رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

TT

رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)
كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)

وكأنها سلاحٌ معلّقٌ على خاصرته، لم يعد كيم جونغ أون يخطو خطوة من دون ابنته كيم جو إي. في أحدث مشاويرهما معاً، رافقت الفتاة والدها إلى اختبار حيّ لإطلاق صواريخ باليستيّة. وكان قد سبق ذلك بأيام مشهدٌ غير مألوف للفتاة البالغة 13 عاماً وهي تُمسك مسدّساً وتُطلق النار بثقةٍ ودقّة، إلى جانب زعيم كوريا الشمالية. حدث ذلك خلال تفقّدهما معاً مصنعاً للذخائر الخفيفة.

من الواضح أن كيم يريد لابنته، رغم صغر سنّها، احتكاكاً مبكراً بالسلاح، فالشهر الماضي كانت الرحلة إلى ميدان رماية برفقة كبار المسؤولين، وقد أطلقوا جميعهم النار، بمن فيهم كيم جو إي، من بنادق أهداها الزعيم الكوري الشمالي لقادة عسكريين تقديراً لخدمتهم.

كيم «هيانغ دو»

اعتادت العيون أن تكون شاخصة إلى كيم جونغ أون، إلا أنّ ابنتَه باتت تشاطرُه الأضواء منذ مدّة. وقد تَضاعف الاهتمام بها مؤخراً بسبب المعلومات التي سرّبتها وكالة الاستخبارات الكوريّة الجنوبية، بأنه يجري تحضيرها لتكون وريثة أبيها.

لكن كيف يحصل ذلك في «إمبراطورية كيم» حيث لا توريث إلا للذكور؟ ثم أليسَ من المبكر الحديث عن توريث في وقتٍ لم تتجاوز فيه كيم جو إي الـ13، وفيما لا يزال والدُها في مطلع الـ40 من العمر؟

كيم جو إي ابنة كيم جونغ أون ورفيقة معظم تحرّكاته في صورة من العام الماضي (رويترز)

ليس من المعروف بعد ما إذا كان الأمر جاداً، أم مجرّد فقاعة إعلامية مثل تلك التي يحبّها كيم. أو ربما بالغت الاستخبارات الكورية الجنوبية في تحليل نوايا خصمِها الأشرس. لكنّ المؤكّد أنّ كيم الصغيرة تتصدّر الصورة في بيونغ يانغ حيث يلقّبها الإعلام بالابنة «المحبوبة» و«الموقّرة»، كما يسمّيها «Hyangdo» أي «شخص عظيم في التوجيه والإرشاد».

تكرّ سبحة التسميات تلك من دون أن يُذكَر للفتاة اسم في الصحافة المحلّية. وإذا كان العالم يعرّف عنها بكيم جو إي، فيعود السبب في ذلك إلى تصريحٍ أدلى به لاعب كرة السلة الأميركي دينيس رودمان لصحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2013؛ «لقد حملت كيم جو إي المولودة حديثاً بين ذراعيّ»، قال رودمان وهو الصديق المقرّب لكيم جونغ أون، غداة زيارته بيونغ يانغ آنذاك.

يرجّح أن تكون كيم جو إي من مواليد عام 2013 (أ.ف.ب)

مستشارة كيم السياسية

أما الآن وقد بلغت الـ13 من العمر إذا كانت حسابات رودمان دقيقة، فإنّ كيم جو إي صارت رفيقة أبيها. كلّما وزّعت وكالة أنباء كوريا الشمالية صوراً جديدةً للزعيم، وجدتها تسير بمحاذاته أو تسبقه بخطوة أحياناً. ومَن سواها يجرؤ على ذلك؟

تتابع استخبارات سيول كاشفةً عن أنّ والدها بدأ يستشيرها في القرارات السياسية. قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، فكيف لفتاةٍ تتأرجح بين الطفولة والمراهقة أن يكون لها رأيٌ في قضايا الصواريخ الباليستيّة، وقرارات السلم والحرب، والتحالفات الإقليمية؟

لكن مَن يراقب مسار دخول كيم جو إي إلى المشهد العام في كوريا الشمالية، سيلاحظ فوراً أنّ والدها وضعها في مقام كبار المستشارين، حتى وإن كان ذلك في الشكل حصراً.

إطلالات كيم... صواريخ باليستيّة ولقاءات رئاسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أطلّت كيم جو إي على العالم للمرة الأولى. لم يكن الحدث الذي اختاره لها الوالد عادياً، فهو اصطحبها معه إلى اختبارٍ لصواريخ طويلة المدى، ماسكاً يدَها وهما يتبادلان الحديث، تفحّصا الصاروخ الباليستيّ ثم شاهداه ينطلق.

كانت كيم جو إي، حينها، على مشارف الـ10 من العمر، وقد رأى المحلّلون في ذلك المشهد ملامح بروباغندا، فقرار كيم أن يكشف عن وجه ابنته أمام العالم جاء وسط تصاعد الصراع بين الكوريتين على خلفية تكثيف إطلاق صواريخ من قِبل الجارة الشمالية. وبإظهار ابنته في هكذا حدث، أراد تعزيز صورته بوصفه أباً للشعب والأمّة، وإبراز ضرورة برامج الأسلحة النووية لأمن الأجيال القادمة.

الإطلالة الأولى لكيم جو إي كانت خلال اختبار صاروخ باليستي عام 2022 (رويترز)

ثم توالت إطلالات الفتاة إلى جانب أبيها، في مناسبات متنوّعة تراوحت ما بين العروض العسكرية والتجارب الصاروخية، مروراً بإطلاق المشروعات السياحية والصناعية، وصولاً إلى الرحلات الرسمية. وفي مطلع 2023، جرى إصدار مجموعة من الطوابع تحمل صورها مع كيم في مناسبتَين عسكريتَين.

وما بين عشاءٍ مع كبار الضبّاط من هنا، واستعراض جحافل الجنود الكوريين الشماليين من هناك، كانت المحطة الأبرز لابنة الـ13 عاماً رحلتها مع والدها إلى الصين في سبتمبر (أيلول) 2025. خلال زيارته إلى بكين، حرص كيم على اصطحاب ابنته إلى معظم الاجتماعات والمآدب الرسمية.

كيم جو إي ترافق والدها في زيارة رسمية إلى الصين عام 2025 (أ.ف.ب)

بعد تلك الزيارة، تزايدت الأحاديث بخصوص احتمال تعيينها وريثة، وقد تعزّزت تلك النظرية عندما انضمّت إلى والدَيها يوم رأس السنة الجديدة في زيارة إلى قصر كومسوسان للشمس في بيونغ يانغ، وهو ضريح يعرض جثتَي جدها وجدّ أبيها المحنّطتين.

زيارة ضريح جدّها وجدّ والدها برفقة كيم جونغ أون وزوجته (رويترز)

كيم تنافس العمّة وسائر أفراد الأسرة

كيم جونغ أون متكتّم جداً حول أفراد أسرته. يُحكى أنّ لديه من زوجته ري سول جو، وهي مغنية سابقة، 3 أولاد. لا يُعرَف من هؤلاء سوى كيم جو إي، التي يُرجَّح أن تكون الابنة الوسطى بين أخٍ أكبر منها وأخٍ أو أختٍ أصغر؛ وذلك دائماً وفق التسريبات التي جمعتها السلطات الكورية الجنوبية.

وتكثر التساؤلات في هذا الإطار عن سبب تفضيل كيم لابنته على شقيقها الأكبر، هذا في حال كان وجوده حقيقياً. ولماذا يخفي ولدَيه الآخرَين عن العيون ويضع كيم جو إي في الواجهة أم أن الفتاة بمثابة حصان طروادة الذي يحمي الشقيق الأكبر تمهيداً لإعلانه لاحقاً الوريث الرسمي؟

تشير المعلومات إلى أنّ لدى كيم ولدَين غير كيم جو إي (رويترز)

يُقال كذلك إنّ كيم الصغيرة تكاد تسحب البساط من تحت قدمَي عمّتها كيم يو جونغ، وهي الشقيقة الصغرى والمفضّلة لدى زعيم كوريا الشمالية. تُعَدّ مستشارته اللصيقة وقد جرت ترقيتها إلى أعلى منصب إداري في الحزب الحاكم خلال مؤتمره الأخير قبل أسابيع.

كيم جونغ أون وشقيقته التي تتولّى منصباً رفيعاً في الحزب الحاكم (أ.ب)

كيم جو إي... طفلة بملابس سيدة ستّينيّة

وحدَها من بين سائر فتيات كوريا الشمالية يُسمح لها بأن تُفرد شعرها في المناسبات والتجمّعات الرسمية. في الـ13 من العمر، لا تشبه كيم جو إي بنات سنّها بل تبدو أكبر منهنّ. غالباً ما تظهر مؤخّراً بالسترة الجلديّة السوداء، في استنساخ لملابس والدها. وفي مناسبات أخرى، هي ترتدي البدلات الرسمية وتضع النظّارات الضخمة الداكنة وتنتعل الكعب العالي، وكأنها استعارت ملابسها من خزانة سيدة تجاوزت الـ60.

ترتدي كيم جو إي ملابس تجعلها تبدو أكبر من سنها (أ.ب)

أما المعلومات الشحيحة المتداولة عنها فتفيد بأنها تتلقّى دروسها في المنزل، كما تهوى ركوب الخيل والتزلّج والسباحة.

إن أُعلنت وريثة لوالدها أم لم تُعلَن، المؤكّد أنّ كيم جو إي ليست فتاةً عادية وهي لا تشبه سائر أطفال كوريا الشمالية إلا في أمرٍ واحد، وهو أنها مثلهم مكرّسة لعبادة الزعيم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

بيونغ يانغ: رئيس كوريا الجنوبية «حكيم»

آسيا صور التُقطت في 4 يناير 2026 تظهر حطام طائرة مسيّرة قالت كوريا الشمالية إنها انطلقت من كوريا الجنوبية وتم إسقاطها (أ.ف.ب)

بيونغ يانغ: رئيس كوريا الجنوبية «حكيم»

وصفت كوريا الشمالية، الاثنين، إبداء الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونغ الأسف لبيونغ يانغ بشأن واقعة توغل طائرات مسيّرة بأنه «حسن حظ وحكمة بالغة».

«الشرق الأوسط» (سيول)
آسيا كيم جونغ أون أشرف على اختبار أرضي لمحرك صاروخي مُطوّر يعمل بالوقود الصلب في صورة وزّعتها الوكالة الرسمية يوم 29 مارس (أ.ف.ب)

كوريا الشمالية تختبر محركاً صاروخياً قادراً على بلوغ الأراضي الأميركية

أفادت وسائل إعلام كورية شمالية بأن الزعيم كيم جونغ أون أشرف على اختبار محرك يعمل بالوقود الصلب مطوّر لأسلحة قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية كيم سون غيونغ نائب وزيرة خارجية كوريا الشمالية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle 00:41

كوريا الشمالية للأمم المتحدة: لن نتخلى أبداً عن برنامجنا النووي

 شدّد نائب وزيرة الخارجية الكورية الشمالية، الاثنين، في خطاب نادر أمام الأمم المتحدة على أن بيونغ يانغ لن تتخلى أبداً عن أسلحتها النووية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ والسيدة الأولى يغادران اليابان إلى واشنطن يوم 24 أغسطس (إ.ب.أ)

«تهديد بيونغ يانغ» يتصدّر مباحثات ترمب ولي في واشنطن

زار الرئيس الكوري الجنوبي طوكيو قبل توجّهه إلى واشنطن في مسعى إلى تنسيق المواقف حول ملفي الأمن الآسيوي والرسوم الجمركية التي أربكت النظام التجاري الآسيوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا الزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (د.ب.أ)

كوريا الشمالية تعتزم بناء مدمرة جديدة تزن 5 آلاف طن

تعتزم كوريا الشمالية بناء مدمرة جديدة تزن 5 آلاف طنّ لرفد قواتها البحرية، وذلك بعد وضع سفينتين مماثلتين في الخدمة هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

سفينة سياحية تنتظر المساعدة بعد رصد فيروس «هانتا» على متنها


سفينة «إم في هونديوس» قبالة سواحل الرأس الأخضر (أ.ب)
سفينة «إم في هونديوس» قبالة سواحل الرأس الأخضر (أ.ب)
TT

سفينة سياحية تنتظر المساعدة بعد رصد فيروس «هانتا» على متنها


سفينة «إم في هونديوس» قبالة سواحل الرأس الأخضر (أ.ب)
سفينة «إم في هونديوس» قبالة سواحل الرأس الأخضر (أ.ب)

تنتظر سفينة سياحية تقل نحو 150 شخصاً المساعدة قبالة سواحل الرأس الأخضر في المحيط الأطلسي، بعد وفاة ثلاثة ركاب وإصابة آخرين في تفشٍّ مشتبه به لفيروس «هانتا» النادر، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية والشركة المشغلة للسفينة.

وحذرت منظمة الصحة العالمية الثلاثاء، من أنه قد يكون هناك انتقال للعدوى من ‌شخص ‌لآخر ​بين المخالطين ‌عن ⁠قرب ​على متن ⁠السفينة. وذكرت ⁠أن التركيز الآن ‌ينصب ‌على ​إجلاء ‌راكبين اثنين مريضين، ‌وبعد ذلك تواصل السفينة ⁠رحلتها إلى جزر الكناري.

وأكدت المنظمة أن الخطر على عامة الناس لا يزال منخفضا.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية مساء الاثنين، رصد حالتي إصابة بالفيروس، فضلاً عن الاشتباه في وجود خمس حالات أخرى بين أشخاص على متن ‌السفينة، مشيرةً إلى أن الحالات السبع من بينهم ثلاثة ⁠أشخاص ⁠لقوا حتفهم، وآخر في حالة حرجة وثلاثة يعانون من أعراض خفيفة.

وقال مسؤولون إن الوفيات الثلاثة هم زوجان هولنديان ومواطن ألماني، وإنه تسنى إجلاء بريطاني من السفينة ويتلقى ​العلاج ​في جنوب أفريقيا.

صورة التقطها قمر اصطناعي لسفينة «إم في هونديوس» قبالة سواحل برايا في الرأس الأخضر (رويترز)

وفيروس «هانتا» هو مرض ينتقل عن طريق القوارض، وينتشر عن طريق ملامسة القوارض أو بولها أو لعابها أو فضلاتها. وتقول منظمة الصحة العالمية إنه على الرغم من ندرة انتقاله بين البشر فإن هذا الأمر قد يحدث في بعض الحالات

وحسب وكالة أنباء «أسوشييتد برس»، فقد طلبت السفينة «إم في هونديوس» المساعدة من السلطات الصحية المحلية بعد وصولها إلى جزيرة الرأس الأخضر قبالة ساحل غرب أفريقيا. لكن شركة «أوشن وايد إكسبيديشنز» الهولندية المشغلة للسفينة أفادت بأنه لم يُسمح لأحد بالنزول منها.

وأعلنت وزارة الصحة في الرأس الأخضر، أمس (الاثنين)، أنها لن تسمح للسفينة بالرسو في الوقت الراهن، وذلك حفاظاً على الصحة العامة، وأنها ستبقى في المياه المفتوحة بالقرب من الشاطئ.

ولم يتضح بعد كيف بدأ تفشي المرض على السفينة، وقالت منظمة الصحة العالمية إنها تُجري تحقيقاً في الأمر بالتزامن مع تنسيق إجلاء اثنين من أفراد الطاقم المصابين.

وأفادت السلطات بأن شخصاً آخر مصاباً، وهو رجل بريطاني تم إجلاؤه إلى جنوب أفريقيا في 27 أبريل (نيسان)، جاءت نتيجة فحصه إيجابية للفيروس. وأضاف مسؤولو الصحة أنه في حالة حرجة ومعزول في العناية المركزة.

وحسب بيان صادر عن شركة «أوشن وايد إكسبيديشنز»، فإن جثة أحد الركاب المتوفين، وهو ألماني، لا تزال على متن السفينة.

وأفاد مسؤولون بأن رجلاً هولندياً يبلغ من العمر 70 عاماً تُوفي على متن السفينة في 11 أبريل، وتُوفيت زوجته البالغة من العمر 69 عاماً لاحقاً في جنوب أفريقيا بعد مغادرتها السفينة. وأكد وزير الصحة في جنوب أفريقيا أن فحص دمها أظهر لاحقاً إصابتها بالفيروس.

وقالت مسؤولة منظمة الصحة العالمية في الرأس الأخضر، الدكتورة آن ليندستراند، إن «السلطات في الرأس الأخضر أرسلت فريقاً طبياً مؤلفاً من طبيبين وممرضة واختصاصي مختبر إلى السفينة عدة مرات، وهناك خطط لعمليات إجلاء جوي، حيث سيتم نقل الركاب من السفينة بسيارات الإسعاف إلى المطار».

وأضافت: «إنه وضع معقد للغاية بالنسبة إلى السلطات، فهم يتعاملون مع حدث صحي عام، وبالطبع يفكرون في حماية السكان هنا».

لم يُسمح لأحد بالنزول من السفينة (أ.ب)

وأشارت شركة «أوشن وايد إكسبيديشنز» إلى أنها ستدرس نقل رحلتها إلى إحدى الجزر الإسبانية مثل تينيريفي أو ميناء لاس بالماس إذا تعذر عليها إجلاء الركاب من الرأس الأخضر.

وقالت منظمة الصحة العالمية إنها تعمل مع السلطات المحلية وشركة «أوشن وايد إكسبيديشنز» على «تقييم شامل لمخاطر الصحة العامة».

وكانت الرحلة قد انطلقت من الأرجنتين مطلع أبريل (نيسان) دون تسجيل أي أعراض على الركاب، لكن فترة حضانة الفيروس قد تصل إلى ثمانية أسابيع، مما يفتح احتمال الإصابة قبل الصعود إلى السفينة.

في المقابل، بدأت السلطات الصحية في جنوب أفريقيا عمليات تتبع للمخالطين، مع تأكيد أن الوضع لا يستدعي الذعر.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز هنري ب. كلوغ: «رغم أن المرض قد يكون خطيراً في بعض الحالات، فإنه لا ينتقل بسهولة بين الناس، والمخاطر على العامة تظل منخفضة، ولا داعي للهلع أو فرض قيود على السفر».

ولا يوجد علاج محدد لفيروس «هانتا»، لكن التدخل الطبي المبكر قد يزيد فرص النجاة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)
كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)
TT

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)
كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماز على منصة «إكس»، بعد لقائه رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان على هامش قمة المجموعة السياسية الأوروبية الثامنة في يريفان: «نرى أن مجالات التعاون الرمزية والملموسة، مثل الترميم المشترك لجسر آني، الذي تمّ إقراره اليوم عبر مذكرة تفاهم، ستُسهم في ترسيخ مناخ دائم من السلام والأمن»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، أكد باشينيان عبر منصة «إكس» أيضاً، أنه أجرى «محادثة مثمرة مع نائب الرئيس التركي جودت يلماز»، مضيفاً أنه «يرحب بتوقيع البروتوكول المتعلق بإعادة الإعمار المشترك لجسر آني التاريخي».

ويعود تاريخ هذا الجسر إلى القرن العاشر، وقد شُيّد فوق نهر أرتشاتشاي الذي يحدّ موقع آني التاريخي في شرق تركيا، وهو عاصمة المملكة الأرمينية القديمة، وكان يسمح بمرور القوافل في طابقه السفلي والمشاة في الأعلى.

ولم يبق من الجسر اليوم سوى دعاماته التي لا تزال قائمة ومرئية.

صورة التُقطت في 31 ديسمبر 2025 تظهر أطلال جسر آني التاريخي (أ.ف.ب)

ويخضع الموقع، المُدرج في قائمة التراث العالمي لليونيسكو منذ عام 2016، بالفعل لتعاون علمي بين البلدين.

ولم تُقم يريفان وأنقرة علاقات دبلوماسية، كما أن حدودهما البرية، التي فُتحت لفترة وجيزة في أوائل تسعينات القرن الماضي، ما زالت مغلقة.

ويواصل البلدان تقارباً حذراً منذ نهاية عام 2021، بعد هزيمة أرمينيا أمام أذربيجان في نزاع ناغورنو كاراباخ.

صورة من اللقاء الثنائي الأرميني التركي (صفحة رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان على إكس)

وفي أواخر أبريل (نيسان)، قررا إعادة تشغيل خط السكك الحديد كارس - غيومري على جانبي الحدود، كما نفذت شركة الخطوط الجوية التركية أول رحلة مباشرة بين إسطنبول ويريفان في مارس (آذار).

ويسعى الأرمن إلى دفع المجتمع الدولي للاعتراف بالإبادة الجماعية، وهو ما أقرّ به عدد كبير من المؤرخين وكذلك حكومات وبرلمانات في نحو ثلاثين دولة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.

وبحسب يريفان، قُتل ما يصل إلى 1.5 مليون شخص بين عامي 1915 و1916، حين قمعت السلطات العثمانية الأقلية الأرمنية المسيحية التي كانت تتهمها بالخيانة وموالاة روسيا.

في المقابل، تعترف تركيا التي نشأت بعد تفكك الإمبراطورية عام 1920، بوقوع مجازر لكنها ترفض وصفها بالإبادة الجماعية، معتبرة أنّ ما جرى كان في سياق حرب أهلية في الأناضول رافقتها مجاعة، وأدّى إلى مقتل ما بين 300 ألف و500 ألف أرمني وعدد مماثل من الأتراك.


حربا إيران وأوكرانيا في فلسفة الحرب اللاتماثليّة

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

حربا إيران وأوكرانيا في فلسفة الحرب اللاتماثليّة

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

يُشكّل المفكّر العسكري البروسي، كارل فون كلوزفيتز، نقطة تحوّل في الفكر العسكري التاريخيّ، حسبما يقول كثير من المؤرخين؛ فهو الذي ارتقى في وصف الحرب بأنها «السياسة، لكن بوسائل أخرى». الحرب، بالنسبة إليه، هي عملية «حرب إرادات». فهي عملية سياسيّة واجتماعيّة معقّدة جدّاً. إنها كالحرباء (Chameleon)، تُغيّر لونها حسب المحيط الذي توجد فيه. وفيها الاحتكاك (Friction)، أي البون الشاسع بين التخطيط على الورق وعمليّة التنفيذ، الأمر الذي حدا بالقائد العسكريّ الألماني، هلموت فون مولتكه الأكبر، للقول: «إن أفضل مخططات الحرب لا يصمد بعد الطلقة الأولى». وبالنسبة إلى كلوزفيتز، خوض الحرب هو كمن يحاول الركض في الوحل.

يؤكّد المفكّر الفرنسيّ الكبير الراحل، غاستون بوتول، ما خلص إليه كلوزفيتز، ويقول إن الحرب هي أروع الظاهرات الاجتماعيّة، فهي التي ولّدت التاريخ، والتاريخ هو تاريخ المعارك وسيبقى كذلك.

لكن الحرب ليست مستمرّة في الزمان والمكان، فعليها أن تتوقّف لقياس النجاح أو الفشل، وبناء عليهما سيتحتّم اتخاذ قرار بوقف الحرب، أو الاستمرار فيها، أو تغيير الاستراتيجيات، في حال كونها خاطئة ولا تؤدّي إلى تحقيق الأهداف السياسيّة. وفي هذا الإطار، يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل عن الحرب إنها «عبارة عن سلسلة من الكوارث التي تؤدي إلى نتيجة غير متوقعة».

في «اللاتماثل» (Asymmetry)

تقوم الحياة ككل على اللاتماثل، وهو لا يقتصر فقط على المفهوم الحربيّ أو الاستراتيجيّ. فبين الفقير والغني هناك لا تماثل، وبالاتجاهين. في العلاقة الجندرية هناك لا تماثل أيضاً. يميل الإنسان عادة في علاقاته مع الآخرين إلى التركيز على نقاط ضعف الآخر واستغلالها كي يفرض إرادته. وهذا في جوهره يُعدّ لا تماثلاً. يكثُر الحديث في مجالات التحليل العسكري عن النزال بين داوود وجالوت بوصفه حرباً لا تماثليّة بين قويّ وضعيف. لكن الارتقاء في تحليل هذه القصة إلى المستوى الفلسفيّ (وليس من منظور ديني) يدلّ على ثبات الطبيعة البشريّة في أنها دائماً تذهب إلى الأسهل والأقلّ كلفة. فالقصة هنا ليست قصة «صغير يهزم عملاقاً». القصة لها أبعاد عسكريّة وسياسيّة ونفسيّة في الوقت نفسه. فالمقلاع في ذلك الوقت كان من الأسلحة الأكثر استعمالاً وفاعليّة. لكن الأهمّ في تاريخ الحروب هو في كيفيّة استعمال ما نملك من وسائل -كل شيء في التكتيك- وليس فقط في: كم نملك وماذا نملك؟ فماذا لو فُسّرت المعركة بين داوود وجالوت على أنها بين الثابت-الثقيل (جالوت) والمناور المُتحرّك (داوود)، وماذا لو فُسّرت على أن داوود فرض طريقة قتاله على جالوت؟ وبالطبع، تنطلق هذه الأسئلة من منظور عسكري بحت، في حين في المفهوم الديني يرتبط انتصار داوود على جالوت بالصراع بين الإيمان والكفر.

فتيات يقلدن حركة مرور الصواريخ خلال أداء أغنية بمناسبة دينية في طهران يوم 29 أبريل 2026 (أ.ب)

وفي الإطار نفسه، يخطئ كثير من المُحلّلين في اعتبار أن اللاتماثل هو سلاح الأضعف. فهل امتلاك التكنولوجيا المتقدّمة يُعد مصدر قوة للضعيف أم أنه سيخلق بحدّ ذاته وضعاً لا تماثليّاً لصالح الأقوى؟ ألم تستعمل إسرائيل التكنولوجيا المتقدّمة، بالإضافة إلى الخداع الاستخباراتي (Deception)، لإعطاب أكثر من 3000 مقاتل من «حزب الله» دفعة واحدة عبر «عملية البيجر» (Pagers) عام 2024 في لبنان؟ ألم تخترق إسرائيل محيط المرشد الإيراني تكنولوجياً لجمع الاستعلام عنه، الأمر الذي ساعد في تدبير عملية اغتياله مع كبار المسؤولين في نظام الحكم في طهران؟

ألم تخلق الولايات المتحدة وضعاً لا تماثلياً مع إيران فيما يخصّ العقوبات؟ ألا يسيطر الدولار الأميركي على أكثر من 50 في المائة من احتياطات دول العالم من العملة الصعبة، وعلى أكثر من 50 في المائة من عملة التبادل التجاري، خصوصاً في مجال الطاقة؟

إذن، قد يمكن القول إن اللاتماثل يرتكز على المعادلة الآتية: أن يُرسم مسرح المعركة أو الصراع من قِبل الضعيف أو القويّ، وبشكل يستعمل فيه أفضل ما يملك، في مقابل منع الأقوى أو الأضعف من أن يستعمل أفضل ما يملك. إذا استطاع فريق ما التأقلم والخروج من اللاتماثل تسقط مباشرة هذه الحالة. وعليه، وجب البحث عن واقع جديد. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لإسرائيل أن تعوّض خسارة العنصر البشري كونه محدوداً لديها؛ لذلك يبقى اللاتماثل لصالح أعداء إسرائيل مهما حاولت التأقلم مع مثل هذا الوضع. ومن هنا يمكن فهم تركيز أعداء إسرائيل على قتل جنودها، أو خطفهم، نظراً إلى أهمية العنصر البشري لديها.

حرب القرن الحادي والعشرين تُخاض في وسائط (Medium) متعدّدة وفي الوقت نفسه، وهي: البرّ، والبحر، والجو، والفضاء، والسايبر، وحتى الحرب الإعلاميّة والحرب الإدراكيّة (Cognitive). الأقوى هو الذي يسيطر على أغلب هذه الوسائط. ولذلك قد يمكن القول إن اللاتماثل في هذه الحالة هو لصالح الأقوى. من هنا اعتماد حركة «حماس» في حربها مع إسرائيل، بعد عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، على الاتصالات التقليديّة تحت الأرض، وعلى استخدام العنصر البشري لنقل المعلومة.

في بعض أوجه اللاتماثل

رئيس الأركان الأميركي دان كين يتحدث للصحافيين في فرجينيا يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تخلق الجغرافيا وضعاً لا تماثلياً وبامتياز حتى مع التطوّر التكنولوجي الذي يُعطي الأفضلية للأقوى. تمثّل الجغرافيا اللاتماثل في الحرب الدائرة اليوم بين كل من أميركا وإسرائيل من جهّة، وإيران من جهّة أخرى. تبلغ مساحة إيران أكثر من 80 مرّة مساحة إسرائيل، الأمر الذي يعطيها أفضلية نشر قواها ووسائلها على مساحة 1.6 مليون كيلومتر (لا تماثل إيجابي). لكن لا يمكن لإيران حماية هذه المساحة من الهجمات (لا تماثل سلبي). في المقابل، وبسبب صغر مساحة إسرائيل، فالأهداف ذات القيمة الاستراتيجية الكبرى توجد بكثافة في رقعة صغيرة (لا تماثل سلبي). لكن صغر المساحة يسمح لإسرائيل بتأمين حماية جويّة أفضل من إيران (لا تماثل إيجابيّ). وفي هذا الإطار، يقول كثير من المفكّرين العسكريين والمؤرّخين إن الثقافة الاستراتيجيّة العسكريّة الإيرانيّة تقوم على المرتكزات التالية: الجغرافيا، والتاريخ، والآيديولوجيا، وعدم التكافؤ. والهدف دائماً هو البقاء والاستمراريّة، وعدم الخسارة، مع إطالة عمر الصراع والحرب. ومن هذا المنطلق، واضح أن إيران لا يمكنها أن تنتصر في المواجهة مع أميركا وإسرائيل، لكنها تشكّل «عامل التعطيل» (Disruptor) المُستدام.

ولأن الجغرافيا مهمة، ولا يمكن الهروب منها حتى في القرن الحادي والعشرين، يذكر الكاتب والمفكّر الفرنسي جيرارد شاليان، في كتابه «إمبراطوريات البدو» (Nomadic Empires)، الواقعة التالية التي حصلت بين داريوش الأوّل ملك الفرس من جهّة، وزعيم قبائل السكيثيون من جهّة أخرى، وهي كالآتي: «في نهايات القرن السادس ق.م، قاد داريوش الأول (الإمبراطورية الأخمينيّة) حملة ضد قبائل السكيثيون (Scythians) بهدف إخضاعهم. وبسبب عدم توازن القوى، قرر هؤلاء عدم خوض حرب مباشرة مع داريوش، معتمدين سياسة الأرض المحروقة خلال تراجعهم. وبعد فترات طويلة من الملاحقة، قرّر داريوش التوقّف عن الملاحقة وبعث برسالة إلى قائد هذه القبائل التي تتجنّب المعركة قائلاً فيها: «بربّك، لماذا تتهرّب من المواجهة؟ أمامك خياران: إما أن تقاتل إذا اعتبرت نفسك قوياً كفاية، وإما إذا اعترفت أنك ضعيف فما عليك إلا أن تخضع لسيّدك، فتأتي إلى التفاوض». لكن ردّ زعيم القبائل على رسالة داريوش تلك، كانت معبّرة جدّاً، وتعكس الثقافة العسكريّة-القتالية لتلك القبائل. كان مضمون الرسالة الرد على داريوش على الشكل الآتي: «إنك لا تعرفني يا سيّد بلاد الفرس. فأنا لم أهرب من أحد من قبل، كما لا أفعل الآن. ما أفعله هو الأمر الطبيعي لي. هكذا هي حياتيّ، إن كان في الحرب أو السلم. وتسألني لماذا لا أقاتل؟ ففي بلدي لا توجد مُدن لأدافع عنها، كما لا توجد أرض زراعيّة أخاف من إحراقها. فنحن لا نملك شيئاً. لكننا نقاتل دفاعاً عن قبور الأجداد. فما عليك إلا أن تجد هذه القبور، عندها سترانا أمامك جاهزين للقتال. وحتى ذلك الوقت، سنستمر بتجنّب القتال».

وإذا كانت حياة هذه القبائل هي التنقّل المستمرّ، فكيف لداريوش أن يُحدّد مكان قبور الأجداد، فهي منتشرة حسب حركة هذه القبائل على أراضٍ شاسعة جداً.

امرأتان من قوات «الباسيج» في طهران يوم 17 أبريل 2026 (أ.ب)

في هذه الحادثة، يُعدّ التهرّب من المعركة واستغلال المساحة أو المسافة، واستخدام استراتيجيّة الأرض المحروقة، بمثابة «اللاتماثل» في تجلّياته الكبرى. فعدم القتال والحفاظ على الذات بسبب الخلل الكبير في موازين القوى، سيحرم حتماً داريوش من الشعور بملكيّة الأرض والشعب ضمن إمبراطوريته العظمى، كما سيمنعه من قياس النصر على شعب شبح، يسكن أرض الإمبراطوريّة الفارسية، لكنه لا يأتمر بأوامر سيّدها.

استعملت روسيا العمق الجغرافيّ مرتيّن بوصفه حالة لا تماثلية. في المرّة الأولى ضد نابليون خلال حملته ضدها، وفي المرّة الثانية ضد هتلر خلال الحرب العالمية الثانية. ولأن روسيا تُعد أكبر دولة في العالم من حيث المساحة (17.1 مليون كيلومتر)، ولأن كثافة السكان فيها قليلة جداً (9 نسمات/كيلومتر)، ولأن أغلب السكان فيها موجودون في القسم الغربي الأوروبي، فإن هذا الأمر يخلق لا تماثل سلبياً تجاه الجار الضخم الصين. تعوّض روسيا هذا اللاتماثل عبر الردع النووي الأكبر في العالم (6500 رأس نوويّ).

في خمسينات القرن الماضي، أطلق الرئيس الأميركي عقيدة الردّ النووي الشامل (Total Response) على أي اعتداء سوفياتيّ. رد الروس بسلوك طريق ملتوية لا تماثليّة عبر بناء قوات تقليدية والتعامل مع العالم عبر الوكلاء (Proxies). كانت فكرة الروس أنه لا يمكن لأيزنهاور أن يردّ نوويّاً على الوكلاء. وعليه، غيّر الرئيس جون كينيدي المعادلة إلى الردّ المرن (Flexible Response) معتمداً على بناء القوى العسكرية التقليديّة، بما في ذلك القوات الخاصة. تشرح هذه الحالة كيف تأقلم الأميركيون في عهد كينيدي مع اللاتماثلية التي خلقها السوفيات.

صورة وزّعتها البحرية الأميركية في 17 أبريل 2026 تظهر حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن وهي تشارك في عمليات الحصار على إيران في بحر العرب في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

في اللاتماثل... حالة السيف في مواجهة الدرع

إذا كان يُقال في الأمثال العربيّة «لكلّ مقام مقال»، فقد يمكن القول في الحروب ومجال التسليح، إن مقابل كل سيف لا بد من وجود درع (Sword & Shield). فما المقصود بذلك؟ عندما يبتكر، أو يخترع، بلد ما سلاحاً جديداً يقلب المقاييس القائمة، فهذا يعني أن حالة اللاتماثل هي في أوجها (Sword). وعندما يبتكر أو يخترع الفريق المقابل سلاحاً مُضاداً لضرب اللاتماثل (Shield) وإعادة الأمور إلى نصابها، فقد يمكن تسمية هذه المرحلة مرحلة سباق التسلّح (Arms Race). تتميّز هذه المرحلة بصراع بين التماثل واللاتماثل، لكن ليس بالضرورة أن يُجرّب السيف أو الدرع.

ظهرت هذه المفاهيم أكثر ما ظهرت في الحرب الأوكرانيّة التي لا تزال مشتعلة لأكثر من 4 سنوات. في هذه الحرب، استطاعت أوكرانيا تدمير أغلب القطع البحرية الروسيّة في البحر الأسود، رغم أنها لا تمتلك أسطولاً بحرياً. شكّلت المسيّرات المائيّة الأوكرانيّة «السيف» في المعادلة، فردّت روسيا عبر تحييد ما تبقّى من أسطولها في مرافئ بعيدة عن متناول المسيّرات الأوكرانيّة.

اللاتماثل بين الدفاع والهجوم

شكّلت الحرب الروسيّة على أوكرانيا نقطة تحوّل في شكل وخصائص الحروب المستقبليّة. دخلت المسيّرة بكل أنواعها لتعطي سلاحاً جويّاً لمن لا يملك سلاحاً جويّاً. كما أعطت المسيّرة البحريّة سلاح البحريّة لمن ليس لديه سلاح بحري. غيّرت هذه الحرب التوصيف الوظيفيّ للمقاتل. قصّرت الوقت لعملية اتخاذ القرار إلى الحدّ الأدنى. كما مهّدت الطريق لدخول الذكاء الاصطناعي إلى الحرب وبقوّة. ولأنه يُقال إنه لا يمكن عكس (Irreversible) الوعي البشري، فقد يمكن القول إنه، في الحرب المقبلة، سيحتل الذكاء الاصطناعي مساحة أكبر، هذا إذا لم يسيطر بالكامل على الحرب، خصوصاً في عمليّة اتخاذ القرار. وفي مثل هذه الحالة، سيُشكّل الذكاء الاصطناعي لمن يملكه ويتحكّم به «السيف» القاطع لقلب موازين القوى، وذلك بانتظار من سيأتي بـ«الدرع». لكن وفي كل الحالات، سيبقى اللاتماثل وعكسه مُستداماً ما دامت الطبيعة البشرية مستمرة كما نعرفها.

عسكريون في جنازة جنود قُتلوا خلال الحرب ضد روسيا بمقبرة في كييف يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل إن الحرب تقوم على المثلث التالي: الإرادة، والصمود، والحسم. وفي كل من هذه الأسس، هناك اللاتماثل، خصوصاً الصمود الذي يتعلّق مباشرة بالوقت والقدرة على تأمين وسائل الحرب.

في الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، استهلكت القوات الأميركيّة، حسب جريدة «نيويورك تايمز»، الذخائر التالية (هذا عدا الكلفة غير المباشرة في العتاد والعديد): 1100 صاروخ «كروز» شبح بعيد المدى ضد الأهداف المُحصّنة، أي بمعدّل نصف الكميّة المتبقيّة. تتراوح كلفة كل صاروخ بين مليون و2.6 مليون دولار. كذلك الأمر، استُهلكت 1200 صاروخ من الدفاعات الجويّة من نوع «باتريوت»، بكلفة 4 ملايين دولار لكل صاروخ. أيضاً، استهلك ما يُقارب من 1000 صاروخ أرض-أرض بعيد المدى من نوع «ATACMS». تبلغ كلفة الصاروخ الواحد تقريباً نحو 1.5 مليون دولار. استهلكت «البحرية الأميركيّة» أيضاً 1000 صاروخ «كروز» من نوع «توماهوك»، بكلفة 3.6 مليون دولار للصاروخ الواحد. وما تبقّى من هذه الصواريخ في المخازن الأميركيّة يُقدّر بـ3000 صاروخ. قُدّرت الكلفة الإجمالية، حسب المصدر نفسه، بنحو 30 مليار دولار. في اليومين الأولين لبدء الحرب، صرفت أميركا نحو 5.6 مليار دولار. دمّرت أميركا خلال 38 يوماً من المعارك نحو 13000 هدف إيرانيّ. لكن تبقى الترجمة السياسيّة لهذا النجاح مُعلّقة حتى الآن. إذن، هناك استهلاك كبير من الجهّة الأميركيّة للذخائر المُكلفة جدّاً، مقابل ذخائر إيرانيّة وأسلحة بخسة الثمن يمكن تعويضها بسرعة، بعكس الحالة الأميركيّة.

ظهّرت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب الحرب الأوكرانيّة-الروسية، المعادلة الآتية:

كلفة الدفاع مقابل الهجوم: قد يمكن الركون في هذه المقاربة إلى مبدأ «السيف والدرع» (المشار إليها أعلاه). يُشكّل السلاح الأقلّ كلفة مقابل السلاح المرتفع الكلفة معضلة استراتيجيّة كبيرة. فالسلاح الأقلّ كلفة يضع عدّة أعباء على الفريق الأقوى، التي يتمثّل أهمّها في: أوّلاً، تتحوّل الحرب العسكريّة إلى حرب استنزاف اقتصادي خطيرة جدّاً فيما لو طالت الحرب. ثانياً، وبسبب اعتماد مبدأ الإغراق (Overwhelming) للمنظومات الدفاعيّة، مثلاً بواسطة العديد من المسيّرات (Swarming)، يستنزف هذا التكتيك الكثير من الدفاعات الجويّة التي تستلزم الكثير من الوقت للتعويض والتصنيع. فعلى سبيل المثال، يستلزم تصنيع صاروخ «باتريوت» واحد مدة لا تقلّ عن 12 شهراً. في المقابل، وحسب بعض المصادر المفتوحة، لا يستلزم تصنيع مسيّرة «شاهد-136» أكثر من عدّة أيام أو أسابيع. لكن الخطير في هذه المعادلة هو أن الكثرة (Mass) في الاستعمال (الكثير من المسيّرات في الوقت نفسه - ما يُعرف بأسلوب الـ«Swarm»)، أصبحت هي بحدّ ذاتها معادلة ذكيّة. في هذا الإطار، قد يمكن العودة إلى الحرب الأوكرانيّة بوصفها مثالاً حيّاً لخصائص حروب القرن الـ21، التي أثبتت أن مبدأ «الحرب القصيرة، والنظيفة، والذكيّة، والسريعة» والتي استعد لها الغرب، كان فعلاً عبارة عن وهم. ففي الحرب الأوكرانيّة، ظهرت ثلاثة أنواع من الحروب هي: حرب الخنادق الدفاعيّة على غرار الحرب العالمية الأولى، وحرب المناورة على غرار الحرب العالمية الثانية، والحرب الحديثة التكنولوجية حيث استُعمل فيها الذكاء الاصطناعيّ. لكن الجدير ذكره في الحرب الأوكرانيّة هو كثافة استهلاك الذخيرة، خصوصاً قذائف المدفعيّة من عيار «155 ملم». في بدايات الحرب الأوكرانيّة، كان معدّل استهلاك المدفعيّة الأوكرانية من ذخيرة الـ«155 ملم» يتراوح بين 6000 و8000 قذيفة. في المقابل كان معدّل استهلاك القوات الروسية من الذخيرة نفسها يتراوح بين 20000 و60000 قذيفة يوميّاً. ولوضع الأمور في نطاقها بهدف المقارنة، كانت أميركا قبل الحرب تنتج شهرياً 14400 قذيفة مدفعيّة فقط. وأخيراً، أظهرت الحرب الأوكرانيّة، كما الحرب مع إيران، أن أميركا لا تملك القاعدة الصناعية العسكريّة القادرة على تأمين ذخائر الحرب، حتى ضد عدو يُصنّف على أنه قوّة كبرى إقليميّة، مثل إيران. فكيف لو قرّرت أميركا خوض حربين إقليميّتين، مع السعي إلى ردع الصين في الوقت نفسه؟ معضلة الدفاع تكمن في حتميّة نجاحه المُطلق وبنسبة 100 في المائة، وهذا أمر مستحيل. في المقابل، لا يستلزم الصاروخ الهجومي سوى إحداثيات الهدف. كذلك الأمر، منظومة الدفاع معقّدة جداً، تستلزم منظومة مُكلفة، من الإنذار المُبكر والرصد، إلى تفعيل الدفاعات الجويّة وعلى عدّة مستويات (Layers). لكن يكفي أن يكون هناك خطأ، بشري، أو تقني، أو خوارزماتي (Algorithm) كي تكون الخسارة كبيرة.

في الختام، قد يمكن القول إن الحرب مع إيران قد أظهرت محدوديّة القوّة العسكريّة الأميركيّة. فالولايات المتحدة استعملت كل، وأفضل، ما تملك من قوى عسكرية، وبحريّة، وجوّية، وفضائيّة وسيبرانيّة (دون الوصول إلى استعمال السلاح النوويّ). ولا شك أن المنافسين يراقبون كيف تقاتل أميركا وماذا تستعمل، وما الدروس المستقاة من حروبها، وكيف يمكن رسم الاستراتيجيات ضد قواتها، خصوصاً البحرية منها، لأن الخبراء العسكريين يعتقدون أن أيّ حرب أميركيّة-صينيّة ستكون بحريّة وبامتياز. وهنا قد يمكن طرح الأسئلة الآتية: كيف ستُصنّع أميركا الأسلحة دون استيراد مواد «المعادن النادرة» (Rare Earth) التي تسيطر الصين على 90 في المائة من احتياطيها العالمي؟ وكيف سيكون شكل الحرب البحرية الأميركية-الصينية، علماً أن الصين خاضت آخر حروبها عام 1979 عندما تواجهت مع فيتنام في قتال لم يدم سوى 3 أسابيع و6 أيّام؟

Your Premium trial has ended