كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

مخاوف جمهورية من تداعيات الصراع الاقتصادية على حظوظهم الانتخابية

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
TT

كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)

في 18 فبراير (شباط)، وبينما كان الرئيس دونالد ترمب يدرس ما إذا كان سيشن هجمات عسكرية على إيران، قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، في مقابلة، إنه غير قلق من أن تؤدي الحرب الوشيكة إلى تعطيل إمدادات النفط في الشرق الأوسط وإحداث فوضى في أسواق الطاقة.

وقال رايت إنه حتى خلال الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، كان هناك اضطراب محدود في الأسواق. وأضاف: «ارتفعت أسعار النفط قليلاً ثم عادت إلى الانخفاض». وكان بعض مستشاري ترمب الآخرين يتبنّون وجهات نظر مماثلة في أحاديث خاصة، متجاهلين التحذيرات من أن إيران قد تشن (في المرة الثانية) حرباً اقتصادية، عبر إغلاق الممرات البحرية التي تنقل نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

أزمة اقتصادية

تكشف حجم الخطأ في التقدير خلال الأيام الأخيرة، حين هددت إيران بإطلاق النار على ناقلات النفط التجارية التي تعبر مضيق هرمز، وهو عنق زجاجة استراتيجي يجب أن تمر عبره جميع السفن في طريقها للخروج من الخليج. ورداً على التهديدات الإيرانية، توقّفت حركة الشحن التجاري في المنطقة، وقفزت أسعار النفط، وبدأت إدارة ترمب تبحث على عجل عن سبل لاحتواء أزمة اقتصادية أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بالنسبة للأميركيين.

دخان يتصاعد من ناقلة تايلاندية بعد تعرضها لهجوم بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ويجسد هذا الحدث إلى أي مدى أساء ترمب ومستشاروه تقدير كيفية رد إيران على صراع ترى فيه الحكومة في طهران، عاصمة إيران، تهديداً وجودياً. فقد ردّت إيران بصورة أكثر عدوانية بكثير مما فعلت خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، مطلقةً وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد عسكرية أميركية، ومدن في دول عربية بالشرق الأوسط، وعلى مراكز سكنية إسرائيلية.

واضطر المسؤولون الأميركيون إلى تعديل خططهم على عجل، من إصدار أوامر متسرعة بإجلاء السفارات إلى وضع مقترحات سياسية لخفض أسعار الوقود.

وبعد أن قدّم مسؤولو إدارة ترمب إحاطة مغلقة للنواب، يوم الثلاثاء، قال السيناتور كريستوفر مورفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الإدارة «لا تملك أي خطة» لمضيق هرمز، و«لا تعرف كيف تعيد فتحه بأمان».

داخل الإدارة، بدا بعض المسؤولين يزدادون تشاؤماً بسبب غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب. لكنهم كانوا حريصين على عدم التعبير عن ذلك مباشرة للرئيس، الذي كرّر مراراً أن العملية العسكرية حققت نجاحاً كاملاً.

وقد طرح ترمب أهدافاً قصوى، مثل إصراره على أن تعيين إيران قائداً يخضع له، في حين وصف وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث أهدافاً أضيق وأكثر تكتيكية قد توفر مخرجاً قريباً من الحرب. وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الإدارة «كانت لديها خطة قوية» قبل اندلاع الحرب، وتعهَّدت بأن تنخفض أسعار النفط بعد انتهائها. وأضافت في بيان: «إن الاضطراب المتعمَّد في سوق النفط من قبل النظام الإيراني قصير الأمد، وهو ضروري لتحقيق المكسب طويل الأجل المتمثل في القضاء على هؤلاء الإرهابيين والتهديد الذي يُشكّلونه على أميركا والعالم». ويستند هذا المقال إلى مقابلات مع نحو اثني عشر مسؤولاً أميركياً طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لتطرّقهم إلى محادثات خاصة.

«أظهروا بعض الشجاعة»

أقر هيغسيث، يوم الثلاثاء، بأن الرد الإيراني العنيف ضد جيرانه فاجأ «البنتاغون» إلى حد ما. لكنه أصرّ على أن تصرفات إيران جاءت بنتائج عكسية. وقال بمؤتمر صحافي في «البنتاغون»: «لا أستطيع القول إننا توقعنا بالضرورة أن يكون هذا بالضبط رد فعلهم، لكننا كنا نعلم أنه احتمال وارد». وأضاف: «أعتقد أنه كان دليلاً على يأس النظام».

ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض من فلوريدا - 9 مارس (نيويورك تايمز)

وقد أبدى ترمب إحباطاً متزايداً من تأثير الحرب على إمدادات النفط، قائلاً لشبكة «فوكس نيوز» إن على أطقم ناقلات النفط «إظهار بعض الشجاعة» والإبحار عبر مضيق هرمز. وكان بعض المستشارين العسكريين قد حذروا قبل الحرب من أن إيران قد تطلق حملة عدوانية رداً على الهجوم، وأنها ستنظر إلى الضربة الأميركية - الإسرائيلية على أنها تهديد لوجودها. لكن مستشارين آخرين ظلوا واثقين من أن قتل القيادة العليا الإيرانية سيؤدي إلى وصول قادة أكثر براغماتية قد يسعون إلى إنهاء الحرب.

وعندما أُطلع ترمب على المخاطر المتمثلة في احتمال ارتفاع أسعار النفط في حال اندلاع الحرب، أقرّ بإمكانية حدوث ذلك، لكنه قلّل من شأنه باعتباره مصدر قلق قصير الأمد ينبغي ألا يطغى على مهمة «قطع رأس» النظام الإيراني. ووجه رايت ووزير الخزانة سكوت بيسنت للعمل على تطوير خيارات لمواجهة أي ارتفاع محتمل في الأسعار.

ترمب برفقة هيغسيث وخلفهما المبعوث الخاص ستيف ويتكوف على متن طائرة الرئاسة - 7 مارس (رويترز)

لكن الرئيس لم يتحدث علناً عن هذه الخيارات - بما في ذلك تأمين المخاطر السياسية المدعوم من الحكومة الأميركية، وإمكانية مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط - إلا بعد أكثر من 48 ساعة من بدء الصراع. ولم تبدأ هذه المرافقة حتى الآن.

ومع اضطراب الأسواق العالمية بسبب الحرب، بدأ الجمهوريون في واشنطن يشعرون بالقلق من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إلحاق الضرر بجهودهم لتسويق أجندتهم الاقتصادية للناخبين، قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد جادل ترمب، علناً وفي أحاديث خاصة، بأن النفط الفنزويلي يمكن أن يساعد في معالجة أي صدمات ناجمة عن حرب إيران. وأعلنت الإدارة يوم الثلاثاء عن مصفاة جديدة في تكساس قال مسؤولون إنها قد تساعد في زيادة إمدادات النفط، بما يضمن ألا تتسبب إيران في أي ضرر طويل الأمد لأسواق النفط.

مخرج محتمل

قال ترمب إن الحرب قد تستمر لأكثر من شهر، لكنه قال أيضاً إنها «شبه مكتملة إلى حد كبير». وأضاف أن الولايات المتحدة «ستمضي قدماً بعزم أكبر من أي وقت مضى».

غير أن روبيو وهيغسيث يبدوان، في الوقت الحالي، وكأنهما نسّقا رسائلهما حول ثلاثة أهداف محددة، باشرا عرضها في تصريحات علنية، يومي الاثنين والثلاثاء.

وقال روبيو في فعالية بوزارة الخارجية، يوم الاثنين، قبل أن يعقد ترمب مؤتمره الصحافي إن «أهداف هذه المهمة واضحة. إنها تدمير قدرة هذا النظام على إطلاق الصواريخ، وذلك من خلال تدمير صواريخه ومنصات إطلاقها، وتدمير المصانع التي تصنع هذه الصواريخ، وتدمير بحريته». وقد عرضت وزارة الخارجية الأهداف الثلاثة حتى في شكل نقاط، وسلّطت الضوء على مقطع فيديو لروبيو يذكرها عبر حساب رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي.

وزير الحرب ونائب الرئيس الأميركيين لدى وصول جثمان جندي أميركي إلى ديلاوير، بعد مقتله في خضمّ الحرب مع إيران (أ.ف.ب)

وبدا عرض روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، وكأنه يُمهّد الطريق للرئيس لإنهاء الحرب عاجلاً لا آجلاً. وفي مؤتمره الصحافي، تفاخر ترمب بأن الجيش الأميركي دمّر بالفعل قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية وبحريتها. لكنه حذر أيضاً من اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية، إذا حاول القادة الإيرانيون قطع إمدادات الطاقة العالمية.

وقال ماثيو بوتينغر، الذي كان نائب مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب الأولى، في مقابلة، إن الرئيس لمح إلى أنه قد يقرر السعي إلى أهداف حرب طموحة قد تستغرق أسابيع على الأقل. وأضاف بوتينغر: «في مؤتمره الصحافي، شعرت بأنه يعود إلى تبرير القتال لفترة أطول قليلاً، نظراً إلى أن النظام ما زال يبعث إشارات بأنه لن يرتدع، وما زال يحاول السيطرة على مضيق هرمز».

وتابع بوتينغر، الذي يشغل حالياً رئاسة «برنامج الصين» في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، وهي مجموعة تدعو إلى شراكة أميركية وثيقة مع إسرائيل ومواجهة إيران: «هو لا يريد أن يضطر إلى خوض حرب تكملة».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)

ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

قال الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، الجمعة، إنه لا يعتقد أن إيران مستعدة لإبرام «الاتفاق المناسب»، وإن واشنطن ‌تراقب «ما يحدث» ‌في ​الصراع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن قرب مضيق هرمز (رويترز)

«الناتو» يناقش الخيارات المتعلقة بمضيق هرمز دون تدخله 

قال المتحدث باسم قائد قوات حلف (الناتو) ​إن القائد غرينكويتش عقد اجتماعاً عبر الفيديو لتسهيل المساهمات المحتملة لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

في ظل غياب تسوية سياسية أو انتزاع «استسلام إيراني» وعدم عودة الملاحة الطبيعية إلى هرمز، نقل دونالد ترمب مركز الثقل إلى ما وصفه بـ«يوم الحسم الاقتصادي».

إيلي يوسف (واشنطن )
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)

سلطنة عُمان وإيران تبحثان استئناف الحوار والملاحة في مضيق «هرمز»

ذكرت وكالة ​الأنباء العمانية، اليوم (الجمعة)، أنَّ وزيرَي خارجية ‌عُمان ‌وإيران ​بحثا، ‌خلال اتصال ​هاتفي، «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي في طهران 8 أغسطس 2026 (الرئاسة الإيرانية - أ.ف.ب)

إيران تدعو إلى إنهاء الحرب... وتستعد لمواجهة العقوبات

دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة «اليوم»، معتبراً أن بلاده باتت في «موقع قوة»، في وقت تستعد فيه واشنطن لتشديد العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن- طهران)

أوكرانيا: مقتل 15 شخصاً وإصابة 130 آخرين في قصف روسي لمدينة كريفي ريه

رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
TT

أوكرانيا: مقتل 15 شخصاً وإصابة 130 آخرين في قصف روسي لمدينة كريفي ريه

رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)
رجال إطفاء في موقع استُهدف بغارات روسية بطائرات مسيرة في كريفي ريه (رويترز)

أعلن الحاكم العسكري لمنطقة دنيبروبتروفسك، اليوم (الجمعة)، مقتل 15 شخصاً على الأقل في مركز تسوق مزدحم بمدينة كريفي ريه الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا، خلال هجمات روسية بطائرات مسيرة.

رجال إنقاذ يحملون جثة أحد ضحايا الهجوم الروسي على المركز التجاري كريفي ريه (رويترز)

وقال الحاكم العسكري لمنطقة دنيبروبيتروفسك، أولكسندر هانجا، في منشور على تطبيق «تليغرام»، إن عدد المصابين ارتفع بحلول المساء إلى 130 شخصا، بينهم 23 طفلا.

وأضاف هانجا إن 29 شخصا أصيبوا بجروح بالغة الخطورة، بينهم خمسة أطفال. وقالت الإدارة العسكرية للمدينة إن من بين الأهداف التي تعرضت للقصف أكبر مركز تسوق في المدينة الصناعية.

رجال إطفاء يشاركون في عمليات إخماد حريق في مركز تجاري بعد الغارة الروسية على كريفي ريه (ا.ف.ب)

وتقع كريفي ريه، مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي، على بُعد نحو 350 كيلومترا جنوب شرقي العاصمة كييف.

ووصف زيلينسكي الحادث في منشور على «فيسبوك» بأنه «هجوم خسيس ومخادع للغاية على مركز تسوق عادي».


ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
TT

ترمب: إيران غير مستعدة لإبرام الاتفاق المناسب

الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب (ا.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، الجمعة، إنه لا يعتقد أن إيران مستعدة لإبرام «الاتفاق المناسب»، وإن واشنطن ‌تراقب «ما يحدث» ‌في ​الصراع.

وردا ‌على ⁠سؤال ​حول ما ⁠إذا كانت الخيارات العسكرية الأميركية مع إيران محدودة، قال ⁠ترمب للصحافيين «هذا يعني ‌ببساطة ‌أننا ​نراقب ‌ما يحدث».

وأضاف «لدينا ‌سيطرة كاملة على المنطقة بأكملها فيما يتعلق بمضيق هرمز، ‌وهذا يعني سيطرتنا على مناطق ⁠برية ⁠واسعة. لذا، فهم يرغبون بشدة في إبرام اتفاق، لكنهم ليسوا مستعدين لإبرام الاتفاق المناسب، في رأيي».


أميركا تعتزم سداد 725 مليون دولار من المستحقات المتأخرة عليها للأمم المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أميركا تعتزم سداد 725 مليون دولار من المستحقات المتأخرة عليها للأمم المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أظهر إخطار من الكونغرس، اطّلعت عليه وكالة «رويترز»، أن إدارة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدأت إجراءات تحويل مبلغ 725 مليون دولار إلى الأمم المتحدة، في ما وصفه خبراء المساعدات بأنه خطوة موضع ترحيب باتجاه سداد مليارات الدولارات من المستحقات المتأخرة.

ولم يصدر أي ردّ فوري من واشنطن على أسئلة حول الأسباب ​وراء دفع هذا المبلغ من جانب إدارة خفضت التمويل للعديد من وكالات الأمم المتحدة، وتنتقد المنظمة الدولية بشدة، متهمة إياها بعدم استغلال إمكاناتها بشكل كامل.

ومن المقرر أن يتم تحويل هذا المبلغ قبل الخطاب الذي يتوقع أن يلقيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل.

وورد هذا المبلغ في خطاب إخطار موجه من وزارة الخارجية إلى الكونغرس بتاريخ 4 أغسطس (آب)، ولم تنشر تقارير بشأنه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

«يبقي السفينة عائمة لفترة أطول قليلاً»

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هذا العام، إن المنظمة الدولية تواجه «انهياراً مالياً وشيكاً» بسبب عدم سداد الدول الأعضاء لمساهماتها، وإن المنظمة أجرت تخفيضات كبيرة في ‌ميزانيتها.

ويمثل مبلغ 725 ‌مليون دولار أقل من 20 في المائة من أكثر من 4 مليارات ​دولار ‌قالت الأمم المتحدة، ​في مايو (أيار)، إنه مستحق لها من الولايات المتحدة، لكن واشنطن تقول إن الرقم الإجمالي أقل، وإنها سددت بعض المدفوعات.

وقال يوجين تشين، وهو مسؤول سابق في الأمم المتحدة، لوكالة «رويترز»، إن مثل هذا التحويل سيساعد في دفع رواتب موظفي الأمم المتحدة لفترة، لكنه قد لا يكفيهم بالكامل. وأضاف: «هذا يبقي السفينة عائمة لفترة أطول قليلاً».

ومضى قائلاً: «إذا لم تسدد الولايات المتحدة دفعات أخرى، فمن المرجح أن تفقد حقّها في التصويت في يناير (كانون الثاني)».

وبموجب المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، تفقد الدولة العضو حقّ التصويت في الجمعية العامة إذا تجاوزت متأخراتها قيمة سنتين من الاشتراكات السنوية، رغم إمكانية منح فترات سماح.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هامش الجلسة الثمانين للجمعية العامة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال روني باتس، الخبير في شؤون تمويل الأمم ‌المتحدة لدى مركز البحوث الألماني (آي دي أو إس)، إن تحويلاً كبيراً في الوقت ‌الحالي قد يجنب الحاجة إلى تخفيضات فورية في الإنفاق.

وأضاف: «إذا دفعوا جزءاً ​كبيراً، فستواصل الأمم المتحدة العمل من دون أي ‌احتياطيات، لكنها ستتدبر أمرها حتى نهاية العام. وإذا لم يدفعوا، فقد تقع الأمم المتحدة بالفعل في ‌مشكلة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام من حيث دفع الرواتب وإبقاء الأبواب مفتوحة».

والولايات المتحدة هي أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة، لكنها في ظل إدارة ترمب رفضت سداد مدفوعات إلزامية للميزانيتين العادية وحفظ السلام، وخفّضت التمويل الطوعي لوكالات الأمم المتحدة التي لديها ميزانياتها الخاصة. وانسحبت واشنطن أيضاً من عشرات وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.

وقال مراقب الأمم ‌المتحدة، تشاندرامولي راماناثان، الشهر الماضي، إن المنظمة كانت تعول على تحصيل نحو 90 في المائة من الاشتراكات من أعضائها، البالغ عددهم 193 عضواً لميزانية هذا العام.

وأظهر مستند للأمم المتحدة أنه حتى 18 أغسطس، سدّد نحو 129 عضواً اشتراكاتهم بالكامل. ولم تكن الصين، ثاني أكبر مساهم بعد واشنطن، مدرجة أيضاً في القائمة.

وقالت وزارة الخارجية، في خطابها المؤرخ في 4 أغسطس، إنها خصّصت إجمالاً 725 مليون دولار للميزانية العادية للأمم المتحدة.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية والبعثة الدبلوماسية الأميركية لدى الأمم المتحدة على طلبات للتعليق، أرسلت عبر البريد الإلكتروني يوم الجمعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى نزوله من على المنصة بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وقالت الأمم المتحدة، في مايو، إن أكثر من 4 مليارات دولار مستحقة لها من واشنطن تشمل 2.04 مليار دولار للميزانية العادية، و2.2 مليار دولار لبعثات حفظ السلام الحالية والسابقة، و44 مليون دولار لمحاكم الأمم المتحدة.

ولم تحول واشنطن نحو 153.4 مليون دولار، في ما تصفه بأنه «عمليات حجز قائمة على السياسات». وشمل ذلك 10.6 مليون دولار مخصصة لمجلس حقوق الإنسان، الذي انسحبت منه واشنطن العام الماضي، بدعوى انحياز المجلس ضد إسرائيل، وأموالاً لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

وتخضع ​المؤسسة، التي يبلغ عمرها 80 عاماً، لعملية إصلاح ​وخفض تكاليف حاسمة تعرف باسم «يو إن 80» في ظل أزمتها المالية.

وخفّضت المنظمة بالفعل ميزانيتها لعام 2026 بنسبة 9.2 في المائة، ونقلت أكثر من ألفي وظيفة من مدن مرتفعة التكلفة، مثل جنيف ونيويورك إلى مراكز أقل تكلفة.