المنطقة.
الرؤية الاستراتيجية التي نضعها تتضمن 5 فصول: الأول: الأمن، وهنا يأتي دحر «داعش». الثاني: ما دور الدين في شرعية الدولة أو في الهجوم على شرعية الدولة. «داعش»، يريد أن يخطف الدين ويستغله لتحدي شرعية آل سعود، أو الدولة العراقية أو تركيا أو شرعية عدد واسع من الدول الإسلامية. الثالث: البعد الإنساني. فالاستراتيجية لدحر «داعش» لا تعني شيئا إذا تجاهلت الملايين الذين شردوا من منازلهم ومن دولهم. هناك 5 ملايين سوري مشرد داخل سوريا، و4 ملايين لاجئ خارجها، هناك الملايين من الليبيين واليمنيين والعراقيين ويجب ألا ننسى الفلسطينيين، والصومال، ومالي والسودان.. لا أحد يستطيع إدارة ظهره لهذه المشكلة الإنسانية التي ستبقى معنا لأجيال. الرابع: حول الحكم. إذا كنا نتحدث عن إعادة تجديد الدول من رماد الدول الفاشلة أو الدول المعرضة للخطر. ماذا يمكننا أن نفعل لمساعدة هذه الدول. ما هي عناصر الحكم التي تطالب بها الشعوب وكيف تلبي الدول هذا. هذه مهمة معقدة.
الخامس: البعد الاقتصادي، وما يعانيه الشرق الأوسط من مشاكل المياه أو الأزمة الهيدروكربونية.
في 15 من الشهر المقبل، سنقدم عدة مستثمرين ورجال أعمال من المنطقة سيحكون عن تجاربهم، وعما ينجح وما يمكننا أن نفعل معًا لنشر الفرص والوظائف في المنطقة. سيجري هذا في «المجلس الأطلنطي» في واشنطن.
* أشرت إلى احتمال انضمام إيران إلى هذه الاستراتيجية. لكن كيف يتم إقناع إيران بما يتخوف منه العرب وهو تدخلها في الشؤون الداخلية لهذه الدول؟
- هذا أمر مروع، لهذا قلت ربما. إذا أرادت إيران أن تكون جزءًا من منطقة مزدهرة، هناك أمور كثيرة عليها عملها، كعضو مسؤول في مجموعة الدول الشرعية في المنطقة. الاتفاق النووي مهم وإيجابي، وإذا طبقته كما نأمل سيكون ذلك خطوة مهمة وضرورية إنما غير كافية. إذا استمرت بدعم المجموعات التي تريد زعزعة الدول الأخرى، كالحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان، أو تستمر في التدخل في العراق أو دعم ديكتاتور مجرم في سوريا، لن تكون مقبولة ولن نقبلها، وجيرانها العرب لن يقبلوا. هناك خيارات أمام إيران، وإذا انتقت الخيارات الصحيحة فلماذا لا تكون جزءًا في عائلة الأمم. عشت في إيران في ظل الشاه لمدة سنتين، أعرف غنى الثقافة هناك، والحضارة التي تعود إلى القرون القديمة. لا شيء يمنعها من استرداد تلك الثقافة والحضارة. عليها أن تفعل الكثير.
* يقول بعض الأميركيين، كون الرئيس أوباما بعيدا جدًا عن الأغلبية في أميركا، تزداد شعبية دونالد ترامب؟
- لقد فاز الرئيس أوباما مرتين بالرئاسة بأغلبية الأصوات، وحتى الآن لم يفز ترامب بأي انتخابات. لن أتسرع بالحكم، وعلينا أن نرى ما إذا كان ترامب سيفوز بترشيح حزبه. لا زلنا في بداية الأيام، والإثبات في الانتخابات.
* هل تعتقد... أنه سيتلاشى مع الأيام؟
- لا أعرف. آمل ذلك. أشعر أنه يشكل إحراجا لنا والكثير في حزبه يشاركني ذلك.



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.