هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

الخريطة حالياً تتأرجح بين تحديات الحرب وفُرص المصممين المحليين

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
TT

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة وقدمت إكسسوارات حصرية، ونظمت فعاليات إفطار وسحور وعروضاً ترويجية. فهذا الشهر يشهد ذروة الإنفاق الاستهلاكي في المنطقة، يُعوِضهم عن تباطؤ الطلب في أسواق رئيسة، مثل الولايات المتحدة، والصين.

عبايات وقفاطين كانت الموضوع الغالب في المجموعات الرمضانية (سافانا)

مؤسسة «مورنينغ ستار»، وهي من كبرى مجموعات السلع الفاخرة تقول إنها تستمد ما بين 5 و9 في المائة من إيراداتها العالمية من الشرق الأوسط. ورغم أن هذه الحصة أقل من مساهمة أوروبا، والولايات المتحدة، أو الصين، فإن المنطقة كانت خلال العام الماضي من النقاط المضيئة القليلة لصناع الموضة. لكن شتان بين الأمس واليوم.

في تلك الفترة، كانت الصورة مستقرة، وواعدة. فمراكز التسوق تضج بالمتسوقين، والحجوزات السياحية لا تتوقف. لم يكن يخطر على البال تغير المشهد بهذه السرعة المخيفة الناتجة عن تصاعد النزاع العسكري في المنطقة.

بيوت أزياء عالمية تسابقت لطرح فساتين طويلة تناسب شهر رمضان الفضيل وعيد الفطر (ألكسندر ماكوين)

تصاعد النزاع وتأثيراته

بين ليلة وضحاها تحوَلت الأولويات من إطلاق مجموعات جديدة إلى تقييم المخاطر، ومن التخطيط للفعاليات إلى إغلاق المتاجر، أو تشغيلها بطواقم محدودة، ومن التركيز على الإيرادات إلى احتواء الخسائر، وإدارة حالة عدم اليقين. حالة من الذهول والقلق تسودهم، وهم يتابعون من ميلانو وباريس، وغيرهما من عواصم الموضة العالمية، صوراً غير مطمئنة، إما لفندق خمس نجوم يحترق، أو طائرات مسيرة تُلهب السماء، وتزرع الخوف في الأرض، إضافة إلى دعوات موجهة للمواطنين الأجانب لمغادرة المنطقة.

كل هذه الإشارات تزيد من مخاوفهم، لأنهم يعرفون أن أي صدمة جيوسياسية مطولة ستؤثر سلبًا على الحالة النفسية التي تُحرك الاستهلاك، والمبيعات. والخوف أيضاً من احتمال امتداد التداعيات إلى باقي أنحاء العالم، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يزيد من توقعات التضخم، ومن ثم العزوف عن الشراء.

من التصاميم التي تم طرحها منذ أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب (سافانا)

ورغم أن الأرقام تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يشكِل سوى 10 في المائة من مبيعات السلع الفاخرة العالمية، فإنه خلال العامين الماضيين كان الأمل الذي اعتمدوا عليه لتعويض تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، والصين، حيث وصفت شركة الأبحاث «باين أند كومباني» المنطقة بأنها الأفضل أداء في قطع السلع الفاخرة خلال العام الماضي مقارنة بغيرها من الأسواق.

هذا الانتعاش جعلهم يتوسعون في مدن مثل دبي، وأبوظبي، والرياض، والدوحة، جعلوها مراكز شبه رئيسة. ولم لا، والمنطقة كانت حتى الأمس القريب بالنسبة لهم نموذجاً يُحتذى به للاستقرار السياسي تجذب المقيمين الأجانب، والسياح من ذوي الإمكانيات العالية.

بحسب محللين يعتمد قطاع السلع الفاخرة بدرجة كبيرة على ثقة المستهلك وتفاؤله بشأن المستقبل (إ.ب.أ)

التحديات الاقتصادية

منذ بدء التصعيد تزعزعت الأسواق، وتراجعت أسهم شركات كبرى، منها مجموعات ضخمة، مثل «إل في إم إتش» و«كيرينيغ» و«ريشمون». وإذا استمر الوضع على ما هو عليه من شلل، فإن مئات الملايين من الدولارات قد تكون عرضة للخطر. مجموعة «شلهوب» التي تدير نحو 900 متجر لعلامات من بينها «فرساتشي» و«جيمي شو» و«سيفورا» وغيرها، سارعت إلى إغلاق متاجرها في البحرين، بينما أبقت أسواقاً أخرى مثل الإمارات، والسعودية، والأردن مفتوحة بعدد محدود من الموظفين المتطوعين. بدورها أغلقت «كيرينغ» متاجرها مؤقتاً في الإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، إضافة إلى تعليق السفر إلى المنطقة. كما أظهرت بيانات أن متاجر «أبل» في دبي أُغلقت وكذلك محلات «إتش أند إم» في البحرين حتى إشعار آخر. من جهتها أعلنت «بريمارك» أنها تتابع الوضع بقلق في وقت كانت تستعد فيه لافتتاح أول متجر لها في دبي ضمن خطة توسع تشمل البحرين وقطر لاحقاً.

إغلاق الأجواء الجوية له تأثير مباشر على الموضة من ناحية المبيعات واللوجيستيات (رويترز)

بين المخاطر والفرص

ورغم أن بعض العلامات قد تراهن على القنوات الرقمية لتعويض جزء من تراجع الإقبال على المتاجر، كما كان عليه الأمر في زمن جائحة كورونا، فإن الأمر أكثر تعقيداً الآن بسبب اضطراب حركة الشحن الجوي، وارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة أمد إجراءات التخليص، أو التوصيل في حال انفتاح الأجواء الجوية. كل هذه العوامل لها تأثير سلبي على سرعة التسليم التي تعد عنصراً أساسياً في تجربة التسوق. كما لا ننسى أن أي قيود أمنية، أو لوجيستية داخل المدن قد تُعقِد عمليات التوزيع المحلية.

ومع ذلك إذا نظرنا إلى هذا المشهد المليء بالتحديات وكأنه فنجان نصف ممتلئ، فإننا يمكن أن نأمل أن يتحول إلى فرصة ذهبية للمصممين المحليين، والعلامات الأصغر في الشرق الأوسط. فحين تتوقف أو تقل فعاليات المتاجر العالمية الكبرى، ويصبح الوصول إلى منتجاتها محدوداً أو باهظ الثمن بسبب صعوبة اللوجيستيات، يبرز أمام المستهلك المحلي على أنه خيار جديد يتمثل في دعم المصممين من أبناء البلد. لكن على شرط أن يقدموا لهم منتجات في متناول اليد، وبتصاميم تلائم الذوق الخليجي، وبالتالي كل ما قد يحتاجونه لحجز مساحة في سوق مزدحمة بالمنتجات هو بعض المرونة، والابتكار لكسب الثقة.


مقالات ذات صلة

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

خاص الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

مثل السيدة كارولينا هيريرا، يرى ويس غوردن أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص عروس دار «ديور» (رويترز)

خاص كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

تغير تصاميم الأعراس لم يأتِ بقرار من المصممين فقط، بل لأن الأعراس نفسها تغيرت، بعد أن خرجت إلى الهواء الطلق

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

تختلف مصادر ثروات زبونات الـ«هوت كوتور» حالياً، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)