دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

رصدت منشأ فيروسات الأوبئة الجديدة «المختبري» و«الطبيعي»

عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
TT

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً
عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

كانت جائحة «كوفيد-19» لحظة استثنائية في التاريخ. ففي أواخر عام 2019، اجتاح فيروس جديد لم يعرفه العلماء، العالم، وأودى بحياة أكثر من 25 مليون شخص، وتسبب في خسائر اقتصادية تُقدر بتريليونات الدولارات.

«كوفيد-19 كان عادياً»

لكن دراسة جديدة وجدت أن «كوفيد-19»، مقارنةً بالأوبئة الأخرى، كان عادياً إلى حد بعيد.

قارن العلماء 7 حالات من التفشيات الفيروسية حدثت في العقود الأخيرة، بما في ذلك أوبئة «كوفيد-19» وإيبولا والإنفلونزا. ووجدوا أن معظم هذه التفشيات لم تسبقها أي تغيرات جينية غير عادية في الفيروسات. ففي جميع الحالات باستثناء حالة واحدة عام 1977، انتشرت الفيروسات بين الحيوانات، واكتسبت القدرة على الانتشار إلى البشر وبينهم، بمحض الصدفة.

دراسة جينات الفيروسات

يقول جويل ويرثيم، خبير الفيروسات في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي نشر مع زملائه الدراسة يوم الجمعة في مجلة «سيل»: «نرى ذلك يحدث مراراً وتكراراً».

وقد أعاد ويرثيم وزملاؤه بناء التاريخ التطوري لهذه الفيروسات من خلال دراسة جيناتها. وتتبع الباحثون كيفية اكتساب الفيروسات أنواعاً مختلفة من الطفرات قبل التسبب في تفشي الأوبئة، ودرسوا هذا النمط بعد انتقال الفيروسات إلى البشر.

عيادة مكتظة بمصابين بالإنفلونزا عام 2009 في نيويورك

جائحة الإنفلونزا الأميركية 2009

في أحد مسارات البحث، درس العلماء جائحة الإنفلونزا عام 2009. في ذلك العام، ظهرت سلالة جديدة من الإنفلونزا في أميركا الشمالية، وانتشرت لتصيب ربع سكان العالم، متسببة في وفاة 230 ألف شخص.

وكشفت دراسات أخرى للفيروس أنه انتقل من الخنازير؛ حيث تكتسب فيروسات الإنفلونزا طفرات بشكل منتظم. وقد صعَّبت بعض هذه الطفرات على الفيروسات الانتشار إلى خنازير أخرى، بينما منحتها طفرات أخرى ميزة تطورية، في حين لم يكن لبعضها الثالث أي تأثير.

تطور جيني عادي قبل الانتقال لإصابة الإنسان

كانت السلالة الفيروسية التي انتقلت إلى البشر عام 2009 قد انفصلت كفرع تطوري مستقل قبل ذلك بعقد على الأقل. وحتى وصولها إلى البشر، بدا تطورها طبيعياً. كان نمط الطفرات التي اكتسبها الفيروس وفقدها مشابهاً لما يتوقعه العلماء في أي فيروس إنفلونزا ينتشر بين الخنازير.

الفيروسات تتغير عند انتقالها إلى البشر

لم يتغير الوضع إلا بعد انتقال الفيروس إلى البشر، وبشكل جذري.

بعد إصابة البشر عام 2009، اكتسب فيروس الإنفلونزا كثيراً من الطفرات الجديدة. أما في الخنازير، فكان من المرجح أن تعيق هذه الطفرات قدرة الفيروس على التكاثر، وتؤدي إلى تفوق الفيروسات الأخرى التي تصيب الحيوانات، عليه.

لكن بمجرد استقرار الفيروس في مضيف جديد، زالت تلك القيود القديمة، وبدأ يتكيف لينتشر بنجاح أكبر بين البشر.

وباء الإيبولا

أجرى ويرثيم وزملاؤه التحليل نفسه على تفشيات أخرى، بما في ذلك وباء الإيبولا الذي اجتاح غرب أفريقيا عام 2013، والذي يُعتقد أنه نشأ في خفاش. وتفشى مرض الجدري البقري عام 2022، وهو فيروس يسبب بثوراً مؤلمة، ويُعتقد أن السناجب الأفريقية تحمله. ولاحظ الباحثون مراراً وتكراراً النمط نفسه: الفيروسات التي انتقلت في نهاية المطاف إلى البشر لم تتطور بطريقة غير عادية قبل ذلك، ولكنها تغيرت بشكل جذري بعده.

قال ويرثيم: «بمجرد وصول الفيروس إلى البشر، يبدأ فصل جديد».

الإنفلونزا الروسية: لقاح تسرب من المختبر

لكن دراسة جديدة كشفت أن أحد الفيروسات كان استثناءً بارزاً لهذه القاعدة. تشير طفراته الفريدة إلى أنه ربما يكون قد انتشر نتيجة خطأ علمي.

في عام 1977، اجتاحت العالم جائحة عُرفت باسم الإنفلونزا الروسية، نظراً لأن أولى الحالات سُجلت في الاتحاد السوفياتي السابق. وقد حير هذا الفيروس العلماء: إذ لم تكن أقرب الفيروسات إليه موجودة في الخنازير أو غيرها من الحيوانات؛ بل كانت تشبه إلى حد بعيد الفيروسات التي كانت منتشرة في أوائل الخمسينيات، أي قبل ربع قرن.

تكهَّن بعض العلماء بأن الإنفلونزا الروسية لم تكن منقولة من خنزير أو طائر؛ بل رجَّحوا أنها نشأت عن خطأ علمي، ربما نتيجة تجربة لقاح فاشلة في الاتحاد السوفياتي أو الصين.

ربما استخدم مصنِّعو اللقاح تقنية شائعة تتضمن إنتاج لقاح مصنوع من فيروسات مُضعفة. وتتراكم الطفرات في الفيروسات التي تُزرع في الأوعية المختبرية، ما قد يُلحق بها الضرر إذا ما أصابت إنساناً. وتكهّن العلماء بأن علماء سوفيات أو صينيين قاموا بإذابة فيروس إنفلونزا قديم لصنع لقاح مُضعف، ولكنهم استخدموا تقنيات خاطئة سمحت للفيروس بالانتشار من شخص لآخر.

باحثون يستخلصون عينة دم من خفاش لدراسة «كوفيد-19»

طفرات الفيروسات المختبرية

منذ ذلك الحين، لم يعثر الباحثون على دليل مباشر لاختبار هذا السيناريو أو غيره من السيناريوهات المشابهة. ولكن الدراسة الجديدة التي أجراها ويرثيم وزملاؤه خلصت إلى أن فيروس عام 1977 قد مرّ بتطور غريب قبل الجائحة، وأن الطفرات التي اكتسبها تحمل أنماطاً مطابقة لتلك الموجودة في الفيروسات التي تُزرع في المختبرات.

وقالت جيجي غرونفال، خبيرة الأمن البيولوجي في جامعة «جونز هوبكنز»، إن الدراسة الجديدة تشير إلى أن جائحة عام 1977 بدأت كتجربة لقاح. وأضافت: «هذا دليل إضافي على أنهم كانوا يحاولون ابتكار لقاح مُضعف، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً».

وقال سبيروس ليتراس، خبير الفيروسات في جامعة طوكيو الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، إن منهجية الدراسة تُقدم أداة جديدة لتتبع أصل تفشي الأمراض. وأوضح: «تحمل البيانات الجينية إشارة قوية تُمكِّن من التمييز بين التسرب المختبري والتعديلات المختبرية وبين انتقال العدوى الطبيعي».

وقال جيمس لويد سميث، عالم بيئة الأمراض في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن اكتشاف البصمة الجينية للتطور المختبري في الإنفلونزا الروسية «أمر رائع للغاية». ولكنه حذَّر من أن العلماء عادة لا يرصدون سوى جزء ضئيل من تطور الفيروسات في عيناتهم. وأضاف: «هذا النهج ليس عصا سحرية، ولا تزال الدراسة تواجه نفس تحديات محدودية البيانات التي لطالما أعاقت هذا المجال».

«كوفيد-19»: لا تحولات ملحوظة قبل إصابة البشر

من بين كثير من حالات تفشي الأمراض التي حللها ويرثيم وزملاؤه، كان فيروس الإنفلونزا الروسية الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة. أما الفيروس المسبب لمرض «كوفيد-19»، وهو فيروس «سارس-كوف-2»، فلم يكن كذلك.

لم يجد الباحثون أي تغيرات غير عادية في فيروس «سارس-كوف-2» قبل انتقاله إلى البشر. فقد اكتسب طفرات في أثناء انتشاره من خفاش إلى آخر، تماماً كما حدث مع فيروسات «كورونا» الأخرى التي تصيب الخفافيش؛ ولم يشهد الفيروس تحولاً ملحوظاً إلا بعد ظهوره لدى البشر. ففي غضون عام، ظهرت سلالات جديدة كلياً، تحمل طفرات جعلتها شديدة التكيف مع البشر.

أصل «كوفيد»: فيروس مختبري أم طبيعي؟

وتُضيف هذه الدراسة الجديدة إلى النقاش الدائر حول أصول مرض «كوفيد-19». ففي مقابلة أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني)، أكد الدكتور جاي بهاتاشاريا، مدير المعاهد الوطنية للصحة، أن فيروس «سارس-كوف-2» قد نشأ في مختبر. وقال: «أعتقد أنه إذا ركزنا فقط على الأدلة العلمية، فسأقول إن الأمر مؤكد».

لكن في الشهر الماضي، خلصت مجموعة من الخبراء، كلفتهم منظمة الصحة العالمية بدراسة أصول «كوفيد-19»، إلى أن فيروس «سارس-كوف-2» نشأ في الخفافيش التي نقلته بدورها إلى الحيوانات التي تُباع في سوق بمدينة ووهان.

وأشار العلماء إلى أن «معظم الأدلة العلمية المُحكَّمة تدعم هذه الفرضية».

ساهم ويرثيم في جمع بعض الأدلة العلمية التي خضعت لمراجعة الأقران من العلماء. وأضاف أن الدراسة الجديدة تُضيف مزيداً من الأدلة التي تُرجِّح أصلاً حيوانياً للفيروس.

لو تمَّت زراعة فيروس «كوفيد-19» في المختبر، لكانت طفراته ستتطور بنمط مشابه لنمط الإنفلونزا الروسية. ولكن ويرثيم وزملاؤه وجدوا أن نمط طفراته يُطابق أنماط التفشيات الخمسة التي حدثت بشكل طبيعي، والتي درسوها.

بدلاً من ذلك، قال ويرثيم إن «كوفيد-19» يبدو أنه نشأ نتيجة سوء حظ كبير. فبينما كان الفيروس الأولي يتكيف لإصابة الخفافيش، أصبح جاهزاً لإحداث جائحة بين البشر. وأضاف ويرثيم: «من قبيل الصدفة، إنه بارع بشكل استثنائي في أن يكون فيروساً بشرياً».

رؤى جديدة حول منشأ الفيروسات الحيوانية

قال ديفيد روبرتسون، خبير الفيروسات في جامعة غلاسكو، والذي لم يشارك في البحث الجديد، إن الدراسة قدَّمت رؤى جديدة؛ ليس فقط حول «كوفيد-19»؛ بل حول أي فيروس حيواني المنشأ؛ أي فيروس ينتقل من الحيوانات إلى البشر. وأضاف: «إنها نقطة أساسية لفهم مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ. فالفيروسات قد تنتشر في الطبيعة دون الحاجة إلى تكيفات لتصيب البشر أو تنتقل إليهم بنجاح».

وأضاف ويرثيم أنه إذا كانت هذه هي الحال بالنسبة لمجموعة واسعة من الفيروسات الحيوانية المنشأ، فيمكننا توقع مزيد من الأوبئة في المستقبل. وتابع: «ما نجهله هو ما سيُصيبنا. إنها موجودة، وهي جاهزة للانتشار».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.