طفرة النفط في ليبيا... آمال اقتصادية يهددها الصراع على العوائد

في ظل تغوُّل الفساد بمفاصل الدولة وتسابق «الحكومتين» على الصرف

مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
TT

طفرة النفط في ليبيا... آمال اقتصادية يهددها الصراع على العوائد

مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)
مجمع نفطي ليبي (مؤسسة النفط الليبية)

على الرغم من الارتفاع القياسي لأسعار النفط الذي يقترب من التسعين دولاراً للبرميل، وما يعنيه ذلك من عوائد مالية ضخمة، تبقى المخاوف قائمة في أوساط الليبيين من أن هذه الطفرة قد لا تنعكس إيجابياً على اقتصاد بلادهم.

ويرى متابعون أن الانقسام السياسي المستمر بين حكومتين متنازعتين على السلطة والعوائد، يحدّ من قدرة الدولة على استثمار أي زيادة في الإيرادات، بينما «يسهم الإنفاق غير المنضبط» في تضخم الدين العام، وإضعاف القوة الشرائية للمواطنين، ما يقلص الأثر المباشر للعوائد النفطية على الواقع المعيشي.

ويزيد من تعقيد المشهد افتقار «المؤسسة الوطنية للنفط»، إلى ميزانية تشغيلية تؤهلها لتطوير طاقتها الإنتاجية، فضلاً عن ارتفاع فاتورة استيراد الوقود والسلع الأساسية، نتيجة للارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

أحد حقول النفط الليبية (سبوتنيك)

ويعتقد عضو «المؤتمر الوطني» السابق عبد المنعم اليسير، أن «استشراء الفساد في مؤسسات الدولة ومفاصل إدارتها، قد يبدد أي فائض في العوائد النفطية قبل أن يصل إلى المواطنين».

ورغم إقراره بأن الزيادة المتوقعة في العوائد النفطية لن تكون قليلة، أكد اليسير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الاستفادة ستكون محدودة بالنظر إلى ضعف واختلال البنية الاقتصادية في البلاد»؛ مشيراً إلى استيراد الوقود والسلع الأساسية بكميات تتجاوز الاحتياجات الفعلية، وتتحمل تكلفته الخزينة العامة، وتذهب الأرباح لشبكات التهريب -حسب قوله- ويستمر تضخم باب الرواتب في الميزانية.

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة برئاسة أسامة حماد مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ووفقاً لبيانات «المصرف المركزي»؛ بلغت الإيرادات النفطية للبلاد عام 2024، نحو 136 مليار دينار، بينما التهمت فاتورة الرواتب وحدها أكثر من 73 مليار دينار، بينما يساوي الدولار 6.32 دينار في السوق الرسمية، ويزيد على 10 دنانير في السوق الموازية. ووفقاً لـ«منظمة الشفافية الدولية»، تقع ليبيا، ضمن «أسوأ 5 دول في العالم من حيث الفساد».

ويرى اليسير أن «تحقيق المصلحة الوطنية يتطلب رفع الطاقة الإنتاجية لمؤسسة النفط، بميزانية كافية مقرونة برقابة صارمة، وتوجيه العوائد نحو ترميم المصافي للحد من فاتورة استيراد الوقود، وإعادة هيكلة الشركات المتعثرة لمعالجة أزمة البطالة».

وانتقد «غياب إرادة سياسية لتشكيل خلية أزمة، تضع خططاً استراتيجية لاستثمار طفرة أسعار النفط، وتركِّز الاهتمام بدلاً من ذلك على استمالة الموالين».

«ميدان الشهداء» بوسط العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)

أما مدير برنامج «مركز ستيمسون» بواشنطن، الليبي حافظ الغويل، فيعتقد أن التنامي المتوقع في العوائد النفطية «لن يفضي بالضرورة إلى إصلاح الوضع الاقتصادي ولا الاستقرار؛ بل قد يشعل المنافسة على هذه العوائد ويرفع من منسوب العنف».

وعزا ذلك إلى «تسابق الحكومتين على الإنفاق»، مؤكدا أن «ضخَّ أموال إضافية في بيئة يتفشى فيها الفساد وتغيب عنها الرقابة، سيسهم في إفساد المشهد لا إصلاحه».

وبلغ إجمالي إنتاج ليبيا النفطي في يناير (كانون الثاني) الماضي 42.7 مليون برميل، بمتوسط يومي 1.377 مليون برميل، وفق بيانات «مؤسسة النفط»، بينما يقترب سعر البرميل حالياً من 90 دولاراً، وسط توقعات بتجاوزه 150 دولاراً حال استمرار الصراع.

وقدَّر الخبير الاقتصادي محمد الصافي الزيادة المتوقعة في الإيرادات بقرابة 8 مليارات دولار سنوياً، حال استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، مذكراً بتجربة سابقة، حين بلغ سعر البرميل نحو 130 دولاراً، فأنشئ «الصندوق السيادي»، ولكن مليارات أنفقت على مشاريع إعمار شابها الفساد وأسهمت في الاحتقان الذي أطاح بنظام القذافي عام 2011.

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وأشار الصافي إلى أن «الإنفاق الموسع من قبل الحكومتين يستمر بالنهج العشوائي نفسه والاستدانة، ويزداد الدين العام، ما يُحمِّل المواطن فاتورة ذلك»، محذراً من أن فاتورة استيراد الوقود المرتفعة أصلاً نتيجة التهريب ستبدد أي عوائد إضافية.

واعتبر الناشط السياسي أحمد التواتي أن «الأمر لا يتعلق فقط بالتوظيف الأمثل للنفط والغاز، وإنما أيضاً بعدم طمأنة الليبيين بشأن تأمين كميات كافية من السلع الغذائية والأدوية المستوردة، في ظلّ تغير مسارات الشحن البحري وارتفاع تكاليفها».

وانتقد التواتي «تركيز الحكومتين على مصالحهما وقضاياهما الخاصة»، موضحاً أن الجميع يتحدث عن الحرب، بينما حكومة «الوحدة» في الغرب تحتفي بتعديلها الوزاري، وقيادات البرلمان في الشرق تتبارى في التبرؤ من «ضريبة السلع» التي أشعلت غضب الشارع.

وخلص إلى أن الشارع الليبي يتابع ارتفاع أسعار النفط بشكل مستمر: «لكنه غير متفائل بأن تصب أي زيادة في العوائد لصالح تحسين معيشته».


مقالات ذات صلة

ترمب يستعرض خيارات لكبح أسعار الطاقة مع اضطراب الأسواق

الاقتصاد لافتة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود في شيكاغو بإيلينوي (أ.ف.ب)

ترمب يستعرض خيارات لكبح أسعار الطاقة مع اضطراب الأسواق

من المتوقع أن يستعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، مجموعة من الخيارات لكبح أسعار النفط، التي ارتفعت إلى أكثر من 100 دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تطبيق يعرض أسعار النفط الخام الحالية على شاشة هاتف جوال في برلين (إ.ب.أ)

«مجموعة السبع» تضع أصابعها على «زر الإفراج» عن احتياطيات النفط

أبدى وزراء مالية دول «مجموعة السبع» استعدادهم لاتخاذ «الإجراءات اللازمة» لدعم إمدادات الطاقة العالمية، والتي قد تشمل الإفراج عن المخزونات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد قطرة بنزين تتساقط من فوهة مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة فيزي - فيلاكوبلاي، قرب باريس (أ.ف.ب)

اليابان: وكالة الطاقة الدولية طالبت بـ«سحب منسق» للمخزونات

دعت وكالة الطاقة الدولية إلى الإفراج المنسق عن احتياطيات النفط الطارئة خلال اجتماع عبر الإنترنت مع وزراء مالية مجموعة الدول السبع يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ترمب لدى وصوله إلى مطار ميامي الدولي في 7 مارس (أ.ف.ب)

ترمب يقلل من شأن «الارتفاع المؤقت» في أسعار المشتقات النفطية

سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تقليل شأن الارتفاع الحاد في أسعار المشتقات النفطية، واصفاً ذلك بأنه «ثمن زهيد للغاية» ينبغي أن يُدفع مقابل الأمن.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد ماكرون في مؤتمر صحافي في مطار بافوس العسكري (رويترز)

ماكرون يؤكد التحضير لمهمة «دفاعية بحتة» لإعادة فتح مضيق هرمز

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الاثنين، أنه يعمل مع شركائه على التحضير لمهمة مستقبلية «دفاعية بحتة» تهدف لإعادة فتح مضيق هرمز ومرافقة السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (بافوس)

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع تحوُّل أنظار العالم إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتبعاتها السياسية وآثارها الاقتصادية، يخشى كثير من السودانيين تهميش أزمتهم، بسبب تحوّل الاهتمام الإقليمي والدولي نحو أزمات أكبر في المنطقة.

ومن الحروب التي ابتعدت عن دائرة الضوء بعدما أعادت الحرب الإيرانية ترتيب الأولويات على الساحة الدولية، تلك الدائرة في السودان، على الرغم من أنها لم تقِل عنفاً ولا تكلفة إنسانية.

وتراجع الملف السوداني إلى الخلف، أو على الأقل لم يعُد بالإلحاح نفسه في نظر العواصم المؤثرة، على نحو أثار قلق فاعلين ومحللين سودانيين، وإن اختلفوا في تفسير حجم الأمر وطبيعته، بين من يرى أن السودان «بات في ذيل قائمة الاهتمام بالفعل»، ومن يعتقد أن ملفه لم يُهمل تماماً، بل أُعيد تمريره إلى فاعلين إقليميين مع انشغال القوى الدولية بحرب إقليمية أوسع.

لكنّ قراءات المحللين تُجمع على أن الحرب على إيران ليست شأناً بعيداً عن السودان؛ بل هي عامل مباشر في إعادة تشكيل البيئة السياسية والإقليمية التي تتحرك داخلها الحرب السودانية.

«على الهامش»

ويرى رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري»، ياسر عرمان، أن الحرب الإيرانية أعادت تموضع الحرب السودانية التي تفجرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، بحيث أصبحت «في ذيل الاهتمام الإقليمي والدولي فيما يتعلق بأجندة السلام».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مشاركته منسوبي الشرطة في الخرطوم إفطارهم الرمضاني (مجلس السيادة السوداني)

وقال إن انشغال دول مؤثرة في ملف السودان بالصراع الجديد، يباعد بينها وبين تكريس طاقتها للبحث عن تسوية للأزمة السودانية.

ويُعبِّر هذا الحديث عن شعور متزايد داخل الأوساط السودانية بأن الحرب الداخلية، التي كانت أصلاً تعاني ضعف الضغط الدولي الجاد لإنهائها، أصبحت الآن أكثر عرضة لأن تُترك على الهامش، بينما تنشغل القوى الكبرى بأزمة أخطر على الأمن والاقتصاد بالمنطقة والعالم.

ويشير عرمان إلى ما يجري في وضع السودان الجيوسياسي، قائلاً: «الحرب التي اندلعت مؤخراً ذات صلة بالجغرافيا السياسية للسودان، خصوصاً أنه يطل على البحر الأحمر، ما يجعل السودان جزءاً من أزمات الإقليم الأكبر. ومن المؤكد أن الحرب سترتب وتعيد نظم الأوضاع الإقليمية والدولية، مما يطرح أسئلة جدية حول وحدة السودان وسيادته».

ويشير أيضاً إلى تأثير قضية الطاقة ومشتقاتها على السودان وأطراف الحرب وبلدان الجوار، قائلاً إنها «تطرح أسئلة في ظل الأولويات الجديدة حول مدى تأثيرها على الدعم اللوجيستي الخارجي الذي تتلقاه أطراف الحرب».

الفاعلون الإقليميون

أما المحلل السياسي حاتم إلياس، فيقدم قراءة مختلفة نسبياً، إذ يقول إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لم تأتِ بغتة، وإنما سبقتها مؤشرات دولية كثيرة مهدت لتمرير الملف السوداني إلى فاعلين إقليميين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الانشغال الدولي بطبيعة الصراع الجديد وخطورته على الأمن والسلم العالمي، وتداعياته الاقتصادية المحتملة، يدفع إلى إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى أطراف إقليمية مواصلة بعض ما بدأته «الآلية الرباعية الدولية»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر.

ويستدل على وجهة نظره بتحركات إقليمية؛ مثل زيارة قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، معتبراً أن هذا النوع من التحركات يشير إلى انتقال بعض أعباء المتابعة السياسية واللوجيستية إلى أطراف أفريقية، ريثما يعود «الفاعل الأصلي» إلى الملف.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يحيِّي حشداً خلال تجمع في ولاية نهر النيل بالسودان - يوليو 2029 (أ.ب)

ولا تنفي رؤية إلياس تراجع الملف السوداني في سلم الأولويات، لكنها ترفض وصف ما جرى بأنه غياب كامل للاهتمام، وتفتح باباً لفهم آخر مفاده أن «الحرب الإقليمية لم تُسقط الملف السوداني، لكنها أخرجته من الصدارة، ودفعت به إلى دائرة المعالجة غير المباشرة، عبر فاعلين إقليميين أقل وزناً من القوى الدولية المنشغلة الآن بأزمة أكبر».

سلم الأولويات

أما عبد الناصر علي الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيربط بين الحرب السودانية والحرب الإقليمية من زاوية أعقد تركيباً، فهو يرى أن حرب السودان منذ اندلاعها دخلت ضمن التأثيرات والتفاعلات الدولية التي كوَّنت مع الوقت محاور إقليمية ودولية واضحة.

وقال الفكي لـ«الشرق الأوسط»، إن البحث عن حل للأزمة السودانية، حتى قبل حرب الشرق الأوسط، كان يأتي في مرتبة متأخرة من الأولويات. وتابع: «اتساع الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية أدى لتراجع التفاعل الإقليمي والدولي مع السودان، بموازاة المخاطر على الممرات المائية، خصوصاً مضيق هرمز والبحر الأحمر، وبسبب ما يحمله من آثار على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة».

وأضاف: «اتساع رقعة الحرب يعزز نزعة الانكفاء على الشأن الوطني لدى كثير من الدول، ويدفعها إلى التركيز على حماية حدودها ومصالحها وممراتها المائية، بدلاً من استهلاك قدر أكبر من الجهد في ملفات مثل السودان».


«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
TT

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

سادت حالة من التباين في أوساط الليبيين حيال مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضتها قوات «الجيش الوطني» في شرق البلاد ضد الجماعات المتشددة بين عامي 2014 و2018.

المسلسل الذي عَرضت حلقاته الأولى قناة «تلفزيون بنغازي» المحلية في النصف الثاني من شهر رمضان، رآه مؤيدوه توثيقاً درامياً لمعركة طويلة ضد «الإرهاب»، فيما عدَّه منتقدوه سردية أحادية تعكس رؤية طرف واحد من الصراع الليبي، خصوصاً أنه من إنتاج «الشؤون المعنوية للجيش الوطني».

ويأتي عرض المسلسل في سياق سياسي لا يزال يتسم بالانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وهو ما انعكس سريعاً على ردود الفعل حول العمل الذي كتبه وأخرجه المصريان عمر عبد الحليم وياسر سامي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي وصفحات سياسية ليبية إلى ساحات سجال حول محتواه ورسالته.

يستند العمل إلى خلفية «عملية الكرامة» التي أعلنها المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» في مايو (أيار) 2014 بهدف مواجهة الجماعات المتشددة، ومن بينها تنظيم «داعش» و«مجلس شورى ثوار بنغازي»، التي كانت تنشط في المدينة ومناطق أخرى بشرق ليبيا بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

وشاركت في العمليات العسكرية حينها وحدات من القوات المسلحة الليبية وقوات مساندة، في معارك امتدت لسنوات وانتهت بإعلان الجيش السيطرة على بنغازي عام 2017 ثم درنة في 2018 بعد مواجهات طويلة.

وقال مخرج المسلسل ياسر سامي إن الجدل الذي أثاره العمل «أمر طبيعي في ظل الانقسام الذي تعيشه ليبيا»، مضيفاً أن الأعمال الفنية التي تتناول أحداثاً حساسة وصراعات عسكرية غالباً ما تتحول إلى مادة خصبة للجدل بين المؤيدين والمعارضين.

وأوضح سامي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل «عمل درامي مستوحى من الحرب على الإرهاب، وهو ما أشار إليه بوضوح تِتر العمل منذ بدايته»، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على الروايات الرسمية أو المادة التوثيقية، بل يعتمد أيضاً على شهادات أقارب ضحايا الإرهاب الذين عايشوا تلك المرحلة، وقد استمع إليها بنفسه.

المخرج المصري ياسر سامي (حسابه الرسمي عبر فيسبوك)

وأثار المسلسل تفاعلاً واسعاً داخل ليبيا، حيث رأى البعض أنه يسلط الضوء على مرحلة مفصلية من الصراع مع التنظيمات المتشددة. وكتب محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في شرق البلاد، أن «الكرامة ليست قصة ليختزلها مسلسل»، مضيفاً أنها «ملحمة تحتاج إلى عشرات الأعمال الإبداعية للإحاطة بوقائعها وحكاياها»، لكنه اعتبر المسلسل «انطلاقة لسردية الكرامة» في الدراما.

في المقابل، انتقد آخرون في غرب ليبيا العمل بشدة، معتبرين أنه يقدم رواية «غير متوازنة للأحداث». وهاجم الناطق السابق باسم «عملية الكرامة» محمد حجازي المسلسل، ووصفه في مقطع مرئي بأنه «تزوير للتاريخ»، بحسب تعبيره.

كما دخلت بعض الصفحات المحسوبة على تيار المفتي المعزول من البرلمان الصادق الغرياني، والمناوئ لحفتر، على خط الانتقادات، إذ عدَّت صفحة «قناة التناصح» التابعة له أن المسلسل يحاول تقديم صورة دعائية، واستحضرت في المقابل اتهامات بوقوع تجاوزات حقوقية في شرق ليبيا، آخرها اختفاء النائب إبراهيم الدرسي.

وجاء ذلك تعقيباً على أحد المشاهد الدرامية التي تصور ممارسات لعناصر تنظيم «داعش»، حيث يَظهر أحد قادته، ويؤدي دوره الممثل فرج عبد الكريم، وهو يجبر امرأة على الزواج رغم اعتراض أسرتها، في مشهد يهدف إلى إبراز ممارسات التنظيم المتشددة.

ولم تقتصر الانتقادات على خصوم «الجيش الوطني» في غرب البلاد، إذ ظهرت ملاحظات أيضاً في شرق ليبيا، خاصة بشأن طريقة تقديم بعض الشخصيات العسكرية التي تحظى برمزية لدى قطاع من الليبيين. ومن بين هذه الشخصيات اللواء الراحل ونيس بوخمادة، أحد أبرز قادة القوات الخاصة في بنغازي، الذي ارتبط اسمه بالمعارك ضد الجماعات المتشددة.

وعلّق كريم بوخمادة، نجل القائد العسكري الراحل، على مشاهد جسَّد فيها أحد الممثلين شخصية والده، قائلاً إن تصوير أفراد القوات الخاصة وهم يظهرون «بخوف ورعشة» لا يعكس حقيقتهم، مضيفاً أن هذه القوات «لم تتلثم يوماً بهذا الشكل».

كما رأت آمال بوقعقيص أن المسلسل «لم ينصف القائد الراحل بوخمادة»، معتبرة أن أفضل تكريم له ولغيره من القادة العسكريين يكون بإطلاق أسمائهم على الجسور والميادين الجديدة تخليداً لدورهم.

الفنان الليبي فرج عبد الكريم في دور القيادي المتطرف أبو عبيدة (تلفزيون بنغازي)

في مواجهة هذه الانتقادات، شدد مخرج العمل على «ضرورة التمييز بين العمل الوثائقي والعمل الدرامي»، موضحاً أن «الدراما تخضع لرؤية المخرج وطبيعة المعالجة الإنسانية للأحداث، وهو ما يمنح صنّاع العمل مساحة لتقديم الشخصيات وأبعادها الإنسانية، إلى جانب قدر من الخيال الدرامي الموازي للوقائع التاريخية».

وأشار سامي إلى أن الحلقات المقبلة قد تحمل «مفاجآت درامية» يمكن أن تغيّر الانطباع الأول لدى بعض المتابعين، داعياً إلى عدم التسرع في الحكم على العمل قبل اكتمال عرضه، مؤكداً أن التقييم المنصف لأي عمل درامي ينبغي أن يكون بعد متابعة كامل أحداثه.

ومع تواصل الجدل الحاد حول المسلسل، الذي بدا أنه يغزو مجالس الليبيين الخاصة، يرى الباحث التاريخي الليبي فايز ديهوم أنه كان متوقعاً بالنظر إلى حساسية المرحلة التي يتناولها.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تناول هذه الحرب ربما كان من الأفضل أن يتم في إطار فيلم سينمائي يخضع لمراجعة تاريخية دقيقة، بدلاً من تقديمه في شكل حلقات درامية متتابعة».

وأضاف قائلاً إن تقسيم الحدث إلى حلقات قد يفتح الباب أمام جدل سياسي متقطع، خصوصاً مع التطرق إلى تفاصيل لا تزال محل خلاف بين الليبيين، ما قد يُخرج العمل من طابعه الإنساني والملحمي ويحوّله إلى مادة للسجال السياسي المستمر.

ويجمع مسلسل «القرار» ممثلين من ليبيا ودول عربية، ويشارك في بطولته فنانون من بينهم خالد كافو ونورهان أشرف وسلوى المقصبي وفرج عبد الكريم وأحمد صفوت.


الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
TT

الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

عُرض مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، اليوم (الاثنين)، على البرلمان الجزائري للتصويت عليه بعد إلغاء مواد كانت تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائمها ودفع تعويضات.

وقد وُلد المشروع عام 2006، رداً على تشريعات فرنسية في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك، تمجد الحقبة الاستعمارية. وبعد عقدين من التجميد والتعثر، وصل مشروع القانون اليوم إلى مرحلة التصويت، متحولاً من مجرد رد فعل سياسي إلى نص قانوني جاهز للنقاش والاعتماد، خصوصاً بعد تدهور العلاقات مع فرنسا في صيف 2024.

وكان «المجلس الشعبي الوطني» قد صادق على المشروع بكل تفاصيله في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن «مجلس الأمة» تحفظ على بندين في النص؛ أحدهما يتناول «مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاستعمار»، والثاني يتعلق بدفع التعويض عنها.

وعلى أثر هذا «الخلاف» بين غرفتي البرلمان، تم إطلاق «لجنة برلمانية متساوية الأعضاء»، مناصفة بينهما من حيث عدد الأعضاء، للتوصل إلى نص «مقبول» قبل عرضه على التصويت.

اجتماع أعضاء اللجنة متساوية الأعضاء لبحث تعديل قانون تجريم الاستعمار (مجلس الأمة)

وأدخلت «اللجنة» تعديلات مهمة على مشروع قانون تجريم الاستعمار، شملت حذف بعض الأحكام الأساسية وتعديل 7 مواد أخرى.

وبحسب التقرير الذي نشرته بعد إتمام المهمة، أُلغيت المادة الأولى التي كانت «ذات طابع إنشائي»، إضافة إلى المادة العاشرة المتعلقة بـ«التعويض»، وذلك لإبعاد «ملف الذاكرة» عن المطالب المالية، انطلاقاً من مبدأ أن «تضحيات الشهداء لا تقدر بثمن».

كما ألغيت المادة 20 الخاصة بـ«حماية الرموز الوطنية والذاكرة»، لأن هذه الحماية منصوص عليها في «قانون المجاهد والشهيد»، إلى جانب حذف المادة 25 المتعلقة بنهب الأملاك العقارية، وتأميم بعضها من طرف دولة الاحتلال (1830 - 1962).

تشديد عقوبة «الترويج للفكر الاستعماري»

وفيما يتعلق بمسألة «الاعتراف» المنصوص عليها في المادة التاسعة، تقرر حذف مطلب «الاعتذار» منها، والاكتفاء بالمطالبة بـ«الاعتراف الرسمي من طرف فرنسا بجرائمها الاستعمارية»، وهو ما عدَّته «اللجنة منسجماً مع الموقف الرسمي للدولة الجزائرية في هذا الملف»، في إشارة إلى تصريحات سابقة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بهذا الخصوص.

وتم تبسيط وصف «الخيانة» (التعاون مع الاستعمار) في المادة السابعة، بحذف كلمة «العظمى». كما دُمجت المادتان 16 و21 لتحديد عقوبة «تمجيد الاستعمار» بالسجن حتى 5 سنوات، بينما شُددت المادة 17 لتصل العقوبة إلى 10 سنوات لكل من «يروّج للفكر الاستعماري في التعليم أو الإعلام».

كما عُدّل البند 28 من قائمة الجرائم الاستعمارية في المادة الخامسة، مع الإبقاء على «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصف ذلك جريمة ثابتة. ويُعدّ إدراج «الاستعباد الجنسي» خطوة غير مسبوقة في القانون الجزائري، إذ ظل هذا الفعل مهملاً لفترة طويلة، باستثناء بعض الإشارات في كتب التاريخ ومقالات صحافية وأدبية.

رئيس البرلمان الجزائري مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار - 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)

وقال نواب إن حذف هذا البند «يعني تجاهل توثيق أحد أبشع الانتهاكات التي تعرّضت لها الجزائريات أثناء الاستعمار». وأضافت «اللجنة» تعديلاً على المادة 26 لفتح باب المشاركة في «حفظ الذاكرة الوطنية» للمجتمع المدني، وتعديلاً آخر على المادة 15 لضمان احترام كرامة رجال ونساء مقاومة الاستعمار في بداياته في القرن التاسع عشر، والمجاهدين خلال ثورة التحرير (1954 - 1962).

توجيهات عليا باعتماد «نسخة منقحة»

وبحسب مصادر برلمانية، يعود رفض «مجلس الأمة» للنسخة الأصلية من القانون، إلى توجيهات سياسية عليا، تزامناً مع بوادر انفراجة في العلاقات مع باريس؛ وهو ما فُسر بوجود رغبة في الإبقاء على خطوط العودة مع الجانب الفرنسي، وتجنب المواد التي قد تؤدي إلى تصعيد الخلاف بين البلدين.

وانفجرت أزمة خطيرة بين الدولتين في نهاية يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء؛ فقد سحبت الجزائر سفيرها من باريس فوراً، ولم يعُد إلى منصبه إلى اليوم.

وعلى مدى شهور، تفاقمت المشكلة لتجرَّ معها مشكلات قديمة تخص الهجرة النظامية والسرية، وخلافات «الذاكرة» التي لم تحسم بعد وتخص أرشيف الثورة، ورفات المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر التي تحتفظ بها فرنسا في متاحفها، وما يعرف بـ«أغراض الأمير عبد القادر الجزائري» المحتجزة في قصر بوسط فرنسا، ومطالب أخرى تبدي باريس حيالها تحفظاً شديداً.

كما وقعت أحداث كثيرة في الأشهر الأخيرة، رفعت من حدة التصعيد؛ منها سجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، الذي استعاد حريته منذ 3 أشهر بفضل «تدخل إنساني» من رئيس ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، إضافة إلى استمرار سجن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المدان بالسجن 7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الجزائر الشهر الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وأُطلقت مؤخراً مساعٍ لإيجاد انفراجة في العلاقات، أو على الأقل لوقف التصعيد، تُوجت باتفاق الجانبين على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر، حيث التقى نظيره الجزائري سعيد سعيود الشهر الماضي، وبحث معه استئناف الحوار الأمني حول قضايا الأمن والهجرة في منطقة الساحل وحوض المتوسط، و«أزمة المهاجرين السريين الجزائريين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي»، حيث تطالب باريس الجزائر باستعادتهم.

الرئيس الجزائري مستقبلاً مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية سابقاً سيغولين روايال (الرئاسة الجزائرية)

كما زارت الجزائر مطلع العام، سيغولين روايال، الاشتراكية الفرنسية ومرشحة الرئاسة عام 2007، بصفتها رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، في مهمة لتسهيل عودة العلاقات إلى طبيعتها؛ وهي شخصية تحظى بقبول في الجزائر بفضل موقفها المعتدل تجاه الأزمة، على عكس بعض رموز اليمين واليمين المتشدد في فرنسا.